الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لأن ذلك يحتاج إلى سكناها، وكان الذين فتحوها أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا تحت الشجرة، وكانوا نحو ألف وأربعمائة، وانضم إليهم أهل سفينة جعفر، فهؤلاء هم الذين قسم النبي صلى الله عليه وسلم بينهم أرض خيبر، فلو أقام طائفة من هؤلاء فيها لفلاحتها تعطلت مصالح الدين التي لا يقوم بها غيرهم، فلما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفتحت البلاد وكثر المسلمون استغنوا عن اليهود فأجلوهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال:«نقركم فيها ما شئنا (1)» - وفي رواية - ما أقركم الله وأمر بإجلائهم منها عند موته صلى الله عليه وسلم فقال: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب (2)» .
ولهذا ذهب طائفة من العلماء كمحمد بن جرير الطبري إلى أن الكفار لا يقرون في بلاد المسلمين بالجزية إلا إذا كان المسلمون محتاجين إليهم، فإذا استغنوا عنهم أجلوهم كأهل خيبر، وفي هذه المسألة نزاع ليس هذا موضعه.
والمقصود هنا أن الناس إذا احتاجوا إلى الطحانين والخبازين فهذا على وجهين:
أحدهما: أن يحتاجوا إلى صناعتهم، كالذين يطحنون ويخبزون لأهل البيوت، فهؤلاء يستحقون الأجرة وليس لهم عند الحاجة إليهم أن يطالبوا إلا بأجرة المثل كغيرهم من الصناع.
والثاني: أن يحتاجوا إلى الصنعة والبيع، فيحتاجوا إلى من يشتري الحنطة ويطحنها وإلى من يخبزها ويبيعها خبزا، لحاجة الناس إلى شراء الخبز من الأسواق، فهؤلاء لو مكنوا أن يشتروا حنطة الناس المجلوبة ويبيعوا الدقيق والخبز بما شاءوا مع حاجة الناس إلى تلك الحنطة لكان ذلك ضررا عظيما، فإن هؤلاء تجار تجب عليهم زكاة التجارة عند الأئمة الأربعة وجمهور علماء المسلمين، كما يجب على كل من اشترى شيئا يقصد أن يبيعه بربح، سواء عمل فيه عملا أو لم يعمل، وسواء اشترى طعاما أو ثيابا أوحيوانا، وسواء كان مسافرا ينقل ذلك من بلد إلى بلد، أو كان متربصا به يحبسه إلى وقت النفاق، أو كان مديرا يبيع دائما ويشتري كأهل الحوانيت فهؤلاء كلهم تجب عليهم زكاة التجارة، وإذا وجب عليهم أن يصنعوا الدقيق والخبز لحاجة الناس إلى ذلك ألزموا كما تقدم، أو دخلوا طوعا فيما يحتاج إليه الناس من غير إلزام لواحد منهم بعينه، فعلى التقديرين يسعر عليهم الدقيق والحنطة فلا يبيعوا الحنطة والدقيق إلا بثمن المثل بحيث يربحون الربح بالمعروف من غير إضرار بهم ولا بالناس.
(1) صحيح البخاري المزارعة (2338)، سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3008).
(2)
صحيح مسلم الجهاد والسير (1767)، سنن الترمذي السير (1607)، سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (3030)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 29).
وقد
تنازع العلماء في التسعير
في مسألتين:
إحداهما: إذا كان للناس سعر غالب فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك فإنه يمنع منه في السوق في مذهب مالك.
وهل يمنع النقصان؟
على قولين لهم. وأما الشافعي وأصحاب أحمد كأبي حفص العكبري، والقاضي أبي يعلي،
والشريف أبي جعفر وأبي الخطاب، وابن عقيل وغيرهم فمنعوا من ذلك.
واحتج مالك بما رواه في موطئه عن يونس بن سيف، عن سعيد بن المسيب: أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبا له بالسوق، فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا.
وأجاب الشافعي وموافقوه بما رواه فقال: حدثنا الدراوردي، عن داود بن صالح التمار، عن القاسم بن محمد، عن عمر: أنه مر بحاطب بسوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرهما؟ فسعر له مدين لكل درهم.
فقال له عمر: قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا وهم يعتبرون سعرك.
فإما أن ترفع السعر وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت.
فلما رجع عمر حاسب نفسه، ثم أتى حاطبا في داره فقال: إن الذي قلت لك ليس بمعرفة منى ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع.
قال الشافعي: هذا الحديث مقتضاه ليس بخلاف ما رواه مالك، ولكنه روى بعض الحديث أو رواه عنه من رواه، وهذا أتى بأول الحديث وآخره، وبه أقول، لأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير طيب أنفسهم، إلا في المواضع التي تلزمهم، وهذا ليس منها قلت: وعلى قول مالك قال أبو الوليد الباجي: الذي يؤمر من حط عنه أن يلحق به هو السعر الذي عليه جمهور الناس، فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر أمروا باللحاق بسعر الجمهور، لأن المراعى حال الجمهور، وبه تقوم المبيعات.
وروى ابن القاسم عن مالك لا يقام الناس لخمسة. قال: وعندي أنه يجب أن ينظر في ذلك إلى قدر الأسواق، وهل يقام من زاد في السوق- أي في قدر المبيع- بالدرهم مثلا كما يقام من نقص منه؟ قال أبو الحسن بن القصار المالكي: اختلف أصحابنا في قول مالك، ولكن من حط سعرا، فقال البغداديون: أراد من باع خمسة بدرهم والناس يبيعون ثمانية، وقال قوم من المصريين: أراد من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة. قال: وعندي أن الأمرين جميعا ممنوعان، لأن من باع ثمانية والناس يبيعون خمسة أفسد على أهل السوق بيعهم، فربما أدى إلى الشغب والخصومة ففي منع الجميع مصلحة، قال أبو الوليد: ولا خلاف أن ذلك حكم أهل السوق.
وأما الجالب ففي كتاب محمد: لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون الناس، وقال ابن حبيب: ما عدا القمح والشعير إلا بسعر الناس وإلا رفعوا، قال: وأما جالب القمح والشعير فيبيع كيف شاء إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق، إن أرخص بعضهم تركوا، وإن كثر المرخص قيل لمن
بقي: إما أن تبيعوا كبيعهم وإما أن ترفعوا.
