المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أبو حامد الغزالي: - موقف ابن تيمية من الأشاعرة - جـ ٢

[عبد الرحمن بن صالح المحمود]

فهرس الكتاب

- ‌المبحث الثاني: الماتريدية وعلاقتهم بالأشعرية

- ‌أولا: الأشعري والماتريدي

- ‌ منهج الماتريدي وعقيدته:

- ‌ثانيا: مقارنة بين الأشعرية والماتريدية:

- ‌المبحث الثالث: نشأة المذهب الأشعري وانتشاره

- ‌ أسباب انتشار المذهب الأشعري:

- ‌المبحث الرابع: عقيدة الأشعرية

- ‌الفصل الخامس: تطور مذهب الأشاعرة وأشهر رجالهم إلى عهد ابن تيمية

- ‌ أبو الحسن الطبري:

- ‌ الباقلاني:

- ‌ابن فورك:

- ‌عبد القاهر البغدادي:

- ‌البيهقي:

- ‌القشيري:

- ‌الجويني:

- ‌منهج الجويني وأثره في تطور المذهب الأشعري:

- ‌أبو حامد الغزالي:

- ‌أعلام الأشاعرة في الفترة بين الغزالي والرازي:

- ‌ ابن تومرت

- ‌ فخر الدين الرازي:

- ‌ منهج الرازي وأثره في تطور المذهب الأشعري

- ‌ أبو الحسن الآمدي:

- ‌ عز الدين بن عبد السلام

- ‌صفي الدين الهندي

- ‌ بدر الدين بن جماعة

- ‌ ناصر الدين البيضاوي

- ‌ عضد الدين الإيجي

- ‌ أبو علي السكوني

- ‌ خلاصة وتعقيب:

- ‌الباب الثاني: موقف ابن تيمية من الأشاعرة

- ‌الفصل الأول: عرضه لجوانبهم الإيجابية واعترافه بما عندهم من حق

- ‌تمهيد

- ‌مقدمة

- ‌أولاً: وصفهم بأنهم من أهل السنة في مقابل المعتزلة والرافضة:

- ‌ثانياً: تفضيله أقوالهم على أقوال غيرهم من المعتزلة والجهمية والفلاسفة:

- ‌ثالثاً: ذكره لإيجابيتهم وردودهم على الباطنية والملاحدة

- ‌رابعاً: الأشاعرة يحمدون لما لهم من مساع وجهود مشكورة:

- ‌خامساً: إنصافه لأعلام الأشاعرة

- ‌أ - أبو الحسن الأشعري:

- ‌ب - الباقلاني والجويني:

- ‌جـ - الغزالي:

- ‌د - الرازي وغيره:

- ‌هـ - الأشاعرة المعاصرون لابن تيمية:

- ‌الفصل الثاني: منهجه العام في الرد على الأشاعرة

- ‌مقدمة

- ‌أولاً: بيان جوانبهم الإيجابية وما عندهم من حق:

- ‌ثانياً: الكتاب والسنة فيهما ما يغني عما ابتدعه هؤلاء:

- ‌ثالثاً: مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم

- ‌خامساً: جهلهم بالسنة وبمذهب السلف

- ‌سادساً: إرجاع أقوالهم المخالفة لمذهب أهل السنة إلى أصول الفلاسفة والجهمية والمعتزلة

- ‌سابعاً: لا تعارض بين العقل والنقل

- ‌ المقدمات:

- ‌ثامناً: الرد على متأخري الأشاعرة بأقوال شيوخهم، وردود بعضه على بعض

- ‌تاسعا: تناقض الأشاعرة:

- ‌عاشراً: حيرة الأشاعرة وشكهم ورجوعهم:

- ‌حادي عشر: تسلط الفلاسفة والباطنية على المتكلمين:

الفصل: ‌أبو حامد الغزالي:

‌أبو حامد الغزالي:

ت 505هـ

هو الشيخ أبو حامد محمد بن محمد بن أحمد الطوسي، الشافعي، الغزالي، ولد بمدينة طوس سنة 450هـ، توفي والده وهو صغير، وكان قد أوصى إلى صديق له صوفي بكفالة ولده محمد وأخيه أحمد، وأن يعنى بتعليمهما، وبقيا تحت رعاية هذا الرجل - وكان فقيراً- حتى نفد المال الذي تركه والدهما، فطلب منهما أن يذهبا إلى إحدى دور العلم، فبدأ الغزالي بالدراسة على الفقيه علي بن أحمد الراذكاني بطوس، وكان ذلك سنة 465هـ ثم رحل إلى جرجان حيث طلب العلم على الشيخ الإسماعيلي - إسماعيل بن مسعدة - (1) ، فلما كان عام 473هـ، اتجه أبو حامد إلى نيسابور يطلب العلم على أبي المعالي الجويني - رئيس المدرسة النظامية فيها - وأصبح أشهر تلاميذه وأكثرهم نبوغاً، ولما توفي الجويني سنة 478هـ، رحل إلى عسكر نيسابور واتصل بنظام الملك هناك وناظر العلماء وبهرهم واعترفوا بمكانته، فولاه نظام الملك التدريس في نظامية بغداد، فقدم الغزالي بغداد سنة 484هـ وصار يدرس فيها الفقه والأصول وعلم الكلام، فتكونت له بذلك شهرة عالية وجاه عريض ومنزلة رفيعة، وفي أثناء ذلك أخذ يعيش صراعاً باطنياً بينه وبين نفسه مما أدى إلى عزوفه عما هو في وميله إلى العزلة والتصوف، فرحل سنة 488هـ عن بغداد - وترك أخاه أحمد يتولى التدريس مكانه - وتوجه إلى الشام فنزل دمشق، ثم ذهب إلى بيت المقدس، واستمرت عزلته هناك قرابة عشر سنين، حيث رجع إلى بغداد وأقام زمناً يسيراً ثم ارتحل سنة 499هـ إلى نيسابور - بأمر من بعض سلاطينها - ليتولى الإمامة والتدريس في نظاميتها، ثم لم يلبث زمناً قصيراً حتى رجع إلى بلده طوس حيث بنى بجوار بيته مدرسة وخانقاه (2)

للصوفية، وأقبل على علوم الآخرة والحديث حتى توفي سنة 505هـ (3) .

(1) توفي سنة 477هـ، انظر: العبر (2/336) ، والشذرات (3/354) .

(2)

سبق التعريف بها (ص: 143) ..

(3)

ذكر الغزالي جوانب مهمة من حياته في كتابه " المنقذ من الضلال " وهو من أهم المصادر ترجمته، انظره:(ص:77) وما بعدها - ت تحقيق صليبا عياد- وانظر: تبيين كذب المفتري (ص:291) ، المنتظم (9/168) ، وفيات الأعيان (4/216)، المستفاد (ص:127) ، وسير أعلام النبلاء (19/322) ، وطبقات السبكي (6/191) ، والوافي (1/274) ، واتحاف السادة المتقين (1/6)، والتاج المكلل (ص: 388) ، والطبقات العلية في مناقب الشافعية للواسطي [ترجمة الغزالي] طبعت ضمن كتاب الأعسم الفيلسوف الغزالي ص: 153-194) وغيرها، أما الكتب المعاصرة فكثيرة جداً.

ص: 622

مؤلفات الغزالي:

تعددت كتب الغزالي ومؤلفاته، وبلغت من الكثرة والشهرة حداً كبيراً، وكل من ترجم له ذكر أسماء مؤلفاته، ومؤلفاته لكثرتها فهي أقسام:

- منها ما هو ثابت أنه من مؤلفاته.

- ومنها ما هو منحول منسوب إليه.

- ومنها ما هو مشكوك في نسبته إليه.

