المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌نشأة فريضة الصوم: - موجز دائرة المعارف الإسلامية - جـ ٢١

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌ص

- ‌صارى عبد اللَّه أفندى

- ‌المصادر:

- ‌الصاع

- ‌المصادر:

- ‌صالح عليه السلام

- ‌المصادر:

- ‌تعليق على مادة "صالح" للأستاذ أمين الخولى

- ‌الملك الصالح

- ‌المصادر:

- ‌الملك الصالح

- ‌المصادر:

- ‌الملك الصالح

- ‌المصادر

- ‌الملك الصالح

- ‌ الملك الصالح

- ‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌الملك الصالح

- ‌المصادر

- ‌صالح بن على

- ‌المصادر:

- ‌صالح بن مرداس

- ‌المصادر:

- ‌الصبر

- ‌المصادر

- ‌صحار

- ‌المصادر:

- ‌صحيح

- ‌المصادر:

- ‌تعليق على مادة "صحيح" للأستاذ أمين الخولى

- ‌صدر أعظم

- ‌المصادر:

- ‌صدر الدين

- ‌المصادر:

- ‌صدقة

- ‌المصادر:

- ‌تعليق على مادة "صدقة" للأستاذ أمين الخولى

- ‌صدقة بن منصور

- ‌المصادر:

- ‌الصديق

- ‌المصادر:

- ‌الصفا

- ‌المصادر:

- ‌الصفدى

- ‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌الصفر

- ‌المصادر:

- ‌الصفويون

- ‌المصادر:

- ‌صفى الدين

- ‌المصادر:

- ‌صفى الدين عبد المؤمن

- ‌المصادر:

- ‌صفين

- ‌المصادر:

- ‌صفية بنت حيى

- ‌المصادر:

- ‌الصقالبة

- ‌صقالبة الأندلس:

- ‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌صقلية

- ‌المصادر:

- ‌صلاح الدين

- ‌المصادر:

- ‌الصلاة

- ‌تعليق على مادة "صلاة" بقلم الأستاذ أمين الخولى

- ‌(أ) نظرة عامة

- ‌(ب) منطق مدخول

- ‌(جـ) محمد [صلى الله عليه وسلم] هو الذى فعل

- ‌(د) تشابه الأديان

- ‌(هـ) تشكيك غريب

- ‌(و) أشياء غير ذات بال

- ‌الصليحى

- ‌المصادر:

- ‌صمصام الدولة

- ‌المصادر:

- ‌الصمصامة

- ‌المصادر:

- ‌الصميل

- ‌المصادر:

- ‌صنعاء

- ‌المصادر:

- ‌صنهاجة

- ‌المصادر:

- ‌صور

- ‌المصادر:

- ‌الصولى

- ‌المصادر:

- ‌صوم

- ‌نشأة فريضة الصوم:

- ‌كيف يجب على المرء أن يصوم ومن الذى يجب عليه الصوم:

- ‌والمفطرات هى:

- ‌أما السنن أو ما يستحبّ فى الصوم فهى:

- ‌وبحسب الأحكام الفقهية الخمسة يمكن أن ينقسم الصوم إلى:

- ‌المصادر:

- ‌الصومال

- ‌أ- الهيكل الجغرافى:

- ‌مجموعة الأنهار:

- ‌ب- الأقسام السياسية:

- ‌ج- السلالات الصومالية:

- ‌د- اللغة:

- ‌هـ- تاريخها:

- ‌و- الإسلام:

- ‌المصادر:

- ‌ض

- ‌ضباب

- ‌المصادر:

- ‌الضبى

- ‌المصادر:

- ‌الضحاك

- ‌ الضحاك

- ‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌ضرغام

- ‌المصادر:

- ‌ضرية

- ‌المصادر:

- ‌الضمير

- ‌المصادر:

- ‌ط

- ‌طارق بن زياد

- ‌المصادر:

- ‌طاهر وحيد

- ‌المصادر:

- ‌الطائع لأمر اللَّه

- ‌المصادر:

- ‌الطائف

- ‌المصادر:

- ‌الطب

- ‌المصادر:

الفصل: ‌نشأة فريضة الصوم:

السور المدنية، أما فى السور المكية فهى لم ترد إلا مرة واحدة، فى سورة مريم الآية 26، والمفسرون يفسرونها "بالصمت"(ولذلك فإن هذه هى إحدى ترجمات الكلمة فى القواميس) لكن يجوز أن تترجم كلمة صوم هنا "بالصوم"(بمعنى الإمساك عن الطعام والشراب؛ انظر ما يلى)، ويذكر بعد الفعل ظرف الزمان الدال على الوقت الذى يقضيه الإنسان صائما.

‌نشأة فريضة الصوم:

لا يسوغ للإنسان أن يفترض افتراضا أوليا: أن الصوم لم يكن شعيرة معروفة فى مكة قبل زمان محمد عليه الصلاة والسلام، فلماذا لا يقال إن الحنفاء كانوا يزاولون هذه الرياضة الروحية، إذا عرفنا أنه كان يتجلى فى أسلوب حياتهم كثير من الخصال اليهودية النصرانية، وذلك على الأقل بحسب ما جاء فى الروايات (4).

