الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ابن فورك:
ت 406 هـ:
هو محمد بن الحسن بن فورك (1) ، أبو بكر الأنصاري، الأصبهاني (2) ، ولا يعرف تاريخ ولادته، لكن المعروف عنه أنه أقام أولاً بالعراق ودرس بها مذهب الأشعري على أبي الحسن الباهلي - تلميذ أبي الحسن الأشعري (3) -، ثم ذهب إلى الري فسعب به الكرامية، ثم راسله أهل نيسابور فبنيت له فيها دار ومدرسة، وصار يدرس فيها وتخرج عليه جمهرة كبيرة من الفقهاء (4) ، وقد ذكر قصة له في سبب اشتغاله بعلم الكلام (5) .
وفي آواخر عمره أنهى إلى السلطان محمود بن سبكتكين أنه يعتقد أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم ليس نبياً اليوم، وأن رسالته انقطعت بموته، وقد امتحن وجرت له مناظرات مع محمود بن سبكتكين، وممن نسب إليه هذا القول ابن حزم حيث قال في الفصل:[حدثت (6) ] فرقة مبتدعة تزعم أن محمد ابن عبد الله ابن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم ليس هو الآن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه كان رسول الله، وهذا قول ذهب إليه الأشعرية، وأخبرني سليمان بن خلف الباجي - وهو من مقدميهم اليوم - أن محمد بن الحسن ابن فورك الأصبهاني على هذه المسألة قتله
(1) فورك: بضم الفاء وفتح الراء، هكذا ضبطها بان خلكان وصاحب الوافي وغيرهما.
(2)
انظر: ترجمته في: تبيين كذب المفتري (ص: 232) ، وإنباء الرواة (3/110) ، ووفيات الأعيان (4/272) ، وسير أعلام النبلاء (17/214) ، والعبر (2/213) ، والوافي (2/344) ، وطبقات السبكي (4/127) ، وطبقات الشافعية للأسنوي (2/266) ، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهية (1/185) ، وشذرات الذهب (3/181) ، والنجوم الزاهرة (4/240)، وتاج التراجم (ص: 62) .
(3)
انظر: سر أعلام النبلاء (17/216) ، وطبقات السبكي (4/128) ، وابن قاضي شهبة (1/185) .
(4)
انظر: السير (17/215) ، وطبقات السبكي (4/128)، وتاريخ التراجم لابن قطلوبغا (ص: 62) - ط باكستان -.
(5)
انظر: طبقات السبكي (4/129) .
(6)
في طبعة الفصل الأولى - مع ملل الشهرستاني - (1/88)[حديث] وكذا في الطبعة المحققة (1/161) ، ولعل الصواب ما أثبته.
بالسم محمود بن سبكتكين، صاحب ما دون وراء النهر من خراسان رحمه الله " (1) ، ثم ذكر ابن حزم السبب الذي أدى إلى هذه المقالة (2) ، وقد نفى السبكي بشدة نسبة هذه المقالة وشنع على ابن حزم والذهبي بسبها، وقال إن ابن فورك لما سأله ابن سبكتكين كذب الناقل، وإن السلطان عندما وضح له الأمر أمر بإعزازه وإكرامه، فلما أيست الكرامية دست له السم (3) ، وقول ابن حزم سبق نقله قريباً وقد نسبه إلى الباجي، أما الذهبي فقال: " ونقل أبو الوليد الباجي أن السلطان محموداً سأله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان رسول الله، وأما اليوم فلا، فأمر بقتله بالسم " (4) ، وهذه المسألة من المسائل التي كانت سبباً في محنة الأشعرية زمن القشيري والجويني، وقد رد القشيري نسبتها إلى الأشعرية وبين بطلان نسبتها إليهم (5) .
والذي يظهر أنه قد وقعت بين ابن فورك وابن سبكتكين مناظرات في موضوعات متعددة ولذلك ذكر ابن رجب مناظرة بينهما حول العلو، فروى في أثناء ترجمته لأبي الحسن العكبري أنه قال:" سمعت أبا مسعود أحمد بن محمد البجلي الحافظ قال: دخل ابن فورك على السلطان محمود، فتناظرا، قال ابن فورك لمحمود، لا يجوز أن تصف الله بالفوقية، لأنه يلزمك أن تصفه بالتحتية، لأنه من جاز أن يكون له فوق جاز أن يكون له تحت. فقال محمود: ليس أنا وصفته بالفوقية، فتلزمني أن أصفه بالتحتية، وإنما هو وصف نفسه بذلك، قال: فبهت"(6) .
