الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
8-
التصور الإسلامي:
ألمحت فيما سبق إلى بعض العوامل والمؤثرات التي آلت بكتب العقيدة تحت مسمى "علم الكلام" إلى قليل أو كثير من الانحراف في المنهج وتعقيد في الأسلوب، مما جعلها تبتعد عن المنهج القرآني في مخاطبة النفوس والعقول لإنشاء العقيدة التي تؤثر في سلوك الإنسان وحياته، وكان لا بد من مواجهة هذه الآثار؛ فقام بعض المفكرين المعاصرين، باستجلاء الأساس الفكري العقائدي للإسلام وصياغته صياغة جديدة يرجى لها أن تكون مؤثرة؛ لأنها تربط المسلم بالمصدر الأساسي لهذه العقيدة، وهو "القرآن الكريم" والتطبيق العملي له وهو "السنة النبوية"، فنشأ عندئذ البحث في "التصور الإسلامي ومقوماته".
معنى التصور الإسلامي:
والتصور الإسلامي هو: الفكرة العامة التي جاء بها الإسلام عن الوجود كله "الله، الكون، الحياة، الإنسان"، ومقومات هذا التصور هي: مجموعة الحقائق العقدية الأساسية التي تنشئ في عقل المسلم وقلبه ذلك التصور الخاص للوجود، وما وراءه من قدرة مبدعة وإرادة مدبرة، وما يقوم بين هذا الوجود وهذه الإرادة من صلات وارتباطات1.
1 "مقومات التصور الإسلامي" للأستاذ سيد قطب ص41، ونشير هنا إلى أن سياسة التعليم في بعض البلاد العربية والإسلامية، والجامعات الإسلامية بدأت تهتم بدراسة العقيدة من هذا الجانب وتوليه اهتماما متميزا. انظر:"سياسة التعليم في المملكة العربية السعودية" المواد "2، 3"، "منهج المرحلة الثانوية" ص12. وعن اهتمام جامعة الزيتونة في تونس بذلك انظر:"تفصيل النشأتين" للراغب الأصفهاني، مقدمة الدكتور عبد المجيد النجار ص96.
ظهور مصطلح التصور الإسلامي:
1-
ولعل أول من استخدم هذا المصطلح "التصور الإسلامي" هو المفكر الإسلامي المعروف أبو الأعلى المودودي، أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، رحمه الله، فكتب في ذلك كتابه "الحضارة الإسلامية: أسسها ومبادئها" وكتابه "نظام الحياة في الإسلام" وأقامهما على هذه الفكرة.
2-
ثم أقام الأستاذ سيد قطب كتابه الرائد الممتع "العدالة الاجتماعية في الإسلام" على هذا الأساس، فكتب فيه فصلا عن نظرة الإسلام للوجود؛ ليكون قاعدة لبحث النظام الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، ووعد ببحث مفصل عن ذلك، وكان أن أنجز وعده، فصدر أولا "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" "القسم الأول: الخصائص" وبعد سنوات من استشهاده رحمه الله صدر القسم الثاني من الكتاب عن "مقومات التصور الإسلامي" في عام "1406هـ". ويحدد المؤلف رحمه الله منهجه في البحث فيقول:
"منهجنا في البحث عن "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته" أن نستلهم القرآن الكريم مباشرة -بعد الحياة في ظلال القرآن طويلا- وأن نستحضر -بقدر الإمكان- الجو الذي تنزلت فيه كلمات الله للبشر، والملابسات الاعتقادية والاجتماعية والسياسية التي كانت البشرية تَتيه فيها وقت أن جاءها هذا الهدي. ثم
التيه الذي ضلّت فيه بعد انحرافها عن الهدي الإلهي!
