الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
أبو بكر الصديق
هو «عبد الله بن عثمان بن عامر» ، من قبيلة «تيم بن مرة بن
كعب»، وفى «مرة بن كعب» يلتقى نسبه مع نسب النبى - صلى
الله عليه وسلم -، وأمه «أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر» ،
تميمية كأبيه وكنيته: «أبو بكر» ، ولقبه:«عتيق» . ولُد «أبو
بكر» سنة (573م) بعد مولد الرسول صلى الله عليه وسلم بثلاثة
أعوام، ونشأ فى «مكة» ، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه
لغير واحد من الأمر؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته. وعُرف «أبو
بكر» بترفعه عن عادات الجاهلية، وما كانوا يقترفونه من مجون
وشرب خمر، وارتبط قبل البعثة بصداقة قوية مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم، وكان الاتفاق فى الطباع وصفاء النفس
من أقوى الروابط بين النبى و «أبى بكر» . تُجمع مصادر السيرة
والتاريخ على أن «أبا بكر» كان أول من أسلم وآمن بالنبى
صلى الله عليه وسلم من الرجال الأحرار، وكان لسلامة فطرته
التى كانت تعاف ما عليه قومه من عبادة الأوثان أثر فى تبكيره
بالدخول فى الإسلام، وما إن دعاه النبى صلى الله عليه وسلم
إلى الإسلام حتى أسلم على الفور؛ لثقته بصدق النبى - صلى الله
عليه وسلم - وأمانته، يقول النبى صلى الله عليه وسلم: «ما
دعوت أحدًا إلى الإسلام إلا كانت فيه عنده كبوة - تأخر فى
الإجابة- إلا ما كان من أبى بكر بن أبى قحافة، ما عكم عنه -
تأخر عنه - حين ذكرته له، وما تردد فيه». ومنذ أن أسلم وهو
يهب نفسه وماله لله ورسوله، فكان يشترى من أسلم من العبيد
الذين كانت «قريش» تعذبهم، ويعتقهم كبلال بن رباح، وكان
يذود عن النبى صلى الله عليه وسلم بكل ما أوتى من قوة،
فيروى «البخارى» عن «عبد الله بن عمرو ابن العاص» قوله:
«رأيت عقبة بن أبى معيط جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم
وهو يصلى، فوضع رداءه فى عنقه، وخنقه به خنقًا شديدًا،
فجاء أبو بكر - رضى الله عنه - حتى دفعه عنه، فقال: أتقتلون
رجلا أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم». [صحيح
البخارى]. ومن أجَلِّ مواقف «أبى بكر» تصديقه للنبى - صلى الله
عليه وسلم - فى حادث الإسراء، فحين أخبر النبى - صلى الله عليه
وسلم - بذلك أسرعوا إلى «أبى بكر» يخبرونه، ظنا منهم أنه لن
يصدق، فقال لهم: «والله لئن كان قاله لقد صدق، فإنى أصدقه
فى أبعد من هذا، أصدقه فى خبر السماء يأتيه فى ساعة من
ليل أو نهار»، فلُقب بالصديق من يومئذٍ. واختاره النبى - صلى
الله عليه وسلم - -لثقته- به ليرافقه فى رحلة الهجرة دون غيره من
الصحابة، ثم لازم النبى بعد الهجرة فى ليله ونهاره، فلم يتخلف
عن غزوة من غزواته أو مشهد من مشاهده، وكان مجاهدًا
بنفسه وماله حتى وصفه النبى بقوله: «ما لأحد عندنا يدٌ إلا وقد
كافأناه بها، إلا أبا بكر، فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم
القيامة، وما نفعنى مال أحد قط ما نفعنى مال أبى بكر». ومما
لاشك فيه أن «أبا بكر الصديق» عند علماء الأمة أفضل المسلمين
مطلقًا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودليل ذلك أنه جعله
أميرًا على الحج فى العام التاسع من الهجرة، وأنابه فى الصلاة
