الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
للتعامل بين الأبناء والآباء، والتلميح بالوصاة يغني عن التصريح وهو السؤال والاستعطاء والطلب.
فالإلزام يخرج عن الأريحية والطوعية إلى القسرية، واللَّه يريد أن يصدر الإحسان من ذات الإنسان راغبا غير مجبر ليحقق الأهداف التربوية المنشودة من وراء الوصاة. وفي هذا تكريم للأبناء أي تكريم.
* * *
قَالَ تَعَالَى:
(وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ)
.
الوعظ: زجر مقترن بتخويف. وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب.
وذكر العز بن عبد السلام: أي يؤمرون. وروى أبو حيان: قيل الوعظ بمعنى الأمر أي فعلوا ما يؤمرون به فانتهوا عما نهوا عنه. وقال في ري الظمآن: ولو فعلوا ما يوصَوْن به.
وذكر الرازي: لو شددنا التكليف على الناس نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلون، وحينئذٍ يظهر كفرهم وعنادهم، فلما لم نفعل بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة فلْيقبلوها.
وقال الآلوسي: يوعظون به أي يؤمرون به مقرون بالوعد والوعيد من متابعة الرسول والانقياد إلى حكمه.
أقول: (وعظ) لا يتعدى بالباء فماذا تضمَّن حين دخلت عليه؟ العون والتثبيت والأجر العظيم مّمن؟ من اللَّه .. ولمن؟ للذي ينهض بالتكاليف فلا يستهتر ولا يتسهين، مع العزيمة وإخلاص النية، والشروع فيما افترضه عليه مولاه في حدود قدرته وطاقته.
تضمن (الوعظ) إذاً في سياق الآية معنى (التكليف) ولعله أسدُّ من الأمر. هذه التكاليف: عزائم ورخص. والأصل في التكليف العزيمة، والرخصة طارئة عليه. فمن عمد إلى جمع الرخص ليقول: إن الدين يسر، يتملق بذلك رضى المنحلين أو الطغاة أو الحاقدين فيستهتر ويستهين. فالدين ليس كذلك، ولكنه رخص وعزائم في حدود طاقة البشر (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) وما جاءت الباء مع الفعل (وعظ) إلا لتضم إلى المواعظ التكاليف عن طريق التضمين وتنفي عن الدين أن يكون مجرد مواعظ تُرقق القلب وتذكر بالخير وتستنيم إلى الواقع، الواقع المنحل والفطر المتبلدة، فاللَّه الذي كلفهم أعلم بقدراتهم. ثم سياق الآية يوضح الرؤية ويتمم المعنى، فمجرد أنه فعل أي بدأ بما كُلف به، يتبعه العون من الله، ويتبعه التثبيت على المضي فيما أخذ به نفسه، ويستتبع الأجر العظيم من الله، وتتبعه الهداية إلى صراط اللَّه المستقيم. ولعل في اختيار لفظ (الوعظ) بدلا من (التكليف) دلالة على تكريم الإنسان ثم وروده بصيغة المضارع بدلا من الأمر
مع مجيء (لو) كان ذلك كله لإفادة (الحث). فالذي ينطلق للعمل عن طواعية ولمجرد سماعه للموعظة، أرقى درجة، وأسمى مكانة من الذي يعمل بتوجيهٍ من التكليف والأمر والقسر.
فارعَ هذه الحروف حق رعايتها. ولاطفْها ولا تجفُ عنها. وافزع إليها إذا وقعت في إلباس من أقوال بعض المعربين، يجتلِ التضمين عن جوهرها.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ).
قال العز: أي جمعت لوقت، فضمن (وقت) معنى (جمع) لإفادة المعنيين.
وقال مجاهد والزجاج: التوقيت هو تبيين الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم.
وقال الزمخشري: قرئ (أقتت) ووقتت بالتشديد والتخفيف فيهما، والأصل الواو ومعنى توقيت الرسل: تبيين وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم.
وذكر القرطبي: أي جمعت لوقتها ليوم القيامة فالمعنى جعل لها وقتا وأجلا للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم. وقيل: أقتت: وعدت وأجلت.
وقيل: أرسلت بضم الهمزة بأوقات معلومة على ما علمه اللَّه وأراد. وعن الحسن: (ووقتت) بواوين وهو (فوعلت) من الوقت أيضا مثل: عوهدت.
وقرأ يحيى وأيوب وخالد: أقتت بالهمزة والتخفيف ومثله قال أبو حيان.
