الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولًا: نشأة علم العقيدة
العوامل الداخلية
…
أولا: نشأة علم العقيدة:
ثم جدّت بعد ذلك أمور اقتضت تدوين مسائل العقيدة في علم مستقل. ونشير فيما يلي إلى أهم هذه الأسباب والعوامل، فيما نستخلصه من الوقائع، لعل باحثا يقوم بتتبع ذلك وتقديم دراسة متكاملة عن مراحل التدوين وأساليبه في مجال العقيدة الإسلامية.
العوامل الداخلية:
1-
التحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، بعد أن بلّغ رسالة ربه تبارك وتعالى، وترك في هذه الأمة ما إن تمسكت به لن تضل بعده أبدا: كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وكان كتاب الله تعالى محفوظا في صدور الصحابة، ومكتوبا في الصحف -على ما كان متيسرا من وسائل الكتابة- ليكون ذلك وسيلة لتحقيق وعد الله تعالى بحفظ الذكر، ثم جمع في مصحف واحد في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ثم كان الجمع الثاني ونسخ المصاحف وتوزيعها في الأمصار في عهد عثمان رضي الله عنه، وقد توفر لهذا الكتاب ما لم يتوفر لكتاب آخر؛ سماوي أو غير سماوي1.
أما الحديث وسنة النبي صلى الله عليه وسلم فلم تُدَوَّن رسميا تدوينا شاملا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما دُوِّن القرآن الكريم، وإنما كانت محفوظة في الصدور، نقلها
1 انظر: "الموافقات في أصول الشريعة" للشاطبي: 2/ 58-61، "الإحكام في أصول الأحكام" لابن حزم: 4/ 453، 454، "إظهار الحق" للشيخ رحمه الله الهندي ص207 وما بعدها.
صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بعدهم من التابعين مشافهة وتلقينا، وإن كان عصر النبي صلى الله عليه وسلم لم يخل من كتابة بعض الحديث، لا على سبيل التدوين الرسمي. ولقد انقضى عهد الصحابة ولم تدون فيه السنة إلا قليلا، وتكاد تجمع الروايات على أن أول من فكر بالجمع والتدوين للسنة من التابعين: عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه، إذ أرسل إلى أبي بكر بن حزم -عامله وقاضيه على المدينة-:"انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم1 وذهاب العلماء". فكتب شيئا من السنة.. وقام محمد بن شهاب الزهري -وكان عَلَما خفَّاقا من أعلام السنة في عصره- بتدوين كل ما سمعه من أحاديث الصحابة غير مبوّب على أبواب العلم، وربما كان مختلطا بأقوال الصحابة والتابعين، وهذا ما تقتضيه طبيعة البداءة في كل أمر جديد2.
ثم شاع التدوين في الجيل الذي يلي جيل الزهري، في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، مع ضم الأبواب بعضها إلى بعض في كتاب واحد -على ما فعله الإمام مالك في "الموطأ" ثم من بعده البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، وأصحاب السنن في "جوامعهم وسننهم"- فبعد أن كان أهل الحديث يجمعون الأحاديث المختلفة في الصحف والكراريس، أصبحوا يرتبون الأحاديث على الأبواب، مثل: باب الإيمان، باب العلم، باب الطهارة، باب الطلاق
…
باب التوحيد
…
باب السنة، وهكذا.
1 درس العلم، أي: عفا وخفيت آثاره.
2 "السنة ومكانتها في التشريع" للدكتور مصطفى السباعي ص103-107، وانظر:"دراسات في الحديث النبوي" د. محمد مصطفى الأعظمي: 1/ 77 وما بعدها، "قواعد التحديث" للشيخ جمال الدين القاسمي ص70-72 "السنة قبل التدوين" د. محمد عجاج الخطيب ص290 وما بعدها، "تدوين السنة: نشأته وتطوره" د. محمد مطر الزهراني ص65 وما بعدها.
