الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قال ابن حبيب: وهذا في المكيل والموزون، مأكولا كان أو غيره، دون ما لا يكال ولا يوزن. لأنه لا يمكن تسعيره، لعدم التماثل فيه.
قال أبو الوليد: هذا إذا كان المكيل والموزون متساويين. أما إذا اختلفا، لم يؤمر صاحب الجيد. أن يبيعه بسعر الدون.
فصل: وأما المسألة الثانية - التي تنازعوا فيها من التسعير: فهي أن
يحد لأهل السوق حدا لا يتجاوزونه
مع قيامهم بالواجب. فهذا منع منه الجمهور، حتى مالك نفسه في المشهور عنه. ونقل المنع أيضا عن ابن عمر وسالم، والقاسم بن محمد. وروى أشهب عن مالك - في صاحب السوق يسعر على الجزارين: لحم الضأن بكذا، ولحم الإبل بكذا، وإلا أخرجوا من السوق - قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم، فلا بأس به ولكن لا يأمرهم أن يقوموا من السوق.
واحتج أصحاب هذا القول بأن في هذا مصلحة للناس بالمنع من إغلاء السعر عليهم. ولا يجبر الناس على البيع وإنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي يحده ولي الأمر، على حساب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري. وأما الجمهور: فاحتجوا بما رواه أبو داود وغيره من حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، سعر لنا. فقال: بل ادعوا الله. ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله، سعر لنا. فقال: بل الله يرفع ويخفض. وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة (1)» .
قالوا: ولأن إجبار الناس على ذلك ظلم لهم.
فصل: وأما صفة ذلك عند من جوزه، فقال ابن حبيب: ينبغي للإمام أن يجمع وجوه أهل سوق ذلك الشيء ويحضر غيرهم، استظهارا على صدقهم، فيسألهم: كيف يشترون؟ وكيف يبيعون؟ فينازلهم إلى ما فيه لهم وللعامة سداد، حتى يرضوا به. ولا يجبرهم على التسعير، ولكن عن رضى.
(1) سنن أبو داود البيوع (3450)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 337).
قال أبو الوليد: ووجه هذا أن به يتوصل إلى معرفة مصالح البائعين والمشترين. ويجعل الباعة في ذلك من الربح ما يقوم بهم. ولا يكون فيه إجحاف بالناس. وإذا سعر عليهم من غير رضى، بما لا ربح لهم فيه: أدى ذلك إلى فساد الأسعار، وإخفاء الأقوات، وإتلاف أموال الناس.
قال شيخنا: فهذا الذي تنازعوا فيه. وأما إذا امتنع الناس من بيع ما يجب عليهم بيعه: فهنا يؤمرون بالواجب، ويعاقبون على تركه. وكذلك كل من وجب عليه أن يبيع بثمن المثل فامتنع.
ومن احتج على منع التسعير مطلقا بقول النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله هو المسعر القابض الباسط، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال (1)» قيل له: هذه قضية معينة. وليست لفظا عاما. وليس فيها أن أحدا امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه. ومعلوم أن الشيء إذا قل رغب الناس في المزايدة فيه. فإذا بذله صاحبه- كما جرت العادة، ولكن الناس تزايدوا فيه- فهنا لا يسعر عليهم. وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك، فقال:«من أعتق شركا به في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل، لا وكس ولا شطط (2)» . فأعطى شركاءه حصصهم. وعتق عليه العبد فلم يكن المالك أن يساوم المعتق بالذي يريد. فإنه لما وجب عليه أن يملك شريكه المعتق نصيبه الذي لم يعتقه لتكميل الحرية في العبد: قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل، ويعطيه قسطه من القيمة. فإن حق الشريك في نصف القيمة، لا في قيمة النصف عند الجمهور.
وصار هذا الحديث أصلا في أن ما لا يمكن قسمة عينه، فإنه يباع ويقسم ثمنه، إذا طلب أحد الشركاء ذلك. ويجبر الممتنع على البيع. وحكى بعض المالكية ذلك إجماعا.
وصار أصلا في أن من وجبت عليه المعاوضة أجبر على أن يعاوض بثمن المثل، لا بما يزيد عن الثمن.
وصار أصلا في جواز إخراج الشيء من ملك صاحبه قهرا بثمنه، للمصلحة الراجحة، كما في الشفعة. وصار أصلا في وجوب تكميل العتق بالسراية مهما أمكن.