(1) الفصل (1/161) - المحققة -.
(2)
انظر: المصدر السابق (1/162) .
(3)
انظر: طبقات السبكي (4/130-133) .
(4)
سير أعلام النبلاء (17/216) .
(5)
انظر: رسالة شكاية أهل السنة للقشيري (ص: 10-28) ، ضمن "رسائل القشيرية" وهو في طبقات السبكي (3/40-413) .
(6)
الذيل على طبقات الحنابلة (1/12) .
ومن أبرز شيوخ ابن فورك إضافة إلى أبي الحسن الباهلي: عبد الله بن جعفر الأصبهاني الذي سمع منه مسند أبي داود الطيالسي، وابن خرزاد الأهوازي.
أما أبرز تلاميذه الذين رووا عنه فالبيهقي، والقشيري، وأبو بكر أحمد ابن علي بن خلف (1) .
أما مصنفاته فقد ذكر مترجموه أنها قريب من المئة (2) ، وقد ذكر سزكين ما وصل إليه منها، وهي باختصار:
1-
مشكل الحديث وبيانه، وقد ذكر أن له أسماء كثيرة، وهو مطبوع.
2-
كتاب الحدود في الأصول، وذكر أنه طبع في بيروت سنة 1324هـ.
3-
النظامي في أصول الدين.
4-
رسالة في علم التوحيد.
5-
تفسير القرآن.
6-
الإبانة عن طرق القاصدين والكشف عن مناهج السالكين، والتوفر إلى عبادة رب العالمين.
7-
مجرد مقالات أبي الحسن الأشعري، وقد طبع أخيراً في بيروت.
8 -
شرح كتاب العالم والمتعلم لأبي حنيفة.
9-
انتقاء من أحاديث أبي مسلم محمد بن أحمد بن علي الكاتب البغدادي المتوفى سنة 399هـ (3) .
توفي ابن فورك سنة 406هـ.
(1) انظر: السير (17/215) ، وطبقات السبكي (4/129) .
(2)
انظر: التبيين (ص: 233) .
(3)
انظر: تاريخ التراث لسزكين مجلد 1ج- 4 (ص: 52-54) - ط جامعة الإمام -.
منهج ابن فورك ودوره في تطور المذهب الأشعري:
يعتبر ابن فورك من المعاصرين للباقلاني المتوفى سنة 403هـ، وكلاهما تتلمذ على يد أبي الحسن الباهلي، تلميذ أبي الحسن الأشعري، ولكن شيوخ الباقلاني في مسائل الكلام أكثر، كما أن عناية ابن فورك بالحديث أكثر، ويكفي أن أحد تلامذته الإمام البيهقي.
وإذا كان قد مضى تفصيل مذهب وأقوال الباقلاني، فسيقتصر البحث هنا في عقيدة ومنهج ابن فورك على عرض مقارنة بينه وبين الباقلاني، إذ هما يمثلان مرحلة واحدة في مسيرة مذهب الأشاعرة.
فمن المسائل التي يوافق فيها ابن فورك الباقلاني:
1-
الاستدلال بدليل حدوث الأجسام المسمى دليل الأعراض، وهو دليل المتكلمين المشهور، وقد أشار إليه ابن فورك عرضاً في كتابه مشكل الحديث فقال:" إن الخلق عرفوا الله سبحانه وتعالى بدلالاته المنصوبة، وآياته التي ركبها في الصور، وهي الأعراض الدالة على حدوث الأجسام، واقتضائها محدثاً لها من حيث كانا محدثين"(1) .
2-
نفي الصفات الاختيارية القائمة بالله تعالى، وهي المسألة المسماة بحلول الحوادث، وقد جاءت الإشارة إلى هذه المسألة عند ابن فورك في عدة مواضع (2) .
3-
يثبت ابن فورك من الصفات الخبرية: الوجه (3) ، واليدين (4) ، والعين (5) ، ويمنع من تأويلها، وينفي عنها أن تكون جارحة أو دالة على
(1) مشكل الحديث وبيانه (ص: 43) - ت موسى محمد علي - المكتبة العصرية، بيروت.
(2)
انظر: المصدر السابق (ص: 68، 100، 133، 143، 193، 194، 230) .
(3)
انظر: المصدر نفسه (ص: 171، 204) .
(4)
انظر: المصدر نفسه (ص: 53، 157، 179، 183، 206) .