ومنهجنا في استلهام القرآن الكريم أن لا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقا -لا مقررات عقلية ولا مقررات شعورية- من رواسب الثقافات التي لم نستقها من القرآن ذاته، نحاكم إليها نصوصه؛ أو نستلهم معاني هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة
…
ثم إننا لا نحاول استعارة "القالب الفلسفي" في عرض حقائق "التصور الإسلامي"؛ اقتناعا منا بأن هنالك ارتباطا وثيقا بين طبيعة "الموضوع" وطبيعة "القالب"، وأن الموضوع يتأثر بالقالب، وقد تتغير طبيعته ويلحقها التشويه، إذا عرض في قالب، في طبيعته وفي تاريخه، عداء وجفوة وغربة عن طبيعته! الأمر المتحقق في موضوع التصور الإسلامي والقالب الفلسفي. والذي يدركه من تذوق حقيقة هذا التصور كما هي معروضة في النص القرآني!
وكلمة أخرى في المنهج الذي نتوخاه في هذا البحث أيضا
…
إننا لا نستحضر أمامنا انحرافا معينا من انحرافات الفكر الإسلامي، أو الوقائع الإسلامي ثم ندعه يستغرق اهتمامنا كله، بحيث يصبح الرد عليه وتصحيحه هو المحرك الكلي لنا فيما نبذله من جهد في تقرير "خصائص التصور الإسلامي ومقوماته"، إنما نحن نحاول تقرير حقائق هذا التصور -في ذاتها- كما جاء بها القرآن الكريم كاملة شاملة، متوازنة، متناسقة تناسق هذا الكون وتوازنه، وتناسق هذه الفطرة وتوازنها.
ذلك أن استحضار انحراف معين، أو نقص معين؛ والاستغراق في دفعه، وفي صياغة حقائق التصور الإسلامي للرد عليه
…
منهج شديد الخطر وله معقباته في إنشاء انحراف جديد في التصور الإسلامي لدفع انحراف قديم
…
والانحراف انحراف على كل حال! "1.
ولعله مما يحتم هذا المنهج، أن ندرك ثلاث حقائق هامة:
الأولى: أن أول ما وصل إلى العالم الإسلامي من مخلَّفات الحضارة الإغريقية واللاهوت المسيحي، وكان له أثر في توجيه الجدل بين الفرق المختلفة وتلوينه، لم يكن سوى شروح متأخرة للفلسفة الإغريقية، منقولة نقلا مشوها مضطربا في لغة سقيمة، مما نشأ عنه اضطراب كثير في نقل هذه الشروح!
الثانية: أن عملية التوفيق بين شروح الفلسفة الإغريقية والتصور الإسلامي كانت تنم على سذاجة كبيرة، وجهل بطبيعة الفلسفة الإغريقية، وعناصرها الوثنية العميقة، وعدم استقامتها على نظام فكري واحد، وأساس منهجي واحد، مما يخالف النظرة الإسلامية ومنابعها الأصيلة.
الثالثة: أن المشكلات الواقعية في العالم الإسلامي، تلك التي أثارت ذلك الجدل منذ مقتل عثمان رضي الله عنه قد انحرفت بتأويلات النصوص القرآنية، وبالأفهام والمفهومات انحرافا شديدا. فلما بدأت المباحث لتأييد وجهات النظر المختلفة، كانت تبحث عما يؤيدها من الفلسفات والمباحث اللاهوتية، بحثا مغرضا في الغالب؛ ومن ثم لم تعد تلك المصادر -في ظل تلك الخلافات- تصلح أساسا للتفكير الإسلامي الخالص الذي ينبغي أن يتلقى مقوماته ومفهوماته من النص القرآني الثابت، في جو خالص من عقابيل تلك الخلافات التاريخية
…
"2.
وهذا المنهج الذي سلكه المؤلف رحمه الله يجعل النص القرآني هو الأصل الذي يتولى تقرير الحقائق التي يتألف منها البحث، ويجعل عبارة المؤلف مجرد
1 "خصائص التصور الإسلامي" مقتطفات من ص16-19.
2 "خصائص التصور الإسلامي" ص13، 14.
عامل مساعد يجعل النص القرآني مفهوما -بقدر الإمكان- للقارئ، فيعقد -بذلك- الألفة بين قارئ هذا البحث وبين القرآن ذاته.. فيتعود التعامل مع القرآن ذاته مباشرة، ويشعر أن في هذا القرآن غناء كاملا وشاملا في كل حقيقة من حقائق الوجود الأساسية1.