= ثم إن الصوم من حيث هو تكليف إلهى وطاعة شئ قديم، وما هو دليل كاتب المادة على أن الصوم لم يكن أقدم مما عند اليهود؟ لماذا لم يكن هناك صوم منذ آدم أو على عهد نوح أو إبراهيم عليهم السلام. والدلائل الحاسمة تدل على وجود تراث دينى لإبراهيم عليه السلام بين العرب وخصوصًا فى مكة. والعرب جميعًا يعرفون أن إبراهيم هو الذى بنى البيت الحرام. وفى جزيرة العرب بقى تراث إبراهيم فى ذرية أكبر أبنائه، وهو إسماعيل عليه السلام، وهذا التراث قد بقى عندهم حيًا بعيدًا عن الاضطراب زمانا طويلا. وعندما ننظر فى التاريخ الدينى عند العرب يجب ألا يغرب عن بالنا وجود تراث روحى أصيل عندهم يرجع إلى ما قبل اليهودية والنصرانية. ولما جاء الإسلام جاء خاتمة الوحى الالهى بانيًا على ملة إبراهيم عليه السلام وهى التوحيد النقى الخالص بعد ما أصابها بسبب اضطراب التراث الدينى عند اليهود ثم بسبب إغفالهم -لما دونوا تراثهم أخيرًا- كل ما كان هناك من تراث وإبراهيم بين أبناء إسماعيل، هذا إلى جانب ما أصاب الدين الحق الأصلى بسبب الاختلاف والتطاعن بين اليهود والنصارى وتسرب العناصر الغريبة إلى الدين عندهم وضياع التراث الحقيقى وطروء التغير عليه.

وكيف يتصور أحد أن يكون معنى الصوم من حيث هو عبادة على صورة الكف عن الطعام والشراب. . إلخ. مجهولا عند أهل مكة بحيث لا يعرف معناه عن كثب إلا من يكون فى المدينة؟ إن الكاتب نفسه يقول فيما يلى بجواز أن يكون الصوم معروفا فى مكة قبل الإسلام، وهو إذا كان يتصور من عدم ورود كلمة "صوم" فى السور المكية، بمعنى الإمساك عن الطعام والشراب، أن معناه هذا كان مجهولا فهو استدلال ليس له أساس، وإذا كان بعض المفسرين قدر ان معنى "الصوم" -فى هذه الآية من سورة مريم- الذى نذرته السيدة مريم عليها السلام و"الصمت" فإن الصوم لا يمكن أن يطلق على الصمت إلا من جهة أن الصمت إمساك عن الكلام، فالصوم أساسًا هو الإمساك وقد يكون عن الكلام وعن غير الكلام. على أن بعض الروايات عند المسلمين تقول: إن صوم السيدة مريم كان صومًا عن الكلام وعن الطعام والشراب (راجع تفسير الرازى للآية).

(4)

حكم كاتب على الحنفاء ظنى، وهو لا يذكر دليلًا عليه، كما لم يذكر دليلًا على أن الصوم لم يكن أقدم من اليهودية. إن الحنفاء أو الحنيفيين الذين كانوا قبل الإسلام لم يأخذوا باليهودية ولا بالنصرانية =

ص: 6663

ويدل على ظهور الصيام باعتباره رياضه اختيارية غايتها قهر الشهوات بين المسلمين الأولين فى مكة ما يغلب على الظن من أن محمدًا عليه الصلاة والسلام، وهو فى أسفاره الكثيرة، لاحظ هذه العبادة عند اليهود والنصارى. لكن لا يمكن القول بشئ يقينى فى ذلك (5).

= وإنما كانوا موحِّدين من أهل الرزانة والجد المبتعدين عن مفاسد الجاهلية. وتدل تسميتهم بالحنفاء على صلة بدين إبراهيم؛ لأن إبراهيم كان معروفا عند العرب قبل الإسلام بأنه "حنيف"، والحنيف هو المائل عن الوثنية والشرك. وإذا كان القرآن قد سمى إبراهيم عليه السلام بهذا الاسم فلابد أن يكون لذلك أساس ما فى معارف المخاطبين بالقرآن. وفى الأخبار التى وعتها كتب العلماء المحققين ما يدل على بقاء أتباع لدين إبراهيم قرونا متطاولة، وعلى أن الحنيفيين الذين كانوا فى مكة كانوا يعرفون أنهم بقايا أتباع دين إبراهيم (راجع مثلا كتاب تاريخ الفلسفة فى الإسلام، تأليف دى بور، الطبعة الرابعة 1957؛ ص 22 - 32؛ وكتاب الملل والنحل للشهرستانى ط. القاهرة 1961 (كيلانى) جـ 2 ص 241). ولما جاء الرسول [صلى الله عليه وسلم] بالإسلام أكد أنه جاء يبنى على دين إبراهيم عليه السلام. وكان العرب يعرفون من تراثهم الموثوق به أن إبراهيم عليه السلام هو بانى البيت الحرام فى مكة، وأن نسب الرسول [صلى الله عليه وسلم] يتصل من طريق معد بن عدنان بإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، ولم يستطع العرب على شدة حرصهم على معارضة الإسلام، أن يثيروا ظلا من شك حول ذلك ولا أثاره علماء أهل الكتاب فى ذلك العصر. ونسب الرسول عليه الصلاة والسلام كان معروفا عند العرب وعند أهل الكتاب وهو مذكور فى كتب المؤرخين القدماء بحسب ما عرفه العرب وأهل الكتاب على السواء.

ويتبين من كل ما تقدم أنه لا يوجد أساس لرد ما كان عليه الحنيفيون إلى يهودية ولا إلى نصرانية.

وإذا كان فى الإسلام شئ موجود فى ديانات منزلة سابقة فذلك لأنه دين منزل مثلها، وهو قد جاء مصدقا لما قبله من الأديان ومصححا ومكملا لها. وما هو مشترك بينه وبينها ليس بتأثر ولا بتقليد وإنما هو تجديد التشريع المتقدم وتشريع جديد وذلك من قبل اللَّه باعث الرسل بالشرائع. والهدى الإلهى فى أصوله وروحه واحد.

(5)

اتضح مما تقدم، وحتى من كلام كاتب المادة نفسه، أن الصوم كان معروفا فى مكة، ولم يكن النبى عليه الصلاة والسلام بحاجة إلى أن يعرف ذلك من رحلات ولا من أسفار. وهو رسول يتلقى التعليم من اللَّه. والكاتب بقوله إنه لا يمكن القول بشئ يقينى يعترف بأن كلامه ظن. والباحث المحقق فى غنى عن مثل هذا.