(5)
انظر: المصدر نفسه (ص: 206، 123، 203، 205) .
تجسيم أو أجزاء، وهذا ما يقوله الباقلاني - إلا أننا نرى ابن فورك يتأول ما عدا هذه الصفات الخبرية، فيتأول ما ورد من اليد (1) ، ويمين الرحمن (2) ، والكف (3) ، والقبضة (4) ، والقدم (5) ، والأصابع (6) ، والساق (7) ، ولم يجعلها مع اليدين والوجه والعين نسقاً واحداً في الإثبات مع عدم التمثيل، بل أوّل هذه ومنع تأويل تلك، وكأن ابن فورك شعر بالتناقض هنا فأورد سؤالاً وأجاب عليه حيث قال بعد إثباته صفة الوجه لله تعالى، ورده على المعتزلة الذين يتأولونه بأن معناه: أنه هو، وإن وجه الشيء قد يكون نفسه - قال: " فإن قال قائل: فإنه لا يعقل وجه، الجارحة أو بعض (8) ،
أو نفس الشيء؟ قيل: في هذا جوابان: أحدهما: أنه إثبات وجه بخلاف معقول الشاهد، كما أن إثبات من أضيف إليه الوجه إثبات موجود بخلاف معقول الشاهد، والثاني: أن الوجه على الحقيقة لا يكون نفس الشيء، لما بينا أن ذلك لا يوجد في اللغة حقيقة أيضاً، وأما إطلاق البعض على الوجه الذي هو جارحة فتوسع عندنا، وإن كان حقيقة أيضاً
…
واعلم أن أحد أصولنا في هذا الباب أنه كلما أطلق على الله عزوجل من هذه الأوصاف والأسماء التي قد تجرى على الجوارح فينا، فإنما يجري ذلك في وصفة على طريق الصفة، إذا لم يكن وجه آخر يحمل عليه، مما يسوغ فيه التأويل، وذلك لصحة قيام الصفة بذاته، فإن قيامها مما لا يقتضي انتقاض توحيده وخروجه عما يستحقه من القدم والإلهية، فأما وصفه بذلك على الحد الذي يتوهمه المشبه الممثلة لربها بالخلق في إثبات الجوارح والآلات،
(1) انظر: مشكل الحديث (ص: 207) .
(2)
انظر: المصدر نفسه (ص: 209) .
(3)
انظر: المصدر نفسه (ص: 40) .
(4)
انظر المصدر نفسه (ص: 49) .
(5)
انظر المصدر نفسه (ص: 62-63) .
(6)
انظر، المصدر نفسه (ص: 116-118) .
(7)
انظر: المصدر نفسه (ص: 167-210) .
(8)
كذا ولعل الصواب: فإنه لا يعقل وجه إلا جارحة أو بعض
…
فخلاف الدين والتوحيد، وحملها على ما ذهبت إليه المعتزلة فيه إبطال فائدتها، وإخراجها عن كونها معقولة مفيدة على وجه الحق
…
" (1) ، ثم يورد سؤالاً آخر فيقول: " فإن قيل: فلم لا تقولون على هذا الوصف: " قدم " صفة و " صورة " صفة، لأن الإضافة قد حصلت في الخبر إليه على هذا الوجه؟ فقيل:" على صورته " وقيل: " قدمه "؟ قيل: إنما لم يحمل ذلك على الصفة لامتناع المعنى فيه، وإن الصفة ليست مما يوصف بالوضع في الأماكن، وقد وجدنا لذلك تأويلاً صحيحاً قريباً، يمنع هذه الشبهة، وهو ما ذكرنا قبل أن قدم المتجبر على الله عزوجل، بضعها على النار على استحقاق العقوبة على عتوه على الله..
وإنما حملنا ما أطلق من ذكر الوجه واليدين والعين على الصفة من حيث لم يوجد في واحد منها ما يستحيل ويمتنع، وليس كل ما أضيف إليه فهو عن طريق الصفة، بل ذلك ينقسم على أقسام: منها بمعنى الملك، ومنها بمعنى الفعل، ومنها بمعنى الصفة، وإنما يكشف الدليل، ويميز القرائن مواقعها على حسب ما بينا ورتبنا، فاعلمه إن شاء الله" (2) ، وواضح من منهجه هذا أن الصفة إذا كان لها وجه آخر تحمل عليه وجب حملها، بحيث لا تكون صفة لله تعالى، ومن تأمل تأويلاته لبعض الصفات الخبرية لا يجد بينها وبين تأويلات مخالفي ابن فورك لصفة اليدين والوجه والعين كبير فرق.
