المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌عبد القاهر البغدادي: - موقف ابن تيمية من الأشاعرة - جـ ٢

[عبد الرحمن بن صالح المحمود]

فهرس الكتاب

- ‌المبحث الثاني: الماتريدية وعلاقتهم بالأشعرية

- ‌أولا: الأشعري والماتريدي

- ‌ منهج الماتريدي وعقيدته:

- ‌ثانيا: مقارنة بين الأشعرية والماتريدية:

- ‌المبحث الثالث: نشأة المذهب الأشعري وانتشاره

- ‌ أسباب انتشار المذهب الأشعري:

- ‌المبحث الرابع: عقيدة الأشعرية

- ‌الفصل الخامس: تطور مذهب الأشاعرة وأشهر رجالهم إلى عهد ابن تيمية

- ‌ أبو الحسن الطبري:

- ‌ الباقلاني:

- ‌ابن فورك:

- ‌عبد القاهر البغدادي:

- ‌البيهقي:

- ‌القشيري:

- ‌الجويني:

- ‌منهج الجويني وأثره في تطور المذهب الأشعري:

- ‌أبو حامد الغزالي:

- ‌أعلام الأشاعرة في الفترة بين الغزالي والرازي:

- ‌ ابن تومرت

- ‌ فخر الدين الرازي:

- ‌ منهج الرازي وأثره في تطور المذهب الأشعري

- ‌ أبو الحسن الآمدي:

- ‌ عز الدين بن عبد السلام

- ‌صفي الدين الهندي

- ‌ بدر الدين بن جماعة

- ‌ ناصر الدين البيضاوي

- ‌ عضد الدين الإيجي

- ‌ أبو علي السكوني

- ‌ خلاصة وتعقيب:

- ‌الباب الثاني: موقف ابن تيمية من الأشاعرة

- ‌الفصل الأول: عرضه لجوانبهم الإيجابية واعترافه بما عندهم من حق

- ‌تمهيد

- ‌مقدمة

- ‌أولاً: وصفهم بأنهم من أهل السنة في مقابل المعتزلة والرافضة:

- ‌ثانياً: تفضيله أقوالهم على أقوال غيرهم من المعتزلة والجهمية والفلاسفة:

- ‌ثالثاً: ذكره لإيجابيتهم وردودهم على الباطنية والملاحدة

- ‌رابعاً: الأشاعرة يحمدون لما لهم من مساع وجهود مشكورة:

- ‌خامساً: إنصافه لأعلام الأشاعرة

- ‌أ - أبو الحسن الأشعري:

- ‌ب - الباقلاني والجويني:

- ‌جـ - الغزالي:

- ‌د - الرازي وغيره:

- ‌هـ - الأشاعرة المعاصرون لابن تيمية:

- ‌الفصل الثاني: منهجه العام في الرد على الأشاعرة

- ‌مقدمة

- ‌أولاً: بيان جوانبهم الإيجابية وما عندهم من حق:

- ‌ثانياً: الكتاب والسنة فيهما ما يغني عما ابتدعه هؤلاء:

- ‌ثالثاً: مذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم

- ‌خامساً: جهلهم بالسنة وبمذهب السلف

- ‌سادساً: إرجاع أقوالهم المخالفة لمذهب أهل السنة إلى أصول الفلاسفة والجهمية والمعتزلة

- ‌سابعاً: لا تعارض بين العقل والنقل

- ‌ المقدمات:

- ‌ثامناً: الرد على متأخري الأشاعرة بأقوال شيوخهم، وردود بعضه على بعض

- ‌تاسعا: تناقض الأشاعرة:

- ‌عاشراً: حيرة الأشاعرة وشكهم ورجوعهم:

- ‌حادي عشر: تسلط الفلاسفة والباطنية على المتكلمين:

الفصل: ‌عبد القاهر البغدادي:

قال ابن تيمية معلقاً: " فيشبه - والله أعلم - أن يكون اجتهاده مختلفاً في هذه المسائل كما اختلف اجتهاد غيره، فأبو المعالي كان يقول بالتأويل ثم حرمه، وحكى إجماع السلف على تحريمه

" (1) .

