الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أعلام الأشاعرة في الفترة بين الغزالي والرازي:
-
ابن تومرت
ت 524هـ.
- أبو بكر بن العربي ت 534هـ.
- الشهرستاني ت 548هـ.
- ابن عساكر ت 571هـ.
ليس المقصود استيفاء أعلام الأشاعرة في كل زمن، وإنما الغرض من هذا الفصل الإشارة إلى أشهر رجالهم الذي كان لهم أثر في المذهب الأشعري وتطوره، لذلك سنختصر الحديث عن هؤلاء، وإن كان كل واحد منهم قد يفرد ببحث مستقل.
أما ابن تومرت (1) فشهرته جاءت كمؤسس لدولة الموحدين، التي قامت على أنقاض دولة المرابطين - التي كانت دولة سنية -، وحادثة إحراق كتب الغزالي، وعلى رأسها الإحياء - مشهورة (2) ، وسبب إحراقها ما حوته من تأويل وأقوال مخالفة لمذهب السلف، فلما جاء ابن تومرت- الذي ذكر أنه لقي بعض الأشاعرة في رحلته إلى المشرق ومنهم الغزالي (3) - وبدأ ثورته
(1) سبقت ترجمته (ص: 171) .
(2)
انظر في سنية دولة المرابطين: المعجب للمراكشي (ص: 255) ، وشذرات الذهب (4/71-72) ، وتاريخ فلسفة الإسلام في القارة الأفريقية (1/201-208)، وعقيدة المرشدة: عبد الله كنون ضمن نصوص فلسفية (ص: 103-104)، أما في مسألة حرق كتب الغزالي فانظر: المعجب (ص: 255) ، والبيان المغرب لابن عذاري (4/59-60)، والحضارة الإسلامية في المغرب والأندلس: عصر المرابطين والموحدين: حسن علي حسن (ص: 450-451) .
(3)
ممن ذكر لقاءه بالغزالي: ابن الأثير في الكامل (10/569)، والمراكشي في المعجب (ص: 263) ، وابن خلدون في تاريخه (11/466) ، دار الكتاب اللبناني، والصفدي في الوافي (3/323)، وصاحب الحلل الموشية (ص: 104-105) ، وممن أنكر لقاءه به عنان في تراجم إسلامية (ص: 242) ، والفرد بل في الفرق الإسلامية في الشمال الأفريقي (ص: 251) ، ويحيى هويدي في تاريخ فلسفة الإسلام (ص: 226) .
ضد المرابطين أخذ يستخدم في حربهم أساليب متعددة منها رميهم بالتجسيم، وألف عقيدته المسماة المرشدة، ونجح في تأسيس دولة الموحدين فاشتهر على أنه أحد أعلام الأشاعرة، والظاهر أن تصنيفه كأحد الأعلام الذين نشروا المذهب الأشعري جاء لسببين:
أحدهما: حربه للمرابطين السنة، وكان من الأشياء التي حاربهم بها اتهامه لهم بالتجسيم والتشبيه، فهو بهذا فتح الباب لدخول التأويل الكلامي لبلاد المغرب، ولم يقتصر الأمر على هذا بل تبنى - بصفته إماماً مطاعاً - هذا الجانب، فكان لسلطته الدور الأكبر في انحسار مذهب السلف، وفشو مذاهب المتكلمين.
الثاني: تأليفه للمرشدة (1) ، وهي عقيدة - مختصرة - مستقاة من مذهب الأشاعرة، ولم يقتصر الأمر على هذا بل كان يفرض هذه العقيدة على الناس، بحيث تدرس للعوام، مما جعلها تشتهر بسرعة.
وفيما عدا ذلك فابن تومرت يبدو أقرب ما يكون إلى مذهب المعتزلة، ومذهب الشيعة (2) ، وقد كان أحد أتباعه لما كتب تاريخ ابن تومرت لا يسميه إلا الإمام المعصوم (3) وليس قربه من هؤلاء بأقل من قربه من الأشاعرة.