4-
يؤول ابن فورك صفات النزول (3) ، والإتيان (4) ، والمجيء (5) ، والضحك (6) ،
(1) مشكل الحديث (ص: 172) .
(2)
انظر: المصدر السابق (ص: 173) .
(3)
انظر: المصدر نفسه (ص: 99، 101، 191، 222، 224) .
(4)
انظر: المصدر نفسه (ص: 43، 102) .
(5)
انظر: المصدر نفسه (ص: 102، 124) .
(6)
انظر: المصدر نفسه (ص: 67، 200، 222، 225، 226) .
والعجب (1) ، والغضب (2) ، والفرح (3) ، وغيرها، وهذا ما نجده مماثلاً له عند الباقلاني، وهذا كله بناءً على أصلهما الذي هو أصل الأشاعرة وهونفي ما يقوم بالله من الصفات الاختيارية.
5-
يثبت صفة الكلام على مذهب الأشاعرة، ويشرح بعض الأمور المتعلقة به، فيقول: " فأما كلام الله الذي هو صفة من صفات ذاته، غير بائن منه: فكلام واحد، شيء واحد، يفهم منه ويسمع ملا يحصى ولا يعد من الفوائد والمعاني، ونظير ذلك ما نقول: إن علمه واحد، ولكنه يحيط بمعلومات لا تتناهى، والذي تقع عليه الكثرة والقلة من المعلومات دون العلم
…
" (4) ، وما نسمعه من كلام الله هو عبارة عنه، وكلام الله ليس بحرف ولا صوت، يقول: " اعلم أن كلام الله تعالى ليس بحرف ولا صوت عندنا، وإنما العبارات عنه تارة تكون بالصوت والعبارات هي الدالة عليه، وأمارات له تظهر للخلق، ويسمعون عنها كلام الله فيفهمون المراد، فيكون ما سمع موسى عليه السلام من الأصوات مما سمع يسمى كلام الله عزوجل، ويكون ذلك في نفسه غير الكلام، ويحتمل أن يكون معناه: أن يسمي العبارة كلام الله، كما يسمي الدلالة على الشيء باسمه، وكما يسمي الواقع عن القدرة قدرة، والكائن عن الرحمة رحمة " (5) ،
ويقول في موضع آخر" " وقد بينا فيما قبل أن معنى ذلك راجع إلى العبارات والدلالات، التي هي الطريق إلى الكلام وبها يفهم مراده منه، لا أنه تعالى قوله إذا تكلم الله بالوحي، أنه يتجدد له كلام، ولكنه يتجدد إسماع وإفهام بخلق عبارات ونصب دلالات، بها يفهم الكلام، ثم يقال على طريق السعة والمجاز لهذه العبارات كلام من حيث أنها دلالات عليه
…
واعلم أنه لا يصح على أصلنا في قولنا:
(1) مشكل الحديث (ص: 95) .
(2)
انظر: المصدر السابق (ص: 229)، وفي تأويل الغضب والرحمة (ص: 112، 179) .
(3)
انظر: المصدر نفسه (ص: 212) .
(4)
انظر: المصدر نفسه (ص: 212) .
(5)
انظر: المصدر نفسه (ص: 169) ..
إن كلام الله غير مخلوق ولا حادث بوجه أن يقول: إن الله يتكلم كلاماً بعد كلام، لأن ذلك يوجب حدوث الكلام، وإنما يتجدد الإسماع والإفهام، ونصب العبارات وإقامة الدلالات على الكلام الذي لم يزل موجوداً وحدوث الدلالة والعبارة لا يقتضي حدوث المدلول المعبر عنه، كما أن حدوث الذكر والدعاء لا يقتضي حدوث المذكور والمدعو" (1) .
هذه بعض المسائل التي اتفق فيها الباقلاني وابن فورك، على أن ابن فورك تميز عن الباقلاني بما يلي:
1-
الاستدلال بالسنة في دقائق مسائل الأسماء والصفات، مع أن له رأياً في أخبار الآحاد وأنها لا تفيد اليقين والعلم، لكنه يرى جواز ذكرها لإفادتها غلبة الظن، فهي من باب الجائز الممكن، يقول:" وأما ما كان من نوع الآحاد مما صحت الحجة به من طريق وثاقة النقلة، وعدالة الرواة، واتصال نقلهم، فإن ذلك - وإن لم يوجب العلم والقطع - فإنه يقتضي غالب ظن وتجويز حكم، حتى يصح أن يحكم أنه من باب الجائز الممكن، دون المستحيل الممتنع"(2) ، والسبيل الأمثل فيها تخريجها وتأويلها، وليس إنكارها كما فعلت المعتزلة، ولا اعتقاد التشبيه بها كما فعلت المشبهة (3) .