فكان هذا التبويب للأحاديث كان النواة الأولى في استقلال كل باب، فيما بعد، بالبحث والنظر والعناية بالبيان وبيان الأحكام، فعن أبواب الإيمان، والوحي، والسنة، والتوحيد.. نشأ علم العقيدة واستقل عن العلوم الأخرى المستنبطة من الكتاب والسنة، فكان هذا هو العامل الأول.
2-
وأما الثاني: فقد كان المسلمون عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم على منهاج واحد في أصول الدين وفروعه، غير من أظهر وفاقا وأضمر نفاقا
…
وكانوا على كلمة واحدة في أبواب العدل والتوحيد، والوعد والوعيد، وفي سائر أصول الدين، وإنما كانوا يختلفون في فروع في مسائل كثيرة، بل يمتد هذا الخلاف إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان اختلافهم هذا لا يورث تضليلا ولا تفسيقا1؛ لأنه في أمور لا تمس العقيدة، وإنما هي مسائل فرعية، ثم هي مما لم يرد بها نص صريح عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم أو جاءت في بعضها نصوص مختلفة، بعضها يعارض بعضا في ظاهر الأمر.
فلم يكن بد لأحدهم من أن يجتهد برأيه، فيستنبط من نصوص الشريعة العامة حكم بعض المسائل أو يقيس شيئا على شيء، ولم يكن بد لأحدهم -إذا جاءته نصوص مختلفة- من أن يوازن بين هذه النصوص فيرجح بعضها أو يخصص كل نص بحالة تغاير حالة النص الآخر، أو غير ذلك من وجوه الترجيح2.
1 "الفَرْق بين الفِرَق" للبغدادي ص14. وعن الفرق بين ما يجوز من الاختلاف في الفروع وما لا يجوز من الاختلاف والتفرق في العقيدة، انظر: "الحجة في بيان المحجة" للأصبهاني: 2/ 288، 229، "الإبانة" لابن بطة العكبري: 1/ 557-562، "أعلام الحديث" للخطابي: 1/ 218-221، "خلاف الأمة في العبادات" لابن تيمية ص29 وما بعدها.
2 من تعليقات الشيخ محمد محيي الدين عبد الحميد، على "مقالات الإسلاميين" للأشعري ص37، 38".
ثم اختلف الناس في أشياء اتخذها قوم من بعدهم تكأة؛ إما للطعن في بعض الصحابة، وإما جعلوها أساسا لنِحْلَتهم، أو استدلوا بها في مسألة من مسائلهم التي اتخذوها شعارا لهم، ثم تعمق الخلاف وأدى إلى نشوء جماعات متفرقة.
يقول الإمام أبو الحسن الأشعري، رحمه الله: "اختلف الناس بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم في أشياء كثيرة، ضلّل بعضهم بعضا، وبرئ بعضهم من بعض، فصاروا فرقا متباينين، وأحزابا متشتتين، إلا أن الإسلام يجمعهم ويشتمل عليهم. وأول ما حدث من الاختلاف بين المسلمين بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم اختلافهم في الإمامة
…
وهذا اختلاف بين الناس إلى اليوم1.
وبعد هذا الاختلاف قامت كل فرقة تجادل عن رأيها وتؤيده بالأدلة، وتدفع رأي الآخرين وترد عليه، فوضعت في ذلك كتب ومؤلفات، فكان ذلك من عوامل نشأة الكتابة والتدوين في هذا الجانب.
3-
ونضيف هنا عاملا ثالثا هو: ما نجم وظهر من البدع والانحرافات عن العقيدة الصافية التي كان عليها الصحابة -رضوان الله عليهم- بعد سنوات من خلافة علي رضي الله عنه2.
1 "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين" للإمام أبي الحسن الأشعري ص34.
