الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كالأمعاء) أو ما اختلط بعظم أو غيره إن كانوا يحرمونه فلا بأس على المسلمين في أكله لأن الله عز وجل إذا أحل طعامهم، فكان ذلك عند أهل التفسير ذبائحهم فكل ما ذبحوا لنا ففيه شيء مما يحرمونه فلو كان يحرم علينا إذا ذبحوه لأنفسهم من أصل دينهم بتحريمهم لحرم علينا إذا ذبحوه لنا، ولو كان يحرم علينا بأنه ليس من طعامهم وإنما أحل لنا طعامهم وكان ذلك على ما يستحلون كانوا قد يستحلون محرما علينا يعدونه لهم طعاما، فكان يلزمنا لو ذهبنا هذا المذهب أن نأكله لأنه من طعامهم الحلال لهم عندهم، ولكن ليس هذا معنى الآية، معناها ما وصفنا والله أعلم ".
هذا نص الشافعية فمذهبه أن المراد بطعامهم في الآية ذبائحهم خاصة لا عموم الطعام فما ذبحوه مما هو حلال لنا كذبائحنا لا فرق بين ما حرم عليهم منه وما حل لهم، وما حرم علينا لا يحل إذا كان من طعامهم، وهو مخالف في هذا للمذاهب الأخرى التي أخذت بعموم لفظ الآية وعدتها كالاستثناء مما حرم علينا إلا الميتة ولحم الخنزير فإنهما محرمان لذاتهما لا لمعنى يتعلق بالتذكية أو بما يذكر عليها، وقد تقدم ذلك. وقد شرح كون ما أحل لنا مما حرم عليهم لا يحرم من ذبائحهم في موضع آخر (209 و210 منه) وبين هنا أنه يجب على كل عاقل بلغته دعوة محمد صلى الله عليه وسلم أن يتبعه في أصول شرعه وفروعه وحلاله وحرامه فما كان حراما عليهم صار حلا لهم بشرعه، وحلا لنا بالأولى.
مذهب أحمد وأصحابه في طعام أهل الكتاب والتسمية على الذبيحة
قال الشيخ الموفق عبد الله بن قدامة (المقنع- 531 ج2) ما نصه:
" ويشترط للذكاة شروط أربعة: أحدها أهلية الذابح، وهو أن يكون عاقلا مسلما أو كتابيا فتباح ذبيحته ذكرا كان أو أنثى، وعنه لا تباح ذبيحة نصارى بني تغلب ولا من أحد أبويه غير كتابي ".
وذكر في حاشيته أن الصحيح من المذهب إباحة ذبيحة بني تغلب. قال: " وأما من أحد أبويه غير كتابي فقدم المصنف أنها تباح وبه قال مالك وأبو ثور واختاره الشيخ تقي الدين وابن القيم. والثانية لا تباح وهو المذهب وبه قال الشافعي لأنه وجد ما يقتضي الإباحة والتحريم فغلب التحريم كما لو جرحه
(أي الصيد) مسلم ومجوسي" أهـ أقول وللشافعي قول آخر: هو أن العبرة بالأب وكان اللائق بقول الشافعية أن الولد يتبع أشرف الأبوين في الدين أن يجعلوا ذبح الصغير كذبح أشرف والديه، وأما البالغ فلا وجه للبحث عن أبويه فإنه إذا كان كتابيا كان داخلا في عموم الآية.
ثم قال (في ص537 منه): " وإذا ذبح الكتابي ما يحرم عليه كذي الظفر (أي عند اليهود) لم يحرم علينا وإن ذبح حيوانا غيره لم تحرم علينا الشحوم المحرمة عليهم وهو شحم الثرب (أي الكرش) والكليتين في ظاهر كلام أحمد رحمه الله واختاره ابن حامد وحكاه عن الخرقي في كلام مفرد. واختار أبو الحسن التميمي والقاضي تحريمه. وإن ذبح لعيده أو ليتقرب به إلى شيء مما يعظمونه لم يحرم نص عليه " اهـ أي نص عليه الإمام أحمد وهو المذهب وإن روى عنه التحريم وهو موافق فيه لمذهب مالك -رحمهم الله تعالى-.
وقال: (في ص535منه)" الرابع (أي من شروط التذكية) أن يذكر اسم الله عند الذبح وهو أن يقول باسم الله لا يقوم مقامها غيرها إلا الأخرس فإنه يومي إلى السماء. فإن ترك التسمية عمدا لم تبح وإن تركها ساهيا أبيحت وعنه تباح في الحالتين وعنه لا تباح فيهما ".
قال في حاشيته: " قوله فإن ترك التسمية عمدا إلخ هذا هو المذهب فيهما وذكره ابن جرير إجماعا في سقوطها سهوا، وروى ذلك عن ابن عباس وبه قال مالك والثوري وأبو حنيفة وإسحاق. وممن أباح ما نسيت التسمية عليه عطاء وطاوس وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وجعفر بن محمد، وعن أحمد تباح في الحالين وبه قال الشافعي واختاره أبو بكر لحديث البراء مرفوعا:«المسلم يذبح على اسم الله سمى أو لم يسم» وحديث أبي هريرة أنه سئل فقيل: أرأيت الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله؟ فقال: اسم الله في قلب كل مسلم. رواه ابن عدي والدارقطني والبيهقي وضعفه، ولنا ما روى الأحوص بن حكيم عن راشد بن سعد مرفوعا:«ذبيحة المسلم حلال وإن لم يسم ما لم يتعمد» لقوله تعالى: {وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} (1) وجوابه أنها محمولة على ما إذا ترك اسم التسمية عمدا بدليل قوله: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} (2) والأكل مما نسيت التسمية عليه ليس بفسق لقوله عليه السلام: «عفى لأمتي عن الخطأ والنسيان (3)» اهـ.
أقول من عجائب انتصار الإنسان لما يختاره جعل الفسق هنا بمعنى ترك التسمية عمدا، والظاهر فيه ما قاله الشافعي من أنه ما أهل لغير الله به أخذا من قوله تعالى:{أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} (4) وقد تقدم. وفي الباب من كتاب بلوغ المرام للحافظ ابن حجر ما نصه: وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والمسلم يكفيه اسمه فإن نسي أن يسمى الله حين يذبح فليسم ثم ليأكل» أخرجه
(1) سورة الأنعام الآية 121
(2)
سورة الأنعام الآية 121
(3)
سنن ابن ماجه الطلاق (2043).
(4)
سورة الأنعام الآية 145