* * *

ومما سبق يمكن تلخيص دور ابن فورك في تطور المذهب الأشعري بما يلي:

1-

العناية بالحديث والاهتمام به، مع البقاء على منهج وطريقة أهل الكلام وتأويلاتهم، وبذلك خف الحاجز الذي كان يفصل بين أهل السنة من أهل الحديث الذين يثبتون ما دلت عليه النصوص، وأهل الكلام الذين كانوا بعيدين عن الاهتمام بعلم الحديث رواية ودراية، وهذا المنهج الذي سلكه ابن فورك هو ما سنجده بشكل أقوى وأوضح عند البيهقي.

2-

الغلو في التأويل، وكأنه صار هو الأصل، والإثبات هو القليل.

3-

تأويل صفة الاستواء والعلو، وهذا تطور خطير وكبير في المذهب الأشعري، وإن كان - كغيره من الأشاعرة - قد أثر عنه المنع من تأويلها.

‌عبد القاهر البغدادي:

ت 429هـ

هو عبد بن طاهر بن عبد الله، أبو منصور البغدادي، التميمي (2) ، لم يحدد تاريخ ولادته، لكن المعروف عنه أنه ولد في بغداد ونشأ

(1) مجموع الفتاوي (16/91) .

(2)

انظر ترجمته في: تبيين كذب المفتري (ص: 253) ، ووفيات الأعيان (3/203) ، وفوات الوفيات (2/370) ، وأنباء الرواة (2/185) ، وطبقات السبكي (5/136) ، وطبقات الإسنوي (1/194) ، وابن قاضي شبهة (1/213) ، وسير أعلام النبلاء (17/572) ، وبغية الوعاة (2/105)، ومقدمة تحقيق كتاب الناسخ والمنسوخ له (ص: 15-23) ، ومثلها كتابه التكملة في الحساب (ص: 10) ، ومقدمة تحقيق مختصر الفرق بين الفرق للرسعني (ص: 6) ، وما بعدها.

ص: 569

بها، ثم رحل مع أبيه إلى نيسابور، حيث تتلمذ على يد أبي إسحاق الإسفراييني، وكان من أبرز شيوخه، ومنهم أيضاً، إسماعيل بن نجيد، وأبو عمرو محمد بن جعفر بن مطر، وأبو بكر الإسماعيلي، وأبو أحمد بن عدي وغيرهم (1) .

وقد مدحه العلماء - خاصة علماء الأشاعرة - كابن عساكر (2) والرازي والسبكي (3)، وقال فيه شيخ الإسلام أبو عثمان الصابوني:" كان من أئمة الأصول، وصدور الإسلام، بإجماع أهل الفضل والتحصيل، بديع الترتيب، غريب التأليف والتهذيب، تراه الجلة صدراً مقدماً، وتدعوه الأئمة إماماً مُفخّماً، ومن خراب نيسابور اضطرار مثله إلى مفارقتها"(4)، قال السبكي " قلت: فارق نيسابور بسبب فتنة وقعت بها من التركمان" (5) ، وكان استقراره آخر أمره في إسفراين حيث لم يبق فيها إلا يسيرا، فمات بها سنة 429هـ ودفن بجانب شيخه أبي إسحاق الإسفراييني.

ومن أبرز تلاميذ البغدادي: القشيري، والبيهقي، وناصر بن الحسين المروزي المتوفى سنة 444هـ، وعبد الغفار بن محمد النيسابوري المتوفى سنة 510هـ وعمره 96سنة (6) ، ومنهم أيضاً صهره، أبو المظفر الإسفراييني المتوفى سنة 471هـ، صاحب التبصير بالدين، الذي قلد فيه شيخه (7) .