2 بل قد يقع شيء من الانحراف عن الإسلام والعقيدة حتى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولكنه بذاته لا يشكل فرقة أو مذهبا، إنما يشكل بذرة لمذهب أو أصلا، كما يشير إليه حديث أبي سعيد الخدري فيما أخرجه البخاري "6/ 618" ومسلم:"2/ 7401"؛ قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما، إذ أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم فقال: يا رسول الله، اعدل. فقال:"ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل؟! فقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل".
فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال: "دعه؛ فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرَّمِيَّة
…
".
ونجتزئ هنا بما كتبه العلامة المقريزي في "الخطط" وهو يدرس عقائد أهل الإسلام منذ ابتداء الملة الإسلامية إلى أن انتشر مذهب الأشعري، ويرصد البدع التي ظهرت في المجتمع، ويرسم خطا لتطورها التاريخي، فيقول:
"مضى عصر الصحابة رضي الله عنهم على هذا، إلى أن حدث في زمنهم القول بالقدر، وأن الأمر أُنُف، أي: إن الله تعالى لم يقدّر على خلقه شيئا مما هم عليه.
وكان أول من قال بالقدر في الإسلام: معبد بن خالد الجهني. وكان يجالس الحسن البصري، فتكلم في القدر بالبصرة، وسلك بعض أهل البصرة مسلكه لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله، وأخذ معبد هذا الرأي عن رجل من الأساورة يقال له: يونس سنسويه، ويعرف بالأسوري، فلما عظمت الفتنة به عذبه الحجاج، وصلبه بأمر عبد الملك بن مروان سنة ثمانين، ولما بلغ عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، مقالة معبد في القدر تبرأ من القدرية، واقتدى بمعبد في بدعته هذه جماعة من الناس.
وأخذ السلف رحمهم الله في ذم القدرية، وحذَّروا منهم، كما هو معروف في كتب الحديث، وكان عطاء بن يسار قاضيا يرى القدر، وكان يأتي هو ومعبد الجهني إلى الحسن البصري فيقولان له: إن هؤلاء يسفكون الدماء، ويقولون: إنما تجري أعمالنا على قدر الله؟ فقال: كذب أعداء الله، فطُعن على الحسن بهذا ومثله.
قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه
…
"وهم الخوارج الذين خرجوا على علي رضي الله عنه".وانظر: "الوصية الكبرى" لشيخ الإسلام ابن تيمية ص65-68 بتحقيقنا، الطبعة الثانية.
وحدث أيضا في زمن الصحابة رضي الله عنهم مذهب الخوارج، وصرحوا بالتكفير بالذنب، والخروج على الإمام وقتاله، فناظرهم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فلم يرجعوا إلى الحق1، وقاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتل منهم جماعة، كما هو معروف في كتب الأخبار، ودخل في دعوة الخوارج كثير، ورُمي جماعة من أئمة الإسلام بأنهم يذهبون إلى مذهبهم، وعُد منهم غير واحد من رواة الحديث، كما هو معروف عند أهله.
وحدث أيضا في زمن الصحابة رضي الله عنهم مذهب التشيع لعلي بن أبي طالب، رضي الله عنه، والغلو فيه، فلما بلغه ذلك أنكره وحرّق بالنار جماعة ممن غلا فيه2، وأنشد:
لما رأيت الأمر أمرا منكرا
…
أجّجت ناري ودعوت قَنْبَرا
وقام في زمنه رضي الله عنه عبد الله بن وهب بن سبأ المعروف بابن السوداء السبئي، وأحدث القول بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بالإمامة من بعده، فهو وصي رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفته على أمته من بعده بالنص، وأحدث القول برجعة علي بعد موته إلى الدنيا، وبرجعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضا، وزعم أن عليا لم يُقتَل،
1 بل رجع منهم عدد كبير بعد مناظرة ابن عباس رضي الله عنهما ففي الرواية نفسها:
"فرجع منهم عشرون ألفا، وبقي منهم أربعة آلاف فقتلوا". انظر: "المصنف" للإمام عبد الرزاق: 10/ 160، "مجمع الزوائد": 6/ 241. وفي "المستدرك" للحاكم: 2/ 152: "فرجع من القوم ألفان، وقتل سائرهم على ضلالة" قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.
