الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن جماعه وقدم دمشق سنةبضع وست مائة، فوعظ بهاوحصل له القبول العظيم للطف شمائله وعذوبةوعظه، وله تفسيرفي تسعةوعشرين مجلدًا، وشرح الجامع الكبير، وجمع مجلداًفي مناقب أبي حنيفةرضي الله عنه، ودرس وأفتى، وكان في شبيبته حنبليًا، ولم يزل وافر الحرمة عند الملوك،
سنةخمس وخمسين وست مائة
وفيها قتل صاحب مصر الملك المعزالتركماني، وكان ذاعقل ودين، ثم أقاموابعده ابنه الملك المنصورسلطانًا، وكان قتل الملك المعزفي الحمام. قتله أم خليل الآتي ذكرهاغيرة لماخطب ابنة صاحب الموصل فقتلوها.
وفيهاتوفيت أم خليل المذكورة شجرةالدر كانت بارعة الحسن ذات عقل ودهاء، وأحبها الملك، الصالح، ولما توفي أخفت موته، وكانت تعلم بخطها علامته، ونالت من سعادة الدنيا أعلى الرتب بحيث أنه خطب لهاعلىالمنابر، وملكوهاعليهم أياماً، فلم يتم ذلك، وتملك المعزالمذكور، فتزوج بها، وكانت ربما تحكم، وكانت تركية ذات شهامةوإقدام وجرأة، وآل أمرهاإلىأن قتلت تحت قلعةمصرمصلوبة، ثم دفنت بتربتها.
وفيهاتوفي العلامة القدوة نجم الدين أبوعبد الله محمدبن عبد الله بن، محمدبن أبي الشافعي الفرضي سمع من جماعةوبرع في المذهب ودرس بالنظامية، ثم ترسل عن الخلافة غيرمرة، وبنىبدمشق مدرسة كبيرةوولىفي آخرعمره قضاء العراق خمسة عشر يوماً، ثم مات، وكان متواضعًادمث الأخلاق سريًامحتشمًا.
وفيهاتوفي الإمام العلامةشرف الدين أبوعبد الله محمدبن أبي الفضل السلمي الأندلسي المحدث المفسر النحوي، رحل إلى أقصى خراسان،. وسمع الكثير، ورأى الكبار، وكان جماعةلفنون العلم ذكياًثاقب الذهن صاحب تصانيف كثيرةمع زهد وورع وفقر وتعفف
سنةست وخمسين وست مائة
فيها دخلت التتار بغداد، ووضعواالسيف، واستمرالقتل والسبي نيفًاوثلاثين يومًا
فقل من نجا، فيقال: إن في القتلىبلغواألف ألف وثمان مائةوكسراً، وسبب دخولهم أن الملك المؤيد ابن العلقمي كاتبهم وحرضهم على قصدبغدادلأجل ما جرى علىاخوانه الرافضةمن النهب والخزي، وظن النفيس أن الأمروأنه يبقى خليفةعلويًا، وكان
يكاتبهم سرآ، ولا يسهل لهم الأمر، ولا يدع المكاتبات تصل إلى الخليفة ممن يرفع إليه الأعلام، فخاف فأشار الوزير ابن العلقمي على المعتصم بالله أني أخرج إليهم في تقرير الصلح، فخرج الخبيث، وتوثق لنفسه بالأمان، ورجع، فقال للخليفة: إن الملك قد رغب في أن يزوج ابنته بابنك الأمير أبي بكر، وأن يكون الطاعة له كما كان أجدادك مع الملوك السلجوقية، ثم ترحل، فخرج إليه المعتصم في أعيان الدولة، ثم استدعى الوزير العلماء والرؤساء ليحضروا العقد بزعمه وكيده، فخرجوا، فضربت رقاب الجميع، وصار كذلك يخرج طائفة بعد طائفة، فتضرب أعناقهم حتى بقيت الرعية بلا راع، وقتل من أهل الدولة وغيرهم ما قتل من العدد المذكور.
