الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وجعل أصل هذه المسألة ما إذا أخذ اللقطة ثم ردَّها إِلَى موضعها، فإنَّه يضمن بذلك، والخلاف فيها مع أبي حنيفة أيضًا، وحكم الخفِّ ينزعه من رِجلِ النائم ثم يعيده، والدرهم يأخذه من جيبه ثم يرده إِلَيْهِ حكم الخاتم.
وقد ذكر ابن عقيل في كتاب السرقة من "الفصول" أنَّه لو أعاد المسروق إِلَى مال صاحبه فخلطه خلطًا لا يتميز به ولم يعلمه وإن كان لم يعلم بالأخذ برئ بذلك وإن كان علم لم يبرأ حتى يعلمه مراعاة لتطييب قلبه وتسليمه وتسليطه عَلَى ماله كما كان.
قال: ومتى تحقق أنَّه علم بالرد برئ، مثل أن يسرق دابته ويعلم بها ثم يعيدها إِلَى اصطبله، ويعلم أنَّه علم بعودها، فهذا يقتضي أنَّه يبرأ هاهنا بالرد إِلَى يده في تلك النومة كما قال أبو حنيفة؛ لأنّه لم يكن علم بالأخذ بخلاف رده في نومة أخرى فإنَّه لا يبرأ به حتى يستقيظ ويعلم بالرد. ولم يقل ابن عقيل أنَّه لا يبرأ إلا بالرد إِلَى يده حقيقة، بل صرح بالبراءة بردِّه إِلَى ما يجري مجرى يده وهو خلطه بماله، ولا ريب أن جيبه وإصبعه ورجله تجري مجرى يده وما فيها يحكمُ بأنه له، ولكن يقال: هي في حال نومه ليست حرزًا وإن كانت حرزًا في يقظته، ولهذا ذكر القاضي وابن عقيل أن الروايتين في قطع الطرار من الكم والجيب مأخذهما هل هما حرزان أم لا؟ قال: فَإِذَا قلنا: ليسا بحرزين ضمن بتركه الوديعة فيهما ثم صح أنها حرز في اليقظة، قال: لأنّ الشارع جعل وضع رأس النائم في المسجد عَلَى ردائه حرزًا، فَجيبُ المستيقظ أبلغ.
فصل [الهبة في الخاتم]
لو وهب له خاتمًا من أحد النقدين وشرط عليه الثواب فإن كان في الثواب المشترط نقدًا من جنس الخاتم أو غير جنسه، لم يجز لإفضائه إِلَى الربا المحظور: إما ربا الفضل أو النساء أو كلاهما، وإن كان من غير النقود جاز فإنّ الهبة بشرط الثواب بيعٌ فيعتبر فيها شروطه، والله أعلم.
آخر ما وجد بخط المؤلف رحمه الله، والله أعلم.
علقه أفقر عباد الله تعالى وأحوجهم إِلَى رحمته أحمد بن أبي بكر بن دريق بن عبد الرحمن المقدسي الحنبلي، غفر الله ذنوبه، وستر عيوبه في العشر الآخر من صفر الميمون سنة إحدى وستين وثمانمائة.
بلغ مقابلة بأصله بحسب الطاقة.
***
شرح حديث "إن أغبط أوليائي"
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن يا كريم.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
خرَّج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه (1) من حديث أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ أَغْبَطَ أَوْلِيَائِي عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ (الْحَاذِّ) (2) ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلَاةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ لَا يُشَارُ لَهُ بِالْأَصَابِعِ، وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ نَقَرَ بِيَدِهِ فَقَالَ: عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ بَوَاكِيهِ، قَلَّ تُرَاثُهُ» .
(1) أخرجه أحمد (5/ 252)، والترمذي (2347) من طريق عبد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة. وقال الترمذي عن القاسم: وهو شامي ثقة، وعلي بن يزيد ضعيف الحديث.
وأخرجه أحمد (5/ 255) من طريق ليث بن أبي سليم عن عبد الله عن القاسم عن أبي أمامة. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي قلت: ما تراثه؟ قال: ميراثه.
قلت: وليس بن أبي سليم ضعيف. وأخرجه ابن ماجه (4117) من طريق صدقة بن عبد الله، عن إبراهيم بن مرة، عن أيوب بن سليمان، عن أبي أمامة.
وفي الزوائد: إسناده ضعيف، لضعف أيوب بن سليمان، قال فيه أبو حاتم: مجهول، وتبعه عَلَى ذلك الذهبي في الطبقات وغيرها. وصدقة بن عبد الله متفق عَلَى تضعيفه. اهـ.