(1) هذه العقيدة مختصرة - صفحة واحدة - قيل سميت بذلك لقوله في أولها: اعلم أرشدنا الله وإياك" انظر نصها في الحلل الموشية (ص: 117-118) ، وطبقات السبكي (8/185-186)، وقد حققها مع دراسة واسعة عبد الله كنون - نشرت ضمن: نصوص فلسفية - الدراسة تبدأ (ص: 99)، ونص المرشدة (ص: 114-115) ، وقد عدها السبكي في معيد النعم (ص: 75) ، من أصول العقائد الموافقة لعقيدة أهل السنة والجماعة، وسلكها مع عقيدة الطحاوي والقشيري، وذكر في الطبقات (8/185) ، أن فخر الدين ابن عساكر كان يدرس المرشدة في القدس في المدرسة الصلاحية.
(2)
انظر: وفيات الأعيان (3/238)، علاقة المهدي بكتاب الجفر الباطني - وانظر: عقيدة المرشدة - كنون - (ص: 106-107)، وانظر الأمير الشاعر أبو ربيع الموحدي: عباس الجراري (ص: 46-47)، وانظر كتاب: المهدي ابن تومرت، عبد المجيد النجار (ص: 356) ، وما بعدها.
(3)
انظر: أخبار المهدي بن تومرت لأبي بكر الصنهاجي، المكنى بالبيدق (ص:11) وما بعدها.
أما أبو بكر بن العربي المعافري الأشبيلي (1) ، فقد تتلمذ على الغزالي بلا شك وتأثر به وإن كان قد نقده في بعض المواضع، بل ونقد بعض شيوخ الأشاعرة كالأشعري والباقلاني والجويني (2) ، لكنه مع ذلك بقي ملتزماً بمذهب الأشاعرة في الصفات وغيرها (3)، بل ودافع عن منهجهم فقال: " فإن قيل فما عذر علمائكم في الإفراط بالتعلق بأدلة العقول دون الشرع المنقول في معرفة الرب، واستوغلوا في ذلك؟ قلنا: لم يكن هذا لأنه خفي عليهم أن كتاب الله مفتاح المعارف ومعدن الأدلة، لقد علموا أنه ليس إلى غيره سبيل ولا بعده دليل، ولا وراءه للمعرفة معرس ولا مقيل، وإنما أرادوا وجهين: أحدهما: أن الأدلة العقلية وقعت في كتاب الله مختصرة بالفصاحة، مشاراً إليها بالبلاغة مذكوراً في مساقها الأصول، دون التوابع والمتعلقات من الفروع، فكمل العلماء ذلك الاختصار، وعبروا عن تلك الإشارة بتتمة البيان، واستوفوا الفروع والمتعلقات بالإيراد
…
الثاني: أنهم أرادوا أيبصروا الملاحدة ويعرفوا المبتدعة أن مجرد العقول التي يدعونها لأنفسهم، ويعتقدون أنها معيارهم لاحظ لهم فيها.." (4) ،
وهذا الكلام - بما فيه من لمز خفي بكتاب الله وكمال بيانه - استقاه ابن العربي من شيوخه الذين أمر بالاقتداء بهم في التأويل حين قال حول صفات اليد، والقدم، والأصابع، والنزول: " اسرد الأقوال في ذلك بقدر حفظك، وأبطل المستحيل عقلاً بأدلة العقل، والممتنع لغة بأدلة اللغة، والممتنع شرعاً بأدلة الشرع، وأبقَ الجائز من ذلك كله بأدلته المذكورة، ورجح بين
(1) سبقت ترجمته (ص:252) .
(2)
انظر: عارضة الأحوذي (10/68)، وقانون التأويل (ص: 462،507، 559) والعواصم (ص:106، 127،134) .