وفيها توفي أبو الفضل زهير بن محمدالمهلبي الكاتب، كان من فضلاء عصره، وأحسنهم نظمًا ونثراًوخطًا، ومن أكثرهم مروءة، وكان قد اتصل بخدمة السلطان الملك الصالح ابن أيوب ابن الملك الكامل في خدمته إلى البلاد الشرقية، وأقام بها إلى ملك الملوك الصالح دمشق، فانتقل إليها في خدمته. قال ابن خلكان: وكنت أسمع به، حتى اجتمعت به قرابته فوق ما سمعت عنه من مكارم الأخلاق وكثرة الرياضة ودماثة السجايا، وكان الاجتماع في القاهرة لما رجع الملك الصالح إلى الديار المصرية، وكان لا يتوسط عنده إلاًبخير، فنفع خلقًاكثيرًابحسن وساطته، وجميل سفارته. وله شعر.
قال ابن خلكان: وكل شعره لطيف، وذكر شيئًامنه في تاريخه، ولكن للاختصار والتخفيف لم أكتب شيئًامنه، ولا أعجبني ولا قوي عزمي الضعيف.
وفيها توفي أبو العباس القرطبي أحمد بن عمر الأنصاري المالكي المحدث نزيل اسكندرية، كان من كبار الأئمة، سمع بالعرب من جماعة، واختصر للصحيحين وصنف كتاب المفهم في شرح مختصرصحيح مسلم.
وفيها توفي الحافظ أبو علي الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد ببغداد هذا الاسم الشريف خمس مرات ابن عمروك التيمي البكري النيسابوري، ثم الدمشقي الصوفي، سمع بمكة، ودمشق، وخراسان، وأصفهان، وكتب الكثير، وجمع، وصنف، وشرع في مسودة ذيل على تاريخ ابن عساكر، وولي مشيخة الشيوخ، وحسبة دمشق، وعظم شأنه في دولة المعظم، ثم تضعضع شأنه وابتلى بالفالج في آخر عمره، ثم تحول إلى مصر، فتوفي بها.
وفيها توفي الشرف الإربل العلامة الحسين بن إبراهيم الهمداني الشافعي اللغوي سمع
من طائفة، وحفظ خطب ابن نباتة، وديوان المتنبي ومقامات الحريري.
وفيها توفي الملك الناصر داود ابن المعظم ابن العادل صاحب الكرك صلاح الدين، أجاز له المؤيد الطوسي، وسمع ببغداد، وكان حنفيًا فاضلاً مناظرًا ذكيًا بصيرًا بالأدب بديع النظم ملك دمشق بعد أبيه، ثم أخذها منه عمه الأشرف فتحول إلى مدينة الكرك، فملكهااحدى وعشرين سنة، ثم عمل عليه ابنه وسلمها إلى صاحب مصر الملك الصالح، وزالت مملكته، وكان جوادًا ممدحًا.
وفيها توفي المعتصم بالله عبد الملك بن المستنصر بالله العباسي أخو الخلفاء، العراقيين، وكانت دولتهم خمس مائة سنة، وأربعًاوعشرين سنة، وكان حليمًاكريمًاسليم الباطن، قليل الرأي، حسن الديانة، مبغضًاللبدعة، سمع وأجيز له، ثم رزق الشهادة في دخول التتار بغداد على ما تقدم. لما ظفر به ملكهم أمر به وبولده أبي بكر، فرفساحتىماتا، وبقي الوقت بلا خليفة ثلاث سنين.
وفيها توفي الحافظ الكبير زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري الشامي ثم المصري الشافعي صاحب التصانيف، وله معجم كبير مروي، ولي مشيخة الكامليةمدة، وانقطع بها مدة نحوًامن عشرين سنة مكبًاعلى العلم والإفادة، وكان ثبتًاحجة، متبرعاًمتبحرًا في فنون الحديث، عارفًابالفقه والنحو مع الزهد والورع والصفات الحميدة.