والمقصود: أنه إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء من ملك مالكه بعوض المثل، لمصلحة تكميل العتق ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم، وهم إليها أضر؟ مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره.
وهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من تقويم الجميع قيمة المثل: هو حقيقة التسعير. وكذلك سلط الشريك على انتزاع الشقص المشفوع فيه من يد المشتري بثمنه الذي ابتاعه به لا بزيادة عليه، لأجل مصلحة التكميل لواحد. فكيف بما هو أعظم من ذلك؟ فإذا جوز له انتزاعه منه بالثمن الذي
(1) سنن الترمذي البيوع (1314)، سنن أبو داود البيوع (3451)، سنن ابن ماجه التجارات (2200)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 286)، سنن الدارمي البيوع (2545).
(2)
صحيح البخاري العتق (2522)، صحيح مسلم الأيمان (1501)، سنن الترمذي الأحكام (1346)، سنن النسائي البيوع (4699)، سنن أبو داود العتق (3940)، سنن ابن ماجه الأحكام (2528)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 11)، موطأ مالك العتق والولاء (1504).
وقع عليه العقد لا بما شاء المشتري من الثمن، لأجل هذه المصلحة الجزئية. فكيف إذا اضطر إلى ما عنده من طعام وشراب ولباس وآلة حرب؟ وكذلك إذا اضطر الحاج إلى ما عند الناس من آلات السفر وغيرها. فعلى ولي الأمر أن يجبرهم على ذلك بثمن المثل، لا بما يريدونه من الثمن. وحديث العتق أصل في ذلك كله.
فصل: فإذا قدر أن قوما اضطروا إلى السكنى في بيت إنسان، لا يجدون سواه، أو النزول في خان مملوك أو استعارة ثياب يستدفئون بها، أو رحى للطحن، أو دلو لنزع الماء، أو قدر، أو فأس، أو غير ذلك: وجب على صاحبه بذله بلا نزاع.
لكن هل له أن يأخذ عليه أجرا؟ فيه قولان للعلماء. وهما وجهان لأصحاب أحمد. ومن جوز له أخذ الأجرة حرم عليه أن يطلب زيادة على أجرة المثل قال شيخنا: والصحيح أنه يجب عليه بذل ذلك مجانا، كما دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ} (1) {الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ} (2) {الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ} (3) {وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} (4) قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة (وهو إعارة القدر والدلو والفأس ونحوها) وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم - وذكر الخيل- «قال هي لرجل أجر. ولرجل ستر. وعلى رجل وزر. فأما الذي هي له أجر: فرجل ربطها في سبيل الله. وأما الذي هي له ستر فرجل ربطها تغنيا وتعففا. ولم ينس حق الله في رقابها ولا في ظهورها (5)».
وفي الصحيحين عنه أيضا «من حق الإبل إعارة دلوها، وإطراق فحلها (6)» وفي الصحيحين عنه أنه «نهى عن عسب الفحل (7)» أي عن أخذ الأجرة عليه، والناس يحتاجون إليه. فأوجب بذله مجانا. ومنع من أخذ الأجرة عليه. وفي الصحيحين عنه أنه قال:«لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبة في جداره (8)» .
ولو احتاج إلى إجراء مائه في أرض غيره، من غير ضرر لصاحب الأرض فهل يجبر على ذلك؟ روايتان عن أحمد والإجبار: قول عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة رضي الله عنهم.
وقد قال جماعة من الصحابة والتابعين (أن زكاة الحلي عاريته. فإذا لم يعره فلا بد من زكاته).
وهذا وجه في مذهب أحمد.
قلت: وهو الراجح، وأنه لا يخلو الحلى من زكاة أو عارية والمنافع التي يجب بذلها نوعان منها:
(1) سورة الماعون الآية 4
(2)
سورة الماعون الآية 5
(3)
سورة الماعون الآية 6
(4)
سورة الماعون الآية 7
(5)
صحيح البخاري تفسير القرآن (4962)، صحيح مسلم الزكاة (987)، سنن الترمذي فضائل الجهاد (1636)، سنن النسائي الخيل (3563)، سنن ابن ماجه الجهاد (2788)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 262)، موطأ مالك كتاب الجهاد (975).
(6)
صحيح مسلم الزكاة (988)، سنن النسائي الزكاة (2454)، سنن الدارمي الزكاة (1616).