قال ابن حبيب: وهذا في المكيل والموزون مأكولا أو غير مأكول، دون ما لا يكال ولا يوزن لأن غيره لا يمكن تسعيره؛ لعدم التماثل فيه. قال أبو الوليد: يريد إذا كان المكيل والموزون متساويا، فإذا اختلف لم يؤمر بائع الجيد أن يبيعه بسعر الدون.
قلت: والمسألة الثانية التي تنازع فيها العلماء في التسعير: أن يحد لأهل السوق حد لا يتجاوزونه مع قيام الناس بالواجب.
فهذا منع منه جمهور العلماء، حتى مالك نفسه في المشهور عنه، ونقل المنع أيضا عن ابن عمر وسالم والقاسم بن محمد، وذكر أبو الوليد عن سعيد بن المسيب وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وعن يحيى بن سعيد أنهم أرخصوا فيه، ولم يذكر ألفاظهم.
وروى أشهب بن مالك، في صاحب السوق يسعر على الجزارين، لحم الضأن ثلث رطل، ولحم الإبل نصف رطل، وإلا خرجوا من السوق. قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به، ولكن أخاف أن يقوموا من السوق.
واحتج أصحاب هذا القول بأن هذا مصلحة للناس بالمنع من إغلاء السعر عليهم ولا فساد عليهم، قالوا: ولا يجبر الناس على البيع، إنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده ولي الأمر على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري، ولا يمنع البائع ربحا ولا يسوغ له منه ما يضر بالناس.
وأما الجمهور فاحتجوا بما تقدم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وقد رواه أيضا أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة أنه قال:«جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له يا رسول الله، سعر لنا فقال: بل ادع الله ثم جاء رجل فقال رسول الله سعر لنا فقال: بل الله يرفع ويخفض، وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة (1)» .
قالوا: ولأن إجبار الناس على بيع لا يجب، أو منعهم مما يباح شرعا: ظلم لهم، والظلم حرام.
وأما صفة ذلك عند من جوزه، فقال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ويحضر غيرهم استظهارا على صدقهم، فيسألهم: كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟
(1) سنن أبو داود البيوع (3450)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 337).
فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد حتى يرضوا، ولا يجبرون على التسعير، ولكن عن رضا. قال وعلى هذا أجازه من أجازه. قال أبو الوليد: ووجه ذلك أنه بهذا يتوصل إلى معرفة مصالح الباعة والمشترين، ويجعل للباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم، ولا يكون فيه إجحاف بالناس وإذا سعر عليهم من غير رضا بما لا ربح لهم فيه أدى ذلك إلى فساد الأسعار وإخفاء الأقوات وإتلاف أموال الناس.
قلت: فهذا الذي تنازع فيه العلماء.
وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه فهنا يؤمرون بالواجب ويعاقبون على تركه، وكذلك من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع أن يبيع إلا بأكثر منه، فهنا يؤمر بما يجب عليه، ويعاقب على تركه بلا ريب.
ومن منع التسعير مطلقا محتجا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو المسعر القابض الباسط، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال (1)» فقد غلط فإن هذه قضية معينة ليست لفظا عاما، وليس فيها أن أحدا امتنع من بيع يجب عليه أو عمل يجب عليه، أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل.
ومعلوم أن الشيء إذا رغب الناس في المزايدة فيه، فإذا كان صاحبه قد بذله كما جرت به العادة ولكن الناس تزايدوا فيه فهنا لا يسعر عليهم، والمدينة كما ذكرنا إنما كان الطعام الذي يباع فيها غالبا من الجلب، وقد يباع فيها شيء يزرع فيها، وإنما كان يزرع فيها الشعير، فلم يكن البائعون ولا المشترون ناسا معينين، ولم يكن هناك أحد يحتاج الناس إلى عينه أو إلى ماله ليجبر على عمل أو على بيع، بل المسلمون كلهم من جنس واحد، كلهم يجاهدون في سبيل الله ولم يكن من المسلمين البالغين القادرين على الجهاد إلا من يخرج في الغزو، وكل منهم يغزو بنفسه وماله، أو بما يعطاه من الصدقات أو الفيء، أو ما يجهزه به غيره، وكان إكراه البائعين على أن لا يبيعوا سلعهم إلا بثمن معين إكراها بغير حق، وإذا لم يكن يجوز إكراههم على أصل البيع فإكراههم على تقدير الثمن كذلك لا يجوز.
وأما من تعين عليه أن يبيع فكالذي كان النبي صلى الله عليه وسلم قدر له الثمن الذي يبيع به ويسعر عليه، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط، (2)» فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد فهذا لما وجب عليه أن يملك شريكه عتق نصيبه الذي لم يعتقه ليكمل الحرية في العبد قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل لا وكس ولا شطط، ويعطي قسطه من القسمة، فإن حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند جماهير العلماء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد، ولهذا قال هؤلاء: كل ما لا يمكن قسمه فإنه يباع ويقسم ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك ويجبر الممتنع على
(1) سنن الترمذي البيوع (1314)، سنن أبو داود البيوع (3451)، سنن ابن ماجه التجارات (2200)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 286)، سنن الدارمي البيوع (2545).
(2)
صحيح البخاري العتق (2522)، صحيح مسلم الأيمان (1501)، سنن الترمذي الأحكام (1346)، سنن النسائي البيوع (4699)، سنن أبو داود العتق (3940)، سنن ابن ماجه الأحكام (2528)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 11)، موطأ مالك العتق والولاء (1504).
البيع، وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا، لأن حق الشريك في نصف القيمة كما دل عليه هذا الحديث الصحيح، ولا يمكن إعطاؤه ذلك إلا ببيع الجميع، فإذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه بعوض المثل لحاجة الشريك إلى إعتاق ذلك، وليس للمالك المطالبة بالزيادة على نصف القيمة، فكيف بمن كانت حاجته أعظم من الحاجة إلى إعتاق ذلك النصيب؟ مثل حاجة المضطر إلى الطعام واللباس وغير ذلك.
وهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من تقويم الجميع بقيمة المثل هو حقيقة التسعير، وكذلك يجوز للشريك أن ينزع النصف المشفوع من يد المشتري بمثل الثمن الذي اشتراه به، لا بزيادة للتخلص من ضرر المشاركة والمقاسمة، وهذا ثابت بالسنة المستفيضة وإجماع العلماء، وهذا إلزام له بأن يعطيه ذلك الثمن لا بزيادة، لأجل تحصيل مصلحة التكميل لواحد، فكيف بما هو أعظم من ذلك ولم يكن له أن يبيعه للشريك بما شاء، بل ليس له أن يطلب من الشريك زيادة على الثمن الذي حصل له به، وهذا في الحقيقة من نوع التولية، فإن التولية أن يعطي المشترى السلعة لغيره بمثل الثمن الذي اشتراها به وهذا أبلغ من البيع بثمن المثل، ومع ها فلا يجبر المشتري على أن يبيعه لأجنبي غير الشريك إلا بما شاء إذ لا حاجة بذلك إلى شرائه كحاجة الشريك.
فأما إذا قدر أن قوما اضطروا إلى سكنى في بيت إنسان إذا لم يجدوا مكانا يأوون إليه إلا ذلك البيت فعليه أن يسكنهم، وكذلك لو احتاجوا إلى أن يعيرهم ثيابا يستدفئون بها من البرد، أو إلى آلات يطبخون بها، أو يبنون أو يسقون: يبذل هذا مجانا، وإذا احتاجوا إلى أن يعيرهم دلوا يستقون به، أو قدرا يطبخون فيها، أو فأسا يحفرون به، فهل عليه بذله بأجرة المثل لا بزيادة؟.
فيه قولان للعلماء في مذهب أحمد وغيره، والصحيح وجوب بذل ذلك مجانا إذا كان صاحبها مستغنيا عن تلك المنفعة وعوضها، كما دل عليه الكتاب والسنة، قال الله تعالى:{فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} (1){الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} (2){الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} (3){وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} (4) وفي السنن عن ابن مسعود قال: كنا نعد " الماعون" عارية الدلو والقدر والفأس.
وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما ذكر الخيل قال: «هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر؛ فأما الذي هي له ستر فرجل ربطها تغنيا وتعففا ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها (5)» وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من حق الإبل إعارة دلوها وأضراب فحلها (6)» وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه «نهى عن عسب الفحل (7)» وفي الصحيحين عنه أنه قال: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره (8)» وإيجاب بذل هذه المنفعة مذهب أحمد وغيره.
(1) سورة الماعون الآية 4
(2)
سورة الماعون الآية 5
(3)
سورة الماعون الآية 6
(4)
سورة الماعون الآية 7
(5)
صحيح البخاري المساقاة (2371)، صحيح مسلم الزكاة (987)، سنن الترمذي فضائل الجهاد (1636)، سنن النسائي الخيل (3563)، سنن ابن ماجه الجهاد (2788)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 384)، موطأ مالك كتاب الجهاد (975).
(6)
صحيح مسلم الزكاة (988)، سنن النسائي الزكاة (2454)، سنن الدارمي الزكاة (1616).
(7)
صحيح البخاري الإجارة (2284)، سنن الترمذي البيوع (1273)، سنن النسائي البيوع (4671)، سنن أبو داود البيوع (3429)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 14).
(8)
سنن ابن ماجه الأحكام (2336)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 480).
ولو احتاج إلى إجراء ماء في أرض غيره من غير ضرر بصاحب الأرض، فهل يجبر؟، على قولين للعلماء، هما روايتان عن أحمد، والأخبار بذلك مأثورة عن عمر بن الخطاب قال للممتنع: والله لتجرينها ولو على بطنك. ومذهب غير واحد من الصحابة والتابعين: أن زكاة الحلي عاريته، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره.
والمنافع التي يجب بذلها نوعان: منها ما هو حق المال، كما ذكره في الخيل والإبل وعارية الحلي، ومنها ما يجب لحاجة الناس.
وأيضا فإن بذل منافع البدن يجب عند الحاجة كما يجب تعليم العلم، وإفتاء الناس وأداء الشهادة والحكم بينهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد وغير ذلك من منافع الأبدان فلا يمنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج، وقد قال تعالى:{وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} (1) وقال: {وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} (2) من وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال، هي أربعة أوجه في مذهب أحمد وغيره.
أحدها: أنه لا يجوز مطلقا.
والثاني: لا يجوز إلا عند الحاجة.
والثالث: يجوز إلا أن يتعين عليه.
والرابع: يجوز، فإن أخذ أجرا عند العمل لم يأخذ عند الأداء، وهذه المسائل لبسطها مواضع أخر.
والمقصود هنا: أنه إذا كانت السنة قد مضت في مواضع بأن على المالك أن يبيع ماله بثمن مقدر، إما بثمن المثل، وإما بالثمن الذي اشتراه به، لم يحرم مطلقا تقدير الثمن، ثم إن ما قدر به النبي صلى الله عليه وسلم في شراء نصيب شريك المعتق هو لأجل تكميل الحرية وذلك حق الله، وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله، ولهذا يجعل العلماء هذه حقوقا لله تعالى، وحدودا لله، بخلاف حقوق الآدميين وحدودهم، وذلك مثل حقوق المساجد ومال الفيء، والصدقات، والوقف على أهل الحاجات، والمنافع العامة ونحو ذلك، ومثل حد المحاربة والسرقة والزنا وشرب الخمر، فإن الذي يقتل شخصا لأجل المال يقتل حتما باتفاق العلماء، وليس لورثة المقتول العفو عنه، بخلاف من يقتل شخصا لغرض خاص، مثل خصومة بينهما، فإن هذا حق لأولياء المقتول، إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا عفوا، باتفاق المسلمين وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة، ليس الحق فيها لواحد بعينه، فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية، لكن
(1) سورة البقرة الآية 282
(2)
سورة البقرة الآية 282
تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق، فلو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر ما شاء، وهنا عموم الناس عليهم شراء الطعام والثياب لأنفسهم، فلو مكن من يحتاج إلى سلعته أن لا يبيع إلا بما شاء لكان ضرر الناس أعظم.
ولهذا قال الفقهاء: إذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير كان عليه بذله له بثمن المثل فيجب الفرق بين من عليه أن يبيع وبين من ليس عليه أن يبيع، وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي، ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه أن يعطيه بثمن المثل.
وتنازع أصحابه في جواز التسعير للناس إذا كان بالناس حاجة، ولهم فيه وجهان.