أما أهم آثاره فهي:

1-

الملل والنحل، وهو كتاب مختصر ألفه قبل " الفرق بين الفرق"،

(1) انظر: السير (17/572) ، والسبكي (5/137) .

(2)

انظر: التبيين (ص: 253) .

(3)

انظر: طبقات السبكي (5/136، 138) .

(4)

المصدر السابق (5/137)، وهذه الفتنة هي فتنة الغز - وهم من التركمان - انظر أحداثها في: الكامل (9/457) أحداث سنة 429هـ، وانظر: طبقات الأسنوي (1/195) -الحاشية -.

(5)

المصدر السابق (5/137)، وهذه الفتنة هي فتنة الغز - وهم من التركمان - انظر أحداثها في: الكامل (9/457) أحداث سنة 429هـ، وانظر: طبقات الأسنوي (1/195) -الحاشية -.

(6)

انظر: السير (17/572) ، والسبكي (5/137) .

(7)

انظر: التبصير بالدين (ص: 10-11) ، من المقدمة، و (ص: 175) ، من الكتاب.

ص: 570

وميزته أنه توسع كثيراً في شرح مقالة المعتزلة (1)، إضافة إلى كلامه عن بقية الفرق قال عنه السبكي:" مختصر ليس في هذا النوع مثله "(2) ، وقد طبع بتحقيق ألبير نصري نادر - ط دار المشرق - بيروت سنة 1986م.

2-

الفرق بين الفرق، وهو مشهور، طبع عدة مرات.

3-

أصول الدين، مطبوع أيضاً.

4-

الناسخ والمنسوخ، حقق رسالة للماجستير من جامعة أم القرى، تحقيق حلمي كامل أسعد عبد الهادي - وطبعته دار العدوي بعمان - الأردن سنة 1407هـ.

5-

التكملة في الحساب، وهو من أشهر كتبه حتى قال فيه الرازي "لو لم يكن له إلا كتاب التكملة في الحساب لكفاه "(3) ، وقد طبع في الكويت سنة 1406هـ، ضمن منشورات معهد المخطوطات العربية، تحقيق: أحمد سليم سعيدان.

6-

رسالة في المساحة، طبعت في ذيل الكتاب السابق.

7-

تأويل متشابه الأخبار، ذكره السبكي وابن شاكر الكتبي، والزركلي (4) ، وذكر محقق كتاب الناسخ والمنسوخ أن له نسخة خطية في جامعة عليكرة الإسلامية بالهند (5) ، وبما أن هذا الكتاب موجود فهو ذو أهمية كبيرة لمعرفة منهج البغدادي، خاصة في الصفات، ومع ذلك فكتابه "أصول الدين" جمع فيه ما يتعلق بجميع مسائل أصول الدين.

(1) انظر: الملل والنحل للبغدادي (ص: 82) ، وما بعدها.

(2)

الطبقات (5/140) .

(3)

طبقات السبكي (5/138) .

(4)

انظر: طبقات السبكي (5/140) ، وفوات الوفيات (2/372) ، والأعلام (4/48) - ط السادسة -.

(5)

انظر: مقدمة تحقيق الناسخ والمنسوخ (ص: 21) ، وقد أحال على بروكلمان - الملحق (1/666) -.

ص: 571

وهناك مؤلفات أخرى ذكرها مترجموه، ومنها تفسير أسماء الله الحسنى، أشار الزركلي إلى أنه مخطوط (1) .

منهج البغدادي ودوره في تطور المذهب الأشعري:

البغدادي أحد أعلام الأشاعرة في نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس حيث كانت وفاته سنة 429هـ، وهو يمثل تقريباً مرحلة كل من الباقلاني - ت 403هـ- وابن فورك - ت 406هـ- وإن تأخر عنهما قليلاً، لكنه مثلاً يلتقي مع ابن فورك بكونهما شيخين للبيهقي، كما أنه يذكره في كتابه أصول الدين (2) ، ويذكر الباقلاني أيضاً، ويصفه بقوله:" قال قاضينا "(3) ، كما أن البغدادي ذكر أنه أدرك أبا عبد الله بن مجاهد، تلميذ أبي الحسن الأشعري (4) .