(7)
صحيح البخاري الإجارة (2284)، سنن الترمذي البيوع (1273)، سنن النسائي البيوع (4671)، سنن أبو داود البيوع (3429)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 14).
(8)
سنن ابن ماجه الأحكام (2336)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 480).
ما هو حق المال، كما ذكرنا في الخيل، والإبل، والحلي. ومنها: ما يجب لحاجة الناس.
وأيضا: فإن بذل منافع البدن تجب عند الحاجة، كتعليم العلم، وإفتاء الناس، والحكم بينهم، وأداء الشهادة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من منافع الأبدان.
وكذلك من أمكنه إنجاء إنسان من مهلكة وجب عليه أن يخلصه. فإن ترك ذلك- مع قدرته عليه- أثم وضمنه. فلا يمتنع وجوب بذل منافع الأموال للمحتاج. وقد قال تعالى: {وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} (1) وقال: {وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ} (2).
وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال: وهي أربعة أوجه في مذهب أحمد أحدها: أنه لا يجوز مطلقا. والثاني: أنه يجوز عند الحاجة.
والثالث: أنه لا يجوز إلا أن يتعين عليه. والرابع: أنه يجوز. فإن أخذه عند التحمل لم يأخذه عند الأداء. والمقصود: أن ما قدره النبي صلى الله عليه وسلم من الثمن في سراية العتق: هو لأجل تكميل الحرية وهو حق الله وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله. وذلك في الحقوق والحدود. فأما الحقوق: فمثل حقوق المساجد، ومال الفيء، والوقف على أهل الحاجات، وأموال الصدقات، والمنافع العامة.
وأما الحدود: فمثل حد المحاربة، والسرقة، والزنا، وشرب الخمر المسكر. وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك: مصلحة عامة، ليس الحق فيها لواحد بعينه فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع: أولى من تقديره لتكميل الحرية، لكن تكميل الحرية وجب على الشريك المعتق، ولو لم يقدر فيها الثمن لتضرر بطلب الشريك الآخر. فإنه يطلب ما شاء. وهنا عموم الناس يشترون الطعام والثياب لأنفسهم وغيرهم. فلو مكن من عنده سلع يحتاج الناس إليها أن يبيع بما شاء: كان ضرر الناس أعظم. ولهذا قال الفقهاء: إذا اضطر الإنسان إلى طعام الغير: وجب عليه بذله له بثمن المثل.
وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها: هو الشافعي. ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه: أن يبذله له بثمن المثل. وتنازع أصحابه في جواز تسعير الطعام، إذا كان بالناس إليه حاجة ولهم فيه وجهان. وقال أصحاب أبي حنيفه: لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس، إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة فإذا رفع إلى القاضي: أمر المحتكر ببيع ما فضل من قوته وقوت أهله، على اعتبار السعر في ذلك، ونهاه عن الاحتكار. فإن أبى: حبسه وعزره على مقتضى رأيه، زجرا له، ودفعا للضرر عن الناس.
(1) سورة البقرة الآية 282
(2)
سورة البقرة الآية 282
قالوا: فإن تعدى أرباب الطعام، وتجاوزوا القيمة تعديا فاحشا، وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير: سعره حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة وهذا على أصل أبي حنيفة ظاهر، حيث لا يرى الحجر على الحر. ومن باع منهم بما قدره الإمام: صح. لأنه غير مكره عليه.
قالوا: وهل يبيع القاضي على المتحكر طعامه من غير رضاه؟ فعلى الخلاف المعروف في بيع مال المدين. وقيل: يبيع هاهنا بالاتفاق. لأن أبا حنيفه يرى الحجر لدفع الضرر العام، والسعر لما غلا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وطلبوا منه التسعير فامتنع، لم يذكر: أنه كان هناك من عنده طعام امتنع عن بيعه، بل عامة من كان يبيع الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق. ولكن نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد، أي أن يكون سمسارا. وقال:«دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض (1)» فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة لأنه إذا توكل له - مع خبرته بحاجة الناس- أغلى الثمن على المشترى فنهاه عن التوكل له، مع أن جنس الوكالة مباح، لما في ذلك من زيادة السعر على الناس. ونهى عن تلقي الجلب، وجعل للبائع إذا هبط السوق الخيار. ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع هنا. فإذا لم يكن قد عرف السعر، وتلقاه المتلقى قبل إتيانه إلى السوق: اشتراه المشتري بدون ثمن المثل فغبنه. فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم لهذا البائع الخيار.