وقال أصحاب أبي حنيفة: لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة، فإذا رفع إلى القاضي أمر المحتكر ببيع ما فضل عن قوته وقوت أهله على اعتبار السعر في ذلك فنهاه عن الاحتكار، فإن رفع التاجر فيه إليه ثانيا حبسه وعزره على مقتضى رأيه، زجرا له أو دفعا للضرر عن الناس، فإن كان أرباب الطعام يتعدون ويتجاوزون القيمة تعديا فاحشا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير: سعر حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة وإذا تعدى أحد بعدما فعل ذلك أجبره القاضي، وهذا على قول أبي حنيفة ظاهر، حيث لا يرى الحجر على الحر، وكذا عندهما، أي عند أبي يوسف ومحمد، إلا أن يكون الحجر على قوم معينين، ومن باع منهم بما قدره الإمام صح، لأنه غير مكره عليه.
وهل يبيع القاضي على المحتكر طعامه من غير رضاه؟، قيل: هو على الاختلاف المعروف في مال المديون، وقيل: يبيع هاهنا بالاتفاق، لأن أبا حنيفة يرى الحجر لدفع الضرر العام. والسعر لما غلا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه التسعير فامتنع، لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه، بل عامة من كانوا يبيعون الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق، لكن نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد، نهاه أن يكون له سمسارا وقال:«دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض (1)» وهذا ثابت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة، لأنه إذا توكل له مع خبرته بحاجة الناس إليه أغلى الثمن على المشتري، فنهاه عن التوكل له -مع أن جنس الوكالة مباح- لما في ذلك من زيادة السعر على الناس.
«ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي الجلب، (2)» وهذا أيضا ثابت في الصحيح من غير وجه، وجعل للبائع إذا هبط إلى السوق الخيار، ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع بدون ثمن المثل وغبنه، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم الخيار لهذا البائع، وهل هذا الخيار فيه ثابت مطلقا أو إذا غبن؟، قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد، أظهرها أنه إنما يثبت له الخيار إذا غبن، والثاني يثبت له الخيار
(1) صحيح مسلم البيوع (1522)، سنن الترمذي البيوع (1223)، سنن أبو داود البيوع (3442)، سنن ابن ماجه التجارات (2176)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 392).
(2)
سنن النسائي البيوع (4499).
مطلقا، وهو ظاهر مذهب الشافعي.
وقال طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشترى إذا تلقاه المتلقي فاشتراه ثم باعه، وفي الجملة فقد نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع والشراء الذي جنسه حلال حتى يعلم البائع بالسعر وهو ثمن المثل، ويعلم المشتري بالسلعة وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشتري أن يشتري حيث شاء وقد اشترى من البائع كما يقول، وللبادي أن يوكل الحاضر.
ولكن الشارع رأى المصلحة العامة، فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل فيكون المشتري غارا له، ولهذا ألحق مالك وأحمد بذلك كل مسترسل، والمسترسل: الذي لا يماكس الجاهل بقيمة المبيع، فإنه بمنزلة الجالبين الجاهلين بالسعر، فتبين أنه يجب على الإنسان أن لا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف، وهو ثمن المثل، وإن لم يكن هؤلاء محتاجين إلى الابتياع من ذلك البائع، لكن لكونهم جاهلين بالقيمة أو مسلمين إلى البائع غير مماكسين له، والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا يتبع العلم، ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى وقد لا يرضى، فإذا علم أنه غبن ورضي فلا بأس بذلك، وإذا لم يرض بثمن المثل لم يلتفت إلى سخطه.
ولهذا أثبت الشارع الخيار لمن لم يعلم بالعيب أو التدليس، فإن الأصل في البيع الصحة وأن يكون الباطن كالظاهر، فإذا اشترى على ذلك فما عرف رضاه إلا بذلك، فإذا تبين أن في السلعة غشا أو عيبا فهو كما لو وصفها بصفة وتبينت بخلافها فقد يرضى وقد لا يرضى، فإن رضي وإلا فسخ البيع وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما (1)» ، وفي السنن «أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يقبل منه بدلها أو يتبرع له بها فلم يفعل، فأذن لصاحب الأرض في قلعها، وقال لصاحب الشجرة: إنما أنت مضار» فهنا أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يبيعها، فدل على وجوب البيع عند حاجة المشتري.
وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام؟.
ونظير هؤلاء الذين يتجرون في الطعام بالطحن والخبز، ونظير هؤلاء صاحب الخان والقيسارية والحمام إذا احتاج الناس إلى الانتفاع بذلك، وهو إنما ضمنها ليتجر فيها، فلو امتنع من إدخال الناس إلا بما شاء وهم يحتاجون لم يمكن من ذلك، وألزم ببذل ذلك بأجرة المثل، كما يلزم الذي يشتري الحنطة ويطحنها ليتجر فيها، والذي يشتري الدقيق ويخبزه ليتجر فيه مع حاجة الناس إلى ما عنده، بل إلزامه ببيع ذلك بثمن المثل أولى وأحرى، بل إذا امتنع من صنعة الخبز والطحن حتى يتضرر
(1) صحيح البخاري البيوع (2110)، صحيح مسلم البيوع (1532)، سنن الترمذي البيوع (1246)، سنن النسائي البيوع (4464)، سنن أبو داود البيوع (3459)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 402)، سنن الدارمي البيوع (2547).
الناس بذلك ألزم بصنعتها كما تقدم، وإذا كانت حاجة الناس تندفع إذا عملوا ما يكفي الناس بحيث يشتري إذ ذاك بالثمن المعروف لم يحتج إلى تسعير، وإما إذا كانت حاجة الناس لا تندفع إلا بالتسعير العادل سعر عليهم تسعير عدل، لا وكس، ولا شطط (1). انتهى كلام شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى -.
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام / 28/ 75 وما بعدها
وقال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: (1).
وأما التسعير: فمنه ما هو ظلم محرم. ومنه ما هو عدل جائز.
فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه، أو منعهم مما أباح الله لهم. فهو حرام. وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل. فهو جائز، بل واجب.
فأما القسم الأول: فمثل ما روى أنس قال: «غلا السعر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، لو سعرت لنا؟.
فقال: إن الله هو القابض الرازق، الباسط المسعر. وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطالبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال (2)» رواه أبو داود والترمذي وصححه.
فإذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر - إما لقلة الشيء وإما لكثرة الخلق - فهذا إلى الله. فإلزام الناس أن يبيعوا بقيمة بعينها: إكراه بغير حق.
وأما الثاني: فمثل أن يمتنع أرباب السلع من بيعها، مع ضرورة الناس إليها إلا بزيادة على القيمة المعروفة، فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل. ولا معنى للتسعير إلا إلزامهم بقيمة المثل. والتسعير هاهنا إلزام - بالعدل الذي ألزمهم الله به.