(3)
لابن العربي كتاب اسمه " المتوسط في الاعتقاد " اعتمد فيه على أقوال الأشاعرة، كما أن له كتاباً اسمه: الأمد الأقصى شرح أسماء الله الحسنى، تابع فيه الغزالي في كتابه: المقصد الأسني وتأثر به: وإن كان قد رد عليه بعض ما حوم عليه في هذا الكتاب من التصوف المغرق، انظر: قانون التأويل - الدراسة - (ص:112-113، 117) .
(4)
قانون التأويل لابن العربي (ص:501-502) ..
الجائزات من ذلك كله إن لم يمكن اجتماعها في التأويل، ولا تخرج في ذلك عن منهاج العلماء، فقد اهتدى من اقتدى، ولن يأت أحد بأحسن مما أتى به من سبق أبداً " (1) ، وما منهجه في كتابه " قانون التأويل " وغيره (2) إلا أكبر دليل على أشعريته.
وابن العربي - مع أشعريته - تميز بأمور:
1-
منها حياته الخاصة وجهوده الكبيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى جرى له لما تولى القضاء أمور كثيرة سببت عداء كثير من الناس له (3) .
2-
تحقيقات أصولية وحديثية وفقهية أودعها كتبه المختلفة في الحديث والتفسير والأصول.
3-
دوره العظيم في الدفاع عن الصحابة وما جرى بينهم، والرد على مختلف الطوائف المنحرفة عن مذهب السلف في هذا الباب، وقد جاء ذلك في قسم من كتابه العواصم من القواصم (4) .
أما الشهرستاني (5) فقد اشتهر بكتابيه الملل والنحل ونهاية الإقدام، كما كانت له ردود على الفلاسفة في كتابه " مصارعة الفلاسفة " وأكثر ما يميز مذهبه ومنهجه:
(1) قانون التأويل (ص: 576)، ويقول أيضاً في عارضة الأحوذي (11/49) - عن المحكم والمتشابه في القرآن -:" خذوا معنى اللفظ عربية واعرضوه على أدلة العقول إن كان توحيداً فما جاز ظاهره عليه نفذ وما امتنع عدل به عنه إلى أقرب وجوهه إليه ".
(2)
انظر حول قانون التأويل الذي اعتمده العواصم (ص: 152-311)، وانظر: حول أشعريته وموقفه من الصفات (العواصم ص: 281) وما بعدها.
(3)
انظر: العواصم (ص: 400) ، والبيان المغرب لابن عذاري (4/92-94) ، والصلة (2/591)، وأزهار الرياض (3/63) وقانون التأويل - الدراسة - (ص: 91-95) ، ومع القاضي أبو بكر بن العربي، سعيد إعراب (ص: 81-88) .
(4)
العواصم - ط عمار طالبي - (ص: 373) ، وما بعدها، وقد حقق هذا القسم وعلق عليه وطبعه مستقلاً محب الدين الخطيب.
(5)
هو: محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني، تتلمذ على أبي نصر القشيري وأبي القاسم الأنصاري، ولد الشهرستاني سنة 469هـ، وتوفي سنة 548هـ، وقد اتهم بالإلحاد والتشيع، ذكر ذلك السمعاني في التحبير (2/161) ، وصاحب معجم البلدان - نقلاً عن ابن أرسلان الخوارزمي (3/377) ، ودافع عنه السبكي.
وشهرستان التي ينسب إليها هي في خراسان بين نيسابور وخوارزم، انظر: وفيات الأعيان (4/274) ومعجم البلدان، وانظر في ترجمته أيضاً: لسان الميزان (5/263) ، وطبقات السبكي (6/128) ، وسير أعلام النبلاء (20/286)، ومقدمة مصارعة الفلاسفة (ص: 9) ، وما بعدها.
