الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفيها توفي محمد بن داود البعلبكي الحنبلي وفيها توفي الفقيه المعمر أبو بكر بن هلال الحنفي رحمهما الله تعالى.
وفيها توفي أبو القاسم بن الحسين الحلبي الرافضي، الفقيه المتكلم شيخ الشيعة، وعالمهم. سكن حلب مدة، وصفع بها لكونه سب الصحابة.
سنة ثمانين وست مائة
فيها قبض السلطان على جماعة من الأمراء، فهرب السعدي والهاروني إلى عند سنقر، ودخل السلطان دمشق، وبعث عسكراً حاصروا شيراز، وأخذوها فرضي سنقر، وصالح السلطان، فأطلق له عدة بلدان منها أنطاكية وغيرها.
وفي رجب كانت وقعة حمص. أقبل سلطان التتار يطوي البلاد بجيوشه من ناحية حلب، وسار السلطان بجيوشه، فالتقوا شمالي تربة خالد بن وليد، وكان ملك التتار في مائة ألف، والمسلمون في خمسين ألفاً أو دونها، فحملت التتار، واستظهروا واضطربت ميمنة المسلمين، ثم انكسرت الميسرة مع طرف القلب، وثبت السلطان بحلقته، واستمرت الحرب من أول النهار إلى اصفرار الشمس، وحملت الأبطال بين يدي السلطان عدة حملات، وتبين يومئذٍ فوارس الإسلام الذين لم يخلفهم الوقت مثل سنقر، والوزيري السعدي، وأزدمر حسام الدين لاجين، وعلم الدويداري وغيرهم قال: واستغاث الخلق والأطفال، وتضرعوا إلى الله تعالى، فنزل المدد من الله تعالى والنصر وفتح الله، فانكسر أعداء الله، وأصيب ملكهم بطعنة يقال أنها من يد الشهيد أزدمر، وطلع من جهة الشرق عيسى بن مهنا، فاستحكمت هزيمتهم، وركب المسلمون أقفيتهم والحمد لله.
وفيها توفي الشيخ المفسر العلامة المقرئ المحقق الزاهد القدوة موفق الدين أبو العباس يوسف بن حنين الشيباني الموصلي الكواشي. ولد بكواشة قلعة من نواحي الموصل، واشتغل حتى برع في القراءات والتفسير والعربية، وكان منقطع القرين ورعاً وزهداً وصلاحاً وتبتلاً، وله كشف وكرامات.
وفيها توفي الزاهد القدرة الشافي أبو الحسين علي بن أحمد الجوزي. صاحب حال وكشف وعبادة وتبتل.
وفيها توفي ابن بنت الأعز قاضي القضاة صدر الدين عمر ابن قاضي القضاة تاج الدين عبد الوهاب العلائي الشافعي المصري، ولي قضاء الديار المصريه نحو سنه، ثم عزل وتوفي يوم عاشوراء.
وفيها توفي ابن سني الدولة قاضي القضاة أحمد ابن قاضي القضاة يحيى الدمشقي الشافعي، ولي القضاء، ثم عزل بعد سنة بابن خلكان، ثم سكن مصر وصودر، ثم وقضاء حلب، وكان يعد من كبار الفقهاء العارفين بالمذهب مع الهيبة والتحري.
وفيها توفي شيخ الإسلام قاضي القضاة المعروف بابن رزين تقي الدين أبو عبد محمد بن الحسين العامري الحموي الشافعي، ولد سنة ثلاث وست مائة، واشتغل من الصغر، وحفظ التنبيه والوسيط والمفصل والمستصفى للغزالي وغير ذلك، وبرع في الفقه والعربية والأصول، وشارك في المنطق والكلام والحديث وفنون من العلوم وأفتى، وله ثمان عشر سنة، أخذ الفقه عن ابن الصلاح، والقراءات عن السخاوي، وكان يفتي بدمشق في أيام ابن الصلاح، ويؤم بدار الحديث، ثم ولي الوكالة في أيام الناصر مع تدريس الشامية، ثم تحول إلى مصر، واشتغل ودرس بالظاهرية، ثم ولي قضاء القضاة، فلم يأخذ عليه رزقاً وتديناً وورعاًً، وتفقه به عدة أئمة، وانتفعوا بعلمه وهديه وشيمه وورعه، وتوفي في ثالث رجب.
وفيها توفي الحافظ أبو حامد المعروف بابن الصابوني محمد بن علي شيخ دار الحديث النورية حصل الأصول، وجمع وصنف.
وفيها توفي الشاعر المشهور يوسف بن لؤلؤ من كبار شعراء الدولة الناصرية.
سنة إحدى وثمانين وست مائة
وفيها توفي قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد بن محمد الإربلي الشافعي المعروف بابن خلكان صاحب التاريخ، ولد سنة ثمان وست مائة، وسمع البخاري من مكرم، وأجاز له المؤيد الطوسي وجماعة، وتفقه بالموصل على الكمال بن يونس، وبالشام على ابن شداد، ولقي كبار العلماء، وبرع في الفضائل والآداب، وسكن مصر مدة، وناب في القضاء، ثم ولي قضاء الشام عشر سنين معزولاً به عز الدين ابن الصائغ، وعزل بعز الدين المذكور، فأقام سبع سنين معزولاً بمصر، ثم رد إلى قضاء الشام، وعزل به ابن الصباغ وتلقاه يوم دخوله نائب السلطنة، وأعيان البلد، وكان يوماً مشهوداً قل أن رأى قاضٍ مثله. وكان عالماً بارعاً عارفاً بالمذهب وفنونه. شديد الفتاوى جيد القريحة. وقوراً رئيساً، حسن المذاكرة، حلو المحاضرة، بصيراً بالشعر، جميل الأخلاق سرياً ذكياً إخبارياً عارفاً بأيام
الناس. له كتاب وفيات الأعيان، وهو من أحسن ما صنف في هذا الفن.
قلت: ومن طالع تاريخه المذكور، طلع على كثرة فضائل مصنفه، وما رأيته يتتبع في تاريخه إلا الفضلاء، ويطنب في تعديد فضائلهم من العلماء خصوصاً علماء الأدب والشعراء، وأعيان أولى الولايات، وكبراء الدولة من الملوك والوزراء والأمراء، ومن له شهرة وصيت في الورى. لكنه لم يذكر فيه أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولا من التابعين رحمة الله عليهم، إلا جماعة يسيرة تدعو حاجة كثيرة من الناس إلى معرفة أحوالهم. كذا قال في خطبته قال: وكذلك الخلفاء لم أذكر أحداً منهم اكتفاء بالمصنفات الكثيرة في هذا الباب.
قلت: كأنه يعني بالخلفاء المذكورين الخلفاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم، وما كان حاجة إلى ذكرهم، فإنه قد ذكر أنه لم يذكر أحداً من الصحابة، وكان حقهم أن يذكرهم قبل التابعين. بل قبل الصحابة، وكلامه هذا يوهم أنه لم يذكر أحداً من الخلفاء الذين هم الملوك من بني العباس وغيرهم، ولي كذلك بل قد ذكرهم، فليفهم ذلك فإنه موهم.
رجعنا إلى تمام كلامه قال: لكن ذكرت جماعة من الأفاضل الذين شاهدتهم، ونقلت عنهم، أو كانوا في زمني، ولم أرهم ليطلع على حالهم من يأتي من بعدي.
قلت: وكلامه هذا أيضاً ليس بصائب، فانه يوهم أنه لم ينقل إلا عن الذين عاصرهم، وليس بصحيح، فإنه لم يقتصر على ذلك بل هو كما ذكر في خطبته قبل هذا قال: ولم أقصر هذا المختصر على طائفة مخصوصة مثل العلماء والملوك والأمراء والوزراء والشعراء، بل كل من كان له شهرة بين الناس، ويقع السؤال عنه قال: وذكرت من محاسن كل شخص ما يليق به من مكرمه، أو نادرة شعر أو رسالة ليتفقه متأمله، ولا يراه مقصوراً على أسلوب واحد، فيمله والدواعي إنما تنبعث لتصفح الكتاب إن كان دً.