وقد قام محققاً المنقذ من الضلال بتعدادها، مع الإشارة إلى بعض ما هو منحول منها (1)، كما قام عبد الرحمن بجوي بتأليف كتاب ضخم أفرده لدراسة مؤلفات الثابت منها والمشكوك فيه والمنحول (2) .. أما أشهر مؤلفات الغزالي الأشعرية فهي:

1-

الأربعين في أصول الدين، وهذا الكتاب هو الجزء الثاني من كتابه الآخر " جواهر القرآن ".

2-

قواعد العقائد - وكتابه العقيدة القدسية جزء منه - وقد ضم الغزالي قواعد العقائد إلى كتابه الآخر " إحياء علوم الدين " وهو ضمن المجلد الأول منه.

3-

الاقتصاد في الاعتقاد.

4-

تهافت الفلاسفة، نقض فيه أقوال الفلاسفة من منطلق أشعري.

(1) انظر: مقدمة تحقيق المنقذ -صليبا عياد - (ص: 52-65) .

(2)

كما أنه ذكر في آخر ملاحق تحوي نصوص بعض القدماء في تعداد مؤلفاته: انظر: مؤلفات الغزالي (ص: 469) ، وما بعدها، إضافة إلى نصوص في ترجمته من مصادر مختلفة.

ص: 623

5-

فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة.

وللغزالي كتب أخرى كثيرة في أصول الفقه، والفقه، والفلسفة، والمنطق، والتصوف، وتفصيل الكلام حولها يضيق به هذا المقام، ولكن نشير إلى أهمها بالنسبة لمن يريد الإطلاع على فكر وأقوال الغزالي، فإضافة إلى كتبه الأشعرية السابقة هناك له.

6-

المستصفى من علم الأصول، وأشهر ما فيه مقدمته المنطقية، ومباحثه الكلامية في أثنائه، وقد برر الغزالي فعل المتكلمين في كتبهم الأصولية حين خلطوا مع الأصول المباحث الكلامية بقوله:" وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طبائعهم، فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصنعة"(1)، لكنه قال: " وبعد أن عرفناك إسرافهم في هذا الخلط فإنا لا نرى أن نخلي هذا المجموع عن شيء منه لأن الفطام عن المألوف شديد

" (2) ، أما المقدمة المنطقية فالعجيب قوله فيها: " وليست هذه المقدمة من جملة علم الأصول، ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط بها فلا ثقة له بعلومه أصلاً " (3)، وقد ألف كتابين آخرين مشهورين في المنطق هما: محك النظر، ومعيار العلم، وهما مطبوعان.

7 -

المعارف العقلية، طبع بتحقيق عبد الكريم العثمان.

8 -

مشكاة الأنوار، طبع عدة مرات منها طبعة بتحقيق أبي العلا عفيفي.

9-

المقصد الأسني في شرح معاني أسماء الله الحسنى، طبع عدة مرات منها طبعة بعناية بسام الجابي.

(1) المستصفى (ص: 17) - ط الجندي-.

(2)

المصدر السابق (ص: 18) .

(3)

المصدر نفسه (ص:19)، وفي جواهر القرآن (ص:21) ، حين تحدث عن محك النظر ومعيار العلم - عبارة مشابهة -

ص: 624

10-

ميزان العمل، طبع عدة مرات، منها طبعة بتحقيق سليمان دنيا، وأخرى بتحقيق سليمان البواب.

11-

المضنون به على غير أهله، وهذا الكتاب مثار جدل قديم وحديث حول نسبته إلى الغزالي، والمطلع على كتب الغزالي الأخرى - خاصة التي تجمع بين الفلسفة والتصوف - يترجح لديه صحة نسبته إليه - والله أعلم، وقد طبع الكتاب عدة مرات، آخرها بعناية وضبط رياض العبد الله.

12-

المضنون الصغير، المسمى: الأجوبة الغزالية في المسائل الأخروية، طبع ضمن القصور العوالي الجزء الثاني.

13-

معارج القدس في مدارج معرفة النفس - ط مكتبة الجندي -.

14-

قانون التأويل، طبع مع الكتاب السابق.

15-

وهناك كتب في الرد على الباطنية ومنها الكتابان المشهوران: فضائح الباطنية، والقسطاس المستقيم، وهما مطبوعان.

16-

إلجام العوام عن علم الكلام: طبع عدة مرات منها طبعة بتعليق وتصحيح محمد المعتصم بالله البغدادي.

17 -

روضة الطالبين وعمدة السالكين - طبع بتصحيح محمد بخيت -.

18-

الرسالة اللدنية - طبعت ضمن القصور العوالي الجزء الأول-.

19-

إحياء علوم الدين، وهو أشهر كتبه وأهمها.

20-

المنقذ من الضلال، ورسائل الغزالي (1) ، ولها أهمية كبر في معرفة حياته وأحواله.

(1) ترجمت رسائل الغزالي من الفارسية إلى العربية بعنوان: فضائل الأنام من رسائل حجة الإسلام الغزالي، ترجمها الدكتور نور الدين آل علي، ط الدار التونسية 1972م، وهي رسائل متنوعة كتبها للملوك والوزراء والأمراء والفقهاء، وغالبها مما كتبه آخر عمره، ولها أهمية كبرى في معرفة آراء وأحوال الغزالي.

ص: 625

وهناك كتب أخرى للغزال، قد يقع التردد كثيراً في نسبة بعضها إليه ومع ذلك فما سبق ذكره منها يمثل فكر وعقيدة الغزالي، وهي كتب تجمع بين المذهب الأشعري، والتصوف، والفلسفة.

منهج الغزالي ودوره في تطور المذهب الأشعري:

هذا الموضوع بحاجة إلى دراسات مستقلة، وقد كتبت حوله بحوث ودراسات عديدة تشعبت بأصحابها المناهج والنتائج (1)، ولضيق المقام هنا نشير إلى الملاحظات التالية:

أولاً: يعتبر الغزالي أحد أعلام الأشاعرة والذين دافعوا عن المذهب الأشعري ضد مناوئيه من مختلق الطوائف، ولذلك سمي أحد أشهر كتبه الأشعرية بالاقتصاد في الاعتقاد ليكون مقتصداً ووسطاً كما يقول بين الحشوية من جهة والمعتزلة والفلاسفة من جهة أخرى (2) ، والغزالي لم يأتِ بجديد فيما يتعلق بمذهب الأشاعرة، بل جاءت كتبه واستدلالاته ملخصة عمن سبقه من أعلام الأشاعرة مع صياغة جديدة وأسلوب سهل، والملاحظ في مذهبه تركيزه على:

1-

قوله بصحة إيمان المقلد - خلافاً للمشهور من مذهب جمهور الأشاعرة - بل يرى أن فئات من الناس آمنوا بالله وصدقوا برسله واعتقدوا الحق واشتغلوا بالعبادة أو الصناعة " فهؤلاء ينبغي أن يتركوا وما هم عليه، ولا تحرك عقائدهم بالاستحثاث على تعلم هذا العلم [أي علم الكلام بأدلته] ، فإن صاحب الشرع صلوات الله عليه لم يطالب العرب في مخاطبته إياهم بأكثر

(1) منها على سبيل المثال: الأخلاق عند الغزالي، زكي مبارك، والحقيقة في نظر الغزالي، سليمان دنيا، والفيلسوف الغزال، إعادة تقويم لمنحني تطويره الروحي، عبد الأمير الأعسم، والغزالي: البارون كارادوفو، ترجمة عادل زعيتر= =ومنهج البحث عن المعرفة عند الغزال، فكتور سعيد باسيل، ومنهاج البحث عند الغزالي، عادل زعبوب، ومفهوم السببية عند الغزالي، أبو يعرب المرزوقي، وهناك دراسة مهمة عن الغزالي لحسام الألوسي، نشر فصلاً منها في كتابه دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي وعنوانه: الغزالي مشكل وحل، والمنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارات محمود زقزوق، وغيرها كثير جداً.

(2)

انظر: الاقتصاد في الاعتقاد (ص: 3) .