وفيها توفي الشيخ الكبير العارف بالله الخبير الفقيه الإمام، علم العلماء بالله الأعلام معدن الأسرار وبحر العلوم الجمةالمودع درر المعارف. وجواهر الحكمة الممنوع رفيع المقامات والأحوال السنية، المشهور بعظيم الكرامات والمناقب العلية. المعترف له بكثر العلوم. المشهود له بالقطبية جامع الفضائل والمفاخر والمحاسن، وعلوم الشريعة والحقيقة الظواهر والبواطن، الني نافت علومه على مائة علم وعشرة، ولم يدخل في الطريقة حتىكان بعد للمناظرة الناشر على الكون جلة كمال محاسن الطريقة، والناثر على الوجود يواقيت معارف أسرار الحقيقة المشرقات شموس معارفه غياهب الظلم الناطق لسان حاله بالعبر ولسان مقاله بالحكم. صاحب الفتح الجليل، والمنهج الجزيل والمنصب العالي، أستاذالعارفين، ودليل السالكين أبو الحسن الشاذلي علي بن عبد الله بن عبد الجبار الشريف الحسيب النسيب الحسني قئس الله تعالى روحه، وسقي بماء الرحمة ضريحه، وما نسبة القطرة من ماء البحر الزاخر، عند تعدادماجرىمن الفضائل والمفاخر.
وقال الشيخ الامام العارف بالله تاج الدين بن عطاء الله: قيل للشيخ أبي الحسن من هو شيخك يا سيدي؟ في. فقال: كنت أنتسب إلىالشيخ عبد السلام بن مشيش. بالشين المعجمة المكررة وبينهمامثناةمن تحت، وفتح الميم في أوله، ثم قال: وأناالآن لاأنتسب لأحد بل أعوم في عشرة أبحر. خمسة من الأدميين النبي صلىالله عليه وآله وسلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وخمسة من الروحانيين جبرائيل وميكايل، وعزرائيل، وإسرافيل، والروح وقال تلميذه الشيخ الكبيرإمام العارفين، ودليل السالكين مظهر الأنوار ومقرالأسرار السامي إلىالجناب القدوسي عالي المقامات، وعالي الكرامات أبو العباس المرسي رضي الله تعالى عنه: جلت في ملكوت الله، فرأيت أبا مدين متعلقًا بساق العرش، وهورجل أشقر أزرق العينين، فقلت له: ما علومك ومامقامك؟ فقال: أماعلومي، فأحد وسبعون علمًا، وأما مقامي، فرابع الخلفاء، ورأس السبعة الأبدال قلت: فماتقول في شيخي أبي الحسن الشاذلي. فقال: زاد علي بأربعين علمًا، وهو الذي لايحاط به.
ؤقال الشيخ أبو الحسن المذكور: رأيت رسول الله صلىالله عليه وآله وسلم، وهو يقول:" يا علي طهر ثيابك من الدنس تحظ بمددالله في كل نفس " قلت: يارسول الله، وما ثيابي؟ فقال: اعلم أن الله تعالىقدخلع عليك خمس خلع، خلعة المحبة، وخلعة المعرفة وخلعة التوحيد، وخلغة الإيمان، وخلعة الإسلام، ومن أحب الله هان، عليه كل شيء، ومن عرف الله صغر في عينه كل شيء، ومن وحد الله لم يشرك به شيئاً، ومن آمن بالله آمن من كل شيء، ومن أسلم لله لم يعصه، وإن عصاه اعتذرإليه، وإن اعتذرإليه قبل عذره، ففهمت عند ذلك معنى. قوله عز وجل: وثيابك فطهر. انتهىكل هذا مما رواه الشيخ تاج الدين بن عطاءالله المذكورفي مناقبه.