والمطلع على كتاب ابن فورك في مشكل الحديث يلحظ أمرين عجيبين:
أحدهما: البحث عن أوجه التأويل لكل حديث، والتكلف في ذلك، وهو يعتقد أن هذه مهمة طائفة من أهل الحديث، فقد قسمهم إلى فرقتين: فرقة هم أهل النقلة والرواية، وحصر أسانيدها، وتمييز صحيحها من سقيمها، وفرقة منهم يغلب عليهم تحقيق طرق النظر والمقاييس، والإبانة عن ترتيب الفروع على الأصول ونفي شبه الملبسين عنها، فالفرقة الأولى للدين كالخزنة للملك
(1) مشكل الحديث (ص: 193-194) .
(2)
المصدر السابق: (ص: 22) .
(3)
انظر: المصدر نفسه (ص: 235-236) .
والفرقة الأخرى كالحرس الذين يذبون عن خزائن الملك (1) ، وواضح أن ابن فورك في كتابه جعل مهمته هدف الفرقة الثانية، ولذلك ذكر فيه ما يراه من مشكل الحديث.
والأمر الآخر: خلطه فيما يورده بين الأحاديث الصحيحة، والضعيفة والموضوعة، حيث جعلها نسقاً واحداً في الدلالة وضرورة التأويل، وإذا أشار إلى ضعف بعض الروايات لا يكتفي بذلك في ردها وبيان عدم الحاجة إلى بحث ما دلت عليه من الصفة لله تعالى، وإنما يشير إلى ضعفها - إن أشار - بكلمات ثم يجلب بخيله ورجله في تأويلها (2) .
ومن الأمثلة على ذلك - وهي كثيرة - تأويله لرواية "الحجر الأسود يمين الله في أرضه، يصافح بها من شاء من خلقه"(3) ،
فإنه قال - دون أن
(1) انظر: مشكل الحديث (ص: 17-18) .
(2)
نظر: كأمثلة على ذلك مشكل الحديث (الصفحات: 59، 64، 69، 83، 103، 108، 141، 163، 168، 169) .
(3)
هذا الحديث روي مرفوعاً وموقوفاً، فرواه - عن عبد الله بن عمرو -: الحاكم في المستدرك (1/457) ، بلفظ، يأتي الركن يوم القيامة.. وهو يمين الله التي يصافح بها خلقه "، والطبراني في الأوسط (1/337) ، ورقمه (567) ، وابن خزيمة في صحيحه (4/221) ورقمه (2737) ، وابن الجوزي في العلل المتناهية (2/85) ، وصحيحه الحاكم وتعقبه الذهبي بأن في إسناده عبد الله ابن المؤمل وهو ضعيف، كما رواه عن جابر مرفوعاً: الخطيب في تاريخ بغداد (6/328) ، وابن عدي في الكامل (1/336) ، وابن الجوزي في العلل المتناهية (2/84) ، وفي إسناده إسحاق بن بشر الكاهلي قال عنه ابن عدي في الكامل: هو في عداد من بضع الحديث، كما رواه عن أنس بن مالك مرفوعاً: الديلمي في الفردوس (2/258) ، بلفظين، وفي إسناده على بني عمر العسكري ضعيف، والعلاء بن سلمة الرواس متهم بالوضع، انظر: فيض القدير (3/310) ، كما رواه موقوفاً على ابن عباس - عبد الرزاق في المصنف (5/39) ، ورقمه (8919-8920) ، وابن قتيبة في غريب الحديث (2/337) ، والأزرقي في أخبار مكة من طرق (1/323، 324، 326) ، ومحمد ابن يحيى العدني المعروف بمحمد بن أبي عمر - كما في المطالب العالية - (1/339) ورقمه (1147) ، وفي الحاشية (1/340) ، " في المسندة هذا موقوف جيد، وقال البوصيري: رواه ابن أبي عمر موقوفاً بإسناد صحيح"، كما روى موقوفاً على عكرمة، رواه الأزرقي في أخبار مكة (1/325) ، ومما سبق يتبين أن المرفوع ضعيف، وأن الصحيح وقفه على ابن عباس، وممن صحح وقفه العجلوني في كشف الخفا (1/349) ، وقال في تمييز الطيب من الخبيث (ص: 68) ، " قال شيخنا هو موقوف صحيح"، كما أشار ابن تيمية في مجموع الفتاوى (6/397)، وفي التدمرية (ص: 72) ، أن المشهور فيه أنه عن ابن عباس وانظر: حول هذا الحديث أيضاً إحياء علوم الدين (1/103) ، مع تخريج العراقي، وشرحه إتحاف السادة (2/79-80) ، والسراج المنير للعزيزي (2/236-237) ، وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني رقم (223) ، وكنز العمال (12/215، 217) .