ص: 626

من التصديق، ولم يفرق بين أن يكون ذلك بإيمان وعقد تقليدي أو بيقين برهاني " (1) ، وفي الأربعين يقول بعد ذكره عشرة أصول على وفق مذهب الأشاعرة: " ووراء هذه العقيدة الظاهرة رتبتان: إحدهما: معرفة أدلة هذه العقيدة الظاهرة من غير خوض على أسرارها، والثانية: معرفة أسرارها، ولباب معانيها، وحقيقة ظواهرها والرتبتان جميعاً ليستا واجبتين على جميع العوام، أعني أن نجاتهم في الآخرى غير موقوفة عليهما، ولا فوزهم موقوف عليهما " (2) ، وكتاب الأربعين من كتب الغزالي المتأخرة التي جمعت بين إيضاح المذهب الأشعري مع آرائه الأخيرة في مسائل التصوف والكشف والذوق.

2-

تأكيده لإنكار السببية، وهي مسألة مشهورة في المذهب الأشعري، وقد قال بها الأشاعرة وأكدوها لأمرين:

الأول: إثبات المعجزات، التي هي في الحقيقة خوارق للعادات المعهودة، فحتى تربط هذه المعجزات بالله وقدرته بحيث يقلب العصا حيّة، ويشق القمر وغيرها من الأمور الخارقة لابد من ربط هذا بإنكار التلازم الذي يدعيه الفلاسفة وغيرهم بين السبب والمسبب (3) .

والثاني: إثبات قدرة الله الشاملة، وإبطال التولد الذي قال به المعتزلة، فالفاعل والخالق لكل شيء هو الله تعالى وهذا بناء على مذهبهم في القدر الذي يميل إلى الجبر (4) .

وقد شرح الغزالي هذه النظرية في معرض رده على الفلاسفة، وأطال

(1) الاقتصاد في الاعتقاد (ص: 8) .

(2)

الأربعين في أصول الدين (ص: 20) .

(3)

انظر: تجديد في المذاهب الفلسفية والكلامية (ص: 104)، وكلامه مبني على كلام الغزالي في التهافت (ص: 236) .

(4)

انظر: تهافت الفلاسفة (ص: 238-251) .

ص: 627

فيها (1)، فلما ألف معيار العلم - وهو متأخر عن مقاصد الفلاسفة والتهافت - ذكر دليل المجريات - كجزء من الأدلة اليقينية الصادقة (2) - قال:" فإن قال قائل: كيف تعتقدون هذا يقيناً، والمتكلمون شكوا فيه وقالوا: ليس الجز سبباً للموت، ولا الأكل سبباً للشبع، ولا النار علة للإحراق، ولكن الله تعالى يخلق الاحتارق والموت والشبع عند جريان هذه الأمور؟ قلنا: قد نبهنا على غور هذا الفصل وحقيقته في كتاب " تهافت الفلاسفة " والقدر المحتاج إليه الآن، إن المتكلم إذا أخبره بأن ولده جزت رقبته لم يشك في موته وليس في العقلاء من يشك فيه، وهو معترف بحصول الموت، وباحث عن وجه الاقتران، وأما النظر في أنه هل لزوم ضروري، ليس في الإمكان تغييره؟ أو هو يحكم جريان سنة الله تعالى لنفوذ مشيئته الأزلية التي لا تحتمل التبديل والتغيير، فهو نظر في وجه الاقتران، لا في نفس الاقتران، فليفهم هذا، وليعلم أن التشكك في موت من جزت رقبته وسواس مجرد، وأن اعتقاد موته يقين لا يستراب فيه "(3) ،وفي التهافت قال في جواب اعتراض " ولم ندع أن هذه الأمور واجبة، بل هي ممكنة، يجوز أن تقع، ويجوز أن لا تقع، واستمرار العادة بها، مرة بعد أخرى، يرسخ في أذهاننا جريانها على وفق العادة الماضية ترسيخاً لا تنفك منه "(4) ،

وهذا النصوص تدل على أن فهم الغزالي للسببية ليس كما يتصوره بعض من ينتصر للفلسفة اليونانية (5)، وليس أيضاً كما فهمه بعض أتباع الأشاعرة الذين أخذوا يشككون في حقائق الأشياء حتى إن بعضهم يقول: هذا ثوب إن شاء الله، ومع ذلك فالغزالي وإن استدرك على نفسه ما يبعد عنها تهمة إنكار السببية (6) ، إلا أن تأصيل هذه النظرية وشرحها كان له -

(1) انظر: تهافت الفلاسفة (ص: 235) ، وما بعدها.

(2)

انظر: معيار العلم (ص: 186) ، - ت سليمان دنيا -.

(3)

معيار العلم (ص: 190-191) .

(4)

تهافت الفلاسفة (ص: 245) ..

(5)

كابن رشد انظر: تهافت التهافت (ص: 777-788)، وانظر: مفهوم السببية عند الغزالي للمرزوقي (ص: 51-67)، وانظر: ابن رشد والغزالي، التهافتان ليو حنا قنبر (ص: 31) .

(6)

انظر: المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت (ص: 181-188)، وتاريخ الفلسفة في الإسلام دي بور (ص: 338-339) ، تعليقات المترجم - ط الخامسة-.

ص: 628

على ما أظن - تأثير كبير في الفكر الصوفي - بعد الغزالي - حين أصبحت الكرامات والخوارق المزعومة للأولياء مقبولة مهما كان فيها من مخالفة للشرع والعقل.

3-

مجيئه بقانون التأويل الكلامي حين يتعارض - وبالأصح حين يتوهم التعارض - بين العقل والنقل، والغزالي وإن كان مسبوقاً إلى هذا القانون (1) ، إلا أنه ألف فيه رسالة مستقلة كانت على إثر أسئلة سألها أحد تلاميذه (2) ، وفي هذه الرسالة ذكر فرق الناس في هذه المسألة، ورجح قول الفرقة الخامسة التي قال عنها " هي الفرقة المتوسطة الجامعة بين البحث عن المعقول والمنقول الجاعلة كل واحد منهما أصلاً مهماً، المنكرة لتعارض العقل والشرع، وكونه حقاً، ومن كذب العقل فقد كذب الشرع إذ بالعقل عرف صدق الشرع، ولولا صدق دليل العقل لما عرفنا الفرق بين النبي والمتنبي، والصادق والكاذب، وكيف يكذب العقل بالشرع، وما ثبت الشرع إلا بالعقل، وهؤلاء هم الفرقة المحقة، وقد نهجوا منهجاً قويماً.."(3)، وبعد أن يذكر صعوبة هذا المسلك أوصى بعدة وصايا منها:" الوصية الثانية أن لا يكذب برهان العقل أصلاً، فإن العقل لا يكذب، ولو كذب العقل فلعله كذب في إثبات الشرع، فكيف يعرف صدق الشاهد بتزكية المزكي الكاذب، والشرع شاهد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع"(4) ،

وقد تأثر بهذا القانون جمهرة الأشاعرة بعد الغزالي، ومن

(1) من الفلاسفة ابن سينا، حيث يقول في الأضحوية في المعاد:" أما أمر الشرع فينبغي أن يعلم فيه قانون واحد وهو أن الشرع والملل الآتية على لسان نبي من الأنبياء يرام بها خطاب الجمهور كافة"(الأضحوية ص: 97 ت حسن عاصي) ، ومن المتكلمين الجويني في الإرشاد، انظر:(ص: 358-360) .

(2)

وهو أبو بكر بن العربي، وفي المعيار المعرب (11/23-24)، نقل نص جواب للغزالي على أحد أسئلة ابن العربي وهذا النص أخّر قانون التأويل للغزالي (ص: 345-346) ، وممن نبه إلى أن السائل ابن العربي ابن تيمية في الدرء (1/5) وانظر: الدراسة الواردة في مقدمة تحقيق قانون التأويل لابن العربي (ص: 244) .

