الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
دلالة كلمة التوحيد على العقيدة:
ومن ثم أصبحت كلمة التوحيد، وهي شهادة "أن لا إله إلا الله" تشير إلى كل جوانب العقيدة ومسائلها؛ لأنه إذا حصل الإيمان بمضمونها على وجه صحيح استتبع ذلك -قطعا- الإيمان بسائر العقائد من إلهيات ونبوات وسمعيات؛ فإن الوحدانية تتضمن الاعتراف بالله بأنه المعبود بحق، وهو اعتراف ضمني بأنه جامع لكل كمال، منزَّه عن كل نقص، إذ لا يستحق العبادة -وهي نهاية التعظيم وغاية المحبة والخشية- إلا من كان كذلك.
وإنما كانت العناية بذكر الوحدانية؛ لأنها كانت أهم مقاصد الرسل جميعا؛ لأنها هي وحدها العقيدة التي كفرها أكثر الناس وهجروها، فهم يعرفون الله تعالى بقدرته وعلمه وإرادته وأنه خالق السموات والأرض
…
إلخ، ولكنهم يؤمنون به وهم مشركون يتخذون له أندادا من دونه يحبونهم كحبه ويخشونهم كخشيته، وسيأتي مزيد بيان لهذا في بيان أنواع التوحيد، إن شاء الله تعالى.
وهي تدل أيضا على النبوات وما يتصل بها، فإن تكذيب الرسل هو عند التحقيق تكذيب لله تعالى وشرك به؛ لأنه لا يكذب الرسول إلا من أنكر معجزاته، ولا معنى لإنكار معجزاته إلا إنكار كونها من عند الله، وعندئذ يحصل الكفر؛ ولهذا حكم الله تعالى بالكفر على كل من يكفر برسول من الرسل فقال:
ثم إن تصديق الرسول في دعوى الرسالة يستلزم تصديقه في كل ما جاء به، فتدخل السمعيات وغيرها في التوحيد، فيكون التوحيد جماع الدين كله1.
وقد أدخل بعض علماء الكلام في التوحيد ما ليس منه، فهم يريدون بلفظ التوحيد والواحد في اصطلاحهم: ما لا صفة له، ولا يعلم منه شيء دون شيء ولا يُرَى.
وبعضهم يظن أن التوحيد يراد به مجرد توحيد الربوبية، وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم، ويظنون أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد، وأنهم إذا شهدوا هذا فقد فَنُوا في غاية التوحيد.
وكثير منهم يقول: التوحيد له ثلاثة معانٍ، وهو أنه واحد في ذاته لا قسيم له؛ وواحد في صفاته لا شبيه له؛ وواحد في أفعاله لا شريك له.
وهذا الذي تقدم عنهم في معنى التوحيد وما يتضمنه، فيه ما هو حق مما هو ثابت، وفيه ما هو باطل ومخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.
فإن التوحيد الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لم يتضمن شيئا من النفي الذي أثبتوه حين قالوا: ما لا صفة له ولا يعلم منه شيء دون شيء
…
لأن التوحيد الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم تضمن إثبات الإلهية لله وحده، وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، والأدلة على ذلك كثيرة متظاهرة.
وكذلك فإن التوحيد الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليس مقتصرا على إثبات الربوبية لله تعالى، ولا على أنه واحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، فهذا مما يكاد لا يخالف فيه أحد.
بل يتضمن هذا، ويتضمن عبادة الله تعالى، فهو وحده المستحق للعبادة، فليس كل من أقر أن الله رب كل شيء وخالقه يكون عابدا له دون ما سواه2.
1 انظر: "المختار من كنوز السنة" ص109 و142-144.
2 انظر: "درء تعارض العقل والنقل": 1/ 224-228، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية": 3/ 97 وما بعدها.