فصل: ومن أقبح الظلم: إيجار الحانوت على الطريق، أو في القرية، بأجرة معينة على أن لا يبيع أحد غيره- فهذا ظلم حرام على المؤجر والمستأجر. وهو نوع من أخذ أموال الناس قهرا، وأكلها بالباطل. وفاعله قد تحجر واسعا. فيخاف عليه أن يحجر الله عنه رحمته. كما حجر على الناس فضله ورزقه.
فصل:
ومن ذلك: أن يلزم الناس أن لا يبيع الطعام أو غيره من الأصناف إلا ناس معروفون فلا تباع تلك السلع إلا لهم، ثم يبيعونها هم بما يريدون. فلو باع غيرهم ذلك منع وعوقب. فهذا من البغي في الأرض والفساد، والظلم الذي يحبس به قطر السماء. وهؤلاء يجب التسعير عليهم، وأن لا
(1) هامش ص 244 من الطرق الحكمية
(2)
سنن الترمذي البيوع (1314)، سنن أبو داود البيوع (3451)، سنن ابن ماجه التجارات (2200)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 286)، سنن الدارمي البيوع (2545).
يبيعوا إلا بقيمة المثل، ولا يشتروا إلا بقيمة المثل، بلا تردد في ذلك عند أحد من العلماء. لأنه إذا منع غيرهم أن يبيع ذلك النوع أو يشتريه، فلو سوغ لهم أن يبيعوا بما شاءوا أو يشتروا بما شاءوا: كان ذلك ظلما للناس: ظلما للبائعين الذين يريدون بيع تلك السلع، وظلما للمشترين منهم.
فالتسعير في مثل هذا واجب بلا نزاع. وحقيقته: إلزامهم بالعدل، ومنعهم من الظلم. وهذا كما أنه لا يجوز الإكراه على البيع بغير حق، فيجوز أو يجب الإكراه عليه بحق، مثل بيع المال لقضاء الدين الواجب والنفقة الواجبة، ومثل البيع للمضطر إلى طعام أو لباس، ومثل الغراس والبناء الذي في ملك الغير. فإن لرب الأرض أن يأخذه بقيمة المثل. ومثل الأخذ بالشفعة. فإن للشفيع أن يتملك الشقص بثمنه قهرا.
وكذلك السراية في العتق. فإنها تخرج الشقص من ملك الشريك قهرا. وتوجب على المعتق المعاوضة عليها قهرا. وكل من وجب عليه شيء من الطعام واللباس والرقيق والمركوب- بحج أو كفارة أو نفقه- فمتى وجده بثمن المثل وجب عليه شراؤه، وأجبر على ذلك. ولم يكن له أن يمتنع حتى يبذل له مجانا، أو بدون ثمن المثل.
فصل: ومن هاهنا: منع غير واحد من العلماء- كأبي حنيفة وأصحابه- القسامين الذين يقسمون العقار وغيره بالأجره: أن يشتركوا. فإنهم إذا اشتركوا- والناس يحتاجون إليهم- أغلوا عليهم الأجرة.
قلت: كذلك ينبغي لوالي الحسبة: أن يمنع مغسلي الموتى والحمالين لهم من الاشتراك، لما في ذلك من إغلاء الأجرة عليهم. وكذلك اشتراك كل طائفة يحتاج الناس إلى منافعهم، كالشهود والدلالين وغيرهم، على أن في شركة الشهود مبطلا آخر. فإن عمل كل واحد منهم متميز عن عمل الآخر، لا يمكن الاشتراك فيه. فإن الكتابة متميزة، والتحمل متميز، والأداء متميز، لا يقع في ذلك اشتراك ولا تعاون فبأي وجه يستحق أحدهما أجرة عمل صاحبه؟ وهذا بخلاف الاشتراك في سائر الصنائع. فإنه يمكن أحد الشريكين أن يعمل بعض العمل والآخر بعضه. ولهذا إذا اختلفت الصنائع: لم تصح الشركة على أحد الوجهين لتعذر اشتراكهما في العمل. ومن صححها نظر إلى أنهما يشتركان فيما تتم به صناعة كل واحد منهما من الحفظ والنظر إذا خرج لحاجة. فيقع الاشتراك فيما يتم به عمل كل صاحب السلعة في بيعها. فإذا شارك غيره في بيعها كان توكيلا له فيما وكل فيه. فإن قلنا: ليس للوكيل أن يوكل: لم تصح الشركة. وإن قلنا: له أن يوكل: صحت. فعلى والي الحسبة: أن يعرف هذه الأمور، ويراعيها، ويراعي مصالح الناس وهيهات هيهات ذهب ما هنالك.
والمقصود: أنه إذا منع القسامون ونحوهم من الشركة، لما فيها من التواطؤ على إغلاء الجرة، فمنع البائعين الذين تواطئوا على أن لا يبيعوا إلا بثمن قدره أولى وأحرى.
وكذلك يمنع والي الحسبة المشترين من الاشتراك في شيء لا يشتريه غيرهم. لما في ذلك من ظلم البائع.
وأيضا: فإذا كانت الطائفة التي تشتري نوعا من السلع أو تبيعها: قد تواطئوا على أن يهضموا ما يشترونه فيشترونه بدون ثمن المثل، ويبيعون ما يبيعونه بأكثر من ثمن المثل، ويقتسمون ما يشتركون فيه من الزيادة كان إقرارهم على ذلك معاونة لهم على الظلم والعدوان. وقد قال تعالى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (1) ولا ريب أن هذا أعظم إثما وعدوانا من تلقي السلع، وبيع الحاضر للبادي، ومن النجش.
فصل: ومن ذلك أن يحتاج الناس إلى صناعة طائفة - كالفلاحة والنساجة والبناء وغير ذلك - فلولي الأمر: أن يلزمهم بذلك بأجرة مثلهم، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بذلك.
ولهذا قالت طائفة من أصحاب أحمد والشافعي: إن تعلم هذه الصناعات فرض على الكفاية، لحاجة الناس إليها. وكذلك تجهيز الموتى ودفنهم، وكذلك أنواع الولايات العامة والخاصة التي لا تقوم مصلحة الأمة إلا بها. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتولى أمر ما يليه بنفسه. ويولي فيما بعد عنه، كما ولى على مكة عتاب بن أسيد، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص الثقفي، وعلى قرى عرينة خالد بن سعيد بن العاص. وبعث عليا ومعاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن. وكذلك كان يؤمر على السرايا، ويبعث السعاة على الأموال الزكوية، فيأخذونها ممن هي عليه، ويدفعونها إلى مستحقيها. فيرجع الساعي على المدينة وليس معه إلا سوطه، ولا يأتي بشيء من الأموال إذا وجد لها موضعا يضعها فيه.