قال ابن حبان في المجروحين (2/ 62 - 63): عبيد الله بن زحر يروي الموضوعات عن الأثبات، وإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبرٍ عبيد الله وعلي بن يزيد والقاسم أبو عبد الرحمن لا يكون متن ذلك الحبر إلا مما عملته أيديهم. فلا يحل الاحتجاج بهذه الصحيفة بل التنكب عن رواية عبد الله بن زحر عَلَى الأحوال أولى. وأخرجه ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (2/ 636) من طريق وكيع قال: نا علي بن صالح عن أبي المهلب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعًا. قال ابن الجوزي: هنا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن وكيع إِلَى أبي أمامة ضعفاء، ومتى اجتمع ابن زحر وعلي بن يزيد والقاسم في حديث لا يبعد أن يكون معمولهم.
(2)
أي: خفيف الظهر من العيال (النهاية 1/ 457).
وقال الترمذي: حديث حسن واللفظ له.
ولفظ ابن ماجه: "أغبط الناس عندي" والباقي بمعناه ولم يذكر "نقر بيده".
قوله صلى الله عليه وسلم: "أغبط أوليائي عندي" الاغتباط هو: الفرح والسرور والابتهاج بالنعمة سواء كانت عَلَى الإنسان أو عَلَى غيره، محبة لذلك الغير وتهنئة له بما وصل إِلَيْهِ، وسواء كان المغبِط له أعلى منزلة من المغبوط أو مساويًا أو دونه.
فأما مع علو المنزلة فكما في هذا الحديث، وفي حديث:«إن لِلَّهِ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ عز وجل» (1). وفسرهم بالمتحابين في الله عز وجل، وليس المراد أن الأنبياء يتمنون أن يكونوا بمنزلتهم لقصورهم عن درجاتهم، وإنَّما المراد أنهم يبتهجون ويسرون بهم بمكانهم من الله عز وجل.
ومن هنا يعلم أن من فسر الغبطة بتمني مثل نعمة المغبوط، من غير زوالها عنه -بخلاف الحسد، فإنَّه تمني زوال نعمة المحسود- ليس ذلك
(1) أخرجه أبو داود (3527)، والبيهقي في "الشعب"(8998) من حديث عمر بن الخطاب، وأخرجه الترمذي (2390) وأحمد (5/ 229، 239، 328) وغيرهم من حديث معاذ. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأخرجه أحمد (5/ 341، 342، 343)، ومعمر بن راشد في جامعه كما في المصنف لعبد الرزاق (11/ 202) برقم (20324)، ومن طريقه الطبراني في "الكبير"(3/ 3433) وغيرهم من حديث أبي مالك الأشعرى، وفي الإسناد شهر بن حوشب وهو ضعيف، ولكنه يصلح في المتابعات والشواهد فيعتبر به. وأخرجه النسائي في الكبرى (6/ 362) برقم (11236)، وأبو يعلى في مسنده (6110)، وابن حبان (2508 - موارد)، والبيهقي في الشعب (8997) من حديث أبي هريرة. وقال البيهقي: وهو وهم -أي حديث أبي هريرة- والمحفوظ عن أبى زرعة عن عمر بن الخطاب، وأبو زرعة عن عمر مرسل، ثم ساق الحديث من طريق أبى زرعة بن عمرو بن جرير عن عمر. ووقع خطأ في المطبوع، فَقَالَ: عن عمرو بن جرير، والصواب: من طريق أبي زرعة بن عمرو بن جرير {راجع تخريج الزيلعي للكشاف} .
وأخرجه البيهقي في الشعب (409) من حديث أنس بن مالك وفي إسناده يزيد الرقاشي وهو ضعيف، ولكنه يعتضد بما قبله، فيصح الحديث ولله الحمد. ولمزيد من التخريج لهذا الحديث راجع تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف بتخريج الإمام الزيلعي برقم (599).
عَلَى إطلاقه وإنَّما هي في غبطة الأدنى للأعلى خاصة.
وقوله: "أغبط أوليائي عندي" يشير صلى الله عليه وسلم إِلَى أن من كان كذلك فهو من خاصة أوليائه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يُسَرُّ بمن كان من أمته عَلَى هذه الصفة، ويفرح به ويهنئه بما حصل له من السعادة، وكذلك جعله النبي صلى الله عليه وسلم من أوليائه.
وأولياء رسول الله صلى الله عليه وسلم أولياء الله؛ كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ} (1) وصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: "إن وليي الله وصالح المؤمنين". وفي حديث آخر "إن أوليائي، من كانوا وحيث كانوا".