ملحوظة: وقع في الترغيب والترهيب (2/194) - ت مصطفى عمارة - و (2/314) ، ت الهراس رواية عبد الله بن عمرو بلفظ " يأتي الركن اليماني.." والذي في مصادر الحديث - التي أشرنا إليها - وأيضاً في مسند الإمام أحمد (2/211) ، حيث روى أول الحديث دون المصافحة، مجيء الرواية بلفظ " يأتي الركن"، فقط، ولذلك بوبوا له بالحجر الأسود، فلعل ما في الترغيب والترهيب وهم من المنذري أو من النساخ، والله أعلم.
يتعرض لإسناده، وهل هو مرفوع أو موقوف -: " وقد تأول أهل العلم ذلك على وجهين من التأويل: أحدهما: أن المراد بذلك الحجر أنه من نعم الله على عباده، بأن جعله سبباً يثابون على التقرب إلى الله تعالى بمصافحته، فيؤجرون على ذلك، وقد بينا أن العرب تعبر عن النعم باليمين واليد.. وزعم بعضهم: أن هذا تمثيل وأصله أن الملك إذا صافح رجلاً، قبل الرجل يده، فكان الحجر لله تعالى بمنزلة اليمين للملك ليستلم ويلثم، وقد روى في الخبر أن الله عزوجل لما أوجده أخذ الميثاق من بني آدم وأشهدهم على أنفسهم الست بربكم؟ قالوا: بلى، جعل ذلك في الحجر الأسود، فلذلك يقال عنده: إيماناً بك ووفاءً بعهدك (1) .
ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن يكون قوله " الحجر يمين الله في أرضه، إنما إضافة إليه على طريق التعظيم للحجر، وهو فعل من أفعال الله عزوجل سماه يميناً، ونَسَبهُ إلى نفسه وأمر الناس باستلامه ومصافحته، ليظهر طاعتهم بالإئتمار وتقربهم إلى الله عزوجل، فيحصل لهم بذلك البركة والسعدة"(2) . ولو أن ابن فورك بين درجته وضعفه - أو ضعف المرفوع منه - ثم بين وضوح دلالته وأن نص الحديث يدل على أن الحجر ليس يمين الله حقيقة والتي هي صفته القائمة به لأنه قال: " في الأرض "، لما احتاج إلى هذه التأويلات.
(1) وردت في ذلك رواية ضعيفة عن عمر رضي الله عنه رواها الحاكم في المستدرك (1/457) ، والأزرقي في تاريخ مكة (1/323-324) .
(2)
مشكل الحديث (ص: 57-58) .
وأحياناً يستعين ببعض الروايات الشاذة أو الضعيفة، فمثلاً حين أوّلَ أحاديث النزول بعدة تأويلات قال:" وقد روى لنا بعض أهل النقل هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بما يؤيد هذا الباب، وهو بضم الياء من " ينزل " وذكر أنه قد ضبطه عمن سمعه عنه من الثقات الضابطين"(1) ، والروايات المتواترة جاءت بما هو مشهور، فكيف تمسك بهذه الرواية الشاذة، والمجهول رواتها؟ وفي تأويله للإتيان في قوله تعالى:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ} (البقرة:210)، ذكر رواية عن مجاهد أنه قال: يأتيهم بوعده ووعيده (2) . مع أن المأثور عن مجاهد عكس هذا.