وهو إذ يزعم أن ما تحكيه السيرة والروايات الإسلامية يجوز أن يكون غير برئ من الغرض يقول كلاما مبهما ولا سبيل إلى معرفة مقصوده. فهل هو يقصد مثلا شيئًا من قبيل ما جاء فى الحديث الصحيح (البخارى مثلا كتاب الصوم) من أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء فى الجاهلية؟ إن كلام الكاتب يثير الشك من غير دليل، وهو يعلم أن الروايات الإسلامية كانت موضع تمحيص من جانب العلماء، وهم لم يسجلوا إلا الصحيح. وما كان موضع نظر أو شك نبهوا عليه.

أم هو يقصد شيئًا من قبيل ما روى فى السيرة من أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحنث فى رمضان؛ أو ما فى بعض الروايات الإسلامية من ان صوم رمضان كان قد فرض على الأمم السابقة. وما هو دليل كاتب المادة على أن اللَّه لم يتعهد الرسول بالهداية كما تعهد من قبله من الرسل، أو على أن الصوم لم يكن قد فرض من قبل.

ومهما كان الأمر فإن صيام اليهود والنصارى شئ يفترق عن الصيام فى الإسلام =

ص: 6664

ففى السور المكية ورد ذكر الصوم، كما تقدم القول، فى سورة مريم، الآية 26: صوت (6) يأمر مريم عليها السلام أن تقول {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} . ويجوز أن الصوم هنا ليس معناه سوى "الصوم"[بمعنى الإمساك عن الطعام والشراب]؛ لأن الإمساك عن الكلام باعتباره صومًا نصرانيا (انظر أفراهاط، طبعة Parisot فى patrol. Syriaca، مجلد 1، ص 97) يجوز أنه كان معروفا لمحمد [صلى الله عليه وسلم] لكن محمدًا [صلى الله عليه وسلم] لم يكن على كل حال عارفًا بالتفصيلات لأنه لم يأمر بصوم يوم عاشوراء إلا بعد الهجرة لما رأى اليهود يصومونه (7)، وفى العام الثانى للهجرة،

= ففيما يتعلق بصوم اليهود لم يفرض عليهم إلا صوم واحد (لاوين 16/ 29)، وبعد ذلك فى عصور مختلفة كان اليهود يصومون أياما فى مناسبات. وكان من مظاهر تقشفهم فى الصوم أنهم كانوا يلبسون المسوح على أجسادهم وينثرون الرماد على رؤوسهم ويتركون أيديهم غير مغسولة ورؤوسهم غير مدهونة ويصرخون ويتضرعون ويبكون. . وهكذا مما نقده السيد المسيح عليه السلام لأنه تظاهر (متى 6/ 16).

أما الصيام عند النصارى فمن المعروف أن السيد المسيح عليه السلام لم يكن يصوم الأصوام الشرعية المعروفة من قبل، ولكن يذكر أنه صام مرة أربعين يوما بلياليها، لكنه لم يفرض صياما معينا، ثم جاءت الكنيسة ففرضت الصوم ونظمته.

وإذن فالصوم يحسب الديانتين السابقتين، وكما حفظ تراثهما، تكوّن وتشكل مع تطور الحياة الدينية وطبقا لتنظيم الهيئات الدينية (راجع مادة "صوم" فى قاموس الكتاب المقدس. ط بيروت 1901، جـ 2، ص 31 - 32، وما كتبه الأب قنواتى عن الصوم اليهودى والنصرانى فى مقدمة كتاب "إتحاف أهل الإسلام بخصوصيات الصيام" لابن حجر الهيثمى، القاهرة 1961، ص 29 - 40).

إن الصوم الإسلامى جاء بالنسبة لما عقد اليهود والنصارى شيئًا جديدًا، وهو فرض صيام شهر بأكمله. وهذا الصوم له شروط وآداب مفصلة، وهو ليس مجرد كف عن الطعام والشراب ونحوهما من الجسديات ولا هو تقشف ظاهرى، وإنما هو حياة روحانية، حياة ذكر وفكر، وإحسان وبر، وتخلق بمكارم الأخلاق.

(6)

يقصد كاتب المادة قوله تعالى: {فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي} ، والضمير الفاعل فى قوله فناداها يعود إما على عيسى وأما على جبريل عليهما السلام.

(7)

أية تفصيلات هذه التى يقصدها كاتب المادة! ؟ وهل هناك تفصيلات يمكن أن تعرف! ؟ وهو إذا كان يريد الروايات الصحيحة فإن فى حديث البخارى، كتاب الصوم، عن عائشة أن قريشًا كانت تصوم يوم عاشوراء فى الجاهلية وأن الرسول [صلى الله عليه وسلم] كان يصومه. ويجوز أن يكون ذلك عند قريش من قبيل العادات أو العبادات التى يعرف أصلها أو لا يعرف، وهذا يحدث كثيرًا ومن المعلوم أن قريشًا لم تكن على اليهودية.