2 أخرج البخاري 6/ 149 عن عكرمة أن عليا رضي الله عنه حرّق قوما، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تعذبوا بعذاب الله"، ولقتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من بدّل دينه فاقتلوه" وانظر: "فتح الباري": 6/ 149-151، 12/ 269-272.
وأنه حي، وأن فيه الجزء الإلهي، وأنه هو الذي يجيء في السحاب، وأن الرعد صوته والبرق سوطه، وأنه لا بد أن ينزل إلى الأرض فيملأها عدلا كما ملئت جورا.
ومن ابن سبأ هذا تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة، وصاروا يقولون بالوقف، يعنون أن الإمامة موقوفة على أناس معينين، كقول الإمامية بأنها في الأئمة الاثني عشر، وقول الإسماعيلية بأنها في ولد إسماعيل بن جعفر الصادق.
وعنه أيضا أخذوا القول بأن الجزء الإلهي يَحُلّ في الأئمة بعد علي بن أبي طالب، وأنهم بذلك استحقوا الإمامة بطريق الوجوب كما استحق آدم عليه السلام سجود الملائكة. وعلى هذا الرأي كان اعتقاد الخلفاء الفاطميين ببلاد مصر1.
وابن سبأ هذا هو الذي أثار الفتنة على أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه حتى قُتل، وكان له عدة أتباع في عامة الأمصار "أي: أصحاب كثيرون في معظم الأقطار" فكثرت لذلك الشيعة وصاروا ضدا للخوارج، وما زال أمرهم يقوى وعددهم يكثر.
ثم حدث بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم مذهب جهم بن صفوان "توفي 128هـ"، بالمشرق، فعظمت الفتنة به، فإنه نفى أن يكون لله تعالى صفة، وأورد على أهل الإسلام شكوكا أثرت في الملة الإسلامية آثارا قبيحة، تولد عنها بلاء كبير، وكان قبيل المائة من سِنِي الهجرة، فكثر أتباعه على أقواله التي تئول إلى التعطيل، فأنكر أهل الإسلام بدعته، وتعاونوا على إنكارها وتضليل أهلها، وحذروا
1 يميل القارئ إلى صحة نسب الفاطميين، وإلى ذلك يذهب ابن خلدون وابن الأثير، ولكن أدلة كثيرة تُثبت أنهم عبيديون من أصول مجوسية ولا يصح نسبهم لفاطمة رضي الله عنها وإلى هذا ذهب عدد كبير من المؤرخين الثقات؛ كالحافظ ابن حجر والذهبي وابن حزم والسيوطي وابن خلكان. انظر:"تاريخ الخلفاء" للسيوطي "524، 525"، و"جاء دور المجوس" ص75، و"قضية نسب الفاطميين"، و"الحاكم بأمر الله".
من الجهمية وعادَوْهم في الله، وذموا من جلس إليهم، وكتبوا في الرد عليهم ما هو معروف عند أهله.
وفي أثناء ذلك حدث مذهب الاعتزال منذ زمن الحسن البصري المتوفى سنة 110هـ رحمه الله "على يد واصل بن عطاء المتوفى سنة 131هـ"، وصنفوا فيه مسائل في العدل والتوحيد وإثبات أفعال العباد، وأن الله تعالى لا يخلق الشر، وجهروا بأن الله لا يُرَى في الآخرة، وأنكروا عذاب القبر على البدن، وأعلنوا أن القرآن مخلوق مُحْدَث
…
إلى غير ذلك من مسائلهم، فتبعهم خلائق في بدعهم، وأكثروا من التصنيف في نصرة مذهبهم بالطرق الجدلية، فنهى أئمة الإسلام عن مذهبهم، وذموا علم الكلام، وهجروا من ينتحله، ولم يزل أمر المعتزلة يقوى، وأتباعهم تكثر، ومذهبهم ينتشر في الأرض.