(3)

قانون التأويل للغزالي (ص: 238-239) ، - ط في ذيل معارج القدس - مكتبة الجندي.

(4)

قانون التأويل للغزالي (ص: 240) ..

ص: 629

أبرزهم تلميذه، أبو بكر بن العربي (1) ، والرازي (2) ، وغيرهم، وهذا القانون أصبح فيما بعد أحد ركائز العقيدة الأشعرية وأخطرها وأعظمها أثراً، ولذلك أفرده شيخ الإسلام ابن تيمية بمؤلفه الكبير " درء تعارض العقل والنقل ".

4-

ومن أهم سمات منهج الغزالي أنه حول المعركة - التي كانت تدور فيما سبق بين الأشاعرة والمعتزلة - إلى معركة بين الأشاعرة والفلاسفة، وكتاب تهافت الفلاسفة يعتبره الأشاعرة بدءاً من الغزالي نفسه أحد الكتب المؤيدة لمذهبهم، وقد ألفه الغزالي في المرحلة التي كان فيها أستاذ المدرسة النظامية -الأشعرية- دون منازع (3)، والذي ينبغي أن يلاحظ أمران:

أحدهما: أن الغزالي ناقش الفلاسفة بمختلف المناهج، ولذلك قال في المقدمة الثالثة في كتابه:" ليعلم أن المقصود تنبيه من حسن اعتقاده في الفلاسفة، وظن أن مسالكهم نقية من التناقض، ببيان وجوه تهافتهم، فلذلك أنا لا أدخل في الاعتراض عليهم إلا دخول مطالب منكر، لا دخول مدع مثبت، فأبطل عليهم ما اعتقدوه مقطوعاً بإلزامات مختلفة، فإلزامهم تارة مذهب المعتزلة، وأخرى مذهب الكرامية، وطوراً مذهب الواقفية، ولا أتنهض ذاباً عن مذهب مخصوص، بل أجعل الجميع ألباً واحداً عليهم، فإن سائر الفرق ربما خالفونا في التفصيل، وهؤلاء يتعرضون لأصول الدين، فلنتظاهر عليهم فعند الشدائد تذهب الأحقاد "(4) ، ومع ذلك فالغزالي غلب منهج الأشاعرة، واستفاد من منهجه السابق في الهروب من تحديد مذهبه الذي يؤمن به في القضايا المطروحة ولذلك قال في جواب أحد الاعتراضات عليه: " نقول: نحن لم نخض في هذا

(1) انظر: كتابه قانون التأويل (ص: 452-576-646)، وانظر: كتاب مع القاضي أبي بكر ابن العربي سعيد اعراب (ص: 43) .

(2)

انظر: أساس التقديس للرازي (ص: 220-221)، - ت السقا - و (ص:172-173) ، - ط الحلبي -.

(3)

ولذلك قرر في كتابه التهافت مذهب الأشاعرة مثل قضية السببية، ومثل مسألة تأويل الصفات. انظر:(ص: 293) .

(4)

تهافت الفلاسفة (ص: 82-83) ، - ت سليمان دنيا -.

ص: 630

الكتاب خوض الممهدين، بل خوض الهادمين المعترضين، ولذلك سمينا الكتاب " تهافت الفلاسفة " لا تمهيداً لحق، فليس يلزمنا الجواب عن هذا" (1) .

والثاني: أن الغزالي ألف هذا الكتاب بعد دراسته للفلسفة ليستفيد منها ولا شك أنه تأثر بها أيما تأثر، أما رده عليها فبناء على العقيدة التي يظهرها للعوام -كما هو مذهبه في أن للإنسيان ثلاث عقائد - ولذلك قال في مقدمة التهافت بعد ذكره لانتشار أقوال الفلاسفة وإعجابهم بأنفسهم:" فلما رأيت هذا العرق من الحماقة نابضاً على هؤلاء الأغبياء انتدبت لتحرير هذا الكتاب، رداً على الفلاسفة القدماء "(2)، وهذا يشبه موقفه من الباطنية -الذين انتشرت دعوتهم في زمنه انتشاراً عظيماً - يقول عنهم:" وكان قد نبغت نابغة التعليمية، وشاع بين الخلق تحدثهم بمعرفة معنى الأمور من جهة الإمام المعصوم القائم بالحق، فعن لي أن أبحث في مقالاتهم، لأطلع على ما في كنانتهم، ثم اتفق أن ورد على أمر جازم من حضرة الخلافة بتصنيف كتاب يكشف حقيقة مذهبهم، فلم يسعني مدافعته "(3)، ثم بين أن هذا الأمر جاء موافقاً لما في نفسه من معرفة مذهبهم - ليستفيد منه - فقال:" وصار ذلك مستحثاً من خارج ضميمة للباعث الأصلي من الباطن "(4)، وهذا يوافق قوله في فضائح الباطنية:" فكانت المفاتحة بالاستخدام في هذا المهم في الظاهر نعمة أجابت قبل الدعاء، ولبت قبل النداء، وإن كانت في الحقيقة ضالة كنت أنشدها، وبغية كنت أقصدها"(5) .

فدراسة الغزالي لمذهب الباطنية جاء عن رغبة باطنة في الاستفادة مما قد يكون عندهم من معارف، وهذا يشبه ما فعله مع الفلاسفة، ومما يلاحظ أنه في رده على الباطنية انطلق من منطلق أشعري، وهذا واضح في كتابيه فضائح

(1) تهافت الفلاسفة (ص:180) .

(2)

المصدر نفسه (ص:75) .

(3)

المنقذ من الضلال (ص: 118)، - ت صليبا وعياد - والكتاب الذي ألفه: فضائح الباطنية انظره: (ص: 2-3) .

(4)

المنقذ من الضلال (ص: 118) .

(5)

فضائح الباطنية (ص: 3) .

ص: 631

الباطنية (1) ، والقسطاس المستقيم (2) - الذي هو عبارة عن مناقشة ومحاورة بينه وبين أحد دعاة التعليم من الباطنية -، وهو بهذا الكتاب يحيل على كتابيه المنطقيين " محك النظر" و " معيار العلم"(3) .

فالغزالي ينطلق في ذلك من منطلق عقيدة العوام التي هي عقيدة الأشاعرة، ولذلك يقول في جواهر القرآن عن علم محاجة الكفار ومجادلتهم:" ومنه يتشعب علم الكلام المقصود لرد الضلالات والبدع وإزالة الشبهات، ويتكفل به المتكلمون، وهذا العلم شرحناه على طبقتين: سمينا الطبقة القريبة منهما الرسالة القدسية، والطبقة التي فوقها الاقتصاد في الاعتقاد، ومقصود هذا العلم حراسة عقيدة العوام من تشويش المبتدعة، ولا يكون هذا العلم ملياً (4) بكشف الحقائق، وبجنسه يتعلق الكتاب الذي صنفناه في تهافت الفلاسفة، والذي أوردناه في الرد على الباطنية في الكتاب الملقب بالمستظهري وفي كتاب حجة الحق، وقواصم الباطنية، وكتاب مفصل الخلاف في أصول الدين، ولهذا العلم آلة يعرف بها طريق المجادلة، بل طرق المحاجة بالبرهان الحقيقي، وقد أودعناه كتاب " محك النظر "، وكتاب معيار العلم على وجه لا يلفي مثله للفقهاء والمتكلمين ولا يثق بحقيقة الحجة والشبهة من لم يحظ بهما علماً"(5) .

ثانياً: هناك مشكلة تتعلق بحقيقة مذهب الغزالي، هل هو المذهب الأشعري الذي تبناه ظاهراً ودافع عنه كثيراً (6) ، أم له مذهب آخر يذكره

(1) انظر: - من هذا الكتاب - (ص: 154) حول تأويل الصفات.