عند مرضه - دون غيره -، وكان هذا أقوى مرشح له لتولى
الخلافة بعد وفاة النبى بعد أن بويع «أبو بكر الصديق» البيعة
العامة قام فخطب الناس خطبة قصيرة، وضح لهم فيها منهجه
فى الحكم، فقال بعد أن حمد الله وصلى على نبيه: «أما بعد
أيها الناس فإنى وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت
فأعينونى، وإن أسأت فقومونى، الصدق أمانة، والكذب
خيانة، والضعيف فيكم قوى عندى حتى أزيح عليه حقه إن شاء
الله، والقوى فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا
يدع قوم الجهاد فى سبيل الله إلا ضربهم الله بالذلّ، ولا تشيع
الفاحشة فى قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعونى ما أطعت
الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لى عليكم،
قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله». كان أول القرارات التى اتخذها
«أبو بكر» وأصعبها قراره بإنفاذ جيش «أسامة» إلى «جنوبى
الشام»، كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لأن
«الصديق» أقدم عليه فى ظروف دقيقة وحرجة، فالعربُ قد
ارتدت عن الإسلام، حتى «مكة» نفسها همت بالردة، لولا أن
«سهيل بن عمرو» روَّعهم، قائلا: «لماذا ترتدون والنبوة كانت
فيكم، والخلافة أصبحت فيكم؟»، وحاولت «الطائف» أن ترتد،
فمنع من حدوث ذلك عقلاؤها؛ إذ قالوا لقومهم: لقد كنتم آخر من
أسلم، فلا تكونوا أول من يرتد. كما استفحل أمر مدعى النبوة
«مسيلمة الكذاب» فى «اليمامة» شرقى شبه الجزيرة العربية،
و «طليحة بن خويلد الأسدى» فى «بنى أسد» ، فى منطقة
«بذاخة» -ماء لبنى أسد يقع إلى الشرق من «المدينة المنورة» -
و «لقيط بن مالك» فى «عمان» جنوبى شرقى بلاد العرب،
و «الأسود العنسى» فى «اليمن» . وكل أولئك ظهروا فى أواخر
حياة النبى صلى الله عليه وسلم، لكنه لم يحفل بهم كثيرًا؛
لثقته بالقدرة على القضاء على تلك الحركات، وفى الوقت نفسه
أمر بإنفاذ جيش «أسامة بن زيد» إلى جنوب «الشام» ؛ لتأديب
القبائل القاطنة هناك، التى تعادى المسلمين، ولتثبيت هيبة
الإسلام فى أعين الروم، التى فرضها عليهم فى غزوة «تبوك» ،
وللفت أنظار أصحابه إلى خطورة دولة الروم على الإسلام، لكن
هذا الجيش لم يذهب لأداء مهمته؛ لمرض النبى - صلى الله عليه
وسلم - ووفاته، فكان أول قرار للصديق، هو تنفيذ ما عزم عليه
الرسول صلى الله عليه وسلم. لكن الصحابة جميعًا عارضوا «أبا
بكر» فى قراره بإرسال جيش «أسامة» ، وتعللوا بأن الردة قد
عمت شبه جزيرة العرب، وأن الخطر داهم ومحدق بهم، حتى لم
تسلم منه «المدينة» نفسها، واشرأبت أعناق أعداء الإسلام من
يهود ونصارى وغيرهما، وتحفزوا للقضاء على الإسلام، ولذا
فإن بقاء الجيش فى «المدينة» ضرورة ملحة؛ لحمايتها من
الأخطار المحدقة بها. لكن ذلك كله لم يثن عزيمة الصديق عن
إرسال جيش «أسامة» ، ووقف كالأسد الهصور يذود عن الإسلام
باتخاذ ذلك القرار الصعب قائلا: «والذى نفس أبى بكر بيده، لو
ظننت أن السباع تخطفتنى لأنفذت بعث أسامة، كما أمر به
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يبق فى القرى غيرى
لأنفذته». وقد ظهرت نتائج سياسة «الصديق» الموفقة، عندما
ذهب جيش «أسامة» وحقق ما قصده الرسول - صلى الله عليه
