الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والصحيح الأول. وهكذا رواه أبو يعلي الموصلي عن بشر بن الوليد -أعني- عن أنس.
وهذه نصوص خاصة في خاتم الذهب مع النصوص العامة في ذلك كما في السنن (1) عن أبي موسى أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ فِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ: "هَذَانَ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌ لِإِنَاثِهِمْ".
وهذه الأحاديث أصح من أحاديث الرخصة وأكثر، فيحمل ما ورد في الرخصة إِن ثبت عَلَى أنَّه كان قبل النهي، ثم نسخ بهذه الأحاديث الصحيحة.
وهذا متعين فإنا نتيقن أن لبس الذهب كان مباحًا حين لبسه صلى الله عليه وسلم ثم حرم بنهيه عنه بعد لبسه، والأصل بقاء التحريم وعدم تغيره ويحمل فعل من لبسه من الصحابة عدي أنَّه لم يبلغهم الناسخ.
فصل: [في حكم اتخاذ خاتم الذهب والحديد والصفر النحاس]
لو اتخذ الرجل خاتم ذهب ونحوه مما لا يستبيح لبسه فإن كان لإمائه أو لإعارته، وإن كان نيته لبسه لم يجز، وإن كان له نية وحيث قيل بجوازه، فلا زكاة فيه عندنا. وحكى أبو الحسن التميمي في وجوب الزكاة فيه روايتين، ونزلهما ابن عقيل عَلَى اختلاف النية.
وأما خاتم الحديد والصفر والنحاس فالمذهب كراهته للرجال والنساء.
قال مهنا: سألت أحمد عن خاتم الحديد، فَقَالَ: أكرهه هو حلية أهل النار، قلت: الشبه (2)، قال لم يكن خواتيم الناس إلا فضة ونهى عن لبسه في رواية جماعة من أصحابه، وعن الصلاة فيه في رواية أخرى.
(1) أخرجه الترمذي (1720)، والنسائي (5163)، والبيهقي في الكبير (3/ 275) بلفظ "حرم لباس الحرير والذهب عَلَى ذكور أمتي وأحل لإناثها". واللفظ للترمذي وقال في آخره: وفي الباب عن عمر وعلي وعقبة بن عامر وأنس وحذيفة وأم هانئ وعبد الله بن عمر وعمران بن حصين وعبد الله بن الزبير وجابر وأبي ريحان وابن عمرو وواثلة بن الأسقع، وحديت أبي موسى حديث حسن صحيح.
(2)
هو ضرب من النحاس.
وقال في رواية أبي طالب وسأله عن الحديد والصفر والرصاص تكرهه؟ فَقَالَ: أما الحديد والصفر فنعم، وأما الرصاص فليس أعلم فيه شيئًا، وله رائحة إذا كان في اليد، كأنه كرهه.
وقال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: خاتم الحديد ما ترى فيه؟ فذكر حديث عمرو بن شعيب (1)"أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: "هذه حلية أهل النار".
قال: وابن مسعود لبسه وابن عمر. قال: ما طهرت كف فيها خاتم حديد.
قال أبو عبد الله: اختلفوا فيه، وقال في رواية يوسف بن موسى وإسحاق وقد سئل عن التختم بالحديد قال لا تلبسه. وكذلك (كره)(*) مالك وأبو حنيفة خاتم الحديد. والصفر والرصاص.
وروينا عن عبد الله بن مسلم، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: "جاء رجل إِلَى النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من حديد فَقَالَ: ما لي أرى عليك حلية أهل النار، ثم جاءه وعليه خاتم من صفر، فَقَالَ: ما لي أجد منك ريح الأصنام، ثم أتاه وعليه خاتم من ذهب فَقَالَ: ما لي أرى عليك حلية أهل النار، قال: من أي شيء أتخذه؟ قال: من ورق ولا تتمة مثقالاً.
أخرجه الإمام أحمد (2) والنسائي (3) والترمذي (4)، وهذا لفظه وقال: حديث غريب.
(1) أخرجه أحمد (2/ 163).
(*) في النسخ الثلاث "كرهه" وما أثبته أنسب للسياق.
(2)
(5/ 359).
(3)
برقم (5210).
(4)
برقم (1785).
وقد سأل المروذي أبا عبد الله عن عبد الله بن مسلم هذا، فَقَالَ: لا أعرفه. وقال أحمد في موضع آخر: هو حديث منكر.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عَلَى بعض أصحابه خاتمًا من ذهب فأعرض عنه فألقاه واتخذ خاتمًا من حديد، وقال: هذا شر، هذا حلية أهل النار فألقاه واتخذ خاتمًا من ورق فسكت عنه".
رواه الإمام أحمد في المسند (1)، واحتج به في رواية الأثرم، ورواه الأثرم مختصراً ولفظه "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خاتم الذهب وعن خاتم الحديد".
وروى أبو نعيم (2) من طريق المثني بن الصباح عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو "أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعليه خاتم من ذهب فأعرض عنه، فانطلق الرجل فنزعه ثم لب خاتمًا من حديد ثم أتاه، فنظر إِلَيْهِ فقال: هذا لباس أهل النار، ثم أتاه قد لبس خاتمًا من فضة فلم ينكر ذلك ولم يُعرض عنه".
وقد سبق عن عمر بن الخطاب مرفوعًا نحوه من المسند أيضًا، وفيه عن أبي هريرة خرجه الطحاوي (3). وقد روي من حديث جابر (4) أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عَلَى رجل خاتمًا من حديد فَقَالَ:"مالي أرى عليك حلية أهل النار؟ " ثم ذكر نحوًا مما تقدم. وفي إسناده عبد الله بن شبيب متروك.