2-
وابن فورك يؤول الاستواء والعلو، خلافاً للباقلاني الذي يثبتهما، وقد سبق نقل كلامه في ذلك، ولأهمية قول ابن فورك في هذه المسألة في تتبع تطور المذهب الأشعري نعرض لأقواله فيها، يقول عن الاستواء في معرض رده على ابن خزيمة في كتابه التوحيد:" ثم ذكر صاحب التصنيف بابا ترجمه باستوائه على العرش، وأوهم معنى التمكين والاستقرار، وذلك منه خطأ، لأن استواءه على العرش سبحانه ليس على معنى التمكين والاستقرار، بل هو في معنى العلو بالقهر والتدبير، وارتفاع الدرجة بالصفة على الوجه الذي يقتضي مباينة الخلق"(3) ، وفي موضع آخر حين رد على أحمد بن إسحاق الصبغي - صاحب ابن خزيمة - أحال على تأويله للاستواء فيما سبق - والذي نقلناه قبل قليل -.
أما العلو: فله في تأويله أقوال كثيرة:
أ - يقول في حديث الجارية حين قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت في السماء، قال: أعتقها فإنها مؤمنة (4)، يقول ابن فورك: " إن ظاهر
(1) مشكل الحديث (ص: 100) .
(2)
المصدر نفسه (ص: 103) ، وقد بحثت عن هذه الرواية فلم أجدها في كتب التفسير ومنها تفسير مجاهد، والطبري، والسيوطي، وابن كثير، والقرطبي، وابن الجوزي، والخازن، والبغوي، والألوسي، والبسيط للواحدي (مخطوط) وتفسير الثعلبي (مخطوط) وغيرها.
(3)
مشكل الحديث (ص: 186) .
(4)
رواه مسلم - في آخر قصة - كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، ورقمه (537) .
اللغة تدل من لفظه أين أنها موضوعة للسؤال عن المكان، ويستخبر بها عن مكان المسؤول عنه بأين.. غير أنهم قد استعملوها عن مكان المسؤول عنه في غير هذا المعنى توسعاً أيضاً تشبيهاً بما وضع له، وذلك أنهم يقولون - عند استعلام منزلة المستعلم عند من يستعمله -: أين منزلة فلان منك، وابن فلان من الأمير، واستعملوه في استعلام الفرق بين الرتبتين بأن يقولوا: أين فلان من فلان، وليس يريدون المكان والمحل من طريق التجاوز في البقاع، بل يريدون الاستفهام عن الرتبة والمنزلة، وكذلك يقولون: لفلان عند فلان مكان ومنزلة، ومكان فلان في قلب فلان حسن، ويريدون بذلك المرتبة والدرجة في التقريب والتبعيد، والإكرام والإهانة، فإذا كان ذلك مشهوراً في اللغة احتمل أن يقال: إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ استعلام لمنزلته وقدره عندها وفي قلبها، وأشارت إلى السماء، ودلت بإشارتها على أنه في السماء عندها على قول القائل - إذا أراد أن يخبر عن رفعة وعلو منزلة -: فلان في السماء، أي هو رفيع الشأن، عظيم المقدار، كذلك قولها في السماء على طريقة الإشارة إليها، تنبيهاً عن محله في قلبها ومعرفتها به وإنما أشارت إلى السماء لأنها كانت خرساء، فدلت بإشارتها على مثل دلالة العبارة، على نحو هذا المعنى، وإذا كان كذلك لم يجز أن يحمل على غيره مما يقتضي الحد والتشبيه والتمكين في المكان والتكييف " (1) ،
وبعد أن يقرر ابن فورك مذهبه هذا وتأويله - العجيب - لهذا الحديث، يذكر قولاً آخر لبعض الأشاعرة فيقول:" ومن أصحابنا من قال: إن القائل إذا قال: إن الله في السماء، ويريد بذلك أنه فوقها من طريق الصفة، لا من طريق الجهة، على نحو قوله سبحانه {أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} (الملك:17) ، لم ينكر ذلك "(2)، وقد يكون قصد ببعض أصحابه: الباقلاني، الذي صرح بنفي الجهة - وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
(1) مشكل الحديث (ص: 76) ، ويلحظ أن رواية أنها أشارت بيدها إلى السماء رواية ضعيفة..
(2)
المصدر السابق (ص: 76-77) .
ب - قال في معرض رده على المعتزلة الذين يذهبون إلى أن الله في كل مكان، وبيانه أن المسلمين يطلقون أن الله فوق خلقه، وأن "في" في قوله تعالى:{أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} بمعنى "على" غير أنه يعقب قائلاً: "واعلم أنا إذا قلنا: إن الله عزوجل فوق ما خلق، لم يرجع به إلى فوقية المكان، والاتفاع على الأمكنة بالمسافة، والإشراف عليها بالممارسة منها، بل قولنا إنه فوقها يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه يراد به أنه قاهر لها، مسؤول عليها، إثباتاً لإحاطة قدرته بها، وشمول قهره لها، وكونها تحت تدبيره، جارية على حسب علمه ومشيئته.