وسلم - من أهداف، وعاد محمَّلا بالغنائم، وألقى الرعب والفزع
فى قلوب القبائل العربية التى مرَّ عليها فى شمالى شبه
الجزيرة العربية وهو فى طريقه إلى الشام؛ لأنهم قالوا: «لو لم
يكن بالمسلمين قوة لما أرسلوا هذا الجيش الكبير إلى هذا
المكان البعيد فى مثل هذا الوقت»؛ ولذا كانت حركة الردة فى
المناطق التى مرّ بها «أسامة» بجيشه أضعف منها فى أى مكان
آخر من شبه الجزيرة العربية. يعد موقف «الصديق» من حركة
الردة ومواجهته لها من أروع المواقف فى التاريخ، لأنه آمن
إيمانًا عميقًا بانتصار الحق مهما تكن قوة أعدائه، وأظهر
تصميمًا على الدفاع عن الإسلام مهما يبذل من جهد. وقد بدأت
حركة الردة بالقبائل التى منعت الزكاة كعبس و «ذبيان»
و «غطفان» وغيرها، حيث أرسلت وفدًا إلى «المدينة» ، يعرض
على «الصديق» مطالبهم، وأنهم لم يرفضوا الإسلام، ولكنهم
يرفضون دفع الزكاة لحكومة «المدينة» ؛ لأنها فى ظنهم معرَّة،
ويعدُّونها إتاوة تدفع لأبى بكر، ولم تدرك تلك القبائل أثر
الزكاة فى التكافل الاجتماعى بين المسلمين. كان رأى فريق
من الصحابة وعلى رأسهم «عمر بن الخطاب» أن يستجيب «أبو
بكر» لتلك القبائل، ولا يجبرها على دفع الزكاة، وخاصة أن
«المدينة» مكشوفة، وليس بها قوة تحميها وتدافع عنها؛ لأن
جيش «أسامة» لما يعد بعد من شمالى بلاد العرب، لكن
«الصديق» لم يقتنع بهذا الرأى، ورد على «عمر بن الخطاب» ردا
جازمًا قائلا له: «والله لو منعونى عقالا -الحبل الذى يجرُّ به
الحمل - لجاهدتهم عليه». وكان هذا الموقف الثابت من «الصديق»
رائعًا كل الروعة، فماذا لو وافق «أبو بكر» «عمر» ومن معه
على رأيهم؟ ربما شجع هذا التنازل قبائل أخرى، فتمتنع عن
دفع الزكاة أسوة بهؤلاء، ولربما تطور الموقف إلى أبعد من
هذا، فتمتنع قبائل عن إقامة الصلاة أو غيرها من أركان
الإسلام، ويكون هذا هدمًا للدين من أساسه. وكأن «الصديق»
حين فعل هذا تمثل واقتدى بموقف لرسول الله - صلى الله عليه
وسلم - عندما جاءه وفد «ثقيف» يعلنون إسلامهم، ويطلبون منه
إعفاءهم من أداء الصلاة، فرفض النبى صلى الله عليه وسلم
ذلك، وقال لهم:«لا خير فى دين لاصلاة فيه» ، ولعل «الصديق»
قصد ذلك حين قال: «والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة» .
ولم يكن «الصديق» صاحب قرارات صائبة فحسب، بل كان يقرنها
بالعمل على تنفيذها، فلما رأى الغدر فى عيون مانعى الزكاة
أدرك أنهم سيهاجمون «المدينة» على الفور؛ لأنهم عرفوا غياب
معظم الرجال مع جيش «أسامة» ، وأعلن حالة الاستعداد للدفاع
عن «المدينة» عقب عودة المانعين إلى ديارهم، واتخذ مسجد
رسول الله، مقرا لغرفة عمليات عسكرية، وبات ليلته يُعد للمعركة
ويستعد لها، وأمر عددًا من كبار الصحابة بحراسة مداخل
«المدينة» ، على رأسهم «على بن أبى طالب» ، و «طلحة بن
عبيد الله»، و «الزبير بن العوام» ، و «عبد الله بن مسعود» رضى
الله عنهم. وحدث ما توقعه «الصديق» فبعد ثلاثة أيام فقط هاجم
مانعو الزكاة «المدينة» ، فوجدوا المسلمين فى انتظارهم،
فهزمهم المسلمون وردوهم على أعقابهم إلى «ذى القصة» -
شرقى «المدينة» . ثم تعقبهم «الصديق» وألحق بهم هزيمة
منكرة، وفرت فلولهم، وغنم المسلمون منهم غنائم كثيرة، واتخذ
«الصديق» من «ذى القصة» مكانًا لإدارة المعركة ضد حركة الردة