ثم فيه عن أحمد روايتان كما تقدم. إحداهما: أن الخيار يثبت له مطلقا، سواء غبن أو لم يغبن وهو ظاهر مذهب الشافعي.
والثانية: أنه إنما يثبت له عند الغبن. وهي ظاهر المذهب.
وقالت طائفة: بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشترى إذا تلقاه المتلقي، فاشترى متاعه في الجملة. فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع والشراء الذي جنسه حلال، حتى يعلم البائع السعر وهو ثمن المثل، ويعلم المشترى بالسلعة.
وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشترى أن يشترى حيث شاء. وقد اشترى من البائع، كما يقول: له أن يتوكل للبائع الحاضر وغير الحاضر، ولكن الشارع راعى المصلحة العامة. فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل. فيكون المشتري غارا له.
وألحق مالك وأحمد بذلك كل مسترسل. فإنه بمنزلة الجاهل بالسعر. فتبين أنه يجب على الإنسان: أن لا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف. وهو ثمن المثل، وإن لم يكونوا محتاجين إلى الابتياع منه، لكن لكونهم جاهلين بالقيمة، أو غير مماكسين. والبيع يعتبر فيه الرضا. والرضا يتبع العلم. ومن لم يعلم أنه غبن فقد يرضى، وقد لا يرضى. فإذا علم أنه غبن ورضى، فلا بأس بذلك.
وفي السنن «أن رجلا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر
(1) صحيح مسلم البيوع (1522)، سنن الترمذي البيوع (1223)، سنن أبو داود البيوع (3442)، سنن ابن ماجه التجارات (2176)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 392).
بدخول صاحب الشجرة، فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يقبل بدلها، أو يتبرع له بها، فلم يفعل، فأذن لصاحب الأرض. أن يقلعها، وقال لصاحب الشجرة. إنما أنت مضار».
وصاحب القياس الفاسد يقول: لا يجب عليه أن يبيع شجرته، ولا يتبرع بها. ولا يجوز لصاحب الأرض أن يقلعها. لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وإجبار على المعاوضة عليه. وصاحب الشرع أوجب عليه إذا لم يتبرع بها أن يقلعها لما في ذلك من مصلحة صاحب الأرض (بخلاصه من تأذيه) بدخول صاحب الشجرة ومصلحة صاحب الشجرة بأخذ القيمة، وإن كان عليه في ذلك ضرر يسير، فضرر صاحب الأرض ببقائها في بستانه أعظم. فإن الشارع الحكيم يدفع أعظم الضررين بأيسرهما. فهذا هو الفقه والقياس والمصلحة وإن أباه من أباه.
والمقصود: أن هذا دليل على وجوب البيع لحاجة المشتري، وأين حاجة هذا من حاجة عموم الناس إلى الطعام وغيره؟.
والحكم في المعارضة على المنافع إذا احتاج الناس إليها- كمنافع الدور، والطحن، والخبز، وغير ذلك- حكم المعاوضة على الأعيان.
وجماع الأمر: أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير: سعر عليهم تسعير عدل، ولا وكس ولا شطط وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه: لم يفعل، وبالله التوفيق. انتهى كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى-.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم -رحمه الله تعالى-:
الحمد لله وحده وبعد:
فقد جرى بيننا وبين بعض إخواننا طلبة العلم بحث في مسألة التسعير وحكمه ورغب إلى الكتابة فيه فاستعنت الله تعالى وأمليت فيها ما يلي: -
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد فغير خاف أن التسعير من المسائل التي اختلف في حكمها العلماء. فذهب جمهورهم إلى منعه مطلقا مستدلين على ذلك بما روي أبو داود وغيره عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له يا رسول الله سعر لنا، فقال: بل ادعوا الله، ثم جاء رجل فقال: يا رسول الله سعر لنا، فقال: بل الله يرفع ويخفص وإني لأرجو أن ألقى الله وليست لأحد عندي مظلمة (1)» . وبما روى أبو
(1) سنن أبو داود البيوع (3450)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 337).