وكذلك هم أولياء الله عز وجل؛ كما قال تعالى: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} (2) فمن كان أعظم إيمانًا وتقوى فهو أعظم ولاية لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فلهذا قال في هذا الحديث:"إن أغبط أوليائي عندي لمؤمن" والمؤمن إذا أُطلق، لا سيما في مقام المدح، فإنما يراد به: من كمل إيمانه بفعل الواجبات وترك المحرمات، وربما أريد به: من قام بعد ذلك بالنوافل؛ لأنّ ذلك كله داخل في اسم الإيمان.
وقوله: "خفيف الحاذ" فسره الأصمعي بقلة المال. {قال} (*): ابن قتيبة: ويفسر أيضاً بقلة العيال، ويشهد لهذا قول أبي ذر:«لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يُغْبَطُ الرَّجُلِ فِيهِ بِخِفَّةِ الْحَاذِ، كَمَا يُغْبَطُ الْيَوْمَ فِيكُمْ أَبُو عَشْرَةَ» خرجه أبو نعيم وغيره.
وخرَّج ابن عدي (3) وغيره (4) من حديث حذيفة مرفوعًا: "خيركم في
(1) المائدة: 56.
(2)
يونس: 62 - 63.
(*) تكررت بالأصل.
(3)
في "الكامل"(3/ 177).
(4)
وأخرجه أيضاً أبو يعلى فى "مسنده" كما في "المطالب العالية"(5/ 15) برقم (4365)، والبيهقي في "شعب الإيمان"(10350)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (6/ 197=
المائتين كل خفيف الحاذ. قالوا: وما خفيف الحاذ؟ قال: الَّذِي لا أهل له ولا ولد". وهو من باب الاستعارة والكناية؛ لأنّ أصل الحاذ هو اللحم كما يقال: خفيف الظهر.
فأما قلة المال: فهو ما يغبط به صاحبه في الدُّنْيَا إذا صبر عَلَى ذلك أو رضي به، وسنذكر ذلك في تفسير قوله:"وكان رزقه كفافًا فصبر عليه" إن شاء الله تعالى.
وأما قلة العيال فهو مما يغبط به المؤمن أحيانًا لاسيما مع فقره وحاجته، ولهذا يقال:"قلة العيال أحد اليسارين". فإن كثرة العيال قد يحمل المؤمن عَلَى طلب الرزق لهم من الوجوه المكروهة، ولهذا وقع في كلام كثير من السَّلف ذم العيال، فكان سفيان الثوري يقول: لا يُعبأ بصاحب عيالٍ، فقلما رأيت صاحب عيال إلا خلط.
وكان يقول: لا أعتد بعبادة رجل له عيال.
=، 11/ 225)، وابن الجوزي في "الموضوعات"(3/ 195).
وسئل أبو حاتم الرازي كما في "العلل" لابنه (1890) عن هذا حديث فَقَالَ: هذا حديث باطل.
وسئل أيضاً كما في العلل (2769) عن هذا الحديث فَقَالَ: هذا حديث منكر.
وقال البيهقي: تفرد به رواد بن الجراح العسقلاني عن سفيان الثوري. وقال البخاري: رواد عن سفيان كان قد اختلط، لا يكاد يقوم، ليس له كبير حديث قائم "الميزان" (3/ 84). وقال الدوري عن ابن معين: لا بأس به -أي: رواد- إِنَّمَا غلط في حديث سفيان. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: صاحب سنة لا بأس به، إلا أنَّه حدَّث عن سفيان أحاديث مناكير. وقال الحفاظ: كثيرًا ما يخطئ ويتفرد بحديث ضعّفه الحفاظ فيه وخطّئوه، وهو خيركم بعد المائتين كل خفيف الحاذ. (التهذيب 3/ 249 - دار الفكر).
قال الدارقطني: تفرد به رواد وهو ضعيف، وقد أدخله البخاري في الضعفاء (نقل ذلك ابن الجوزي في الضعفاء).
وقال الخليلي في "الإرشاد"(2/ 471) عن رواد "يتفرد بحديث ضعفه الحفاظ في ذلك، ثم ذكر حديث حذيفة بإسناده، وقال: وهذا لا يعرف من حديث سفيان إلا من هذا الوجه وقد خطّئوه فيه.
وقال: لو حدّثت عن ذي العيال أنَّه كفر ما أبعدت.
وقال: صاحب العيال لا يكون ورعًا أبدًا.
وقال: من تزوج فقد ركب البحر، فإن ولد له فقد كُسر المركب.