(2)

بنى الغزالي كتابه هذا على المنطق، وغير في الألفاظ فقط حيث أتى بألفاظ من القرآن، وقد اعترف بذلك (ص: 67) ، بل وصرح أنه قد قال بهذه الموازين من سبقه من الأمم الخالية، أما منطلقه الأشعري فواضح انظر:(ص: 55-56) حيث أشار إلى دليل حدوث الأجسام وفسر به الأفوال في قصة إبراهيم عليه السلام، (ص: 94-95) ، مسألة الصلاح والأصلح.

(3)

انظر: القسطاس المستقيم (ص: 71-75) .

(4)

كذا، ومثله في -ط الجندي - (ص: 24) ، ولعل صوابها: مليئاً، أو ملماً.

(5)

جواهر القرآن (ص: 21) .

(6)

انظر في أسباب تبنيه للمذهب الأشعري، منهج البحث عن المعرفة عند الغزالي، فكتور سعيد باسل (ص: 237-239) .

ص: 632

لخاصته وأومأ إليه في كثير من كتبه؟ يقول الغزالي في كتابه ميزان العمل الذي ألفه بعد معيار العلم، لأن السعادة عنده إنما تكون بالعلم والعمل (1) - ميزان العمل من كتب الغزالي الصوفية - يقول في آخره: " لعلك تقول: كلامك في هذا الكتاب انقسم إلى ما يطابق مذهب الصوفية، وإلى ما يطابق مذهب الأشعرية وبعض المتكلمين، ولا يفهم الكلام إلا على مذهب واحد، فما الحق من هذه المذاهب؟ فإن كان الكل حقاً فكيف يتصور هذا؟ وإن كان بعضه حقاً فما ذلك الحق؟ فيقال لك: إذا عرفت حقيقة المذهب لا تنفعك قط، إذ الناس فيه فريقان:

فريق يقول: المذهب اسم مشترك لثلاث مراتب:

أحدهما: ما يتعصب له في المباهاة والمناظرات.

والأخرى: ما يسار به في التعليمات والإرشادات.

والثالثة: ما يعتقده الإنسان في نفسه مما انكشف له من النظريات".

ثم شرح هذه المراتب بقوله: " ولكل كامل ثلاثة مذاهب بهذا الاعتبار: فأما المذهب بالاعتبار الأول: هو نمط الآباء والأجداد، ومذهب المعلم، ومذهب البلد الذي فيه النشوء، وذلك يختلف بالبلاد والأقطار، ويختلف بالمعلمين، فمن ولد في بلد المعتزلة أو الأشعرية أو الشفعوية أو الحنفية، انغرس في نفسه منذ صباه التعصب له، والذب دونه، والذم لما سواه

المذهب الثاني: ما ينطبق في الإرشاد والتعليم على من جاء مستفيداً مسترشداً، وهذا لا يتعين على وجه واحد بل يختلف بحسب المسترشد، فيناظر كل مسترشد بما يحتمله فهمه.. المذهب الثالث: ما يعتقد الرجل سراً بينه وبين الله عزوجل لا يطلع عليه غير الله تعالى ولا يذكره إلا مع من هو شريكه في الإطلاع على ما اطلع، أو بلغ رتبة يقبل الاطلاع عليه ويفهمه " (2) ، ثم ذكر قول الفريق الثاني الذين

(1) انظر: معيار العلم (ص: 348) ، آخر الكتاب.

(2)

ميزان العمل (ص: 405-408) ، - ت سليمان دنيا -.

ص: 633

يقولون المذهب واحد، ثم ذكر أن الأولين يوافقون هؤلاء على أنهم لو سئلوا عن المذهب لم يجز أن يذكروا إلا مذهباً واحداً (1) .

إن هذا الكلام يفيد في معرفة وتحليل ذلك التناقض العجيب في كتبه.

ثالثاً: الشك عند الغزالي.

وقد احتلت هذه المسألة مكاناً بارزاً لدارسي الغزالي، بل وكثرت المقارانات بينه وبين ديكارت (2)، صاحب الفلسفة المعروفة التي قال فيها:" أنا أفكر، إذن فأنا موجود "(3) ، بل أثبت أحد الباحثين أن ديكارت قد اطلع على كتاب الغزالي "المنقذ من الضلال" وأنه اقتبس منه فكرة الشك (4) ، والكلام حول شك الغزالي وكنهه وإلى أي مدى كان يطول، ولكن الثابت أن منهج الشك عند الغزالي تمثل في أمرين:

أحدهما: عملي، وهو ما عايشه وسطره بوضوح في كتابه المنقذ من الضلال (5) ، ويلاحظ هنا أن الغزالي يشرح ما جرى له، ولذلك سماه داءً ومرضاً.

(1) انظر: ميزان العمل (ص: 408-409) .

(2)

اسمه رينه ديكارت، فيلسوف فرنسي ولد سنة 1596م، وتوفي سنة 1650، يعرف بأنه أبو الفلسفة الحديثة، من أهم كتبه: مقال عن المنهج، وتأملات في الفلسفة الأولى، وهما مترجمان ومطبوعان، انظر: في فلسفته وترجمته: أعلام الفلسفة الحديثة، رفقي زاهر (ص: 43) ، وقصة الفلسفة الحديثة (1/65)، وتاريخ الفلسفة الحديثة: يوسف كرم (ص:58) .

(3)

مقال عن المنهج لديكارت (ص: 51) ، ترجمة محمود الخضيري، وانظر أيضاً: كتابه الآخر: التأملات في الفلسفة الأولى (ص: 93) ، وما بعدها ترجمة عثمان أمين، وانظر: ديكارت والعقلانية: جنفياف لويس (ص: 37) ، ترجمة عبده الحلو، ودراسات في الفلسفة الحديثة والمعاصرة يحيى هويدي (ص: 5) ، وما بعدها.

(4)

انظر: المنهج الفلسفي بين الغزالي وديكارت (ص: 17-20) - ط الثالثة -.

(5)

انظر: المنقذ (ص: 81-87) .

ص: 634

والثاني: شك منهجي، وهو الذي أشار إليه في بعض كتبه، ومن ذلك قوله:" ولو لم يكن في مجاري هذه الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث، لتنتدب للطلب، فناهيك به نفعاً، إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال، نعوذ بالله من ذلك "(1) ، وهذا الشك هو الذي يذكر في أول واجب على المكلف، هل هو النظر أو القصد إلى النظر أو الشك، وإذا كان الأول والثاني قد أخذ به بعض الأشاعرة فإن الثالث - وهو الشك- إنما يؤثر القول به عن أبي هاشم الجبائي المعتزلي (2) .

رابعاً: تصوف الغزالي وفلسفته.

بقدر اشتهار الغزالي بأشعريته، اشتهر بتصوفه، ولذلك فهو يمثل مرحلة خطيرة من مراحل امتزاج التصوف بالمذهب الأشعري حتى كاد أن يكون جزءاً منه، ولكن ما نوعية التصوف الذي اعتنقه الغزالي بقوة حتى قال فيه في المنقذ - بعد شرح مطول لمحنته ورحلته وعزلته -:" ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به: إني علمت يقيناً أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطريق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئاً من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سبيلاً، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به " ثم يشرح ويوضح فيقول:

(1) ميزان العمل للغزالي (ص:153) ، - ت البواب -، وانظر: الإمام الغزالي وعلاقة اليقين بالعقل للفيومي (ص: 107) .

(2)

انظر: الشامل (ص: 121) ، وأبكار الأفكار (ج- 1 - ل31 أ) ، وشرح المواقف (1/278) ، ودرء التعارض (7/419) .

