الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غدوت عليه غُدوة فوجدته
…
قعودا لديه بالصريم عواذِلُه
ويروى بكرت عليه غُدوة. وقال الأعشى الكبير:
يروح فتى صِدقٍ ويغدو
…
عليهم بمِلء جفان من سَديفِ يُدفق
يغدو عليه ويروح: أي بكرة وعشياً بجفان مملوؤة من شحم السنام يتدفق من غير انقطاع والغدو على الضيوف بالجفان ليس فيه معنى الغارة ولا معنى الاستعلاء، وفي الحديث:" فغدا علينا حين أصبح ". فأي غارة في معنى الغدو في هذه الشواهد؟! وفي معجم الأفعال المتعدية بحرف غدا يغدو
غدواً وغدوانا عليه: بكر ثم كثُر في الذهاب والانطلاق.
* * *
قَالَ تَعَالَى:
(فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ)
(4).
قال أبو حيان: قرأ الجمهور فاستغاثه أي طلب غوثه ونصره على القبطي وقرأ سيبويه والزعفراني بالعين المهملة والعون أي طلب الإعانة منه على القبطي.
قال البروسوي: أي سأله أن يغيثه بالإعانة ولذلك عُدي بـ (على). وقال الآلوسي: ولتضمين الفعل معنى النصر عُدي بـ (على) وُيؤيده قوله تعالى: (اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ) ويجوز أن تكون تعديته بـ (على) لتضمينه معنى الإعانة ويؤيده أنه قُرئ: استعانه بالعين المهملة.
اقول: لا تضمين في القراءة الشاذة لأن الإعانة تتعدى بـ (على) وأما في
قراءة الجمهور فقد تضمنت الاستغاثة معنى النُصْرة كما ذكر الآلوسي، ونصر يتعدى بـ (على):(رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ)(فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، ويؤيده قوله تعالى:(فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ). وهكذا يكون للسياق دوره في إيضاح المعنى فترفقْ به يُمطِك كاهله. بقي سؤال: لم استبدل العليم الاستغاثة بالنصرة؟ إنها الاستغاثة بموسى عليه السلام: واغواثاه
…
واغواثاه
…
في الموقف العصيب.
فلو أغاثه على الذي من عدوه فكأنما نصره عليه. فجمعت (على) هذه المعنيين من وراء التضمين: الإغاثة والنصرة، وكانت أشد ملامحة لغرضه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)(3).
وقال: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ)(4).
ذكر الزركشي والجمل: (الباء) بمعنى (في). وقال الماوردي: وهو الوقت الذي أخر يعقوب الاستغفار لبنية حتى استغفر لهم فيه أي جعل الباء بمعنى (في).
أقول: ولعل تضمين (استغفر) معنى (جار) أو (تهجد) أو
(رفَّ) والمتعدي بالباء أولى من تعاور الحروف. إنهم أيقاظ في جنح الليل متهجدون بالأسحار متوجهون إلى ربهم بالاستغفار والاسترحام لا يهجعون تخف بهم مكابدة السهر نشِطوا للقيام .... فهم يجأرون بأصفى الأوقات وأقربها إلى المولى عز وجل يطلبون قضاء الحاجات من محو الذنوب وستر العيوب وشفاء القلوب. فالأسحار حصون التائبين والمتهجدين، وملاذ المستغفرين وملجأ المنيبن، يلحون بالدعاء، فإن اللَّه ينزل عند السحر إلى السماء الدنيا يقول: هل من مستغفر فأغفر له. ويبقى الحرف في وحي التضمين كالسراج المنير، من أبطله بحجة التناوب والتعاور فقد أطفأ نوره وطمس بيانه، ومن محاسنه أنه جمع بوحي هذه الباء إلى الاستغفار التهجد للضراعة والاستغاثة. فإن أنت تأملته أعطاك مقادته وجلى عليك محاسنه، وإن تناكرته سدَدْت عليك باب الحُظْوة به، أما العلاقة بين الجؤار والاستغفار فجدّ وثيقة .. الاستغفار رجوع إلى السلامة، لدى محو السيئات، وعلاج الآفات، وزوال الكربات وفي هذا الرجوع أية فرحة
…
إنها رفيف المني .. والغيث المغيث .. فيها ذلة وضراعة وابتهال
…
* * *