وذكره الشيخ المشكورالعارف الشهورصفي الدين بن أبي منصورفي رسالته، وأثنى عليه الثناء العظيم، وذكره الشيخ الإمام السيد الجليل شيخ الحديث في زمانه قطب الدين ابن الشيخ الإمام العارف بالله أبي العباس. القشطلاني في مشيخته.
وذكره الشيخ الإمام الكبير الشأن أبوعبد الله النعمان، وشهد له بالقطبية.
وقال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله المذكور: أخبرني الشيخ العارف مكين الدين الأسمر، قال: حضرت. المنصورة في خيمةفيهاالشيخ الإمام مفتي الأنام عز الدين بن عبد السلام، والشيخ مجدد الدين علي بن وهب القشيري المدرس، والشيخ. محيي الدين بن سراقة، والشيخ مجد الدين الأخميمي، والشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنهم أجمعين، ورسالة القشيري تقرأ عليهم، وهم يتكلمون، والشيخ أبوالحسن صامت إلى، أن
فرغ كلامهم، فقالوا: يا سيدي نريدأن نسمع منك، فقال: أنتم سادات الوقت وكبراؤه، وقد تكلمتم، فقالوا: لا بد أن نسمع منك. قال: فسكت الشيخ ساعة، ثم تكلم بالأسرار العجيبة، والعلوم الجليلة، فقال الشيخ عز الدين وقد خرج من صدر الخيمة، وفارق موضعه: اسمعوا هذا الكلام الغريب القريب العهد من الله تعالى. انتهى.
قلت: اسمع أنت أيها الواقف على هذا الكتاب كلام هذا الإمام الهمام علم العلماء الأعلام، العارف بالله رفيع المقام عز الدين بن عبد السلام وكلام السادة المذكورين الأولياء المشكورين، والعلماء المشهورين في تعظيمهم الشيخ أبا الحسن، ومدحهم له، وثنائهم عليه، واشاراتهم إليه، وكلام الحشوية في إنكارهم عليه وطعنهم فيه.
وقول بعض أهل الشام في تاريخه: الشيخ أبو الحسن الشاذلي علي بن عبد الله بن عبد الجبار المغربي الزاهد، شيخ الطائفة الشاذلية، سكن الاسكندرية، وصحبه بها جماعة، وله عبارات في التصوف مشكلة يوهم ويتكلف له في الاعتذار عنها فهل ترجمته هذه مدح له؟ كلا، بل هي في الحقيقة قدح فيه، وغض من جميل صفاته، وخفض لعلومنزلته، ورفيع درجاته، وانتقاص لعظم شرف جلالة قدره، وانزال ما على الثريا من علا معالي فخره في تخوم ثرى أرض سماء عليا فضله. كم هي عادته في وضع أوصاف الأكابر مثله في الشيوخ الصوفية العارفين بالله أولى النور الزاهر؟ واجلال العلماء الأعلام من الأئمة الأشعرية المحققين أهل الحق الظاهر، ورفع أوصاف الأئمة الحشوية الحامدين على الظواهر، ولا يصح الاعتذار عنه يكون كتابه الذي ذكر في ترجمة الشيخ المذكور مختصر الوجهين. أحدهما أنه قد أطنب فيه بمدح كثيرين، ورفع أوصافهم ممن ذكرت والثاني أنه يمكن مع اختصار الكلام التفخيم في الوصف بذكر بعض المناقب العظام ألا ترى إلى وصفه الشيخ المذكور بقوله: الزاهد وكذلك يفعل في غيره من أكابر الصديقين والمقربين والأئمة الهداة العارفين ينابيع الأسرار ومطالع الأنوار كسيدي أحمد بن الرفاعي وغيره من أئمة العارفين السادة يقتصر في مدح الواحد منهم على الزهد الذي هو مبادىء سلوك أهل الإرادة فهلا أبدل لفظ الزاهد بالعارف، أو الإمام، أو المرشد، أو المربي، أو الرباني أو المقرب، أو الصفوة وما أشبه ذلك، وما المانع من زيادة ألفاظ يسيرة؟ مثل الشيخ العارف بحر المعارف، أو إمام الطريقة ولسان الحقيقة وأستاذالأكابر الجامع بين علمي الباطن والظاهر، أو نحو ذلك من الألفاظ اليسيرة المتضمنة لقطرة من بحر فضائلهم الشهيرة.