ص: 635

" وبالجملة فماذا يقول القائلون في طريقة طهارتها - وهي أول شروطها - تطهير القلب بالكلية عما سوى الله تعالى، ومفتاحها الجاري منها مجرى التحريم من الصلاة، استغراق القلب بالكلية بذكر الله، وآخرها الفناء بالكلية في الله؟ وهذا آخرها، بالإضافة إلى ما يكاد يدخل تحت الاختيار والكسب من أوائلها، وهي على التحقيق أول الطريقة، وما قبل ذلك إلا كالدهليز للسالك إليه " - ثم يوضح أكثر فيقول: " ومن أول الطريقة تبتدي المكاشفات والمشاهدات حتى أنهم في يقظتهم يشاهدون الملائكة، وأرواح الأنبياء، ويسمعون منهم أصواتاً، ويقتبسون منهم فوائد، ثم يترقى الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، فلا يحاول معبر أن يعبر عنها إلا اشتمل لفظه على خطأ صريح لا يمكنه الاحتراز منه.."(1) ، ما نوع تصوف الغزالي الذي يقول فيه هذا الكلام - خاصة المقطع الأخير منه -؟.

لقد كان التصوف قبله متمثلاً بتصوف المحاسبي، ثم القشيري، وقد سبق حقيقة تصوفهما، وما يحمله من بدع مخالفة للسنة، فهل كان تصوف الغزالي من هذا النوع، أم كان تصوفاً من نوع آخر.

إن هناك من يدافع عن الغزالي، ويرى أن تصوفه تصوف سني، وأنه هاجم الفلاسفة والمتكلمين لنصرة طريق الصوفية (2) ، ولكن المطلع على كتبه - وما ألفه منها للخاصة - كمشكاة الأنوار، والمعارف العقلية، وميزان العمل، ومعارج القدس، وروضة الطالبين، والمقصد الأسني، وجواهر القرآن، والمضنون به على غير أهله، يرى شيئاً آخر غير التصوف المعروف.

(1) المنقذ من الضلال (ص: 139-140) .

(2)

مثل عبد الحليم محمود وتلامذته، انظر: مقدمات تحقيق المنقذ من الضلال، عبد الحليم محمود (ص: 17) ، وما بعدها، (ص: 58) ، وما بعدها، وانظر: التوحيد الخالص أو الإسلام والعقل، عبد الحليلم محمود (ص: 174-179) ، وانظر: الفلسفة الإسلامية بين التقليد والابتكار: عبد الرحمن عميرة (ص: 48) ، وما بعدها، والإمام الغزالي وعلاقة اليقين بالشك (ص: 177) ، وما بعدها.

ص: 636

إن مفتاح معرفة شخصية الغزالي أمران:

أولهما: ما سبق نقله عنه من أن لكل رجل كامل ثلاث عقائد، إحداها ما يتظاهر به أمام العوام ويتعصب، والثانية: ما يسار به في التعليم والإرشاد - وهو يختلف بحسب حال المسترشد الطالب -،والثالثة: ما يعتقده الإنسان في نفسه ولا يطلع عليه إلا من هو شريكه في المعرفة، إذن الغزالي -حتماً - يخفي جوانب خاصة وسرية من عقيدته.

والثاني: جمع أقواله ولمحاته - التي يشير دائماً إلى سريتها والضن بها - ثم مقارنتها بأقوال من سبقه من الفلاسفة - المائلين إلى الإشراق والتصوف - كابن سينا وغيره، وقد تنبه إلى هذا المنهج بعض الباحثين (1) ، ونحن هنا نذكر نماذج فقط من أقواله التي تدل على أن تصوفه كان تصوفاً فلسفياً إشراقياً، وإن هجومه على الفلاسفة في التهافت لم يكن إلا بمنهج النوع الأول من العقيدة -لكل إنسان - وهي العقيدة التي يتعصب لها ويذب عنها:

1-

يقول الغزالي في كتابه: إحياء علوم الدين عن علم المكاشفة: " هو عبارة عن نور يظهر في القلب عند تطهيره وتزكيته من صفاته المذمومة، وينكشف من ذلك النور أمور كثيرة كان يسمع من قبل أسماءها، فيتوهم لها معاني مجملة غير متضحة، فتتضح إذ ذلك، حتى تحصل المعرفة الحقيقة بذات الله سبحانه، وبصفاته الباقيات التامات، وبأفعاله وبحكمه في خلق الدنيا والآخرة، ووجه ترتيبه للآخرة على الدنيا، والمعرفة بمعنى النبوة والنبي، ومعنى الوحي، ومعنى الشيطان، ومعنى لفظ الملائكة والشياطين، وكيفية معاداة الشياطين للإنسان، وكيفية ظهور الملك للأنبياء، وكيفية وصول الوحي إليهم، والمعرفة بملكوت السموات والأرض..الخ" ثم يقول عن هذه الكشوفات التي تحصل: " وهذه هي العلوم التي لا تسطر في الكتب، ولا يتحدث بها

(1) من هؤلاء سليمان دنيا في كتابه: الحقيقة في نظر الغزالي (ص:149) ، وما بعدها، وحسام الألوسي في كتابه عن الغزالي، انظر: دراسات (ص: 237) ، وما بعدها.

ص: 637

من أنعم الله عليه بشيء منها إلا مع أهله، وهو المشارك فيه، علي سبيل المذاكرة، وبطريق الإسرار وهذا هو العلم الخفي

" (1) ، إن هذا الكلام الخطير يقوله الغزالي في أهم وأشهر كتاب من كتبه، وقد ألفه في أواخر عمره بعد عزلته ورجوعه إلى بغداد، ومما يلاحظ أن لفتات كثيرة تشبه هذا الكلام جاءت متفرقة في هذا الكتاب الكبير (2) .

2-

ويقول في كتابه مشكاة الأنوار وهو من كتبه التي ألفها للمخاصة ولذلك يقول في مقدمته: " أما بعد فقد سألتني أيها الأخ الكريم.. أن أثبت إليك أسرار الأنوار الإلهية، مقرونة بتأويل ما يشير إليه ظواهر الآيات المتلوة والأخبار المروية "، ثم يقول: " ولقد ارتقيت بسؤالك مرتقى صعباً تنخفض دون أعاليه أعين الناظرين، وقرعت باباً مغلقاً لا يفتح إلا للعلماء الراسخين، ثم ليس كل سر يكشف ويفشى، ولا كل حقيقة تعرض وتجلى، بل صدور الأحرار قبور الأسرار، ولقد قال بعض العارفين: إفشاء سر الربوبية كفر

" (3) ، وبعد أن يذكر تأويلات باطنية وفلسفية عجيبة يقسم الناس - في آخر الكتاب - إلى أصناف، ومنهم المحجوبون بمحض الأنوار، وهؤلاء أيضاً أصناف وبعد أن يذكر الصنف الأول والثاني يقول: " والصنف الثالث ترقوا عن هؤلاء وقالوا: إن تحريك الأجسام بطريق المباشرة ينبغي أن يكون خدمة لرب العالمين، وعبادة له وطاعة من عبد من عباده يسمى: ملكاً، نسبته إلى الأنوار الإلهية المحضة نسبة القمر في الأنوار المحسوسة، فزعموا أن الرب هو المطاع من جهة هذا المحرك، ويكون الرب تعالى محركاً للكل بطريق الأمر، لا بطريق المباشرة، ثم في تقسيم ذلك الأمر وماهيته غموض يقصر عنه أكثر الأفهام ولا يحتمله هذا الكتاب"، ثم يقول: " فهؤلاء الأصناف كلهم محجوبون بالأنوار المحضة، وإنما الواصلون صنف رابع تجلى لهم أن هذا " المطاع " موصوف بصفة

(1) إحياء علوم الدين (1/20-21) .

(2)

انظر على سبيل المثال: (1/100،104، 4/241) .

(3)

مشكاة الأنوار (ص:39) ، - ت أبو العلا عفيفي-.

ص: 638

تنافي الوحدانية المحضة والكمال البالغ لسر لا يحتمل هذا الكتاب كشفه، وإن نسبة هذا المطاع نسبة الشمس في الأنوار

" (1) ، وهذا المطاع هو العقل الأول عند الفلاسفة (2) .