على أنه لما ذهب الرسول [صلى الله عليه وسلم] إلى المدينة ووجد ان اليهود يصومون يوم عاشوراء وسأل عن ذلك وقيل له إنه يوافق يوم نجاة موسى عليه السلام وإن موسى صامه فعند ذلك صامه الرسول وأمر بصيامه قائلا: إنه أحق بموسى من اليهود، وهذا من جانب الرسول [صلى الله عليه وسلم] تشريع يقوم على فكرة وليس تقليدًا. ثم بعد أن فرض صيام رمضان أصبح صيام يوم عاشوراء صياما اختياريًا. وكان النبى [صلى الله عليه وسلم] يريد تأكيد استقلاله فى =

ص: 6665

بحسب الرواية الإسلامية المجمع عليها والجديرة بالتصديق (انظر Mohammed en de jaden to Medina: A.J.Wensinck، وهى رسالة قدمت للجامعة للحصول على درجة الدكتوراه فى الفلسفة، ليدن 1908 ص 136 - 137، خلافًا لما يقوله مثلا Das Leben and die Lehre des Mohammad: A. Sprenger، جـ 3، ص 53 - 59). نسخت آيات الصوم فى سورة البقرة (الآيات 183 - 185) وجوب صوم يوم عاشوراء وأحلت محل ذلك وجوب صيام شهر رمضان (8). وفيما يتعلق بمسألة السبب الذى من أجله اختار محمد [صلى الله عليه وسلم] شهر رمضان بالذات والمصدر الذى أخذت عنه شعيرة الصوم الإسلامية، قيلت آراء عديدة (9)، وبقول الإسلام إنه هو الصوم الذى فرضه اللَّه على اليهود والنصارى، لكنهم أفسدوه، فأعاده الإسلام إلى صورته الصحيحة (10) ويذهب شبرنكر (Sprenger: فى موضع آخر من كتابه المذكور، جـ 4، ص 55 وما بعدها) إلى أنه تقليد للصوم الأربعينى عند النصارى؛ ونولدكه وشفالى (Geschichtes des Qorans: NoldekSchwally، جـ 1، ليبسك 1909، ص 180،

= تشريعه ورغبته فى مخالفة اليهود فكان ينوى أن يصوم التاسع لكنه [صلى الله عليه وسلم] توفى قبل ذلك (راجع البخارى، كتاب الصوم، باب صوم يوم عاشوراء؛ وصحيح مسلم: كتاب الصوم، باب أى يوم يصام فى عاشوراء).

على أنه فى حديث أبى هريرة، وبحسب ما يقوله اليهود أيضًا، أن يوم عاشوراء هو الذى استوت فيه سفينة نوح عليه السلام على الجودى فصامه نوح شكرًا (هذا الحديث رواه الإمام أحمد -راجع مجمع الزوائد القاهرة 1952، جـ 3، ص 184).

ولا عجيب أن يكون الصوم للعبادة أو للشكر أقدم من صوم اليهود، ولا عجيب أن يتخذ النبى الصادق، بتشريع جديد منه، سنة نبى سابق سنة له؛ لأن الأنبياء هداهم واحد، واللاحق منهم يصدق السابق.

(8)

لكن صوم يوم عاشوراء ظل اختياريا كما تقدم القول.

(9)

كلام كاتب المادة هنا غير علمى؛ لأنه لا يقبل صحة الوحى المحمدى وأصالته، مع توفر الأدلة الحاسمة، على صحة هذا الوحى وتميزه عن كل ما عداه. أما كلامه عن سبب اختيار شهر رمضان للصيام أو لنزول القرآن فهو بحث عن شئ لا سبب له سوى الاختيار الإلهى الذى نعرفه من التعليم الإلهى. وقصارى ما يصل إليه من يحيد عن قبول الأدلة على صدق رسالة الإسلام، هو أن يلتمس أنواعا من التشابه السطحية أو العارضة بين الصوم الإسلامى وغيره وهذا لا يصلح طريقًا فى الاستدلال ولا يقدم أصحابه فى فهم الإسلام شيئًا، بل هو يحول بينهم وبين إدراك يتميز الصوم الإسلامى عن اليهودى والنصرانى والمانوى وعن كل صوم معروف لنا.

(10)

راجع فى هذا مثلا: تفسير الفخر الرازى لآية الصوم، وأيضًا تفسير ابن كثير للآية نفسها، حيث يروى أن صوم رمضان فرض على الأمم من قبل.

ص: 6666

هامش 1) يشيران إلى مشابهة الصوم الإسلامى لنوع الصوم عند المانوية. لكن فنسنك A. J. Wensinck (فى بحثه الذى عنوانه: Arabic New Year and the Feast of Tabernacle Ak. W. Amst، السلسلة الجديدة، مجلد 25، رقم 2، 1925 ص 1 - 13؛ وانظر أيضًا Over de israelietische verstendagen: M.Th.Houtsma فى Versl. Med. Ak. Amst. Afd.Letterk، مجلد 4، السلسلة الثانية [1898] ص 3 وما بعدها، أمستردام 1898) نبّه على الصبغة المقدسة التى كانت لشهر رمضان خاصة فى العصر السابق على الإسلام (بسبب مجئ "ليلة القدر" فيه -وكانت أيضًا معروفة عند العرب قديما). وبذلك فتح فنسنك بابًا لإمكان البحث عن حل لمشكلة شهر رمضان فى هذا الاتجاه [انظر مادة رمضان](11).

(11) لم أجد فى مادة رمضان من هذه الدائرة ما يثبت ما يقوله كاتب المادة من قداسة خاصة لشهر رمضان فى الجاهلية -هذا مع أن الكاتب يحيل قارئه على مادة رمضان. وكان يجب عليه هنا أن يثبت ما يقوله خصوصا أن مادة صوم كتبت بعد مادة رمضان، على أنه إذا كان كلامه فيما يتعلق بقداسة رمضان من قبيل قوله فيما يلى مباشرة من أن ليلة القدر كانت معروفة عند العرب قديما فالكل لا بد له من دليل. وليس فى هذه الدائرة مادة مستقلة خاصة بليلة القدر.