ومهما قلت في هذا الكتاب الرائع الممتع، فلست ببالغ ما أريد، ولست موفّيه حقه، فحسبي هذه الإشارة إلى أهميته ومنهجه؛ ليكون ذلك دافعا للقارئ أن يعود إليه بالدراسة المتأنية العميقة، والبحث الدقيق، ليكون ذلك خطوة على طريق العمل بهذا التصور والتفاعل مع مقتضياته ومستلزماته.
3-
وأما الأستاذ محمد المبارك رحمه الله فقد قدَّم كتابين في هذا المجال انطلاقا من الفكرة السابقة، أولهما:"العقيدة في القرآن" وهو بحث مبتكر في العقيدة، يعرض لها على أنها نظرة شاملة مترابطة الأجزاء، ويسلك في عرضها أسلوب العصر الحديث من حيث التعبير ومناهج البحث والاستدلال، بدلا من أن يسير في أعقاب المتكلمين ووفقا لطرائقهم في البحث، التي تأثروا فيها بنظريات ومفاهيم الفلسفة القديمة.. لا سيما بعد اتساع آفاق الكشف العلمي للكون أو الطبيعة2.
ثم كتب أيضا الجزء الأول من "نظام الإسلام" -العقيدة والعبادة- نَهَجَ فيه المنهج نفسه، وهو أوسع من الكتاب الأول، حيث يعرض فيه لحقائق الوجود ويضع العقيدة في موضعها من نظام الإسلام، فهي اللبنة الأساسية في بنائه، وهي التي تمد باقي أجزائه بالحياة وتحدد اتجاهاتها ومعالمها.
وطريقة المؤلف في بحثه تعتمد على الأسس التالية:
1 "مقومات التصور الإسلامي" ص38.
2 انظر: "العقيدة في القرآن" طبع دار الفكر في بيروت.
أولا: نصوص القرآن والسنة، وذلك بتتبع جميع الآيات والأحاديث التي تتصل بموضوع من الموضوعات، مراعيا في فهم الآيات تفسير الصحابة والصدر الأول دون التأويلات الشاذة.
ثانيا: الاسترشاد بآراء السلف الأُوَل في فهم الإسلام، والاستئناس برأي من جاء بعدهم في مختلف العصور.
ثالثا: الربط بين الأحكام الجزئية وجمع شتاتها واستخراج الأفكار العامة والقواعد الكلية التي تلتزمها، دون التزام التصنيفات والتقسيمات التي اعتمدها المؤلفون القدامى.
رابعا: بذل الجهد في أن يكون تعليل الآراء وحكمة الأحكام مستخرجة من النصوص الأصلية نفسها، والبعد عن التعسف في التأويل والتعليل، والبعد عن الآراء الشاذة.
خامسا: صياغة الأفكار صياغة تتناسب مع المخاطبين في هذا العصر من حيث طريقتهم في التفكير وأسلوبهم في التعبير، مع الحفاظ على المفاهيم الإسلامية دون انتقاص، أو تحريف1.
4-
وهناك كُتَّاب آخرون أيضا عرضوا لمنهج في الكتابة العقدية جديد، ومن ذلك ما قام به الدكتور عبد المجيد النجار في كتابه "فقه التدين، فهما وتنزيلا" الجزء الثاني، ومقدمته لكتاب "تفصيل النشأتين" للراغب الأصفهاني، وضع فيها بين أيدي الباحثين مخططا عاما لما يمكن أن يكون بنية عامة لمنظومة إسلامية في "الإنسان" تستمد مادتها من العقيدة الإسلامية2.
1 "نظام الإسلام: العقيدة والعبادة"، ص "21-25".
2 انظر: "تفصيل النشأتين" تقديم المحقق ص9 وما بعدها. وقد أشار إلى جملة ممن كتب في موضوع "الإنسان" وعجبت من أنه لم يشر إلى أول من خص هذا الموضوع بكتاب رائد فريد، وهو الأستاذ سيد قطب رحمه الله، فلست أدري هل اطلع على "الخصائص" و"المقومات" أم لم يطلع عليهما؟ وقد صدرا منذ أمد، وتكررت طبعاتهما، وصدرت دراسات عنهما في المغرب العربي الذي يعيش فيه الدكتور النجار بعد دراسته في مصر.