3-

وفي معارج القدس - وهو من كتبه الفلسفية الخاصة - ينهج فيه نهج الفلاسفة في بحوثهم عن النفس الإنسانية، ويذكر خصائص النبوة، وأنها ثلاث: قوة التخيل وقوة العقل، وقوة النفس (3) - وهذا نفسه هو كلام الفلاسفة الذين يقولون: إن النبوة مكتسبة -، ويفسر الغزالي آية النور {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ} (النور:35) ، بقوله: " فالمشكاة مثل العقل الهيولاني، فكما أن المشكاة مستعدة لأن يوضع فيها النور فكذلك النفس بالفطرة مستعدة لأن يفيض عليها نور العقل

ثم إذا حصلت له المعقولات فهو نور على نور، نور العقل المستفاد على نور العقل الفطري، ثم هذه الأنوار مستفادة من سبب هذه الأنوار بالنسبة إليه كالسرج بالنسبة إلى نار عظيمة طبقت الأرض، فتلك النار هي العقل الفعال المفيض لأنوار المعقولات على الأنفس البشرية " (4) ، وهذا لا يحتاج إلى تعليق، ومنها يتضح ما يقصده الغزالي بالأسرار، والتي يقول فيها في كتابه المعارف العقلية: " وهذا القدر الذي كتبنا وذكرنا في هذه الأوراق نخبة أسرار غير مكتوبة، وإشارات مكنونة ورموز مستورة.. ولا يحل أن يوضع الورد بين الحمير، ويطرح الدر في فم الخنزير" (5) ، وقد صرح في كتابه هذا بأمور غريبة وعجيبة حقاً (6) .

4-

ويقول الغزالي في كتابه - جواهر القرآن - " وهذه العلوم الأربعة أعني علم الذات والصفات والأفعال وعلم المعاد أودعنا من أوائله ومجامعه القدر

(1) مشكاة الأنوار (ص: 91)، وانظر: رسائل الغزالي (ص:54-55) .

(2)

انظر: دراسات في الفكر الفلسفي، الألوسي (ص: 248) .

(3)

انظر: معارج القدس في مدارج معرفة النفس (ص: 151) ، -ط مكتبة الجندي -.

(4)

معارج القدس في مدارج معرفة النفس (ص: 164-165) .

(5)

المعارف العقلية (ص: 108-109) ،- ت عبد الكريم العثمان -.

(6)

انظر: المصدر السابق (ص: 27-34، 66، 70) .

ص: 639

الذي رزقنا منه مع قصر العمر وكثرة الشواغل والآفات وقلة الأعوان والرفقاء بعض التصانيف، لكنا لم نظهره، فإنه يكل عنه أكثر الأفهام، ويستضر به الضعفاء، وهم أكثر المترسمين بالعلم، بل لا يصلح إظهاره إلا على من اتقن علم الظاهر، وسلك في قمع الصفات المذمومة من النفس وطرق المجاهدة حتى ارتضت نفسه واستقامت على سواء السبيل "، ثم يقول محذراً: " وحرام على من يقع ذلك الكتاب بيده أن يظهره إلا على من استجمع هذه الصفات " (1) .

وفي إلجام العوام عن علم الكلام، مع أنه كتاب في المنع من علم الكلام أن يدرس للعامة إشارات عديدة إلى مثل هذه العلوم المستورة (2) .

5-

وفي روضة الطالبين: يشرح بشكل واضح كيف تتم الكشوف، والعقبات التي تحول دونها، وهي ست عقبات، وماذا يحصل لكل من تجاوز عقبة من عقبات وكيف يصل إلى السكر والفناء (3) ، وفي كلامه عن الروح ولماذا منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من إفشاء سر الروح، قسم الناس إلى أعوام وخواص، ثم ذكر من ترقى عن العامية قليلاً من المعتزلة والأشعرية ثم قال:" فإن قيل لمَ لا يجوز كشف السر مع هؤلاء؟ فيقال: لأنهم أحالوا أن تكون هذه الصفة لغير الله تعالى، فإذا ذكرت هذا معهم كفروك، وقالوا هذا تشبيه لأنك تصف نفسك بما هو صفة الإله تعالى على الخصوص "(4) ، والغزالي في " المقصد الأسني " وإن رد على الاتحادية أو أصحاب وحدة الوجود (5) ، إلا أنه ذكر أموراً فلسفية وأشار إلى سريتها، فصرح بأن الله معشوق - كما يقوله الفلاسفة (6) - ولما أشار إلى أبدية الإنسان وأنه لا سبيل عليه للعدم قال:" وكشف ذلك بالحقيقة مما لا يحتمله هذا الكتاب "(7) .

(1) جواهر القرآن (ص: 25) - ط دار الآفاق الجديدة -.

(2)

انظر: إلجام العوام عن علم الكلام (ص: 60، 70) - ط دار الكتاب العربي -.

(3)

انظر: روضة الطالبين (ص: 8-13) .

(4)

روضة: الطالبين (ص: 69) .

(5)

انظر: المقصد الأسني (ص: 128-152-156) - عناية بسام الجابي -.

(6)

انظر: المصدر السابق (ص: 116) .

(7)

انظر: المصدر نفسه (ص: 124) .

ص: 640

6-

وهذا الذي ذكره الغزالي في كتبه هو ما يؤكده تلاميذه ومنهم ابن العربي الذي يقول عنه -بعد أن لقيه وتتلمذ عليه - " ولا ينكر أحد من الإسلاميين، لا من الفقهاء، ولا من المتكلمين، أن صفاء القلب وطهارته مقصود شرعي، إنما المستنكر أن صفاءه يوجب تجلي العلوم فيه بذته "(1)، ثم يقول - بعد ذكر الطائفة الثانية من المتصوفة كالمحاسبي والقشيري -:" ونجمت في آثارهما أمم انتسبت إلى الصوفية، وكان منها من غلا وطفف، وكاد الشريعة وحرف، وقالوا - كما تقدم - لا ينال العلم إلا بطهارة النفس، وتزكية القلب، وقطع العلائق بينه وبين البدن، وحسم مواد أسباب الدنيا من الجاه والمال، والخلطة بالجنس، والإقبال على الله بالكلية، علماً دائماً مستمراً حتى تنكشف له الغيوب، فيرى الملائكة ويسمع أقوالها، ويطلع على أرواح الأنبياء ويسمع كلامهم، ووراء هذا علو ينتهي بمشاهدة الله، يدخلونه في باب الكرامات إذ كان من المجوزات "، ثم قال: " ولقد فاوضت فيها أبا حامد الغزالي حين لقائي له بمدينة السلام في جمادى الآخر سنة تسعين وأربعمائة، وقد كان راضَ نفسه بالطريقة الصوفية من سنة ست وثمانين

فسألته سؤال المسترشد عن عقيدته المستكشف عن طريقته، لأقف من سر تلك الرموز التي أومأ إليها في كتبه، مرتبته، وسمو منزلته، وما ثبت له في النفوس من تكرمته؛ فقال لي من لفظه، وكتبه لي بخطه: إن القلب إذا تطهر عن علاقة البدن المحسوس، وتجرد للمعقول انكشفت الحقائق، وهذه أمور لا تدرك إلا بالتجربة لها عند أربابها، بالكون معهم والصحبة لهم، ويرشد إليه طريق من النظر وهو: أن القلب جوهر صقيل، مستعد لتجلي المعلومات فيه، عند مقابلتها عرياً عن الحجب، كالمرآة في ترائي المحسوسات عند زوال الحجب "، ثم يقول ابن العربي: " قال لي: وقد تقوى النفس، ويصفو القلب حتى يؤثر في العوالم، فإن للنفس قوة تأثيرية

(1) العواصم من القواصم (ص: 22-23) - ت عمار الطالبي -.

ص: 641

موجدة..

" (1) ، وهذه الأقوال موجودة في كتبه (2) ، وقد نقلنا ما يشبهها سابقاً.