ثم ما هو الاتجاه الذى فتح فيه فنسنك الباب لإمكان البحث عن حل لمشكلة شهر رمضان؛ هل المقصود أنه كان مقدسا من قبل ولذلك فرض الإسلام صومه؟ أى بأس بذلك! ؟ وإذا كان كاتب يقصد شيئًا من قبيل ما فى بعض الروايات الإسلامية من أن صوم رمضان كان مفروضا على الناس قبل مجئ الإسلام لكن الناس غيروا وأفسدوا، وجاء الإسلام بفرضه شهر رمضان يعيد الأمر إلى ما كان عليه، فلماذا لا يقول ذلك بوضوح وصراحة؟ إن هذا شئ لا عجيب فيه لأن الوحى الإلهى سلسلة متصلة وكل حلقة منها تكمل ما قبلها أو تصلحها إذا فسدت أو تعدلها. ومن الميزة والفضل للرسول [صلى الله عليه وسلم] أنه جاء مصدقا لما بين يديه من حق مصلحا له من الخطأ الذى طرأ عليه. وقد شرع له بعض ما شرع للأنبياء من قبل وهذا من علامات صحة رسالته. وهو إذا كان قد جاء بما يصحح ما سبق وبما يكمل الهدى الإلهى فذلك من علامات صحة رسالته أيضًا.

أما إذا كان الكاتب يريد أن يفسر فرض صوم رمضان تفسير، طبيعيا دون رد ذلك إلى التعليم الإلهى فتفسيره غير صحيح. لأنه كانت هناك فى الجاهلية أشهر حرم كما يدل القرآن على ذلك، لكن رمضان لم يكن منها، ومع ذلك فرض صومه ولم يفرض صومها. وأيضًا كان النبى [صلى الله عليه وسلم] يكثر الصوم فى شعبان، ومع ذلك لم يفرض صوم شعبان.

ثم إنه يؤخذ من كلام كاتب المادة أن قداسة رمضان فى نظر أهل الجاهلية ترجع إلى معرفتهم بأن ليلة القدر تجئ فيه، فما دليله على ذلك؟ إن القرآن نفسه يدل على أنها لم تكن معروفة قبل ذلك، ويدل الحديث الشريف (البخارى - كتاب الصوم) على أنها لم تكن معروفة على التحديد بين ليالى رمضان.

على كل حال لو رجعنا إلى مادة رمضان التى يحيلنا كاتب المادة عليها لوجدنا أنواعا عجيبة من =

ص: 6667

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= الاستدلال، نجد تعلقا بأوهام ومزاعم وفروض لاسند لشئ منها، ولا يظفر قارئها بنتيجة واحدة تلزم عن مقدمتها. وهاك أمثلة من ذلك:

يزعم بليسنر M.Plessner كاتب مادة رمضان ان صوم رمضان فرض للاستعاضة عن صوم عاشوراء. وهذا زعم لا أساس له، لأن الصوم من حيث هو رياضة روحية وارتفاع بالإنسان عن الحياة الحيوانية، يجب أن يكون من أركان كل دين حق، والقرآن إذ يذكر فرض الصوم على المسلمين يذكر أنه فرض على الأمم الذين من قبل وذلك لأنه سبيل للتقوى.

والصوم الذى كان يصومه اليهود هو صوم الكفارة الذى ذكر فى سفر اللاويين، إصحاح، 16/ 29، وهو صوم تكفير وتطهير يحصل يوما واحدًا فى السنة، وهو لا يذكر مستقلا بل فى سياق طقوس شكلية معتدة، ولا يذكر لفظ الصوم صراحة، بل يذكر "تذليل النفس" فأين هذا من فرض شهر كامل للصوم فرضا صريحا ظاهر الهدف! ؟ وليرجع القارئ إلى سفر اللاويين ليرى بعد ما بين التكفير وصومه عند اليهود وبين صوم رمضان فى الإسلام.

مثال آخر: يذكر بليسنر بحثا كتبه كويتين F.Goitein عن رمضان وفيه لفت النظر إلى "التوافق بين رسالة محمد [صلى الله عليه وسلم] ونزول الألواح الثانية من شريعة موسى عليه السلام وقد جاء فى الروايات أنها نزلت فى يوم الكفارة (عاشوراء السابق الشبيه لرمضان) فكان ذلك هو السبب فى جعله يوما دينيا.

ما هذا الكلام؟ وأى علاقة منطقية أو واقعية أو تاريخية، وأى شبه هناك بين نزول وحى على نبى فى يوم معين وفرض صوم شهر فى دين آخر بعد نحو من ألفى عام، أى علاقة بين يوم من شهر يتخذ يوم كفارة فى دين وفرض شهر كامل آخر ليكون شهر حياة روحانية وعبادة وبر فى دين آخر! ؟ .

مثال آخر: يذكر بليسنر عن كويتين أنه استعيض فى الإسلام عن صوم يوم عاشوراء بالأيام العشرة لا بشهر كامل، وهذا هو الذى يفهمه كويتين من عبارة {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} فى آية الصوم، ثم يقول إن ذلك يتفق مع أيام التوبة العشرة السابقة على يوم الكفارة والتى بقيت إلى اليوم ماثلة فى أيام الاعتكاف العشرة.

وظاهر تمامًا أن هذا الكلام كله ليس له سند أصلا. فقد كان صوم المسلمين يوم عاشوراء بحسب الفكرة القى أشرنا إليها فيما تقدم فى السنة الأولى للهجرة، وفى السنه الثانية فرض صوم شهر رمضان ولم يفرض على المسلمين صوم عشرة أيام كما يزعم كويتين. فأما معنى عبارة {أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ} فإنه بعيد عما فهمه كويتين كل البعد. فعند بعض المفسرين أن معناها هو ما كان واجبا قبل فرض شهر رمضان، وهو صوم يوم عاشوراء أو صوم ثلاثة أيام من كل شهر؛ وعند البعض الآخر من المفسرين أن معنى العبارة هو رمضان نفسه (راجع مثلا تفسير البيضاوى وتفسير الفخر الرازى لآية الصوم) ويكون معنى معدودات هو:"مؤقتات بعدد معلوم" أو"محصيات" أو محددة العدد لها بداية ونهاية تجعلها معينة.