ويروى أيضًا من طريق بحر بن كثير (5)، عن أبي الزبير عن جابر وبحر ليس بثقة.
(1)(2/ 163).
(2)
في "الحلية"(8/ 323).
(3)
في شرح معاني الآثار (4/ 261).
(4)
أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 206) وقال: هذا حديث لا يصح. قال ابن عدي. حدث عبد الله بن شبيب بمناكير.
(5)
أخرجه ابن عدي في "الكامل"(2/ 51 - 52). وقال ابن عدي: ولبحر السقاء غير ما ذكرت من الحديث، وكل روايته مضطربة، ويخالف الناس في أسانيدها ومتونها، والضعف عَلَى حديثه بَيِّنَ.
وروى الرافعي بسنده من حديث عباد بن كثير عن شميسة بنت نبهان، عن مولاهم مسلم بن عبد الرحمن، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع الناس عام الفتح عَلَى الصفا، وقد جاءه رجل عليه خاتم حديد، فَقَالَ:"ما طهر الله يدًا فيها خاتم الحديد".
وروينا في فوائد القاضي أبي بكر المنائحي، أنا أحمد بن جعفر الجمال، ثنا محمد بن حميد، ثنا هارون بن المغيرة، عن عمرو بن أبي قيس، عن الأعمش، عن أنس "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن خاتم الحديد".
قال أبو طالب: سئل أحمد عن الرجل في يده خاتم من حديد أو صفر أو رصاص. قال: الحديد كان للنبي صلى الله عليه وسلم خاتم من حديد عليه فضة فرمى به، فلا يُصلي في الحديد والصفر.
ورأى ابن مسعود مع رجل صفرًا، فَقَالَ: رائحة الأصنام.
وفي "مسند يعقوب بن شيبة"، ثنا يعلى بن عبيد، ومحاضر بن المورع قالا: ثنا الأعمش، عن إبراهيم، قال: أخبرني من رأى في يد عبد الله خاتمًا من حديد، وكان النخعي في يده خاتم من حديد.
ويشهد لهذا ما رواه الطبراني في "المعجم الأوسط"(1) من حديث المطعم ابن المقدام العجلي عن أبي سورة بن أخي أبي أيوب، عن عبد الله بن عمر قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بصنم من نحاس، فضرب ظهره بظهر كفه، ثم قال:"خاب وخسر من عبدك من دون الله". ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم جبريلُ ومعه ملك فَتَنحَّى المَلَكُ، فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم:"ما شأنه تنحى؟ " فَقَالَ: "إنه وجد منك ريح نحاس وإنَّا لا نستطيع ريحَ النُّحاس".
(1) برقم (3882) وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن المطعم بن المقدام إلا يزيد بن يوسف، تفرد به مروان بن محمد.
وقال الهيثمي في المجمع (5/ 174): وفيه يزيد بن يوسف الصنعاني ضعفه ابن معين وغيره، وهو متروك، وأثنى عليه أبو مسهر، و (أبو سبرة) (*) قال الذهبي: لا يعرف، وبقية رجاله ثقات.
_________
(*) كذا في المجمع والصواب أبو سورة، وهو أبو سورة الأنصاري ابن أخي أبي أيوب، قال الحافظ في التقريب: ضعيف، من الثالثة.
لكن أبو سورة قد ضعف.
وكذلك جاءت آثار عن الصحابة في كراهة الوضوء من آنية النحاس والصفر لأجل ريحه.
وقد ذكر أبو الحسن الزاغوني في "الفتاوى الرحبيات" أن النهي عن خاتم الحديد ونحوه لأجل الشرك. وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من علق عليه تميمة أو حديدة فقد أشرك بالله"(1).
قال: ووجه أنَّه شرك. أن النساء والجهال يتخذون الدملوج الحديد ليدفع به شر الجن، ويتخذون الخاتم الحديد ليطرد عنهم الفزع.
وقد روى أبو الشيخ الأصفهاني بإسناده عن عمر "أنَّه كتب إِلَى أمراء الأجناد أن اختموا أعناق أهل الذمة بالرصاص".
وهذا يقتضي ذم التختم به، ولهذا قاله الفقهاء في أهل الذمة: إنهم يميزون في الحمام بخاتم حديد في رقابهم. ثم هذه الكراهة كراهة تنزيه عند أكثر الأصحاب.
وظاهر كلام ابن أبي موسى تحريمه عَلَى الرجال والنساء.
وحكي عن أبي بكر عبد العزيز: أن من صلى وفي يده خاتم حديد أو صفر أعاد الصلاة.
وقال أحمد في رواية علي بن زكريا التمار، وقد سئل عن رجل يلبس الخاتم الحديد فيصلي فيه؟ قال: لا.
وقال في رواية أبي طالب، وقد سئل عن رجل في يده خاتم من حديد أو صفر أو رصاص، فَقَالَ: الحديد "كان للنبي صلى الله عليه وسلم خاتم من حديد عليه فضة، فرمى به فلا يصلى في الحديد والصفر". وفي كلام أحمد إيماء إِلَيْهِ.
(1) أخرجه أحمد (4/ 156) من حديث عقبة بن عامر الجهني، ولم يذكر "أو حديدة".
قال الهيثمي في المجمع (5/ 103). رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات.