الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومولدها فلم أجد أقرب تبويب، ولا أحسن ترتيب، مما بويه، ورتبه أبو تمام حبيب بن أوس في كتابه المعروف بكتاب الحماسة، وحسن الإقتداء به والتوخي لمذهبه، لتقدمه في هذه الصناعة، وانفراده منها في أوفر حظ، وأنفس بضاعة، فاتبعت في ذلك مذهبه، ونزعت منزعه، وقرنت الشعر بما يجانسه، ووصلته بما يناسبه، ونقحت ذلك، واخترته على قدر استطاعتي، وبلوغ جهدي وطاقتي.
ومما نقل في كتابه المذكور قول العباس بن الأحنف المشهور:
تحمل عظيم الذنب ممن تحبه
…
وإن كنت مظلومًا فقل: أنا ظالم
فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى
…
يفارقك من تهوى وأنفك راغم
وقول الوافرالدمشقي هكذا. وقال ابن خلكان: وظني أنها لأبي فراس ابن حمدان:
بالله ربكما عوجا على سكني
…
وعاتباه لعل العتب يعطفه
وعرضا لي وقولا في حديثكما
…
ما بال عبدك بالهجران تتلفه
فإن تبسم قولاً في ملاطفة
…
ما ضر لو بوصال منك تسعفه
وإن بدا لكما من سيدي غضب
…
فغالطاه، وقولا: ليس نعرفه
وقول المجنون:
تعلقت ليلى وهي عني صغيرة
…
ولم يبد للأتراب من ثديها عجم
صغيرين ندعى البهم بالبيت أننا
…
إلى اليوم لم نكبر ولم تكبر البهم
البهم الصغار من أولاد الضأن، الواحد بهمة، بفتح الموحدة وسكون الهاء. وما تقدم في ترجمة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ومما ينسب إليه أنه قال حين كف بصره:
إن يأخذ الله من عيني نورهما
…
ففي لساني وقلبي منهما نور
قلبي ذكي وذهني غير في دخل
…
وفي فمي صارم كالسيف مطرور
سنة أربع وخمسين وست مائة
فيها كان ظهور النار بظاهر المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وكانت
من آيات الله العظام قيل: ولم يكن لها حر على عظمها وشدة ضوئها وهي التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، فظهرت بظهورها معجزة والآية العظمى التي أخبر بها صلى الله عليه وآله وسلم، بقوله في الحديث الصحيح:" لا تقوم الساعة حتى يظهر نار بالحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى " وكان نساء المدينة يغزلن على ضوءها بالليل على سطح البيوت، وبقيت أيامًا، وظن أهل المدينة أنها القيامة، وضجوا إلى الله، وتواتر أمر هذه الآية، وكان ظهورها في جمادى الآخرة من واد يقال له: وادي أحيليين بالحاء المهملة والياء المثناة من تحت المكررة ثلاث مرات، وضم الهمزة في أوله في الحرة الشرقية تدب دبيب النمل إلى جهة الشمال، وتأكل ما أتت عليه من أحجار أو جبال، ولا تأكل الشجر حتى أن بعض غلمان الشريف منيف بن سبحة صاحب المدينة الشريفة يومئذ أرسله الشريف المذكور مع آخر ليختبرا هل يقدر أحد على القرب منها لكون الناس هابوها لعظمها؟ فذهبا إليها وقربا منها، فلم يجد لها حراً فأدخل الغلام المذكور سهماً له فيها، فأكلت النصل دون العود، ثم قلبه فيها وأدخله من جهة الريش، فأكلت الريش حسب.
وذكر بعض الناس أن علة عدم أكلها للشجري كونه صلى الله عليه وآله وسلم حرم شجر المدينة، وهذا الذي ذكره إنما يصح لو كان السهم المذكور متخذاً من شجر حرم المدينة الشريفة، ولكن ما عهد أن السهام تتخذ من الحرم المذكور.