هذا ما يذكره بليسنر متابعا لكويتين، ثم هو يزيد من عنده ما يدل على تعلقه بأوهام أخرى:

من ذلك زعمه أن آراء المسلمين فى ليلة القدر التى نزل فيها القرآن بحسب ما جاء فى سورة القدر تتفق من عدة نواح مع يوم الكفارة عند اليهود؛ وهذا، فى زعمه، يرجح آراء كويتين بعض الترجيح على الرغم مما يعترضها من صعوبات مثل عدم استطاعته تعليل استقرار فريضة الصوم عند شهر برمته.

ويوم الكفارة عند اليهود ليس سوى يوم كفارة وتطهير مقترن بطقوس شكلية كما تقدم القول، وهو فى عاشر يوم من الشهر السابع من السنة العبرية. أما ليلة القدر فهى فى العشر الأواخر (دون تعيين) من رمضان وهو الشهر التاسع من السنة العربية. وليس فى التوراة أكثر من وجوب التكفير والتطهر فى يوم الكفارة، وليس فيها شئ عن قيمة اليوم فى نفسه -هذا على خلاف ما جاء فى القرآن الكريم من تعظيم ليلة القدر فى ذاتها، من أنها {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} أو أنها =

ص: 6668

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= {لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ} (سورة القدر آية 3؛ سورة الدخان، آية 3، فيها نزل القرآن، وفيها تنزل الملائكة والروح، وفيها السلام والرحمة والنعمة من اللَّه؛ فى ليلة القدر يتجه المسلمون إلى اللَّه ليغمرهم بفضله ورحمته، واللَّه جعلها لذلك ليلة القدر "ليلة" وليست "نهارًا"، والعبادة والإنابة فيها عبادة ليلية، فليس فيها صوم بل فيها عبادة قلبية وقيام وتهجد وذكر وفكر. والمغفرة والرحمة الإلهية تتبعان ذلك، هذه المعانى كلها وغيرها مما يحيط بليلة القدر يجعلها شيئًا آخر مغايرا ليوم الكفارة -وليرجع القارئ إلى ما يتصل بليلة القدر فى كتب التفسير مثل تفسير الفخر الرازى.

أما ما يتصوره كويتين من علاقه بين الاعتكاف فى العشر الأواخر من رمضان وبين أيام التوبة السابقة على يوم الكفارة، فإنها علاقة لا وجود لها إلا فى خياله. والاعتكاف فى رمضان مرتبط بليلة القدر وقد اعتكف الرسول عليه الصلاة والسلام فى غير رمضان أيضًا.

ومن ذلك أنه يقول إنه يمكن دعم وجهة نظر كويتين بذكر أن ليلة البراءة تقع قبل رمضان فى منتصف شهر شعبان، ثم يقول إن الآراء والشعائر التى وصفها فنسنك فى مادة شعبان، وهى تتصل بهذه الليلة، تشبه إلى حد ما آراء اليهود المتعلقة بأول يوم فى السنة الجديدة، غير أن هذا اليوم يسبق يوم الكفارة بفترة أقل من الفقرة التى تسبق بها ليلة البراءة شهر رمضان مما يقوى الصلة بين ليلة البراءة ويوم الكفارة.

ولابد أن نلاحظ أولًا أن بليسنر يشير علينا بأن نرجع إلى مادة "ليلة البراءة" فنجد هنا مجرد إحالة على رمضان.

وفى مادة شعبان التى كتبها فنسنك نجد كأنه يستدل من كفرة صوم النبى [صلى الله عليه وسلم] فى شعبان على أن شهر شعبان كان له من الشأن فى بلاد العرب قديما ما لشهر رمضان. وهذا استدلال غير لازم. وإذا أردنا رأى الرسول [صلى الله عليه وسلم] وجدنا -فيما يروى- أنه بيّن سبب إيثاره لشهر شعبان، وهو أن اللَّه يكتب فيه على كل نفس ميتة تلك السنة، فكان يصوم لأنه كان يحب أن يأتيه أجله وهو صائم (راجع كتاب الترغيب والترهيب، كتاب الصوم باب الترغيب فى صوم شعبان).

ثم إن فنسنك يقول إن ليلة نصف شعبان تعرف بليلة البراءة، أى ليلة غفران الذنوب، ولا يذكر أن هذه الليلة كانت معروفة قديما.

وهو يذكر بعض التصورات الشعبية المتعلقة بليلة النصف من شعبان ويذكر عن الترمذى (السنن فى كتاب الصوم، باب 39) أن اللَّه ينزل فى ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا وينادى الناس ليغفر لهم.

فى هذا الموضع من الترمذى لا يوجد سوى قول النبى عليه الصلاة والسلام أن اللَّه ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب، أما نداء اللَّه للناس: ألا من مستغفر فأغفر له، ألا من مسترزق فأرزقه، ألا كذا ألا كذا! ؟ فهو فى روايات أخرى متعلقة بنصف شعبان (راجع مثلا الترغيب والترهيب، كتاب الصوم، باب الترغيب فى صوم شعبان).

والآن نعود إلى ما يزعمه بليسنر من علاقة بين ليلة نصف شعبان وبين يوم الكفارة.

الواقع أنه يبحث عن أصل لم خذت منه فى رأيه ليلة نصف شعبان، والحق إنه ليست بين يوم الكفارة وليلة النصف من شعبان علاقة. فذاك يوم التكفير عن الذنوب؛ وهذه ليلة دعاء بالاتجاه إلى اللَّه لا ليغفر الذنوب فقط بل ليمنح الرزق والعافية. . . وهى "ليلة" وليست "نهارًا". وإذا كان المسلمون يتوجهون إلى اللَّه فى هذه الليلة طالبين المغفرة فهم يطلبون غيرها، وليس عند اليهود فيما يتعلق بيوم الكفارة ذلك المعنى العظيم، وهو نزول الرحمة والألطاف الإلهية على البشر، وهذا هو معنى نزول اللَّه تعالى إلى السماء الدنيا. فليس المقصود نزولا حسيا ولا مكانيا، بل المقصود إفاضة الرحمة والمغفرة والنعم والعافية على الناس.