ثم حدث مذهب التجسيم المضاد لمذهب الاعتزال، فظهر محمد بن كرّام بن عراق بن حزانة، أبو عبد الله السجستاني، زعيم الطائفة الكرّامية، بعد المائتين من سني الهجرة، وأثبت الصفات حتى انتهى فيها إلى التجسيم والتشبيه، وحج وقدم الشام، ومات بزغر في صفر سنة ست وخمسين ومائتين، فدفن بالقدس، وكان هناك من أصحابه زيادة على عشرين ألفا، على التعبد والتقشف، سوى من كان منهم ببلاد المشرق، وهم لا يحصون لكثرتهم
…
وكانت بين الكرامية بالمشرق، وبين المعتزلة مناظرات وفتن كثيرة، متعددة أزماتها.
هذا، وأمر الشيعة يفشو بين الناس، حتى حدث مذهب القرامطة المنسوبين إلى حمدان الأشعث -المعروف بقرمط- وكان ابتداء أمره في سنة أربع وستين ومائتين، وكان ظهوره بسواد الكوفة، فاشتهر مذهبه بالعراق. وقام أتباعه ببلاد
الشام والعراق والبحرين بالدعوة إلى مذهبه الذي يقوم على القول بالباطن، وهو تأويل شرائع الإسلام وصرفها عن ظواهرها إلى أمور زعموها من عند أنفسهم، وتأويل آيات القرآن الكريم ودعواهم فيها تأويلا بعيدا، وانتحلوا بدعا ابتدعوها بأهوائهم فضلّوا وأضلوا عالما كثيرا ممن دخل في مذهبهم. وكان بينهم وبين خلفاء بني العباس حروب وفتن، فأوقعوا بعساكر بغداد، وأخافوا الخلفاء وفرضوا الأموال التي تُحمل إليهم كل سنة من تلك البلاد التي غزوها.
هذا، وقد كان المأمون، عبد الله بن هارون الرشيد، سابع خلفاء بني العباس، لما شغف بالعلوم القديمة بعث إلى بلاد الروم من عرّب له كتب الفلاسفة وأتاه بها في أعوام بضع عشرة سنة ومائتين من سني الهجرة. فانتشرت مذاهب الفلسفة في الناس، واشتهرت كتبهم بعامة الأمصار، وأقبلت المعتزلة والقرامطة والجهمية وغيرهم عليها، وأكثروا من النظر فيها والتصفح لها، فانجر على الإسلام وأهله من علوم الفلاسفة ما لا يوصف من البلاء والمحنة في الدين، وعظم بالفلسفة ضلال أهل البدع وزادتهم كفرا إلى كفرهم.
ولما قامت دولة بني بُوَيْه في بغداد سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وأظهروا مذهب التشيع قويت بهم الشيعة
…
وكثرت ببغداد الفتن بين الشيعة والسنة.
وفشا مذهب الاعتزال في العراق وخراسان وما وراء النهر
…
وقوي أمر الخلفاء العبيديين بإفريقيا وبلاد المغرب وجهروا بمذهب الإسماعيلية، وبثّوا دعاتهم في البلاد وملكوها سنة ثمانٍ وخمسين وثلاثمائة وبعثوا بعساكرهم إلى الشام، فانتشرت مذاهب الرافضة في عامة بلاد المغرب ومصر والشام، وديار بكر، والكوفة، والبصرة، وبغداد، وجميع العراق، وبلاد خراسان وما وراء النهر خلا بلاد الحجاز واليمن والبحرين. وكانت بينهم وبين أهل السنة من الفتن والحروب والمقاتل ما لا يمكن حصره لكثرته. واشتهرت مذاهب الفِرَق، من القدرية، والجهمية، والمعتزلة،
والكرامية، والخوارج، والروافض، والقرامطة، والباطنية، حتى ملأت الأرض. وما منهم إلا نظر في الفلسفة وسلك من طرقها ما وقع عليه اختياره، فلم يبق مصر من الأمصار، ولا قطر من الأقطار إلا وفيه طوائف كثيرة ممن ذكرنا.."1.