والوجه الثاني: أن يراد أنه فوقها على معنى أنه مباين لها بالصفة والنعت، وأن ما يجوز على المحدثات من العيب والنقص والعجز والآفة والحاجة، لا يصح شيء من ذلك عليه، ولا يجوز وصفه به، وهذا أيضاً متعارف في اللغة أن يقال: فلان فوق فلان، ويراد بذلك رفعة المرتبة والمنزلة، والله عزوجل فوق خلقه على الوجهين جميعاً ".
وإنما يمتنع الوجه الثالث: وهو أن يكون على معنى التحيز في جهة الاختصاص ببقعة دون بقعة، وإذا قلنا: إنه فوق الأشياء على هذا الوجه قلنا أيضاً في تأويل إطلاق القول بأنه فيها على مثل هذا المعنى" (1) .
جـ - ويقول في رده على ابن خزيمة: " واعلم أنه ليس ينكر قول من قال: إن الله في السماء، لأجل أن لفظ الكتاب قد ورد به وهو قوله:{أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} (الملك: 16)، ومعنى ذلك: أنه فوق السماء لا على معنى فوقية المتمكن في المكان، لأن ذلك صفة الجسم المحدود المحدث، ولكن بمعنى ما وصف به أنه فوق من طريق الرتبة والمنزلة والعظمة والقدرة، ثم ذكر هذا القائل [ابن خزيمة] في ذلك قوله عزوجل:{إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} (فاطر:10)، وقوله:{بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} (النساء:158)
(1) مشكل الحديث (ص: 84) .
وهذا منه غلط، من قبل [أن] صعود الكلم الطيب إليه على معنى صعود من سفل إلى علو، لاستحالة ذلك في الكلام لكونه عرضاً لا يبقى، وكذلك العمل الصالح وإنما معنى صعود الكلام إليه قبوله، ووقوعه منه موضع الجزاء والثواب، وقوله:(يرفعه) لا على معنى رفع من مكان إلى مكان، ولكن رفع له على معنى أنه قد تقبل، وأن الكلام إذا اقترن به العمل الصالح قُبلاً دون أن ينفرد الكلام من العمل. وأما قوله تعالى في قصة عيسى {بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ} ، فمعناه: رفعه إلى الموضع الذي لا يعبد فيه إلا الله، ولا يذكر فيه غيره، لا على معنى أنه ارتفاع إليه كما يرتفع الجسم من سفل إلى جسم في علو، بأن تقرب منه بالمسافة والمساحة" (1) .
د - ويشير في مواضع أخرى إلى تأويله للعلو والفوقية (2) .
هذا في كتابه الذي وصل إلينا كاملاً، وقد ذكر شيخ الإسلام - نقلاً عن كتابه في أصول الدين - ما يدل على إثبات العلو والاستواء، وأنه قال فيه:"وإن سألت أين هو فجوابنا: أنه في السماء كما أخبر في التنزيل عن نفسه بذلك فقال - عز من قائل - {أأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} (الملك:16) ، وإشارة المسلمين بأيديهم عند الدعاء في رفعها إليه، وإنك لو سألت صغيرهم وكبيرهم فقلت: أين الله؟ لقالوا: إنه في السماء ولم ينكروا لفظ السؤال بأين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل الجارية التي عرضت للعتق فقال: أين الله؟ فقالت: في السماء: مشيرة بها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم اعتقها فإنها مؤمنة، ولو كان ذلك قولاً منكراً لم يحكم بإيمانها ولأنكره عليها، ومعنى ذلك أنه فوق السماء، لأن في معنى فوق، قال الله تعالى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} (التوبة:2) أي فوقها (3) ، وقال عن الاستواء" فإن قال: فعلى ما هو اليوم؟ قيل له: مستو على العرش كما قال سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} (طه:5)(4) .
(1) مشكل الحديث (ص: 188) .
(2)
انظر: المصدر نفسه (ص: 178-216، 218) .
(3)
أصول الدين لابن فورك - عن مجموع الفتاوي - (16/90) .
(4)
المصدر السابق (ص: 16/93) .