وقال البيضاوي: بلغت ميقاتها الذي كانت تنتظره.
أقول: صفارات الإنذار من الواحد القهار تهز المشاعر بهول النجوم وقد طمست، والسماء قد تشققت، والجبال قد نسفت
…
إنه الهول الهائل والجلال المائل في مجلس الفصل، بمحضر من الرسل وقد تقدموا إلى الجليل في موعد مضروب وجدول مبرمج لعرض ما لديهم من حصيلة رسالاتهم إلى أممهم على تعاقب الأجيال. فالتوقيت هو الوقت المضروب لكل منهم في الجدول المعد لبرنامج ذلك اليوم العصيب.
فتضمين (أقتت) معنى (أحينت) أي حان لهم بلوغ موعدها أنور وأوضح من إلباسها معنى جمعت ووعدت وأجلت وأرسلت
…
فقد حان للرسل أن يبلغوا ما أرجئوا من أجله. ويبقى حال التضمين موكلا إلى ملاطفة التأول لرقة حواشيه.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ).
قال ابن عباس: وكيل: شهيد. وذكر الزمخشري: الوكيل الذي وكل إليه الأمر، ولما استعمل في موضع الشاهد والمهيمن والمقيت عدِّي بـ (على) لذلك.
ونقل أبو حيان: عن قتادة: (وكيل) حفيظ وقال ابن الشجرة: رقيب.
أما أبو حيان فقال: الوكيل: الشاهد فتعدى بـ (على).
وذكر الجلالين: حفيظ أو شهيد. وفي لسان العرب: الوكيل: الكفيل.
أقول: (وكل) الذي يتعدى بـ (إلى) تعدى هنا بـ (على) فماذا تضمن؟ لقد جمع التضمين مع الشهادة معنى (الوكالة) القائمة بين شعيب وبين موسى عليهما السلام في عقد الزواج. فقد وقع موسى العقد بعد أن رضي بالعرض - يؤجر نفسه ثماني حجج - أو يتم العشر. ولا بد لصحة العقد بين المتعاقدين من شاهد يشهد على إبرامه ووكيل يكل إليه أمره. وجاء التضمين من وراء (على) ليجمع مع الوكالة إليه الشهادةَ عليه فلو قال: واللَّه على ما نقول شهيد لاحتجنا إلى وكيل، ولو جاء الوكيل متعديا بـ (إلى) لاحتجنا إلى شهيد. فتعدية الوكيل بـ (على) جمعت الحسنيين فاللَّه سبحانه وكيل وشهيد وكفى باللَّه شهيدا وكفى باللَّه وكيلا. وهذا موضع شريف تأنق لحسن الصنعة فيه وتعجب منه، وأكثر الناس يغفُلُ عنه لغموضه ولطفه، موضع نحتاج فيه إلى فضل تأمل لتحلى النفس بمعرفة السبب الذي كان له ومن أجله، فتستضيءُ به من غموض وتستمد التنبه على أسبابه لمعالب تستبين.
وتبقى حروف المعاني حباتِ جمانٍ في العقد النظيم لهذه اللغة الشريفة تشهد على إعجازها، ولُطف متسربها، فلم تأتِ الشهادة مصرحا بذكرها مكشوفا عنها، بل مدلولا عليها بالحرف، فنالت من شرف الإعجاز ما لا يكون لها لو صرحنا بها.
* * *
قَالَ تَعَالَى: (فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ).
في لسان العرب: الولاية معناها العزة والنُصرة والمَنعة.
وذكر الجلالين: الباء بمعنى مع جنوده لأنهم له كالركن. وتولى معنى أعرض.
وروى الطبري: معناها أدبر بقومه من جنده وأصحابه أي مع قومه.
وقال قتادة: غلب على قومه. وقال مجاهد: بعضده وأصحابه.
وقال الزمخشري: فازور وأعرض ونأى بجانبه. ومثله أبو حيان.
وقال البروسوي: ثنى عِطفه فأعرض عن الإيمان به وازور.
وذكر الآلوسي: فأعرض عن الإيمان بموسى، على أن ركنه جانب
بدنه وعطفه. والتولي: كناية عن الإعراض والباء للتعدية لأنه ثنى عِطفه، أو للملابسة أو المصاحبة. وكونها للسببية غير وجيه. وقيل: تولى بقوته.
