الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نواقض لا إله إلا الله:
ألمحنا فيما سبق إلى أن الشهادتين تعبِّران عن التوحيد، وهما عنوان على دخول المرء في الإسلام، وتترتب عليهما آثارهما في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا عصمة دم المرء وماله وعرضه، وفي الآخرة هما سبب لدخول الجنة والنجاة من النار إذا ختم له بهما. قال تعالى:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا} .
ولكن قد يطرأ على هذه الشهادة ما يبطلها وينقضها، وعندئذ يبطل مفعولها، فلا تترتب عليها تلك الآثار السابقة، فيكون المرء مرتدا عن الإسلام، أو يكون كافرا كفرا أصليا، إن وجدت النواقض ابتداء.
ونواقض الإسلام والإيمان التي تُوقِع في الردة، أو تتحقق بها الردة، كثيرة، ويمكن أن تكون بأحد طرق ثلاثة: بالفعل أو الامتناع عن الفعل، وبالقول، وبالاعتقاد. وتفصيل هذا وبيانه في كتب الفقه الإسلامي في "باب الردة"1.
ونجتزئ هنا ببيان أهم هذه النواقض حتى يحذرها المسلم؛ لتسلم له عقيدته، وليسلم له إيمانه. وسيأتي مزيد بيان لبعض الجوانب من الانحراف عن التوحيد، في فقرة لاحقة -إن شاء الله تعالى- وحسبنا هنا هذه النواقض العشرة التي يذكرها العلماء:
1-
الشرك في عباة الله تعالى، بأي لون من ألوان الشرك الأكبر، الذي يخرج صاحبه من دائرة التوحيد ويخلّده في النار. قال الله تعالى:
{إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ
1 انظر: "التشريع الجنائي الإسلامي"، 2/ 707، والمراجع المشار إليها هناك في عامة البحث، "كتاب الردة بين الأمس واليوم" لمحمد كاظم حبيب.
بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء: 48] .
{إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَار} [المائدة: 72] .
2-
الكفر الأكبر الذي يخلّد صاحبه في النار؛ ويكون ذلك بإنكار الربوبية أو إنكار شيء من خصائصها، أو بإنكار الشريعة أو النبوة، أو ما علم من الدين بالضرورة، من مسائل الاعتقاد أو العبادات أو الحلال أو الحرام، من الفرائض أو السنن أو المباحات، أو بإنكار ما أثبته الله تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله، أو أن يجعل لأحد من الخلق شيئا من خصائص الربوبية. قال الله تعالى:
3-
الاستكبار عن عبادة الله تعالى أو استنكافها، قال الله تعالى:
{إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 35، 36] .
4-
اتخاذ الوسطاء والشفعاء بين العبد وربه، فيدعوهم مع الله أو من دون الله، أو يسألهم الشفاعة، أو يتوكل عليهم. قال الله تعالى:
5-
عدم تكفير المشركين والكفار، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح مذهبهم؛ لأن في ذلك رضى بالكفر، وشكا فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا الشك جعله الله تعالى كفرا، فقال حاكيا عن الكفار ومبينا حالهم:
{قَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [إبراهيم: 9] .
6-
اعتقاد أن هديا غير هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه أو أفضل أو أكمل، أو أن يفضل حكم الطاغوت على حكم الإسلام، وكذلك اعتقاد أن أحدا يجوز له أن يحكم بغير شرع الله، أو أن يحكم بشيء من القوانين الوضعية التي ارتضاها البشر لأنفسهم بمعزل عن دين الله وشرعه، أو أن يحلل ويحرم من تلقاء نفسه؛ لأن في ذلك ادعاء لخاصية من خصائص الألوهية، وإنكارا لخبر الله تعالى بإكمال الدين وإتمام النعمة. قال الله تعالى:
ويدخل في هذا أيضا: اعتقاد أن أحدا من المكلفين يسعه الخروج عن الدين والشريعة الإسلامية، أو الهدي النبوي.
7-
ومما يتصل بذلك: تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم في شيء مما جاء به من عند الله تعالى مما قل أو كثر؛ لأن في ذلك تكذيبا لله تعالى الذي أرسله. قال الله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ، ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [فاطر: 25، 26] .
وكذلك بُغْض الرسول صلى الله عليه وسلم أو بغض شيء مما جاء به، حتى ولو كان يعمل به ويلتزمه، فإن البغض والكراهية له كفر بالله تعالى، وكفر بالرسول صلى الله عليه وسلم:
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 9] .
ولا تحبط الأعمال إلا بالكفر الذي يناقض الإيمان.
8-
الاستهزاء بالله تعالى، أو برسوله صلى الله عليه وسلم، أو بكتابه الكريم، أو بالدين، أو بشعيرة من شعائره، أو الاستهزاء بالثواب والعقاب، أو الاستهزاء بالمؤمنين بسبب إيمانهم. قال الله تعالى عمن استهزأ بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرّاء رضي الله عنهم:
9-
موالاة المشركين ومناصرتهم ومودتهم ومعاونتهم على المسلمين، قال الله تعالى:
10-
الإعراض عن دين الله تعالى، فلا يتعلّمه ولا يعمل به، إذ لا يمكن العمل به إلا بأن يعلمه، ولا معنى للعلم إلا العمل والالتزام، حتى يحقق بذلك مقتضى الإيمان1.
قال الله تعالى:
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة: 22] .
هذا، ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل المازح والجادّ والخائف، إلا المكره الذي رفع عنه الإثم2، فقد قال تعالى:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النحل: 106] .
ثم إن هذه النواقض التي ذكرناها يمكن أن يرجع بعض منها إلى بعض، فتكون في العدد أقل مما ذكرنا، وقد يفصل فيها أكثر من هذا. وحسبنا في هذا المدخل أن ألممنا بها إلمامة سريعة تومئ إلى ما وراءها، وللتفصيل مجال آخر. ونسأل الله تعالى أن يحفظ علينا ديننا وإيماننا.
1 قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: "
…
وهذا المُعْرِض هو الذي لا إرادة له في تعلم الدين، ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه، وهو راضٍ بما عليه من الكفر بالله والإشراك به، لا يؤثر غيره ولا تطلب نفسه سواه".
إرشاد الطالب ص11.
2 انظر في هذه النواقض: "مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب: 1/ 385- 287، "مجموع فتاوى ومقالات الشيخ عبد العزيز بن باز": 1/ 135-137، "مجموعة التوحيد" ص288-293. وتفصيل هذه النواقض في كتاب "تيسير العزيز الحميد" و"فتح المجيد" و"شرح الفقه الأكبر" لملا علي القاري، وهي في مواضع متفرقة من "مجموع فتاوى شيخ الإسلام" و"الإعلام بقواطع الإسلام" لابن حجر الهيثمي، "مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد". وراجع فيما سيأتي ص311 وما بعدها.