الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما ذكر الماوردي - لا يسمى إلا إحسانا ومنة ونعمة، وهذا ليس من باب التعاون في شيء إلا من حيث الأثر والفائدة للمحسن إليه والمنعم عليه.
كما أن من يستعين ولا يعين قد رضي لنفسه أن يكون عالة على غيره، وجعل حياته مبنية على السؤال والطلب والتطلع إلى ما في أيدي الناس.
وأما من لا يعين ولا يستعين فتصور وجوده في بني الإنسان بعيد، على نحو ما سبق في المقدمة من تقرير أن التعاون ضرورة إنسانية. فالإنسان لا يستغني عن أخيه الإنسان، كما قضى الله عز وجل في سننه.
ميادين التعاون:
الأصل في هذا قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (1) وعليه فسوف يكون الحديث في هذه الفقرة عن مفهومي البر والتقوى، ثم استعراض تفصيلي لجملة من مجالات التعاون حسب ما تعنيه شريعة الإسلام من شمول وكمال.
وينبغي أن يفهم أن هذا التفصيل لا يخرجنا عن المقصود في الحديث عن الدعوة والدعاة، فكل هذه الميادين مفتوحة فسيحة أمام الدعاة، بل هم أحق بها وأهلها، كما سوف يتبين إن شاء الله.
(1) سورة المائدة الآية 2
البر والتقوى:
البر والتقوى كلمتان جامعتان تجمعان خصال الخير بالكلية، بل تفسر إحداهما الأخرى.
فالبر هو الكمال المطلوب من الشيء والمنافع التي فيه والخير الذي يتضمنه (1).
والتقوى في حقيقتها العمل بطاعة الله إيمانا واحتسابا، أمرا ونهيا. يقول طلق بن حبيب: إذا وقعت الفتنة فأطفئوها بالتقوى. قالوا: وما التقوى؟ قال: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.
ويعلق على ذلك ابن القيم رحمه الله فيقول: وهذا من أجمع المعاني، فإن كل عمل لا بد له من مبدأ وغاية، فلا يكون العمل طاعة وقربة حتى يكون مصدره عن الإيمان، فيكون الباعث عليه الإيمان المحض، لا العادة والهوى، ولا طلب المحمدة والجاه، ولا غير ذلك، بل لا بد أن يكون مبدؤه محض الإيمان، وغايته ثواب الله وابتغاء مرضاته، وهو الاحتساب (2).
ولعل داود لحظ هذا المعنى حين قال في وصيته: " اصحب أهل التقوى، فإنهم أيسر أهل الدنيا عليك مؤونة، وأكثرهم لك معونة "(3).
(1) بدائع التفسير ج (2) ص (93، 94) بتصرف.
(2)
بدائع التفسير ج (2) ص (96).
(3)
انظر الإخوان لابن أبي الدنيا (124).
ويكفي لطالب العلم والدعوة برهانا ودلالة وإيجازا هذه الآية العظيمة التي جمعت بين البر والتقوى، وعرفت أحدهما بالآخر، ودلت على المفردات والأصول لهاتين الكلمتين العظيمتين، إنها قوله تعالى:{لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} (1).
فالبر كما ترى شمل الدين كله، بعقائده وأحكامه، وأصوله وفروعه، وسلوكياته وعباداته، حقائق وشرائع، وقلوبا وجوارح. فمن حقق ذلك على وجهه فهو الصادق المتقي. ولكنه لا يتحقق على وجه إلا بالتعاون؛ ذلك أن التعاون عليهما - البر والتقوى - يكسب محبة تحصيلهما، ومن ثم يصير تحصيلهما رغبة للجميع. وفي التعاون تيسير العمل، وتحقيق المصالح وتوفيرها، وإظهار الاتحاد والتناصر، حتى يصبح ذلك خلقا للأمة (2).