على أنه يجوز أن يكون ما ورد فى ليلة النصف من نزول المغفرة على المستغفرين سببا فى تصور بليسنر ارتباطها بيوم الكفارة. =

ص: 6669

والأحكام الأولى للصوم فى الإسلام جاءت بها الآيات (12) 183 - 185 من سورة البقرة، وهى آيات مترابطة (Noldeke-Schwally، ص 178 خلافًا لما

= نعم إذا أخذنا بنص الحديث المروى عن النبى [صلى الله عليه وسلم] وجدنا أن هذه الليلة منذ الغروب إلى طلوع الفجر ليلة مغفرة. إلخ (الترغيب والترهيب، الموضع المتقدم الذكر).

لكن فى القرآن أن اللَّه قريب من الداعى، وفى الحديث أنه يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل.

وفى حديث أبى هريرة -وهذا حديث أخرجه الستة إلا النسائى- "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير فيقول: من يدعونى فأستجيب له؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرنى فأغفر له؟ "(تيسير الوصول، القاهرة 1346، جـ 2، ص 56).

إن التوجه للَّه بطلب المغفرة والرحمة والأنعام ليس له وقت معين، وكذلك إنعام اللَّه علينا ليس له وقت معين، لكن اللَّه يخصص أوقاتا للوقوف بين يديه ومناجاته وسؤاله وذلك لكى يتعود الإنسان على ذلك ويدخل فى نظام حياته على نحو مطرد فتتهيأ نفسه وتتخلص مما يعتريها من أنواع الكدر والغفلة بسبب ملابسة أمور الحياة الدنيا.

وأخيرًا فإن ليلة النصف من شعبان ليست "نهار" صوم بل هى وقت اختير لمناجاة اللَّه وسؤاله. وهى ليست مناسبة طقوس من النوع الوجود فى يوم الكفارة.

ونحن لم نقصد مما ذكرناه وعلقنا عليه من كلام كاتب المادة أو كلام غيره إلا أن نبين عدم الدقة وقلة التثبت واليقين فى آرائهم -وقد صرفنا النظر عن أوهام أخرى لكويتين حكاها بليسنر.

إن الإسلام، من حيث هو عقيدة وشريعة وأخلاق وفضائل، وحى إلهى أصيل متميز، وهو إن شابه الوحى السابق فى أمور فذلك لأنه جاء من عند اللَّه مصدقا لما بين يديه ولأن هناك أمور، تقضى بها طبائع الأشياء. لكن كاتب المادة وكثيرين غيره من الباحثين لا يريدون أن يسلموا بذلك، مع أنه لا يوجد أى دليل على وجوب وقوف الهداية الإلهية للبشر عند اليهود والنصارى.

هذا الموقف الذى وقفه كاتب المادة وغيره هو أساس الخطأ فى البحث، فهو يعمد إلى الدراسة المقارنة ملتمسا أى وجه شبه، حتى لو كان ظاهريا واهيا، بين ما هو إسلامى وغير إسلامى بقصد رد ما هو إسلامى إلى غيره، وفى ذلك لا نجد سوى التعلق بالفروض والأوهام.

هذه الطريقة لا فائدة لها ولا تنهض على أساس سليم ولا تقدم معرفة ذات قيمة، وهى التى حجبت عن أنظار أصحابها جوهر الحقيقة. هى حجبت عنهم أولًا الحقيقة الكبرى، وهى أن الإسلام دين حق ووحى إلهى صحيح جاء به رسول صادق، وحجبت عنهم ثانيا إدراك ما فى التعليم الإلهى الإسلامى من حكمة وأعماق وأسرار ومن مميزات تميزه عن غيره.

إن الأولى بالباحث الذى يريد أن يكون لبحثه ثمرة هو أن يبحث التعليم الإلهى السابق وما تعرض له من ضياع ونسيان وانتحال وما أصابه من اضطراب وصل إلى التناقض، ثم يتفكر ليدرك؛ أن حكمة اللَّه تقتضى ألا يترك هدايته للبشر على هذه الصورة بل تقتضى أن يصححها ويكملها بالوحى الإسلامى! ؟

(12)

هذه الآيات هى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} .

ص: 6670

يقول Handbuch des islamischen Gesetzes: Th.W.Juynboll، ليدن - ليبسك 1910 م، ص 114، من أن الآية 185 نزلت فيما بعد. والبيضاوى أيضًا يذهب إلى أنها نزلت متفرقة). وكان الصوم واجبًا إيامًا معدودات وعلى التحديد فى شهر رمضان، {الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (13). وسمح للمرضى أو لمن يكونون على سفر بتيسيرات خاصة بشرط أن يؤدوا فدية (14). وقد أطاع المسلمون هذا الأمر الإلهى فكانوا يصومون رمضان، وأهل الورع منهم كانوا يصومون من الغروب إلى الغروب متابعة لليهود، إلى أن نزل الوحى (سورة البقرة، الآية 186) بقصر الصيام على النهار (15) (البخارى: كتاب

(13) كان الرسول [صلى الله عليه وسلم] قبل فرض صوم رمضان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر لا من شهر رمضان وحده.