أقول: من معاني صيغة (تفعَّل) الاتخاذ ومعناها هنا اتخذ وليا أي ناصرا ومعينا وعاصما. وعليه يكون (تولى) متضمَّنا معنى (اعتصم) بركنه.
وركن فرعون: جنوده وأصحابه وقومه وقوته كما مرّ وليس هو جانب البدن والعطف، فرعون إذاً يعتصم بقومه وقوته وجنده متهماً موسى بالسحر والجنون.
فرعون الطاغية في جنده وجبروته يأتيه موسى بحجته الساطعة وبرهانه القاطع
وهيبته المستمدة من ربه
…
ماذا يكون موقف الطاغية؟ تولى بركنه. فهل نقول في مثل هذا الموقف العصيب: أدبر وأعرض وازورَّ كما ذكر بعض المفسرين ووَدَعَ موسى لشأنه. أم نقول: تمسك بجبروته واعتصم بقوة جنده وسلطانه وتبع موسى ليقضي عليه فكان من أمره ما كان؟ إن عَزَّ المسلك للوصول إلى المطلوب، فترسَّمْ في السياق السبيل. لقد كانت نتيجة الموقف النبذ باليم والغرق
…
إنها نتيجة الطغيان والاعتزاز بالقوة والسلطان.
فهل يبقى بعد هذا مقالة لقائل: الباء بمعنى مع أو هي للتعدية أو السببية أو
…
؟! ثم لم قال (تولى) بدل (اعتصم)؟ لعل التولي أكشف عن نفسية فرعون وما فيه من معنى العزة والمنعة.
وكشف توليه عن كبريائه وصلَفه. أما الاعتصام ففيه من معنى الاستعانة بالآخرين ودخوله في عصمتهم ما يكشف عن ضعف المعتصم واستخزائه.
ولا يكشف عن معنى اللفظ إلا سياقه بالتأتي ولطف الصنعة. جاءت الباء إذاً تعريضا بغرض التولي وإيماءً إلى الاعتصام من وجه لا يفطن له إلا صاحب صنعة، فإن وجدت منصرفا في اللفظ تستعين به على فهم الغرض، ووجها تسلك فيه لتحديد المطلب، وشِعاباً تظفر بمرقوم منها، تجتني من ورائها ثمرات، فبادر، فإن كتاب اللَّه لا تنقضي عجائبه.
* * *
قَال تعالى: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا).
قال القرطبي: بيَّناه بلسانك، وقيل: أنزلناه بلسان العرب ليسهل عليهم فهمه.
وذكر الجمل: أنزلناه ميسرا بلسانك.
وذكر الآلوسي: الباء بمعنى على، أو الباء على أصله وهو الإلصاق لتضمين يسرنا معنى أنزلنا. أي يسرناه منزلين له بلغتك.
وقال الزمخشري: أنزلناه أي بِلُغَتِكَ وسهلناه وفصلناه.
أقول: إن اللَّه مدح كتابه فقال: (عَرَبِيٌّ مُبِينٌ) وقال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) لأن مدار الأمر على البيان والتبيين والإفهام والتفهيم، وكلما كان اللسان أبين كان أحمد رغبة منه في غاية الإفصاح بالحجة، والمبالغة في وضوح الدلالة، لتكون العقول عنه أفهم، والنفوس إليه أسرع، وذكر خلابة ألسنتهم واستمالتهم الأسماع لحسن منطقهم فقال:(وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا) فالتضمين جرى في فعل (يسَّر) في معنى (بيَّن وأسهل) وهو يتعدى بالباء فإنما أسهلناه بلسانك
أي أسهلنا لسانك بهذه اللغة الشريفة تيسيرا على الناس لمعرفته وحفظه وصرفا عن الحزونة فلا يشق عليهم فهمه وبيانه. والغرض من التضمين أن يضم المعنيين: التيسير مع التبيين والتسهيل ليفيدهما جميعا، فلولا التضمين لما أسرع الخاطر لإلطاف النظر في هذه الباء التي أرابتنا في دخولها على فعل لا يتعدى بها. أما تضمين (يسرناه) معنى (أنزلناه)، فما علاقة التيسير بالإنزال؟ فتفطَّن لأسرار الحروف في هذه اللغة الشريفة والتي لا يكاد يحاط بها لتُسلم لعظمة (ذَلِكَ الْكِتَابُ) المستولي على الفضل، والحائز جميع أسباب البلاغة والنبل، متى ظفرت بصفاء القريحة وسلامة الذوق وصحة الطبع وامتلاك الأداة.