قلت: والذي ظهر، والله أعلم، أن هذه النار لما كانت آية في آيات الله العظام جاءت خارقة للعادة، مخالفة في تأثيرها للنار المعتادة، فإن النارالمعهود منها أكل الخشب دون الحجر، فجاءت هذه العكس من تلك تأكل الحجر دون الخشب، وهذا أبلغ في الغزو أقوى في الأثر، والله أعلم، فكانت تثير كل ما مرت عليه حتى يصير سداً لا مسلك فيه لإنسان، ولا عابة حتى أنها سدت وادي الشطاه مسد عظيم بالحجر المبسوك بالنار، حتى قال بعض المؤرخين في معرض التعظيم له: ولا كسد ذي؟؟؟ القرنين طولاً وعرضاً وارتفاعاً.
قلت: وهذا تساهل منه في مبالغة لا ينبغي أن يتساهل بمثلها، فإن الله تعالى قد أخبر أن ياجوج. وماجوج مع كثرتهم. وقوتهم ما استطاعوا له صعوداً ولا نقبا، وانقطع بسبب ذلك سيل وادي الشطاه، وانحبس عون السد المذكور، وكان يجتمع الماء خلفه حتى يصير بحرًاله مد البصر عرضاًوطولاً، كأنه نيل مصر عند زيادته، ثم انخرق هذا السد من تحته في سنة تسعين وست مائة لتكاثر الماء خلفه، فجرى في الوادي المذكور سنة كاملة يملأ ما بين جنبي الوادي، وهذا الخرق المذكور ينقص ما ذكروا من تشبيهه بسدذي القرنين، ثم انخرق
مرة أخرى في العشر الأول بعد السبع مائة، فجرى سنة كاملة، وأزيد، ثم انخرق في سنة أربع وثلاثين وسبع مائة، وكان ذلك بعد توتر أمطار عظيمة في الحجاز في تلك السنة، وكثر الماء وعلا من جانبي السد، ومن دونه مما يلي الجبل وغيره، فجاء سيل طام لا يوصف ومجراه ملاصق لقبة حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه، وقيل: جبل عنيين بفتح العين المهملة وكسر النون بين المثناة من تحت الساكنين، وفي آخره نون.
قلت: ولعله الجبل الن! ي أمر صلى الله عليه واله وسلم الرماة أن يقفوا عليه، وحفر السيل المذكور الدور، وأخر قتلى الجبل المذكور، وبقيت القبة والجبل المذكور أن في وسط السيل وتمادت مدة جريه قريباًمن سنة.
قلت: وهذاالسيل المذكور قد شاهدته، وأقمت عنده أيامًا وليالي، وكشف عن عين قديمة قبل الوادي، فجددهاالأمرودي صاحب المدينة الشريفة.
وفي السنة المذكورة أول ليلة من رمضان ليلة الجمعة احترق المسجد الشريف النبوي بعد صلاة التراويح على يد فراش في الحرم الشريف عرف بأبي بكر المراغي لسقوط ذبالةيده في المساق عن غير اختيار منه، حتى احترق هو أيضاً، واحترق جميع سقف المسجد الشريف، حتى لم يبق إلاالسواري قائمة، وحيطان المسجدالشريف، والحائط الذي بناه عمر بن عبد العزيز حول حائط الحجرة الشريفة المجعول على خمسةأركان لئلا يصل إلى الضريح الطاهر الشريف، ووقع ما ذكرنامن الحريق بعدأن عجزعن إطفائه كل فريق.