(14)

هذا كلام كاتب المادة، وهو غير دقيق ولا شاف لأن الفدية تكون بالنسبة للقادر على الصوم ولو لم يكن مريضا ولا مسافرًا وكان هذا فى أول الأمر بحسب قوله:{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} ثم نسخ ذلك وأصبحت الفدية فى حق من كان شيخا أو عجوزًا ضعيفًا أو مريضا لا يرجى برؤه. وفى طريقة تعبير القرآن (يطيقونه، وبحسب قراءات أخرى: يطوقونه أو يتطوقونه) ما يشعر بأن المقصود بالفدية هم القادرون، لكن مع الجهد والمشقة لسبب غير المرض العارض وغير السفر. والحديث صريح فى نسخ قوله {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} بقوله {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (راجع البخارى: كتاب الصوم) راجع مثلا فيما يتعلق بمراحل فريضة الصوم تفسير ابن كثير لآية الصوم.

(15)

يقصد كاتب المادة قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} الآية 187.

وقول كاتب المادة إن أهل الورع هن المسلمين كانوا يصومون من الغروب إلى الغروب كما يصوم اليهود كلام غير صحيح، وهو استنتاج خاطئ أو فهم خاطئ للنصوص، فالذى يؤخذ من حديث البخارى الذى يشير إليه الكاتب هو أنه فى أول الأمر كانت الفترة التى يأكل فيها المسلمون ويشربون تمتد ما بين الغروب، وهو موعد الأفطار، وبين أن يناموا، وهذا يكون طبعا بعد صلاة العشاء أو صلاة العتمة أو العتمة باختصار. وهذا هو معنى ما نجده فى كلام العلماء من أن المسلمين كانوا فى أول الأمر يصومون من العشاء الآخرة إلى العشاء الآخرة أو من العتمة إلى العتمة (راجع تفسير الرازى لآية الصوم). وهم كانوا يحبون أن يقضى من الليل شئ قبل أن يفطروا، وذلك على سبيل الوصال فى الصوم، ثم حدث أن أحدهم وهو قيس بن صرمة الأنصارى لم يجد طعاما عند الإفطار، فانطلقت امرأته بالطعام بعد أن كانت قد غلبته عيناه فقام ولم يستطع أن يأكل لأن الأكل بعد النوم لم يكن جائزًا. ووصل قيس صومه فى اليوم التالى فلما انتصف النهار غشى عليه. وذكر ذلك للنبى [صلى الله عليه وسلم] فنزلت آية {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} وقوله {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} . =

ص: 6671

الصوم، الباب 15 وغيره). على أن الصوم فيما عدا هذا يذكر فى القرآن فى سورة البقرة، الآية 6 حيث يُؤمر به بدلا من الحج فى بعض الأحوال (16)، وفى سورة النساء، الآية 92، حيث يؤمر بصيام شهرين متتابعين المؤمن الذى يقتل شخصا (17) من قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق قتلا خطأ ثم لا يجد الفدية التى يجب تسليمها إلى أهل المقتول ولا يجد تحرير رقبة مؤمنة؛ وفى سورة المائدة، الآية 88: أنه يجب على المرء أن يصوم ثلاثة أيام كفارة اليمين الذى يحنث فيه (18)؛ وفى السورة نفسها، الآية 94: أن المرء يجب أن يصوم تكفيرا عن قتله الصيد وهو

= وإذن فلم يكن الصوم فى أول الأمر من الغروب إلى الغروب، وإنما كان الإنسان لا يأكل بعد أن ينام، حتى ولو كان نومه فى أول الليل، ثم حدد وقت الطعام والشراب بظهور نور الفجر. ومن المعلوم أن النبى صلى الله عليه وسلم حدد وقت الإفطار بالغروب وأمر بتعجيل الفطر، لكن البعض كان من باب الورع يحب أن يواصل الصوم حتى العشاء ثم يصلى ويأكل وينوى الصوم وينام. وبعد أن أذن بالطعام والشراب حتى الفجر صار البعض يواصل الصوم إلى الفجر وصار البعض يريد مواصلة الصيام إلى اليوم التالى فنهاهم النبى صلى الله عليه وسلم (راجع البخارى؛ كتاب الصوم).

فعلى أى الأحوال لم يكن الصيام من الغروب إلى الغروب. والصيام بعد الوقت المحدد للإفطار سواء للعشاء أو للفجر ورع إسلامى لا علاقة له بتقليد أحد.

(16)

يشير كاتب المادة إلى قوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .

ويؤخذ من كلام كاتب المادة أن الصوم فى بعض الأحوال يقوم مقام الحج، لكن الذى تدل عليه الآية هو إن المحصر -أى الذى يشرع فى الحج ثم يمنع من المضى إلى البيت وهو محرم- إذا أراد التحلل من الإحرام فإن عليه ان ينحر ما يتيسر من الهدى وإن الصوم يكون فدية تجب على من يحلق متحللا بسبب قهرى، وأنه أيضًا يجب على من لم يجد ما ينحره إذا تمتع بالعمرة إلى الحج، على ما تبينه الآية. وليرجع القارئ إلى تفسير هذه الآية عند البيضاوى وابن كثير مثلا، فضلا عن الرجوع إلى كتب الحديث، كتاب الحج، وكتب الفقه، ليرى أن كلام كاتب المادة يدل أبدًا على المقصود من الآية التى يستشهد بها.

(17)

يقول كاتب المادة "شخصا مؤمنا"، لكن هذا ليس موجودًا بصراحة فى الآية التى يشير إليها، لأن فيها "فإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق". وقد ذهب جماعة من العلماء إلى وجوب الدية كاملة، وكذلك تحرير رقبة مؤمنة حتى عندما يكون المقتول كافرًا، فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.

(18)

صوم ثلاثة أيام هو أحد الكفارات، وهو الكفارة الأخيرة فى الترتيب بحسب معنى الآية: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما يطعم الحالف أهله أو كسوتهم؛ أو تحرير رقبة؛ أو صوم ثلاثة أيام لمن لم يجد.

ص: 6672