وذكر أنه كان ترتيبه لتاريخه المذكور في شهور سنة أربع وخمسين وست مائة بالقاهرة المحروسة. ثم قال في آخره: نجز الكتاب بحمد الله وعونه في يوم الاثنين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وسبعين وست مائة بالقاهرة المحروسة، ثم قال: يقول الفقير إلى الله تعالى أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان مؤلف هذا الكتاب: إنني كنت قد شرعت في هذا الكتاب في التاريخ المذكور في أوله على الصورة التي شرحتها هناك مع استغراق الأوقات في فصل القضايا الشرعية والأحكام الدينية بالقاهرة المحروسة، فلما انتهيت فيه إلى آخر ترجمة يحيى بن خالد حصلت لي حركة إلى الشام المحروس في خدمة
الركاب الشريف العالي المولوي السلطان المؤيدي المنصوري الغياثي المالكي الظاهري بيبرس قسيم أمير المؤمنين حمد الله تعالى سلطانه، وشيد بدوام دولته قواعد الملك، وثبت أركانه، فدخلنا دمشق سابع ذي القعدة من سنة تسع وخمسين وست مائة، وقلدني الأحكام بالبلاد الشامية يوم الخميس ثامن ذي الحجة من السنة المذكورة، فتراكمت الأشغال، وكثرت الموانع الصارفة عن إتمام هذا الكتاب، فاقتصرت على ما كان قد أثبته من ذلك، وختمت الكتاب، واعتذرت في آخره بهذه الشواغل عن إكماله، وقلت: إن قدر الله تعالى مهلة في الأجل، وتسهيلاً في العمل استأنفت كتاباً يكون جامعاً لجميع ما تدعو الحاجة إليه، ثم حصل الانفصال عن الشام والرجوع إلى الديار المصرية، وكانت مدة المقام بدمشق المحروسة عشر سنين لا تزيد ولا تنقص، فلما وصلت إلى القاهرة صادفت بها كتباً كنت أوثر الوقوف عليها، وما كنت أتفرغ لها، فلما صرت أفرغ من حجام ساباط بعد أن كنت أشغل من ذات النحيين كما يقال في هذين المثلين. طالعت تلك الكتب وأخذت منها حاجتي، ثم تصديت لإتمام هذا الكتاب حتى كمل على هذه الصورة، وأنا على عزم الشروع في الكتاب الذي وعدت به إن قدر الله عز وجل ذلك، والله تعالى يعين عليه، ويسهل الطريق المؤدية إليه. فمن وقف على هذا الكتاب من أهل العلم، ورأى فيه شيئاً من الخلل، فلا يعجل بالمؤاخذة، فإني توخيت فيه الصحة حسب ما ظهر لي مع أنه كما يقال: أبى الله أن يصح إلا كتابه. لكن هذا جهد المقل، وبذل الاستطاعة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولا يكلف الإنسان ما لا تصل قدرته إليه، وفوق كل في علم عليم، فالله يستر عيوبنا بكرمه الضافي، ولا يكدر علينا ما منحنا به من مشرع إعطائه النمير الصافي. إن شاء الله تعالى. انتهى كلامه مع حذفي لألفاظ يسيرة منه كقوله السلطان الماجدي المرابطي الشاعري المنعمي المحسني مما يطنب فيه من مدح أهل الدنيا من الملوك وغيرهم، وألفاظ أخرى لا تدعو الحاجة إلى استيعابها ذكراً، وغفرانك اللهم غفراً، ثم عزل القاضي شمس الدين المذكور بابن الصباغ ثانياً واستمر معزولاً وبيده المدرسة الأمينية والنجيبية إلى أن توفي في شهر رجب في السنة المذكورة، وشيعه خلق كثير.
وقد روى عنه قاضي القضاة نجم الدين ابن صصري وبه تخرج الشيخ أبو الحجاج المزي، ومؤرخ الشام الحافظ علم الدين البرزالي وخلق، ومن شعر القاضي شمس الدين ابن خلكان:
أي ليل على المحب أطاله
…
سائق الظعن يوم زم رحاله