داود والترمذي وصححه عن أنس قال: «غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله لو سعرت فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر وإني لأرجو أن ألقى الله ولا يطلبني أحد بمظلمة (1)» . وهذا قول الشافعي وهو قول أصحاب الإمام أحمد كأبي حفص العكبري والقاضي أبي يعلي والشريف أبي جعفر وأبي الخطاب وابن عقيل وغيرهم قال في الشرح الكبير: وليس للإمام أن يسعر على الناس بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون وهذا مذهب الشافعي وكان مالك يقول: يقال لمن يريد أن يبيع أقل مما يبيع الناس بع كما يبيع الناس وإلا فاخرج عنا احتج بما روى الشافعي وسعيد بن منصور عن داود بن صالح عن القاسم بن محمد عن عمر أنه مر بحاطب في سوق المعلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما فسعر له مدين بكل درهم فقال له عمر قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحمل زبيبا وهم يعتبرون سعرك فإما أن ترفع في السعر وإما أن تدخل زبيبك فتبيعه كيف شئت لأن في ذلك إضرارا بالناس إذا زاد وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع ولنا ما روى أبو داود والترمذي وابن ماجه أنه «غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا.
فقال إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم (2)» قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وعن أبي سعيد مثله. فوجه الدلالة من وجهين أحدهما إنه لم يسعر وقد سألوه ذلك ولو جاز لأجابهم إليه، الثاني أنه علل بكونه مظلمة والظلم حراما إلى آخر ما ذكره. وأجابوا عن منع عمر رضي الله عنه حاطب بن أبي بلتعة أن يبيع زبيبه بأقل من سعر السوق بأن في الأثر أن عمر لما رجع حاسب نفسه ثم أتى حاطبا في داره فقال إن الذي قلت لك ليس بمعرفة مني ولا قضاء وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع. وقالوا بعد ذلك في توجه المنع بأن الناس مسلطون على أموالهم فإجبارهم على بيع لا يجب أو منعهم مما يباح شرعا ظلم لهم والظلم حرام فالتسعير بمثابة الحجر عليهم والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره في مصلحة البائع بتوفير الثمن وإذا تقابل الأمران وجب تمكن الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مناف لقوله تعالى:{إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} (3).
وذهب بعضهم إلى جواز التسعير إذا كان للناس سعر غالب فأراد بعضهم أن يبيع بأغلى من ذلك أو بأنقص واحتجوا بما رواه مالك في موطئه عن يونس بن سيف عن سعيد بن المسيب
(1) سنن الترمذي البيوع (1314)، سنن أبو داود البيوع (3451)، سنن ابن ماجه التجارات (2200)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 156)، سنن الدارمي البيوع (2545).
(2)
سنن الترمذي البيوع (1314)، سنن أبو داود البيوع (3451)، سنن ابن ماجه التجارات (2200)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 286)، سنن الدارمي البيوع (2545).
(3)
سورة النساء الآية 29
أن عمر بن الخطاب مر بحاطب بن أبي بلتعة وهو يبيع زبيبا له بالسوق فقال له عمر إما أن تزيد في السعر وإما أن ترفع من سوقنا. قال مالك: لو أن رجلا أراد فساد السوق فحط عن سعر الناس لرأيت أن يقال له إما لحقت بسعر الناس وإما رفعت. وإما أن يقول للناس كلهم يعني لا تبيعوا إلا بسعر كذا فليس ذلك بالصواب كما ذهب بعضهم إلى أن للإمام أن يحد لأهل السوق حدا لا يتجاوزونه مع قيامهم بالواجب روى أشهب عن مالك في صاحب السوق يسعر على الجزارين لحم الضأن بكذا ولحم الإبل بكذا وإلا أخرجوا من السوق قال إذا سعر عليهم قدر ما يرى من شرائهم فلا بأس به ولكن لا يأمرهم أن يقوموا من السوق واحتجوا على جواز ذلك بأن فيه مصلحة للناس بالمنع من غلاء السعر عليهم ولا يجبر الناس على البيع وإنما يمنعون من البيع بغير السعر الذي حده ولي الأمر على حسب ما يرى من المصلحة فيه للبائع والمشتري. وردوا على المانعين منه مطلقا أن الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم «إن الله هو المسعر القابض الباسط (1)» إلى آخره قضية معينة وليست لفظا عاما وليس فيها أن أحدا امتنع من بيع ما الناس يحتاجون إليه بل جاء في حديث أنس التصريح بداعي طلب التسعير وهو ارتفاع السعر في ذلك وقد ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك فقال: «من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لا وكس ولا شطط (2)» فأعطى شركاءه حصتهم وعتق عليه العبد.
قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الطرق الحكمية فلم يكن المالك أن يساوم المعتق بالذي يريد فإنه لما وجب عليه أن يملك شريكه المعتق نصيبه الذي لم يعتقه لتكميل الحرية في العبد قدر عوضه بأن يقوم جميع العبد قيمة عدل ويعطيه قسطا من القيمة فإن حق الشريك في نصف القيمة لا في قيمة النصف عند الجمهور. وصار هذا الحديث أصلا في أن ما لا يمكن قسمة عينه فإنه يباع ويقسم ثمنه إذا طلب أحد الشركاء ذلك ويجبر الممتنع على البيع وحكى بعض المالكيين ذلك إجماعا. وصار ذلك أصلا في أن من وجبت عليه المعاوضة أجبر على أن يعاوض بثمن المثل لا بما يزيد عن الثمن. وصار أصلا في جواز إخراج الشيء عن ملك صاحبه قهرا بثمنه للمصلحة الراجحة كما في الشفعة وصار أصلا في وجوب تكميل العتق بالسراية مهما أمكن. والمقصود أنه إذا كان الشارع يوجب إخراج الشيء عن ملك مالكه بعوض المثل لمصلحة تكميل العتق ولم يمكن المالك من المطالبة بالزيادة على القيمة فكيف إذا كانت الحاجة بالناس إلى التملك أعظم وهم إليها أضر مثل حاجة المضطر إلى الطعام والشراب واللباس وغيره وهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من تقويم الجميع قيمة المثل هو حقيقة التسعير. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في معرض كلامه على التسعير في الجزء الثامن والعشرين من فتاواه الكبرى والمقصود هنا أنه إذا كانت السنة قد مضت في مواضع بأن على المالك أن
(1) سنن الترمذي البيوع (1314)، سنن أبو داود البيوع (3451)، سنن ابن ماجه التجارات (2200)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 286)، سنن الدارمي البيوع (2545).
(2)
صحيح البخاري العتق (2522)، صحيح مسلم الأيمان (1501)، سنن الترمذي الأحكام (1346)، سنن النسائي البيوع (4699)، سنن أبو داود العتق (3940)، سنن ابن ماجه الأحكام (2528)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 11)، موطأ مالك العتق والولاء (1504).
يبيع ما له بثمن مقدر إما بثمن المثل وإما بالثمن الذي اشتراه به لم يحرم مطلقا تقدير الثمن. ثم إن ما قدر به النبي صلى الله عليه وسلم في شراء نصيب المعتق هو لأجل تكميل الحرية وذلك حق الله وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله- إلى أن قال- وحاجة المسلمين إلى الطعام واللباس وغير ذلك من مصلحة عامة وليس الحق فيها لواحد بعينه فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية (إلى أن قال وأبعد الأئمة عن إيجاب المعاوضة وتقديرها هو الشافعي ومع هذا فإنه يوجب على من اضطر الإنسان إلى طعامه أن يعطيه بثمن المثل. وتنازع أصحابه في جواز التسعير للناس إذا كان بالناس حاجة ولهم فيه وجهان. وقال أصحاب أبي حنيفة: لا ينبغي للسلطان أن يسعر على الناس إلا إذا تعلق به حق ضرر العامة فإن كان أرباب الطعام يتعدون ويتجاوزون القيمة تعديا فاحشا وعجز القاضي عن صيانة حقوق المسلمين إلا بالتسعير سعر حينئذ بمشورة أهل الرأي والبصيرة وإذا تعدى أحد بعد ما فعل ذلك أجبره القاضي. أ- هـ كلامه رحمه الله،،،.
والذي يظهر لنا وتطمئن إليه نفوسنا ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من التسعير ما هو ظلم ومنه ما هو عدل جائز فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير الحق على البيع بثمن لا يرضون أو منعهم مما أباحه الله لهم فهو حرام وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز بل واجب. فما قدره النبي صلى الله عليه وسلم من الثمن في سراية العتق هو لأجل تكميل الحرية وهو حق الله وما احتاج إليه الناس حاجة عامة فالحق فيه لله فحاجة المسلمين إلى الطعام والشراب واللباس ونحو هذه الأمور مصلحة عامة ليس فيها الحق لواحد بعينه فتقدير الثمن فيها بثمن المثل على من وجب عليه البيع أولى من تقديره لتكميل الحرية.
