الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فهذا إخبار منه سبحانه بأنه رحيم بعباده، لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة والتوبة، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه على نفسه فهو موضوع عنده: إن رحمتي تغلب غضبي (1)» . وإذا كان الأمر كذلك وأن الله تعالى قد فرض التوبة على عباده وأوجبها عليهم قبل أن يظلهم الموت، أو أن تنزل عليهم آثاره، فما هي شروط التوبة؟
(1) الحديث أخرجه البخاري في التوحيد 55، وبدء الخلق 1، ومسلم في التوبة 14، 16، وابن ماجه في الزهد 35، وأحمد بن حنبل 2/ 242، 258، 260
الشروط الواجب توافرها للتوبة:
اتفق العلماء على أن الذنب الذي يريد أن يقلع عنه العبد ويتوب منه هو ما بينه وبين ربه، فيشترط لذلك شروط ثلاثة:
الأول: الندم على ما سلف منه في الماضي.
والندم والندامة التحسر قال تعالى: {فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ} (1)، وقال تعالى:{وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ} (2).
يندم هؤلاء عندما يجيء أمر الله، يندم أولئك الذين في قلوبهم مرض على المسارعة والاجتهاد فيما يغضب الله تعالى، وعلى النفاق الذي انكشف أمره، عندئذ يندمون، ولا ينفعهم
(1) سورة المائدة الآية 52
(2)
سورة سبأ الآية 33
الندم، ولا ينجيهم من هذا الهول إلا العودة إلى الله تعالى، تائبين آيبين مقرين بذنوبهم.
الثاني: الرجوع والإقلاع عنه في الحال.
يقال: رجعت عن كذا رجعا، ورجعت الجواب، نحو قوله تعالى:{فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ} (1). وقد جاء الرجوع بمعنى محاسبة النفس والرجوع إليها، قال تعالى:{فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} (2)، وبمعنى التوبة، قال تعالى:{وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (3) وظلت العناية الإلهية تواليهم بالابتلاءات، تارة بالنعماء، وتارة بالبأساء، لعلهم يرجعون إلى ربهم، ويثوبون إلى رشدهم ويستقيمون على طريقهم.
أما عن الإقلاع في الحال على طريق الفورية، فهذا كان نهج المسلمين الأول، يتلقون الأوامر عن طريق الوحي المتتابع فتعيه قلوبهم، وتنفذه جوارحهم، من ذلك عندما نزل قول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (4).
يقول أنس بن مالك: كنا نشرب الخمر وبعضنا شربته في
(1) سورة التوبة الآية 83
(2)
سورة الأنبياء الآية 64
(3)
سورة الأعراف الآية 168
(4)
سورة المائدة الآية 90
يده، والبعض الآخر رفعها إلى فمه، فسمعنا منادي الرسول صلى الله عليه وسلم: ألا إن الخمر قد حرمت، فكسرنا الدنان وأريقت الخمر، حتى جرت في سكك المدينة، وتوضأ بعضنا، واغتسل البعض الآخر، وذهبنا إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ونحن نردد " انتهينا انتهينا "(1).
إجابة فورية، وإقلاع عما كانوا عليه من الحلال عندما تحول إلى حرام.
الثالث: العزم على ألا يعاوده في المستقبل.
والعزم والعزيمة عقد القلب على إمضاء الأمر، يقال عزمت الأمر وعزمت عليه واعتزمت، قال تعالى:{فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} (2)، وقال أيضا:{فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (3)، وقال أيضا:{وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا} (4) أي: محافظة على ما أمر به، وعزيمة على القيام بالتكاليف، ويرى النقاش: أن العزم والحزم واحد، والحاء مبدلة من العين، وقال ابن عطية: وهذا خطأ فالحزم جودة النظر في الأمر وتنقيحه والحذر من الخطأ فيه، والعزم قصد الإمضاء، والعرب تقول:" قد أحزم لو أعزم "، يقول: أعرف وجه الحزم، فإن عزمت فأمضيت الرأي فأنا حازم، وإن تركت الصواب وأنا أراه وضيعت العزم لم ينفعني الحزم.
(1) راجع تفسير القرطبي، 6/ 292
(2)
سورة آل عمران الآية 159
(3)
سورة آل عمران الآية 186
(4)
سورة طه الآية 115
هذه هي الشروط الثلاثة للتوبة، إذا كان الذنب والمعصية التي يريد التوبة منها بينه وبين ربه، أما إذا كانت المعصية تتعلق بحقوق العباد فقد أضاف العلماء شرطا آخر وهو:
الرابع: أن يبرأ من حق صاحبها، فإن كانت مالا أو عقارا رده لصاحبه، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من استطاع منكم أن يكون مثل صاحب فرق الأرز فليكن مثله قالوا: ومن صاحب فرق الأرز يا رسول الله؟
فذكر حديث الغار حين سقط عليهم الجبل، فقال كل واحد منهم، اذكروا أحسن عملكم، قالا، وقال الثالث: اللهم إنك تعلم أني استأجرت أجيرا بفرق أرز، فلما أمسيت عرضت عليه حقه فأبى أن يأخذه وذهب، فثمرته له حتى جمعت له بقرا ورعاءها، فلقيني فقال: أعطني حقي؟ فقلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها فخذها فذهب فاستاقها (1)».
إن حقوق الآخرين، لا تسقط بأي حال من الأحوال إلا إذا تنازل عنها صاحبها، وهناك أحاديث كثيرة، منها قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه يوم القيامة (2)» ، ويوم
(1) الحديث أخرجه البخاري في البيوع، ومسلم في كتاب الذكر حديث 2743 باب قصة أصحاب الغار، وأبو داود في كتاب البيوع حديث 3387
(2)
الحديث أخرجه الترمذي في الديات 21، والبخاري في بدء الخلق (2) ومسلم في كتاب المساقاة 137، 139، وأحمد بن حنبل في المسند 1/ 187، 190، 2/ 387، 432