الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ويعلي قدره ويجاهد من أجله فاللَّه يريد أن يتم النصر على أيديكم أيها المؤمنون حين تفرُغُ نفوسكم من أعراض الدنيا وزخارفها ولم يعد في قلوبكم ما يشغَلُها عن رضوان الله.
وإذا سأل سائل ما العلاقة بين (انتصر) و (أصاب ونقم)؟ فأقول: أليس إهلاك أعداء اللَّه نصراً لأولياء اللَّه وأحبابه؟ والسؤال الآخر: لم فضل (انتصر) على (نقم أو أصاب)؟ والجواب: إن الانتصار يحتاج إلى مجاهدة ومصابرة وفيه ابتلاء واختبار وفتنة ولا شيء من ذلك في الانتقام والإصابة والاستئصال. ثم إن الانتصار أوقع في النفس من الإصابة وأذهب في الدلالة على القصد. فإن شئت أن تبحث عن أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز في اختيار حروف المعاني فلاطف النظر فيها فأفعالها تحتاج إلى فضل بيان، لتسمحَ لك بكل متأبٍّ عليك.
* * *
قَالَ تَعَالَى:
(وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ)
.
ذكر السيوطي والزركشي: (مِنْ) بمعنى (على). وأضاف أنه يضمن معنى: منعناه منهم بالنصر.
قَال تعالى: (وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ).
وقال المرادي: على القوم: كذا قال الأخفش: والأحسن أن يضمن
الفعل معنى (منعناه بالنصر) من القوم: ضمن (ينصر) معنى (يجير ويمنع) وعُدِّي بـ (مِن) لتضمنه معنى نجيناه بـ نصرناه وعصمناه ومنعناه.
وقال أستاذنا سعيد الأفغاني: أجرناه.
وذكر أبو حيان والعكبري: عدي نصرناه بـ (مِن) لتضمنه معنى نجيناه بـ نصرنا أو عصمناه ومنعناه. وقال أبو عبيدة: (مِنْ) بمعنى (على).
وقال الزمخشري: ونصرناه هو نصر الذي مطاوعه انتصر، وسمعت هذليا يدعو على سارق: اللهم انصرهم منه: أي اجعلهم منتصرين منه.
وروى الآلوسي: نصرناه من: أي حميناه منهم بإهلاكهم وتخليصه.
وقيل: أي نصرناه عليهم ف (مِنْ) بمعنى (على). وقال بعضهم: إن النصر يتعدى بـ (على) و (مِنْ). ففي أساس البلاغة نصره اللَّه تعالى على عدوه ونصره من عدوه وفرق بينهما: بأن المتعدي بـ (على) يدل على مجرد الإعانة والمتعدي بـ (مِن) يدل على استتباع ذلك للانتقام من العدو والانتصار.
وروى الجمل: نصرناه ضمن معنى (المنع) فعدي بمن.
أقول: الأولى أن تبقى (مِنْ) على أصلها و (نصر) تضمن معنى (نجى وعصم ومنع وأجار). ونجاته من أيديهم نصر كبير له ولدعوته ودينه.
ومن سنن الكون التي لا تتخلف أن يغلب الحق باطلهم. وأن يُهلك اللَّه
الظالمين ويُنجي رسله وعباده المؤمنين قَالَ تَعَالَى: (فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) وما توهمه بعض النحاة من تضمين الحروف فللمعربين آراء على خلاف الصواب. ولهذه اللغة أصول إن خفيت عن البعض فقد تنكشف لآخرين من ذوي التحصيل على وجه تقبله دواعي النظر وكما قال سيبويه: فما خفي عنا فلا تخفَّ إلى نقضه بل نتهم نظرنا فيه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).
ذكر الزركشي وابن هشام والهروي والأشموني والموزعي والرماني: (عن) بمعنى (الباء).
وقال الزمخشري: وليس بمنطق يصدر عن هواه ورأيه.
وذكر الجمل: (عن) على بابها متعلق بـ ينطق مع نوع تضمين أي: وما يصدر نطقه عن هوى نفسه.
وذكر القرطبي: قال قتادة: وما ينطق عن هواه، وقيل: عن الهوى أي بالهوى، قاله أبو عبيدة كقوله تعالى:(فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) أي عنه.
قال النحاس؛ قول قتادة أوْلى وتكون (عن) على بابها أي ما يخرج نطقه عن رأيه وإنما هو بوحي من الله. وحكى الآلوسي: والنطق مضمّن معنى (الصدور) فعدي بـ (عَنْ) وقيل: هي بمعنى الباء وليس بذلك.
أقول: النطق هو الكلام وهو لا يتعدى بـ (عَنْ) وتضمين (عن) معنى الباء ليس بشيء وتضمين (نطق) معنى (صدر) كما جاء عند أغلب المفسرين لا يفي بالحاجة، فلا نقول صدر عن الهوى بل لا بد من ضم صدر إلى نطق والتأويل مستكره والأصل في التضمين: اللجوء إلى المستخف، والعدول عن المستثقل، فتضمين (نطق) معنى (أفصح) أخف وألطف وهو يتعدى بـ (عَنْ)، ففي اللسان: أفصح عن الشيء إذا كشفه وبتنه.
والإفصاح أخص من النطق لأنه لا يكون إلا مع البيان ووضوح الدلالة.
وما كان تعدّي نطق بـ (عَنْ) إلا لتخصيص العموم، فالنطق أعم وأسير قال تعالى:(عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ) والإفصاح أخص وأبين في الدلالة على المراد قَالَ تَعَالَى: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا) فجمع التضمين النطق مع الإفصاح حين تعدى بغير حرفه تَحفِّيا بالمعنى وتوصلاً إلى إدراك المطلب. ووجه آخر في صرف المعنى يحتمله السياق: عُدِّي نطق بـ عن حملا على سكت. والعرب قد تحمل الشيء على نقيضه كما تحمله على نظيره فالأصل: وما ينطق بالهوى، فإذا لم ينطق بهواه فقد سكت وإذا سكت عن الهوى فقد نطق بالحق فيما يُبلِّغ عن مولاه، وسكت عن كل وهم باطل.
إنه التضمين، وإنه غَوْر بطين، يحتاج مجتاحه إلى فقاهة في الصنعة ودُربة في وجوه التأويل. هاهو صلوات اللَّه عليه في الأفق الوضئ المرفرف بأجنحة النور في الملأ العلوي فهل يُفصح عن هوى نفس؟ إنما يفصح عن الحق وقوله الحق لأنه يتلقى من الحق.