فصل: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يستوفي الحساب على عماله، يحاسبهم على المستخرج والمصروف كما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا من الأزد، يقال له: ابن اللتبية، على الصدقات فلما رجع حاسبه.
فقال: هذا لكم. وهذا أهدى إلي.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بال الرجل نستعمله على العمل مما ولانا الله، فيقول: هذا لكم وهذا أهدى إلي؟، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه، فينظر: أيهدي إليه أم لا؟
(1) سورة المائدة الآية 2
والذي نفسي بيده لا نستعمل رجلا على العمل مما ولانا الله فيغل منه شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء. وأن كانت بقرة لها خوار. وإن كانت شاة تيعر. ثم رفع يديه إلى السماء.
وقال: اللهم هل بلغت؟. قالها مرتين، أو ثلاثا (1)».
والمقصود: أن هذه الأعمال متى لم يقم بها إلا شخص واحد صارت فرض عين عليه. فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم، أو نساجتهم، أو بنائهم؛ صارت هذه الأعمال مستحقة عليهم، يجبرهم ولي الأمر عليها بعوض المثل. ولا يمكنهم من مطالبة الناس بزيادة عن عوض المثل. ولا يمكن الناس من ظلمهم بأن يعطوهم دون حقهم، كما إذا احتاج الجند المرصدون للجهاد إلى فلاحة أرضهم وألزم من صناعته الفلاحة أن يقوم بها: ألزم الجند بأن لا يظلموا الفلاح، كما يلزم الفلاح بأن يفلح.
ولو اعتمد الجند والأمراء مع الفلاحين: ما شرعه الله ورسوله، وجاءت به السنة وفعله الخلفاء الراشدون؛ لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ولفتح الله عليهم بركات من السماء والأرض. وكان الذي يحصل لهم من المغل أضعاف ما يحصلونه بالظلم والعدوان. ولكن يأبى لهم جهلهم وظلمهم إلا أن يركبوا الظلم والإثم. فيمنعوا البركة وسعة الرزق. فيجمع لهم عقوبة الآخرة، ونزع البركة في الدنيا.
فإن قيل: وما الذي شرعه الله ورسوله، وفعله الصحابة، حتى يفعله من وفقه الله؟.
قيل: المزارعة العادلة، التي يكون المقطع والفلاح فيها على حد سواء من العدل، لا يختص أحدهما عن الآخر بشيء من هذه الرسوم التي ما أنزل الله بها من سلطان. وهي التي خربت البلاد وأفسدت العباد ومنعت الغيث، وأزالت البركات، وعرضت أكثر الجند والأمراء لأكل الحرام. وإذا نبت الجسد على الحرام فالنار أولى به.
وهذه المزارعة العادلة: هي عمل المسلمين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعهد خلفائه الراشدين، وهي عمل آل أبي بكر، وآل عمر، وآل عثمان، وآل علي، وغيرهم من بيوت المهاجرين. وهي قول أكابر الصحابة، كابن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وغيرهم. وهي مذهب فقهاء الحديث كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وداود بن علي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة، وأبي بكر بن المنذر، ومحمد بن نصر المروزي. وهي مذهب عامة أئمة المسلمين كالليث بن سعد، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن وغيرهم.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر وزرع حتى مات. ولم تزل
(1) صحيح البخاري الأيمان والنذور (6636)، صحيح مسلم الإمارة (1832)، سنن أبو داود الخراج والإمارة والفيء (2946)، مسند أحمد بن حنبل (5/ 424)، سنن الدارمي الزكاة (1669).
تلك المعاملة حتى أجلاهم عمر عن خيبر. وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم، وكان البذر منهم، لا من النبي صلى الله عليه وسلم.
ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء: أن البذر يجوز أن يكون من العامل كما مضت به السنة، بل قد قالت طائفة من الصحابة: لا يكون البذر إلا من العامل، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم. ولأنهم أجروا البذر مجرى النفع والماء.
والصحيح: أنه يجوز أن يكون من رب الأرض، وأن يكون من العامل، وأن يكون منهما. وقد ذكر البخاري في صحيحه:(أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عامل الناس على: إن جاء عمر بالبذر من عنده: فله الشطر. وإن جاءوا بالبذر: فلهم كذا).
والذين منعوا المزارعة: منهم من احتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن المخابرة (1)» ولكن الذي نهى عنه هو الظلم؛ فإنهم كانوا يشترطون لرب الأرض زرع بقعة بعينها. ويشترطون ما على الماذيانات وإقبال الجداول، وشيئا من التبن يختص به صاحب الأرض. ويقتسمان الباقي.
وهذا الشرط باطل بالنص والإجماع، فإن المعاملة مبناها على العدل من الجانبين وهذه المعاملات من جنس المشاركات، لا من باب المعاوضات. والمشاركة العادلة: هي أن يكون لكل واحد من الشريكين جزء شائع فإذا جعل لأحدهما شيء مقدر كان ظلما.
فهذا هو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال الليث بن سعد: الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك: أمر إذا نظر ذو البصيرة بالحلال والحرام فيه: علم أنه لا يجوز. وأما ما فعله هو وفعله خلفاؤه الراشدون والصحابة: فهو العدل المحض الذي لا ريب في جوازه.
فصل: وقد ظن طائفة من الناس: أن هذه المشاركات من باب الإجارة بعوض مجهول. فقالوا: القياس- يقتضي تحريمها.
ثم منهم من حرم المساقاة والمزارعة، وأباح المضاربة استحسانا للحاجة. لأن الدراهم لا تؤجر كما يقول أبو حنيفة.
ومنهم من أباح المساقاة: إما مطلقا، كقول مالك والشافعي في القديم، أو على النخل والعنب خاصة، كالجديد له. لأن الشجر لا يمكن إجارته، بخلاف الأرض. وأباح ما يحتاج إليه من المزارعة تبعا للمساقاة. ثم منهم من قدر ذلك بالثلث، كقول مالك. ومنهم من اعتبر كون الأرض أغلب كقول
(1) صحيح البخاري المساقاة (2381)، صحيح مسلم كتاب البيوع (1536)، سنن النسائي البيوع (4523)، سنن أبو داود البيوع (3404)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 392).