وكذلك قوله في عباراته: إنها توهم وإنه يتكلف له في الاعتذار عنها أين قوله هذا من قول الإمام المتفق على الإجلال له، والاعظام وجلالة مناقبه العظام عز الدين بن عبد السلام المتقدم ذكره لما تكلم الشيخ أبو الحسن، وكشف الخمار عن محاسن المعارف والأسرار؟
وكذلك أين قوله المذكور، وترجمته المذكورة عنه من قول الشيخ العارف الفقيه الإمام المشكور المشهور صاحب السر المودع، والفتح والمعارف والنوراني سليمان داود الاسكندراني تلميذ الشيخ الكبيرالإمام الشهير العارف بالله الخبير تاج الدين بن عطاء الله المتقدم ذكره في ترجمته عنه؟ حيث قال في ذكر بعض أوصافه: هو السيد الأجل، الكبير القطب، العارف الوارث، المحقق الرباني، صاحب الاشارات العلية، والعبارات السنية، والحقائق القدسية، والأنوار المحمدية والأسرار الربانيه، والهمم العرشية، والمنازلات الحقيقية. الحامل في زمانه لواء العارفين، والمقيم فيه دولة علوم المحققين كهف قلوب السالكين، وقبلة همم المريدين، وزمزم أسرار الواصلين، وجلاء قلوب الغافلين، منشىء معالم الطريقة بعد خفاء اثارها، ومبدىء علوم الحقيقة بعد خبوء أنوارها، ومظهرعوارف المعارف بعد خفائها واستتارها الدال على الله تعالى، وعلى سبيل جنته والداعي علىعلم وبصيرة إلى جنابه وحضرته. أوحد أهل زمانه علماً وحالاً ومعرفةً ومقالاً، الشريف الحبيب النسيب المحمدي العلوي الحسني الفاطمي الصحيح النسبين، والكريم الطرفين، فحل الفحول، إمام السالكين علي الشاذلي الذي يغنيك سمعته عن مديح ممتدح، أو قول منتحل جاء في طريق الله بالأسلوب العجيب، والمنهج الغريب، والمسلك العزيز القريب. قلت: هذا بعض وصفه الذي ذكرت فيه شيئًامن أوصافه اقتصرت عليه رغبة في الاختصار، وفي بعضه كفايةذوي الاستبصار.
ومن كلامه رضي الله تعالى عنه قوله: إذا جالست العلماءفجالسهم بالعلوم المنقولات، والروايات الصحيحة. إماأن تفيدهم، أو تستفيد منهم، وذلك غاية الريح معهم، وإذا جالست العباد والزهاد، فاجلس معهم على بساط الزهد والعبادة، وحل لهم ما استمرروه، وسهل عليهم ما استوعروه، وذوقهم من المعرفة ما لم يذوقوه. وإذا جالست الصديقين، ففارق ما تعلم ولا تنتسب بما تعلم تظفر بالعلم المكنون، وبصائر أجرهاغيرممنون.
وقوله: والمحبة أخذة من الله لقلب عبده عن كل شيء سواه، فترى النفس مائلة إلى طاعته، والعقل متحصناًبمعرفته، والروح مأخوذًا في حضرته،. والسرمعمورًافي مشاهدته والعبد يستزيد فيزاد ويفاتح بما هو أعذب من لذيذ مناجاته، فيكسي حلل التقريب على بساط القربة، ويمس أبكار الحقائق وثيبات العلوم، فمن أجل ذلك قالوا: أولياء الله عرائس، ولا يرى العرائس المجرمون.