كلها، وفى هذه الأثناء جاءت الأخبار بوصول جيش «أسامة»
سالمًا غانمًا، فأسرع «الصديق» بنفسه لاستقبال قائد الجيش
الشاب، الذى قام بهذه المهمة الخطيرة خير قيام، وبعد أن
احتفى به وهنأه على عمله، أنابه عنه فى حكم «المدينة» ،
وعاد هو إلى «ذى القصة» ليدير المعركة مع المرتدين بعزيمة لا
تلين. أراد «أبو بكر الصديق» أن يبصِّر المرتدين بخطورة ما
أقدموا عليه، فواجههم مواجهة سلمية بأن دعاهم إلى العودة
بدون قتال إلى الإسلام، الذى أكرمهم الله به، وأرسل إليهم
كتابًا يقرأ على القبائل كلها؛ لعلهم يعقلون، جاء فى أخره: «
وإنى بعثت إليكم فلانًا فى جيش من المهاجرين والأنصار
والتابعين بإحسان، وأمرته ألا يقاتل أحدًا ولا يقتله حتى يدعوه
إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقرَّ وكف وعمل صالحًا، قبل
منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرت أن يقاتله على ذلك، ثم لا
يبقى على أحدٍ منهم قدر عليه، .. ولا يقبل من أحدٍ إلا الإسلام
فمن اتبعه فهو خير له، ومن تركه فلن يعجز الله، وقد أمرت
رسولى أن يقرأ كتابى فى كل مجمع لكم، والداعية الأذان،
فإذا أذن المسلمون فأذَّنوا كفوا عنهم، وإن لم يؤذنوا
عاجلوهم
…
». وفى الوقت الذى كان يأمل فيه أن يستجيب
المرتدون، ويعودوا إلى دين الله دون قتال؛ كان يعد أحد عشر
جيشًا فى وقت واحد، تغطى المناطق التى ارتد أهلها فى شبه
جزيرة العرب، جاهزة للانطلاق إلى كل منطقة؛ ليشغل كل قبيلة
بالدفاع عن نفسها فى ديارها، ولا تأخذ فرصة للتجمع والتكتل
ضده، وكان هذا تصرفًا بارعًا وحكيمًا من «الصديق» . لم يستجب
المرتدون لدعوة «أبى بكر» السلمية، فبدأ قادته ينفذون ما عهد
إليهم من مهام، وخاض «خالدبن الوليد» أول معارك الردة
فى «بذاخة» ضد المرتدين من «غطفان» و «بنى أسد» وحلفائهم
ممن التفوا حول «طليحة بن خويلد الأسدى» مدعى النبوة، وكان
النصر حليف «خالد» ، بعد أن ألحق بهم هزيمة منكرة وغنم
كثيرًا، وأرسل عددًا من زعمائهم أسرى إلى الخليفة، وفر
«طليحة» ، وظهر كذبه، ويجدر بالذكرى أن «طليحة» قد أسلم
بعد ذلك، وحسن إسلامه فى عهد «أبى بكر الصديق» ، واشترك
فى الفتوحات الإسلامية فى «فارس» ، فى عهد «عمر بن
الخطاب»، وكان له دور بارز فيها. وبعد ذلك توجه «خالد بن
الوليد» إلى «البطاح» فى «نجد» لقتال المرتدين من «بنى تميم»
بزعامة «مالك بن نويرة» ، ونجح فى إلحاق الهزيمة بهم،
والقضاء على الردة فى بلادهم. ولما فرغ من القضاء على فتنة
المرتدين من «بنى أسد» و «غطفان» و «تميم» ، فجاءته أوامر من
«أبى بكر» بالتوجه إلى «اليمامة» للقضاء على فتنة «مسيلمة
الكذاب». وفى أثناء حروب الردة طارد «المثنى بن حارثة» - أحد
قادة المسلمين - المرتدين إلى الشمال، على الساحل الغربى
للخليج العربى، فلما وصل إلى حدود «العراق» تكاثرت عليه
قوات الفرس، بعد أن رأوا فشل عملائهم من المرتدين فى القضاء
على الإسلام فألقوا بثقلهم فى المعارك ضد المسلمين. ولما رأى
«المثنى» أنه غير قادر بمن معه على مواجهة القوات الفارسية،
أرسل إلى الخليفة يشرح له الموقف، ويطلب منه المدد، فأدرك
الخليفة خطورة الموقف، ورأى أن يردع الفرس ويرد عدوانهم،
فرماهم بخالد بن الوليد أعظم قواده، وأردفه بعياض بن غنم.