الشافعي. وأما جمهور السلف والفقهاء، فقالوا: ليس ذلك من باب الإجارة في شيء بل هو من باب المشاركات التي مقصود كل منهما مثل مقصود صاحبه، بخلاف الإجارة. فإن هذا مقصوده العمل، وهذا مقصوده الأجرة. ولهذا كان الصحيح أن هذه المشاركات إذا فسدت وجب فيها نصيب المثل، لا أجرة المثل. فيجب من الربح والنماء في فاسدها نظير ما يجب في صحيحها، لا أجرة مقدرة. فإن لم يكن ربح ولا نماء: لم يجب شيء. فإن أجرة المثل قد تستغرق رأس المال وأضعافه وهذا ممتنع. فإن قاعدة الشرع: أنه يجب في الفاسد من العقود نظير ما يجب في الصحيح منها. كما يجب في النكاح الفاسد مهر المثل. وهو نظير ما يجب في الصحيح. وفي البيع الفاسد إذا فات: ثمن المثل. وفي الإجارة الفاسدة. أجرة المثل. فكذلك يجب في المضاربة الفاسدة ربح المثل وفي المساقاة والمزارعة الفاسدة: نصيب المثل. فإن الواجب في صحيحها ليس هو أجرة مسماة. فيجب في فاسدها أجرة المثل، بل هو جزء شائع من الربح. فيجب في الفاسدة نظيره. قال شيخ الإسلام وغيره من الفقهاء والمزارعة أحل من المؤاجرة. وأقرب إلى العدل. فإنهما يشتركان في المغرم والمغنم بخلاف المؤاجرة فإن صاحب الأرض تسلم له الأجرة. والمستأجر قد يحصل له زرع، وقد لا يحصل.
والعلماء مختلفون في جواز هذا وهذا. والصحيح: جوازهما، سواء كانت الأرض إقطاعا أو غيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وما علمت أحدا من علماء الإسلام- من الأئمة الأربعة ولا غيرهم- قال: إجارة الإقطاع لا تجوز. وما زال المسلمون يؤجرون إقطاعاتهم قرنا بعد قرن، من زمن الصحابة إلى زمننا هذا، حتى حدث بعض أهل زمننا فابتدع القول ببطلان إجارة الإقطاع.
وشبهته: أن المقطع لا يملك المنفعة. فيصير كالمستعير. لا يجوز أن يكرى الأرض المعارة. وهذا قياس خطأ من وجهين.
أحدهما: أن المستعير لم تكن المنفعة حقا له. إنما تبرع المعير بها. وأما أراضي المسلمين فمنفعتها حق للمسلمين، وولي الأمر قاسم بينهم حقوقهم. ليس متبرعا لهم كالمعير. والمقطع يستوفي المنفعة بحكم الاستحقاق، كما يستوفي الموقوف عليه منافع الموقوف وأولى. وإذا جاز للموقوف عليه أن يؤجر الوقف وإن أمكن أن يموت فتنفسخ الإجارة بموته على الصحيح- فلأن يجوز للمقطع أن يؤجر الإقطاع وإن انفسخت الإجارة بموته أولى.
الثاني أن المعير لو أذن في الإجارة جازت الإجارة، وولي الأمر يأذن للمقطع في الإجارة. فإنه إنما أقطعهم لينتفعوا بها: إما بالمزارعة، وإما بالإجارة. ومن منع الانتفاع بها بالإجارة والمزارعة فقد أفسد على المسلمين دينهم ودنياهم. وألزم الجند والأمراء أن يكونوا هم الفلاحين. وفي ذلك من الفساد ما فيه.
وأيضا: فإن الإقطاع قد يكون دورا وحوانيت، لا ينتفع بها المقطع إلا بالإجارة. فإذا لم تصح
إجارة الإقطاع تعطلت منافع ذلك بالكلية، وكون الإقطاع معرضا لرجوع الإمام فيه. مثل كون الموهوب للولد معرضا لرجوع الوالد فيه وكون الصداق قبل الدخول معرضا نصفه أو كله إلى الزوج، وذلك لا يمنع صحة الإجارة بالاتفاق. فليس مع المبطل نص ولا قياس، ولا مصلحة، ولا نظر.
وإذا أبطلوا المزارعة والإجارة ولم يبق بيد الجند إلا أن يستأجروا من أموالهم من يزرع الأرض ويقوم عليها. وهذا لا يكاد يفعله إلا قليل من الناس. لأنه قد يخسر ماله ولا يحصل له شيء بخلاف المشاركة فإنهما يشتركان في المغنم والمغرم. فهي أقرب إلى العدل.
وهذه المسألة ذكرت استطرادا. وإلا فالمقصود: أن الناس إذا احتاجوا إلى أرباب الصناعات- كالفلاحين وغيرهم - أجبروا على ذلك بأجرة المثل. وهذا من التسعير الواجب. فهذا تسعير في الأعمال.
وأما التسعير في الأموال: فإذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد وآلات. فعلى أربابه أن يبيعوه بعوض المثل، ولا يمكنوا من حبسه إلا بما يريدونه من الثمن. والله تعالى قد أوجب الجهاد بالنفس والمال فكيف لا يجب على أرباب السلاح بذله بقيمته؟ ومن أوجب على العاجز ببدنه أن يخرج ماله ما يحج به الغير عنه ولم يوجب على المستطيع بماله أن يخرج ما يجاهد به الغير: فقوله ظاهر التناقض. وهذا إحدى الروايتين عن الإمام أحمد. وهو الصواب.
فصل: وإنما لم يقع التسعير في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة. لأنهم لم يكن عندهم من يطحن ويخبز بكراء ولا من يبيع طحينا وخبزا. بل كانوا يشترون الحب ويطحنونه ويخبزونه في بيوتهم. وكان من قدم بالحب لا يتلقاه أحد، بل يشتريه الناس من الجلابين. ولهذا جاء في الحديث:«الجالب مرزوق. والمحتكر ملعون (1)» .
وكذلك لم يكن في المدينة حائك. بل كان يقدم عليهم بالثياب من الشام واليمن وغيرهما. فيشترونها ويلبسونها.
(1) سنن ابن ماجه التجارات (2153)، سنن الدارمي البيوع (2544).
فصل: وقد تنازع العلماء في التسعير في مسألتين:
إحداهما: إذا كان للناس سعر غالب، فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك. فإنه يمنع من ذلك عند مالك وهل يمنع من النقصان؟ على قولين لهم.