ولما ظهرت هذه البدع، وقف علماء السلف وأهل السنة يردون عليها ويحذرون منها، ويوضحون أصول العقيدة، ويدعون للتمسك بها. فكان ذلك واحدا من أهم العوامل التي ساعدت على تدوين علم العقيدة واستقلاله، في كتب ومؤلفات خاصة.
4-
هناك عامل رابع، كان له أثره في نشأة التدوين في العقيدة الإسلامية، وهو اختلاف طبيعة المنهج الذي سلكه المسلمون بعد عصر الصحابة في التفكير والفهم لمسائل الألوهية والعقيدة، نشأ عنه الانشغال ببعض المشكلات التي لم تظهر مبكرة، أو لم يكن هناك ما يدعو للانشغال بها أو التعمق في بحثها والتفكير فيها، ونشأ عن هذا ظهور مشكلات وقضايا شغلت الفكر الإسلامي، وكان لها أثرها في نشوء الفرق وبالتالي الكتابة حولها.
كان موضوع التفكير في عهد الرسول والصحابة هو موضوع الألوهية وما يتفرع عنها، إذ وصف الله تعالى نفسه في القرآن الكريم، وعرّفنا بدلائل قدرته كي نعبده ونسلم له، إذ وصف نفسه باعتبار ذاته بأنه الأول والآخر، والظاهر والباطن
…
وغير ذلك من الصفات التي تعرّفنا بالله؛ غنيا بنفسه، أبديا، واسع القدرة والعلم، محيطا بكل شيء.
ووصف نفسه بأنه الخالق المبدئ المعيد، والبارئ والمصور، والمحيي والمميت..
1 "الخطط المقريزية": 3/ 310-312 بتصرف يسير، وانظر:"منهاج السنة" لابن تيمية: 1/ 106-116، "مختصر الصواعق المرسلة": 1/ 21، "تذكرة الحفاظ": 1/ 160 و328، 329.
إلى غير ذلك من الصفات التي تبين أنه الخالق المطلق، المدير الحاكم الملِك، الذي لا قوة ولا سلطان غير سلطانه في الوجود.
وباعتبار علاقته بالإنسان، وصف نفسه بأنه: الرحمن الرحيم، غافر الذنب وقابل التوب، والعفوّ الحليم
…
كما وصف نفسه بأنه المهيمن والهادي والوكيل، والرازق والمعطي والمغني، يبسط الرزق لمن يشاء
…
وغير ذلك من الأوصاف التي تدل على أن صلة العبد بالله تعالى هي صلة احتياج، فالعبد محتاج إلى عفوه وتدبيره، والله هو الرقيب والحسيب عليه
…
والله إذن هو الفاعل لكل شيء في الوجود، وإرادته هي سبب ما في الوجود كله
…
يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
والإنسان المؤمن، لا يستطيع إزاء ذلك غير أن يرجو الله ويدعوه الهداية، وأن يسأله أن لا يجعله من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم، وكانوا في الآخرة من الخاسرين.
هذا الاعتقاد في "الله" جل جلاله على هذا النحو، كان واضحا عند الرسول صلى الله عليه وسلم وعند جماعته من المهاجرين والأنصار. وكانوا يبشرون به ويدفعون عنه، وإذا تليت عليهم آيات الذكر الحكيم قالوا: آمنا به، كلٌّ من عند ربنا. لم يلجئوا إلى تفتيش عن المتشابه فيه، ولم تكن بهم حاجة إلى تأويله.