7-

ومن الأمور الخطيرة في مذهب الغزالي ميله إلى تأويل عذاب القبر، وعذاب النار ونعيم الجنة، بتأويلات قرمطية باطنية، حتى ذكر في المضنون به على غير أهله: أن نصوص النعيم " مما خوطب به جماعة يعظم ذلك في أعينهم، ويشتهونه غاية الشهوة "(3)، ويقول:" والرحمة الإليهة ألقت بواسطة النبوة إلى كافة الخلق القدر الذي احتملته أفهامهم "(4)، ولا يقول قائل: إن هذا في كتاب المضنون - وهو مشكوك في صحة نسبته إلى الغزالي - لأن الغزالي صرح بشيء من ذلك في كتابه الأربعين - الذي لا يشك أحد في نسبته إليه - فقال: " أما قولك: إن المشهور من عذاب القبر التألم بالنيران والعقارب والحيات، فهذا صحيح، وهوكذلك، ولكني أراك عاجزاً عن فهمه ودرك سره وحقيقته، إلا أني أنبهك على أنموذج منه تشويقاً لك إلى معرفة الحقائق، والتشمر للاستعداد لأمر الآخرة، فإنه نبأ عظيم أنتم عنه معرضون "(5) ، ثم يضرب مثالاً، ويؤوله ثم يقول: " لعلك تقول: قد أبدعت قولاً مخالفاً للمشهور، منكراً عند الجمهور، إن زعمت أن أنواع عذاب الآخرة يدرك بنور البصيرة والمشاهدة إدراكاً مجاوزاً حد تقليد الشرائع، فهل يمكنك -إن كان كذلك - حصر أصناف العذاب وتفاصيله؟ فاعلم أن مخالفتي للجمهور لا أنكره، وكيف تنكر مخالفة المسافر للجمهور، فإن الجمهور يستقرون في البلد الذي هو مسقط رؤوسهم، ومحل

(1) العواصم من القواصم (ص: 30-32) .

(2)

انظر مثلاً: مقاصد الفلاسفة (ص: 377) ، والعجيب أن ابن العربي - المالكي - تأثر بالغزالي في كتابه قانون التأويل، (ص: 470-479) ، وإن كان قد رد على الغزالي في ما يشبه هذه المسائل، انظر: قانون التأويل (ص: 498)، وما بعدها (ص: 552) ، وانظر: الدراسة التي في أول الكتاب - للمحقق - (ص: 340-349) .

(3)

المضنون به على غير أهله (ص: 117) .

(4)

المصدر السابق (ص: 121) .

(5)

الأربعين (ص: 112) .

ص: 642

ولادتهم، وهو المنزل الأول من منازل وجودهم وإنما يسافر منهم الآحاد "، ثم يذكر كيف يترقى الإنسان حتى " يفتح له باب الملكوت فيشاهد الأرواح المجردة عن كسوة التلبيس، وغشاوة الأشكال، وهذا العالم لا نهاية له " (1) ،

ولا شك أن مذهب الغزالي الفلسفي الصوفي قادة إلى مثل هذه التأويلات الخطيرة (2) - نعوذ بالله من الخذلان -.

*

... *

*

هذا هو أبو حامد الغزالي - من خلال لمحات سريعة عن منهجه وعقيدته - الذي تأثر به من جاء بعده، ويمكن تلخيص هذا التأثير بما يلي:

1-

التأكيد على إنكار السببية، فقد تأثر به من جاء بعده، دون الانتباه إلى تحفظاته التي أوردها.

2-

تكريس قانون التأويل الكلامي في المذهب الأشعري، وقد جاءت صياغة هذا القانون بشكل مركز على يد الرازي.

3-

تحويل المعركة من معركة مع المعتزلة - والفلاسفة من باب أولى - إلى معركة مع الفلاسفة، وهذا ما نشاهده لدى كثير من الأشاعرة لكنه هجوم من منطلق صوفي.

4-

إنه لا مانع أن يحمل الإنسان أكثر من عقيدة - حسب الأحوال - وهذا ما نشاهد نموذجاً له عند الرازي، الذي ظهر في بعض كتبه فيلسوفاً وبعضها أشعرياً.

(1) الأربعين (ص: 215-216) ..

(2)

وأخطر منها ما ذكره في المضنون من الشركيات في " التقرب لمشاهدة الأنبياء والأئمة عليهم الصلاة والسلام، فإن المقصود منه: الزيارة والاستمداد من سؤال المغفرة وقضاء الحوائج من أرواح الأنبياء والأئمة "(ص: 121)، وانظر ما بعدها: وفي رسائل الغزالي (ص:85) ، ذكر أنه نذر عند تربة الخليل.

ص: 643

5-

نقله التصوف من التصوف المعروف قبله - على ما فيه من بدع تصغر أو تكبر -إلى تصوف فلسفي إشراقي، وإذا كان هذا المذهب جاء عند الغزالي على شكل عقيدة مخفية لا يصرح بها للعوام، فإن الأشاعرة من بعده صرحوا بتبنيهم للفلسفة- أحياناً - أو لبعض آراء الفلاسفة.

6-

كما أن المنطق الأرسطي - بقي بعد الغزالي - على ما صرح به الغزالي من أنه آلة، وأنه لا علاقة له بالعقيدة.

7-

وأخيراً بقي الغزالي - في كتابه الإحياء خاصة - مرجعاً يرجع إليه فئات كثيرة من الناس على مختلف مشاربهم وعقائدهم، لأن كلاً منهم يجد في هذا الكتاب ما يوافق هواه (1) .

(1) ومع ذلك فهناك جمهرة من العلماء المائلين إلى المذهب الأشعري ردوا على الغزالي في كتبه، خاصة الإحياء، كما ردوا عليه بسبب ميله إلى الفلاسفة، ومن هؤلاء: محمد بن علي بن حمدين المتوفى سنة 508 هـ، الذي اطلع على كتاب الإحياء فسعي إلى الأمير علي بن يوسف تاشفين فأمر بإحراقه، فتم ذلك في سنة 503هـ، بل وأصدر أمراً إلى سائر البلاد بالأمر وإحراقه، وقد ألف ابن حمدين كتاباً في الرد على الغزالي، انظر في ترجمته:(الصلة لابن بشكوال 2/570، وسير أعلام النبلاء 19/422)، وفي مسألة الإحراق الحال الموشية ص: 104، (وسيأتي مصادر أخرى لقصة= =الإحراق في ترجمة ابن تومرت)، ومن العلماء الذين ردوا على الغزالي: أبو بكر الطرطوشي المتوفى سنة 520هـ، حيث كتب رسالة حط فيها من الغزالي وبرر قصة إحراق كتابه، (انظر: هذه الرسالة في المعيار المعرب 12/186-187، وانظر سير أعلام النبلاء 19/490) ، ترجمة الطرطوشي، وفي (ص: 495) ، ذكر الذهبي عنه أنه قال عن إحياء علوم الدين:" وهو لعمرو الله أشبه شيء بإماتة علوم الدين"، ومن العلماء أيضاً: الإمام المازري المتوفى سنة 536هـ، الذي رد على الغزالي وألف كتاباً سماه: الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء، وقال عن الغزالي: إنه: " قرأ علم الفلسفة قبل استبحاره في فن أصول الدين، فكسبته قراءة الفلسفة جراءة على المعاني، وتسهيلاً للهجوم على الحقائق "، ثم إن له عكوفاً على رسائل إخوان الصفا، وإنه يعول على كتب ابن سينا (انظر: طبقات السبكي 6/241، وانظر: كتاب: المازري، الفقيه والمتكلم وكتابه المعلم، لمحمد الشاذلي النيفر ص: 67 وما بعدها) ، ومنهم ابن صلاح كما في سير أعلام النبلاء 19/329، ومنهم القاضي عياض كما في السير أيضاً (19/327) ، ومنهم أبو بكر بن العربي كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

ص: 644