واحتج مالك رحمه الله بما رواه في موطئه عن يونس بن سيف عن سعيد بن المسيب: (أن عمر
ابن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة، وهو يبيع زبيبا له بالسوق.
فقال له عمر: إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا).
قال مالك: لو أن رجلا أراد فساد السوق فحط عن سعر الناس: لرأيت أن يقال له: إما لحقت بسعر الناس، وإما رفعت. وإما أن يقول للناس كلهم- يعني: لا تبيعوا إلا بسعر كذا- فليس ذلك بالصواب. وذكر حديث عمر بن عبد العزيز في أهل الأبلة، حين حط سعرهم لمنع البحر. فكتب (خل بينهم وبين ذلك. فإنما السعر بيد الله).
قال ابن رشد في كتاب البيان: أما الجالبون فلا خلاف أنه لا يسعر عليهم شيء مما جلبوه للبيع وإنما يقال لمن شذ منهم، فباع بأغلى مما يبيع به العامة: إما أن تبيع بما تبيع به العامة، وإما أن ترفع من السوق كما فعل عمر بن الخطاب بحاطب بن أبي بلتعة، إذ مر به وهو يبيع زبيبا له في السوق فقال له:(إما أن تزيد في السعر، وإما أن ترفع من سوقنا)، لأنه كان يبيع بالدرهم الواحد أقل مما كان يبيع به أهل السوق.
وأما أهل الحوانيت والأسواق الذين يشترون من الجلابين وغيرهم جملة، ويبيعون ذلك على أيديهم مقطعا، مثل اللحم والأدم، والفواكه- فقيل: إنهم كالجلابين، لا يسعر لهم شيء من بياعاتهم. وإنما يقال لمن شذ منهم وخرج عن الجمهور: إما أن تبيع كما يبيع الناس، وإما أن ترفع من السوق وهو قول مالك في هذه الرواية.
وممن روى عنه ذلك من السلف: عبد الله بن عمر، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله.
قيل: إنهم في هذا بخلاف الجالبين، لا يتركون على البيع باختيارهم إذا أغلوا على الناس، ولم يقتنعوا من الربح بما يشبهه. وعلى صاحب السوق الموكل بمصلحته أن يعرف ما يشترون به. فيجعل لهم من الربح ما يشبهه وينهاهم أن يزيدوا على ذلك. ويتفقد السوق أبدا، فيمنعهم من الزيادة على الربح الذي جعل لهم فمن خالف أمره عاقبه وأخرجه من السوق وهذا قول مالك في رواية أشهب، وإليه ذهب ابن حبيب. وقال به ابن المسيب، ويحيى بن سعيد، والليث بن سعد، وربيعة.
ولا يجوز عند أحد العلماء أن يقول لهم: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، ربحتم أو خسرتم، من غير أن ينظر إلى ما يشترون به، ولا أن يقول لهم فيما قد اشتروه: لا تبيعوا إلا بكذا وكذا، مما هو مثل الثمن أو أقل.
وإذا ضرب لهم الربح على قدر ما يشترون: لم يتركهم أن يغلوا في الشراء، وإن لم يزيدوا في الربح على القدر الذي حد لهم. فإنهم قد يتساهلون في الشراء إذا علموا أن الربح لا يفوتهم.
وأما الشافعي: فإنه عارض في ذلك بما رواه عن الدراوردي عن داود بن صالح التمار عن
القاسم بن محمد عن عمر رضي الله عنه (أنه مر بحاطب بن أبي بلتعة بسوق المصلى، وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما).
فقال له: مدين لكل درهم.
فقال عمر: قد حدثت بعير جاءت من الطائف تحمل زبيبا وهم يغترون بسعرك. فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك البيت، فتبيعه كيف شئت، فلما رجع عمر حاسب نفسه. ثم أتى حاطبا في داره فقال: إن الذي قلت لك ليس عزمة مني، ولا قضاء، إنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد. فحيث شئت فبع، وكيف شئت فبع).
قال الشافعي: وهذا الحديث مستفيض. وليس بخلاف لما رواه مالك. ولكنه روى بعض الحديث، أو رواه عنه من رواه. وهذا أتى بأول الحديث وآخره. وبه أقول. لأن الناس مسلطون على أموالهم، ليس لأحد أن يأخذها أو شيئا منها بغير طيب أنفسهم إلا في المواضع التي تلزمهم الأخذ فيها. وهذا ليس منها.
وعلى قول مالك: فقال أبو الوليد الباجي: الذي يؤمر به من حط عنه أن يلحق به: هو السعر الذي عليه جمهور الناس. فإذا انفرد منهم الواحد والعدد اليسير بحط السعر. أمروا باللحاق بسعر الناس، أو ترك البيع. فإن زاد في السعر واحد، أو عدد يسير: لم يؤمر الجمهور باللحاق بسعره. لأن المراعى حال الجمهور. وبه تقوم المبيعات.
وهل يقام من زاد في السوق - أي في قدر المبيع بالدراهم- كما يقام من نقص منه؟.
قال ابن القصار المالكي: اختلف أصحابنا في قول مالك (ولكن من حط سعرا) فقال البغداديون: أراد من باع خمسة بدرهم، والناس يبيعون ثمانية. وقال قوم من البصريين: أراد من باع ثمانية، والناس يبيعون خمسة. فيفسد على أهل السوق بيعهم. وقال قوم من البصريين: أراد من باع ثمانية، والناس يبيعون خمسة. فيفسد على أهل السوق بيعهم. وربما أدى إلى الشغب والخصومه.
قال: وعندي أن الأمرين جميعا ممنوعان. لأن من باع ثمانية - والناس يبيعون خمسة- أفسد على أهل السوق بيعهم. وربما أدى إلى الشغب والخصومة. فمنع الجميع مصلحة.
قال أبو الوليد: ولا خلاف أن ذلك حكم أهل السوق.
وأما الجالب: ففي كتاب محمد: لا يمنع الجالب أن يبيع في السوق دون بيع الناس. وقال ابن حبيب: ما عدا القمح والشعير بسعر الناس، وإلا رفعوا. وأما جالب القمح والشعير فيبيع كيف شاء، إلا أن لهم في أنفسهم حكم أهل السوق، إن أرخص بعضهم تركوا، وإن أرخص أكثرهم، قيل لمن بقي إما أن تبيعوا كبيعهم وإما أن ترفعوا.