فالتسعير جائز بشرطين أحدهما أن يكون التسعير فيما حاجته عامة لجميع الناس، والثاني ألا يكون سببا لغلاء قلة العرض أو كثرة الطلب فمتى تحقق فيه الشرطان كان عدلا وضربا من ضروب الرعاية العامة للأمر كتسعيرة اللحوم والأخباز والأدوية ونحو هذه الأمور مما هي مجال للتلاعب بأسعارها وظلم الناس في بيعها وإن تخلفا أو أحدهما كان ذلك ظلما وداخلا فيما نص عليه حديثا أنس وأبي
هريرة المتقدمان وهو عين ما نهى عنه عمر بن عبد العزيز عامله على الأبلة حين حط سعرهم لمنع البحر فكتب إليه: خل بينهم وبين ذلك فإنما السعر بيد الله.
والخلاصة أن مصلحة الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير فعلى ولي الأمر أن يسعر عليهم فيما تحقق فيه الشرطان المتقدمان تسعير عدل لا وكس ولا شطط فإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل.
بقيت الإشارة إلى: حكم التسعير في أجور العقار وهل هو داخل في حكم الممنوع أم الجائز. تقدم فيما سبق أن التسعير لا يجوز إلا بتحقيق شرطي، أحدهما: أن يكون فيها حاجة عامة لجميع الناس، الثاني: أن لا يكون سببا لغلاء قلة العرض أو كثرة الطلب. والمساكن المعدة للكراء ليست فيها حاجة عامة لجميع الأمة بل الغالب من الناس يسكنون في مساكن يملكونها وإذا كان هناك غلاء في أجرة المساكن المعدة للكراء في مدن المملكة فليست نتيجة اتفاق أصحابها على رفع إجار سكناها ولا الامتناع من تأجيرها وإنما سببه في الغالب قلة العقار المعد للكراء والكثرة الكاثرة من طالبي الاستئجار أو هما جميعا. فتسعير إجار العقار ضرب من الظلم والعدوان فضلا على أنه يحد من نشاط الحركة العمرانية في البلاد وذلك لا يتفق مع مصلحة البلاد وما تتطلبه عوامل نموها وتطورها. وبالله التوفيق قال ذلك وأملاه الفقير إلى ربه محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف مصليا على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
هذا ما تيسر إيراده وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه،،،،، حرر في 21/ 7 / 96 اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء.
عضو - عبد الله بن سليمان بن منيع عضو - عبد الله بن عبد الرحمن الغديان نائب الرئيس - عبد الرزاق عفيفي الرئيس - عبد العزيز بن عبد الله بن باز
عن عبد الله بن مسعود: قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم (1)» .
قال يزيد: أحسبه قال «وأسواقهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (2)» .
«وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فقال: والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا (3)» .
(1) سنن الترمذي تفسير القرآن (3047)، سنن أبو داود الملاحم (4336)، سنن ابن ماجه الفتن (4006).
(2)
سنن الترمذي كتاب تفسير القرآن (3048)، سنن أبو داود الملاحم (4336)، سنن ابن ماجه الفتن (4006)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 391).
(3)
سنن الترمذي تفسير القرآن (3047)، سنن ابن ماجه الفتن (4006).
حكم الذبائح المستوردة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه وبعد. . . ففي الدورة الاستثنائية الثالثة لمجلس هيئة كبار العلماء المنعقدة بمدينة الرياض ابتداء من يوم السبت الموافق 1 من شهر صفر إلى السابع منه عام 1399 هـ اقترح المجلس إعداد بحث في حكم الذبائح التي تستورد إلى المملكة العربية السعودية من بلاد الكفار، فأعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك ضمنته ما يأتي:
1 -
تمهيد يعتبر مدخلا للموضوع.
2 -
ذكر طريقة الذبح الشرعية وما صدر من فتاوى في تلك الذبائح.
3 -
ذكر ما ورد إلى هذه الرئاسة عن كيفية الذبح في تلك البلاد.
4 -
تطبيق القواعد الشرعية على هذه الذبائح على ضوء ما عرف عنها من المشاهدات ونحوها.
5 -
حل المشكلة وطريق الخلاص منها.
وفيما يلي تفصيل ذلك بحول الله وتوفيقه. . .