وقال: له قائل: قد علمت الحب، فما شراب الحب؟ وما كأس الحب؟ ومن الساقي؟ وما الذوق؟ وما الشرب؟ وما الري وما السكر وما الصحو؟ قال رضي الله تعالى عنه:
الشراب هو النور الساطع عن جمال المحبوب، والكأس هو اللطف الموصل ذلك إلى أفواه القلوب، والساقي هو المتولي الخصوص الأكبر والصالحين من عباده، وهو الله العالم بالمقادير ومصالح أحبائه، فمن كشف له عن ذلك الجمال وحظي بشيء منه نفسًاأونفسين. ثم أرخى عليه الحجاب، فهو الذائق المشتاق ومن دام له ذلك ساعة أو ساعتين، فهو الشارب حقًا، ومن توالى عليه الأمر ودام له الشرب حتى امتلأت عروقه ومفاصله من أنوار الله المخزونة، فذلك هو الري، وربماغاب عن المحسوس والمعقول، فلايدري ما يقال ولا ما يقول فذلك هو السكر، وقد يدور عليهم الكاسات، وتختلف لديهم الحالات، ويرعون إلى الذكر والطاعات، ولا يحجبون عن الصفات، مع تزاحم المقدورات، فذلك وقت صحوهم، واتساع نظرهم ومزيد علمهم، فهو نجوم العلم، وقمر التوحيد يهتدون في ليلهم، وبشموس المعارف يستضيئون في نهارهم،) أولئك حزب الله ألاإن حزب الله هم المفلحون (وله من الكرامات من المكاشفات وغيرها ما لا يحتمل ذكره هذا الكتاب من ذلك ما ذكره تلميذ الشيخ أبو العباس المرسي المتقدم ذكره، قال: خرجت من المدينة الشريفة لزيارة قبر عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حمزة رضي الله عنه، فلما كنت في أثناء الطريق تبعني إنسان، فلما وصلنا لقينا باب القبة مغلقًا، ثم انفتح لنا ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدخلنا فلقينا عنده رجل يدعو، فقلت لرفيقي، هذا من الإبدال، والدعاء في هذه الساعة مستجاب، فدعا إلى الله تعالى أن يرزقه ديناراً وسألت الله أن يعافيني من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة، فلما رجعنا وقربنا بالمدينة لقينا إنسانًا، فأعطى رفيقي ديناراً، فلما دخلنا المدينة. وقع نظر الشيخ أبي الحسن علينا، فقال لرفيقي: يا خسيس الهمة صادفت ساعة اجابة، ثم صرفتها إلى دينار هلا كنت مثل أبي العباس سأل الله تعالى أن يعافيه من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة وقد فعل له ذلك؟ قلت: هذا معنى ما روي عنه، وإن لم تكن جميع ألفاظها بعينها.
ومن ذلك ما اشتهر أنه لما دفن بحميراًعذب ماؤها بعد أن كان ملحًا، وهي صحراء عيذاب، وتوفي فيها متوجهاًإلى بيت الله الحرام، وقبره هناك مشهور مزور على ممر الأيام، والشيخ أبو الحسن الشاذلي المذكور مبدأ ظهوره بشاذلة على القرب من تونس.
قال الشيخ تاج الدين بن عطاء الله: لم يدخل في طريق القوم، حتى كان يعد للمناظرة، وكان متضلعاً بالعلوم الظاهرة، جامعاً لفنونها عن تفسير وحديث ونحو وأصول وآداب، وكانت له السياحات الكثيرة، ثم جامحه بعد ذلك العطاء الكثير والفضل الغريز، واعترف بعلو منزلته من عاصره من أكابر العلماء والأولياء العارفين بالله تعالى، وهذا ما