وقال: كانت لنا هرَّة لا تؤذينا، فلما ولدت كشفت القدور.
وعاتب سفيان رجلاً من كتاب الأمراء عَلَى كتابته معهم، وقال له سفيان: كلما دعي بأمير ممن كتبت له دعيت أنت معه، فسئلت عما جرى عَلَى يدك فأنت أسوؤهم حالاً. فَقَالَ له الرجل: فكيف أصنع بعيالي؛ فَقَالَ سفيان: اسمعوا هذا، يقول إذا عصى الله رُزق عياله، وإذا أطاع الله ضُيع عياله، ثم قال سفيان: لا تقتدوا بصاحب عيال، فما كان عذر من عوتب إلا أن قال: عيالي.
وقال: يؤمر بالرجل إِلَى النار يوم القيامة فيقال: هذا عياله أكلوا حسناته.
ولما ولي شريك قضاء الكوفة هجره سفيان وقال: أي رجل أفسدوه! فَقَالَ شريك: لو كان لسفيان بنات، أفسدوه أكثر مما أفسدوني. ومما يستدل عَلَى فضل قله العيال بقوله تعالى:{فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا} (1) عَلَى تفسير من فسره بكثرة العيال، ولكن الجمهور عَلَى تفسيره بالجور والحيف، فإن ملك اليمين قد تكثر به الأولاد كثر من الزوجات الأربع، فإنَّه لا ينحصر في عدد.
وكان الإمام أحمد ينكر عَلَى من كره كثرة الأزواج والعيال، ويستدل بحال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من كثيرة أزواجهم وعيالهم، ويمثل قوله:«تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ، فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (2) ولكنه يأمر مع
(1) النساء: 3.
(2)
أخرجه أبو داود (2050)، والنساني في "الكبرى"(5342)، وفي "المجتبى"(6/ 65)، والطبراني في "الكبير"(20/ 508)، وابن حبان في "صحيحه"(4056، 4057 - إحسان)، والبيهقي في "السنن الكبير"(7/ 81) من حديث معقل بن
هذا بطلب الحلال والكسب، والصبر عَلَى الفقر وإن شق، فالإمام أحمد أمر بما جاء الأمر به في الشرع، وسفيان نظر إِلَى قلة صبر الناس إِلَى ما يئول إِلَيْهِ حالهم عند كثرة عيالهم من ترك الورع، والتكسب من الوجوه المكروهة، وهذا هو الغالب عَلَى الناس لاسيما مع قلة العِلْم والصبر (1)، وأما حال الصابرين عَلَى العيال المحافظين عَلَى الورع معهم فعزيزٌ جدًّا كحال الفضيل لما دخل عليه الرشيد فأعطاه ألف دينار، فأبى أن يأخذها، فخرج عنه، فجاء إِلَيْهِ بعض عياله فقالوا له: لو قبلت هذا المال ففرجت به عنا، قال: مثلي ومثلكم كمثل {رجال} (2) كان لهم جمل يستقون عليه، فلما كبر نحروه، فأكلوا لحمه.
وكان الإمام أحمد له عيال وكان يومًا لا يكون عنده شيء يفرح، وقال: أسرُّ أيامي يوم أصبح وليس عندي شيء، وأرسل يومًا إِلَيْهِ عياله يَقُولُونَ له: ليس عندنا اليوم دقيق، أو قالوا: خبز -فَقَالَ لهم: الساعة، ثم أبطأ عليهم، فعاودوه فَقَالَ: الساعة. فدق عليه رجل الباب، فإذا هو رجل من خراسان قد أرسل معه إِلَيْهِ بخمسة آلاف درهم، فأبى أن يأخذها رردها.
كان فتح الموصلي يجمع عياله في ليالي الشتاء، ويمد كساءه
=يسار. وأخرجه أحمد (3/ 158، 245)، وسعيد بن منصور في سننه (490)، والطبراني في "الأوسط"(5099)، وابن حبان (4028 - إحسان) من حديث أنس.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن حفص ابن أخي أنس إلا خلف بن خليفة.
وذكره الهيثمي في "المجمع"(4/ 252) وقال: رواه أحمد والطبراني في "الأوسط" من طريق حفص بن عمر عن أنس، وقد ذكر ابن أبي حاتم وروى عنه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح. وذكره أيضاً في (4/ 258) وقال: إسناده حسن. وأخرجه الطبراني في "مسند الشاميين"(723) من طريق أبان بن أبي عياش عن أنس، وأبان متروك.
(1)
كتب في الهامش: فافهم ترشد.
(2)
في "الأصل": رجل. والمثبت أنسب للسياق.