استعراض تفصيلي لميادين التعاون:
لقد أقام الإسلام التعاون بين المسلمين على أساس محكم، ومد له في كل ناحية من نواحي الحياة بسبب. فالتمثيل القرآني
(1) سورة البقرة الآية 177
(2)
التحرير والتنوير ج (6) ص (87، 88).
لأهل الإيمان أنهم كالبنيان المرصوص، وفي التمثيل النبوي كالجسد الواحد. فأمور الإسلام ومطلوباته لا تتحقق على وجهها إلا بالتعاون. ودين الله بنيان شامخ لا يقوم ولا يثبت إلا حين تتراص لبناته وتتضامن مبانيه لتسد كل لبنة ثغرتها.
وإذا كان الله سبحانه قد خلق الخلق لعبادته وطاعته فإن هذه العبادات والطاعات أنواع: قلبية عقلية كالإيمان، وبدنية كالصلاة، ومالية كالزكاة، ومركبة من البدن والمال كالحج والجهاد.
وكل هذه العبادات بأنواعها لا تقام ولا تشاد إلا بوسائلها: من صحة الفكر، وسلامة البدن، وسعة ذات اليد. ولهذه الوسائل وسائل: من التفقه في الدين، والإحسان في الأعمال؛ من زراعة وصناعة وحرف، وإتقان في العلوم والمعارف؛ من الطب والحساب والهندسة والمعامل والمختبرات. ومن المقطوع به - كما سبق - أن الإنسان بمفرده بل حتى الرهط من الناس والجماعة المحدودة من القوم لا تستطيع بهذه الوسائل الانفراد بتحقيق هذه المقاصد. ومنه يتبين حاجة الناس إلى الاجتماع والتآزر، فذلك ما تقتضيه الفطرة، ويتطلبه الدين، وتنتظم به الشؤون، وتستقيم به العلوم.
وهذا بعض البسط لصور من التعاون في أحكام الإسلام وآدابه، وإذا استجلاها رجل الدعوة عرف ضرورة التعاون وحاجته إليه في ميدانه ومجاله.
فالصلوات الخمس جماعة وجمعة، وصلاة العيدين وآدابهما، والحج بشعائره، وعقد النكاح بوليمته وآدابه، وعقيقة المولود، وإجابة الدعوى حتى للصائم، كلها مناشط عبادية اجتماعية تعاونية،
ولا تكون صورتها الشرعية إلا كذلك.
وينضم إلى اجتماع الأعياد اجتماع الشدائد والكرب في صلوات الاستسقاء والكسوف والجنازة.
إنه انتظام عجيب بين أهل الإسلام في مواطن السرور والحزن، ناهيك بصورة الأخوة، ومبدأ الشورى، وحقوق المسلمين فيما بينهم؛ في القربى والجوار والضيف وابن السبيل واليتامى والمساكين، مع ما يحيط بذلك من سياج الآداب الاجتماعية؛ من إفشاء السلام، وفسح المجالس، ودمح الزلة، مما بسطه قانون الأخلاق في الإسلام، مما سيأتي إشارة منه في الصفات الشخصية المؤثرة في التعاون.
أما أنواع المعاملات والتعاملات فذلك جلي في عقود المضاربة والعارية والهبة والمهاداة وفرض الدية على العاقلة.
وثمة صور من المعاونات في كف الظلم، ونصرة المظلوم، ودفع الصائل بسلاح أو مال. بل هل يقوم الجهاد، وتقام الحدود، وتستوفى الحقوق، ويقوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالتعاون والتآزر (1).
وهناك التعاون بالرأي، بما يدل على الحق، ويخرج من الحيرة، وينقذ من المأزق والهلكة، في النصيحة والمشاورة، وقد يكون تعاونا بالجاه؛ من الشفاعة لذي الحاجة عند من يملك قضاءها (2).
(1) تفسير القاسمي ج (6) ص (25).
(2)
رسائل الإصلاح ج (1) ص (155، 156، 171) بتصرف.