1-
العناية بنقل أقوال الناس، وقد تمثل هذا بوضوح في كتابه " الملل والنحل " حيث اشتهر كأحد مؤرخي الفرق في ملية وغيرها، كما تمثل هذا أيضاً في بقية كتبه، فهو في مصارعة الفلاسفة ينقل أقوال الفلاسفة - وعلى رأسهم ابن سينا - بحروفها ثم يعقبها بالنقض والمناقشة، وكذلك فعل في كتابه نهاية الإقدام فإنه نقل أقوال أئمة الأشاعرة والمعتزلة.
2-
عرض المذهب الأشعري - بأقوال أئمته - وقد كان عنوان كتابه نهاية الإقدام في علم الكلام، يحمل دلالة معينة، فيها الانتصار للأشاعرة ومذهبهم الكلامي، ولم يكن الشهرستاني صاحب منهج محدد، بل كان ناقلاً لأقوال من سبقه، حاكماً بينها في بعض الأحيان (1) ، وفي الكتاب ردود على من يسميهم أهل التشبيه من الكرامية وغيرهم مع قسوته عليهم (2) ، كما أن فيه ردوداً على المعتزلة وسماهم مرة بالخناثي لأنهم ليسوا مع الفلاسفة ولا الأشاعرة (3) .
3-
الإقرار بالحيرة حتى وهو يؤلف كتابه في علم الكلام، ولذلك قال في أول صفحة من نهاية الإقدام، مستشهداً.
لقد طفت في تلك المعاهد كلها
…
وسيرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أرَ واضعاً كف حائر
…
على ذقن أو قارعاً سن نادم (4)
(1) انظر: نهاية الإقدام (ص: 143-237) .
(2)
انظر: المصدر السابق (ص: 103-122) .
(3)
انظر: المصدر نفسه (ص: 159) .
(4)
استشهد بهما الشهرستاني في نهاية الإقدام (ص:3) ، دون أن ينسبهما لا له ولا لغيره، وفي وفيات الأعيان (4/274)، وذكر أنه قيل: إنهما لأبي بكر بن باجه، المعروف بابن الصائغ، وفي الوافي للصفدي (12/408) ، ذكر أنهما نسباً إلى ابن سينا.
ولم يخل الكتاب من عبارات الحيرة (1) .
4-
رد على الفلاسفة ردوداً قوية، لكنه مع ذلك تأثر بأقوالهم، ومن أبشع الأمور التي تأثر فيها بهم قوله بجواز وجود الجواهر العقلية والنفوس الفلكية المجردة (2) .
* * *
وابن عساكر (3) اشتهر كمدافع عن المذهب الأشعري في كتابه المشهور شهرة واسعة: " تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام الأشعري "(4) ، وقد كان لخليفته الحديثية والتاريخية أثر في منهج الكتاب وقدرته على الدفاع عن أبي الحسن الأشعري، كما أن هذا الكتاب يصح أن يسمى: طبقات الأشاعرة، لأنه ترجم لأعلامهم منذ الأشعري وإلى عصره.
(1) انظر: نهاية الإقدام (ص: 109، 237، 340) .
(2)
انظر: مصارعة الفلاسفة (ص: 36،63،100)، وانظر: درء التعارض لابن تيمية (1/377،4/163) .
(3)
هو: الإمام الحافظ أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله بن عبد الله، بن عساكر، ولد سنة 499هـ وتوفي سنة 571هـ، له مؤلفات كثيرة جداً أشهرها كتابه العظيم تاريخ دمشق، ومما يلاحظ أنه لما مات صلى عليه القطب النيسابوري، وحضره السلطان صلاح الدين الأيوبي - وكان ممن نشر المذهب الأشعري كما سبق - انظر في ترجمة ابن عساكر: سير أعلام النبلاء (20/554) ، ووفيات الأعيان (3/309) ، وغيرهما كثير.
(4)
وقد طبع الكتاب مع مقدمة وتعليقات لزاهد الكوثري ملأها - كعادته - بالسباب لأعلام السلف، والرفع من شأن انحرافات المتكلمين.