وفى المحرم من العام الثانى عشر من الهجرة تحرك «خالد بن
الوليد» من «اليمامة» ، وكان لايزال بها، بعد أن قضى على فتنة
«مسيلمة الكذاب» ، وتوجه إلى «العراق» . حيث خاض سلسلة من
المعارك ضد الفرس فى خلال عدة شهور، فى «ذات السلاسل»
و «المذار» ، و «الولجة» ، و «أليس» ، وهذه أسماء الأماكن التى
دارت فيها الحروب، وكان النصر حليفه فيها، ثم توَّج انتصاراته
بفتح «الحيرة» عاصمة «العراق» فى ذلك الوقت، واستقر بها
فى شهر ربيع الأول من العام نفسه، ثم فتح «الأنبار» و «عين
التمر» إلى الشمال من «الحيرة» ، ثم جاءته أوامر من «أبى بكر»
أن يعود إلى «الحيرة» ويستقر بها إلى أن تأتيه أوامر أخرى.
وخلاصة القول أنه فى خلال بضعة أشهر نجح «خالد» فى فتح
أكثر من نصف «العراق» ،وصالح أهله على دفع الجزية، ولم
يجبر أحدًا على الدخول فى الإسلام».كما تم فتح أجزاء من
الشام الجمع الأول للقرآن فى عهد أبى بكر الصديق: فزع «عمر
بن الخطاب» لاستشهاد عدد كبير من حفظة القرآن فى حروب
الردة، وبخاصة معركة «اليمامة» ، فأشار على «أبى بكر»
بضرورة جمع القرآن فى مصحف واحد؛ خشية أن يُستشهد عدد
آخر من الحفاظ، فيضيع القرآن، أو يدخله تحريف إذا تباعد الزمن
بين نزوله وجمعه، كما حدث للكتب السابقة. تردد «أبو بكر» فى
بادئ الأمر من اقتراح «عمر» ، وقال: «كيف أفعل شيئًا لم يفعله
رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فقال له «عمر»: «أرى والله
أنه خير»، فلم يزل «عمر» بأبى بكر حتى قبل، ثم استدعى
«أبو بكر» «زيد بن ثابت الأنصارى» ، وكلفه بمهمة جمع القرآن،
قائلا له: «إنك رجل شاب عاقل، لا نتهمك، وقد كنت تكتب
الوحى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن
فاجمعه»، فقبل «زيد» هذه المهمة الثقيلة، وبدأ فى تتبع
القرآن، وجمعه من الرقاع والعظام، والعسب (سعف النخل) التى
كان مكتوبًا عليها ومن صدور الرجال، وجعل ذلك فى مصحف
واحد. وقد ظل هذا المصحف عند «أبى بكر» ، ثم انتقل بعد وفاته
إلى «عمر بن الخطاب» ، ثم انتقل بعد وفاته إلى ابنته أم
المؤمنين «حفصة» ، وفى عهد «عثمان» دعت الضرورة إلى جمع
الناس على قراءة واحدة، فأخذه «عثمان» منها، ونسخ منه عدة
نسخ ووزعها على الأمصار. وهكذا توَّج «أبو بكر الصديق»
أعماله الجليلة بجمع القرآن. وفاة أبى بكر الصديق: قضى «أبو
بكر» فى الخلافة سنتين وثلاثة أشهر وعشرة أيام قام فيها
بجلائل الأعمال، ونهض بمسئولية قيادة الدولة على خير وجه،
وعاش حياته للإسلام وللمسلمين، ووهب حياته لخدمة رعيته،
والدفاع عن عقيدتها، دون أن يأخذ أجرًا على تحمله تبعات هذا
المنصب الجليل، منصب الخليفة، وعاش مثل بقية رعيته دون أن
يمتاز عنهم فى مسكن أو ملبس، بل إنه رد ما خصصه له كبار
الصحابة من راتب ضئيل، كى يترك التجارة ويتفرغ لمنصبه.
وفى أواخر شهر جمادى الآخرة من العام الثالث عشر للهجرة،
فاضت روح «أبى بكر» إلى بارئها بعد مرض استمر أسبوعين،
كان سببه الحمى، وتولى بعده الفاروق «عمر بن الخطاب» .