كان ذلك عنوان الجماعة الإسلامية، ومظهر إيمانها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان هو حال المؤمنين حقا.
ولكن لأمرٍ ما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ابتدأت الجماعة الإسلامية تحاول فهم
وهل يوصف الله تعالى بصفات سلبية، أم لا يوصف بها؟
…
إلخ.
وظهرت كذلك مسألة "القدر" التي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الخوض فيها1، فقد وردت في القرآن الكريم آيات تشعر للوهلة الأولى بأن الإنسان مجبور مقهور ولا إرادة له، كقوله تعالى:
{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] .
وجاءت آيات أخرى تشعر بالاختيار، كقوله تعالى:
{فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] .
وقد تجد في آيات أخرى ما يشعر بالأمرين معا:
{إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا، وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 29، 30] .
1 أخرج الإمام أحمد في "المسند": "2/ 178"، وابن ماجه في "السنن":"1/ 20""صحيح ابن ماجه"، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم يختصمون في القدر، فكأنما يفقأ في وجهه حب الرمان من الغضب، فقال:"بهذا أمرتم أو لهذا خلقتم؟ تضربون القرآن بعضه بعض. بهذا هلكت الأمم قبلكم".
وأخرج الإمام مسلم في "صحيحه": "4/ 2053" عن عبد الله بن عمرو قال: هجّرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما. قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرف في وجهه الغضب، فقال:"إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب".
فشغل المسلمون أنفسهم بذلك: هل الإنسان مسيَّر أم مخيَّر؟ وإذا كان كذلك فهل هو مسئول عن عمله؟ وما حدود هذه المسئولية؟ وغير ذلك من الأسئلة التي طرحت في أعقاب التعمق في هذه المسألة مع البعد عن منهج السلف في العمل والعبودية والخضوع لله، فإذا انضم إلى ذلك محاولة كل فريق أن يسند رأيه بآية أو حديث، يضعهما في غير موضعهما، أو يؤولهما ليؤيد رأيه بذلك، أو يأخذ بعض النصوص ليعارض بها نصوصا أخرى؛ إذا انضم هذا إلى ذاك علمنا مقدار الخسارة والجهد الذي أضاعه المسلمون في بحث هذه المشكلات والتعمق فيها والرد على أصحابها، وإن كان ذلك لا بد منه لرد الشبهات وإقامة الحجة1.
والمسألة الثالثة التي شغلت التفكير الإسلامي كذلك، هي مسألة "مرتكب الكبيرة"، وفي أول الأمر كانت ممثلة في أحداث جزئية، ثم بالتدريج أخذت تظهر في صورة عامة وتفرعت عن هذه المسألة مسائل أخرى؛ كمسألة الإمامة، وحقيقة الكفر، وحقيقة الإيمان، وزيادة الإيمان ونقصانه.
وعن البحث في هذه المسائل نشأت في الجماعة الإسلامية فرق وأحزاب: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والمعتزلة..2 وذهبت كل فرقة تدافع عن رأيها ومعتقدها، فكان هذا من العوامل التي دفعت بأهل السنة إلى الرّدّ على هذه الفرق فنشأت الكتابة في العقيدة؛ لبيان الحق ورد الشبهات.
1 راجع: "التفكير الفلسفي في الإسلام"، "129-133"، "نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام": 1/ 229-233، "المذاهب الإسلامية" ص99-102. وعن الإيمان بالقدر وموقف السلف والنهي عن التعمق فيه انظر:"شرح العقيدة الطحاوية" ص250-280، واقرأ ما كتبه الأستاذ سيد قطب رحمه الله في "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" القسم الأول ص143-154 عن التوازن بين مجال المشيئة الإلهية الطليقة، ومجال المشيئة الإنسانية المحدودة.
2 "الجانب الإلهي" للدكتور محمد البهي ص67، 68، "المذاهب الإسلامية" لأبي زهرة ص102.