ثم سقف المستعصم في سنة خمس من ذلك الحجرة الشريفة، وما حولها إلى الحائط القبلي، وإلى الحائط الشرقي إلى بات جبرائيل عليه السلام المعروف قديمًا بباب عثمان، ومن جهة المغرب إلى المنبر الشريف، ثم قتل الخليفة المستعصم في أول السنة السادسة، فوصلت الآلات من مصر من صاحبها يومئذ الملك المنصورعلى ابن الملك المعز الصالحي، ووصل أيضًامن صاحب اليمن يومئذ الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول الآت وأخشاب، فعملوا إلى باب السلام المعروف قديمًابباب مروان، ثم عزل صاحب مصر، وتولى مكانه مملوك أبيه الملك المظفر سيف الدين قطر سنة ثمان وخمسين، فكان العمل في تلك السنة من باب السلام إلى باب الرحمة المعروف قديماًبباب عاتكة ابنة عبد الله بن زيد بن حارثة، كانت لها دار مقابل الباب، فنسب إليها ومن باب جبرائيل إلى باب النساء المعروف قديمًا بباب ريطة ابنة أبي العباس السفاح، وتولى مصر اخرتلك السنة
الملك الظاهر ركن الدين الصالحي، فعمل في أيامه باقي المسجدالشريف، ولما احترق المنبر المذكور أرسل الملك المظفر صاحب اليمن في سنةست وخمسين بمنبر عمله، فوضع موضع منبر النبي صلى الله عليهوآله وسلم، ولم يزل إلى سنة ست وستين وست مائة يخطب عليه وزبنتاه من الصندل فأرسل الملك الظاهر هذا المنبر الموجود اليوم، فقلع منبر صاحب اليمن، وحمل إلى حامل الحرم، وهو باق إلى اليوم، ونصب هذا مكانه وطوله أربعة أذرع، ومن رأسه إلى عينيه سبعة أذرع يزيدقليلاً، وعدد درجاته سبع بالمقعد، وبين المنبر ومصلى رسول الله صلى الله عليهوآله وسلم أربع عشرة فراعاًوشبر، وبين القبر الشريف المحفوف بالنور، وبين المنبرالمشرف المذكورثلاثة وخمسون فراعًا، وبين المصلىالمبارك المذكور، وبين آخر مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القديم المشكور على ما ذكره الحافظ أبو الحسن رزين بن معاويةبن عمران العبدري الأندلسي في كتابه في ذكردارالهجرة، فإنه ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زاد في مسجده زيادتين، الزيادة الأخيرة بلغت فيها مساحته منها مائة ذراع، وجعل عرضه كطوله في الإتساع قلت: هذا ما اقتصرت عليه تنبيهًا على ما يحتاج إليه.
وفي سنة أربع وخمسين التي وقع في الحريق المذكور، وظهور النار المذكورة، وكان غرق بغداد بزيادة دجلة زيادة ما سمع بمثلها، وغرق خلق كثير، ووقع شيء كثير من الدور على أهلها، وأشرف الناس على الهلاك، وغرقت المراكب في أزقة بغداد، وركب الخليفة في مركب، وابتهل الخلق إلى الله تعالى بالدعاء.
وفيها ملكت التتار سائر الروم بالسيف.
وفيهاتوفي شيخ الطريق العارف بالله ذوالتحقيق عبد الله بن محمد الرازي الصوفي، سمع الكثير من جماعة، وصحب الشيخ نجم الدين الكبري، وهومن شيوخ الدمياطي.
وفيها توفي الشيخ الكبير الشأن أوالجد والاجتهاد والأحوال عيسى بن أحمد الجويني صاحب الشيخ عبد الله بن أحمد، المتقدم ذكره، كان صوامًا قوامًا متبتلاً قانتًا، منقطع القرين، حسن العيش في مطعمه وملبسه يقال له: سلاب الأحوال بجدة فيه مع ذلك.
وفيها توفي الكمال أبو البركات المبارك بن حمدان الموصلي مؤلف عقود الجمان في شعراء الزمان.
وفيها توفي العلامة الواعظ المؤرخ شمس الدين أبو المظفر يوسف التركي ثم البغدادي المعروف بابن الجوزي سبط الشيخ جمال الدين أبي الفرج بن الجوزي، أسمعه جده منه