والبغدادي يميزه كتبه خاصة "أصول الدين" إنه ينقل أقوال أصحابه من الكلابية والأِشعرية، ويذكر الخلاف بينهم إن وجد، لذلك فقد يتبادر إلى الناظر أنه مقلد للأشاعرة، وممن رأى هذا الرأي عبد الرحمن بدوي الذي قال:" لقد كان عبد القاهر البغدادي - بحسب ما لدينا من مؤلفاته - عارضاً لآراء الأشاعرة أكثر من مفكراً أصيلاً، ذا آراء انفرد بها، أو براهين جديدة ساقها"(5) ، وهذا الكلام فيه شيء من الحق لكن البغدادي - كما سيأتي - له ترجيحات خاصة تعتبر بمثابة منعطف في تطور المذهب الأشعري، صحيح أنه في غالب المسائل مقلد لشيوخه، لكن ليس فيها كلها.

والبغدادي لا يخالف من سبقه من الأشاعرة في مسائل العقيدة والكلام،

(1) الأعلام (4/48)، وانظر: المصادر السابقة في الفقرتين السابقتين.

(2)

(ص: 253، 310)، كما ذكره في الفرق بين الفرق (ص: 364) .

(3)

أصول الدين (ص: 230-231)، و (ص: 253-310) ، والفرق بين الفرق (ص: 364) .

(4)

المصدر السابق (ص: 253-310)، والفرق بين الفرق (ص: 364) .

(5)

مذهب الإسلاميين (1/674) .

ص: 572

فيرى أن أول الواجبات النظر (1) ، وأخبار الآحاد - إذا رواها الثقات - تقبل إذا كانت تحتمل تأويلاً يوافق المعقول (2) ، كما أنه يقول بالجزء الذي لا يتجزأ، وهو الجوهر الفرد، ويستدل له (3) ، كما يقول بأن الأعراض لا تبقى زمانين (4) ، كما أنه يحتج بدليل الأعراض وحدوث الأجسام ويحتج له ويطيل الكلام حوله (5) ، كما أنه ينفي ما يقوم بالله من الصفات الاختيارية، وهي مسألة حلول الحوادث (6) ، ولذلك تأوّل صفات المحبة، والرحمة، والغضب، والفرح، والضحك (7) ، كما أنه قال بكلام الله الأزلي وأنه قائم بالله وأنه أمره ونيه وخبره ووعده ووعيده، ويربط ذلك بمسألة حلول الحوادث (8) ، لكنه لما ذكر ما وقع من الخلاف بين الكلابية والأِشعرية في أزلية الأمر والنهي، ذكر قوليهما دون ترجيح (9) ، أما الإيمان فهو عنده الطاعات فرضها ونقلها كما هو قول أهل الحديث والسنة، ويرجح هذا بعد ذكره لأقوال كل من الأشعري وابن كلاب (10) ،

أما الاستثناء في الإيمان، فقد رتب الخلاف فه ترتيباً حسناً على الخلاف في حقيقة الإيمان، وبما أنه رجح مذهب أهل الحديث فقد قال: "وكل من وافى ربه على الإيمان فهو مؤمن، ومن وافاه بغير الإيمان الذي أظهره في

(1) انظر: أصول الدين (ص: 210) .

(2)

انظر: أصول الدين (ص: 12،23) ، والفرق بين الفرق (325) . - ط عبد الحميد -.

(3)

انظر: المصدر السابق (ص: 35-36)، والفرق بين الفرق (ص: 328) .

(4)

انظر: المصدر نفسه (ص: 51، 229، 230) .

(5)

انظر: المصدر نفسه (ص: 54-67)، والفرق بين الفرق (ص: 329) .

(6)

انظر: المصدر نفسه (ص: 106-337)، وانظر: الملل والنحل للبغدادي (ص: 150)، والفرق بين الفرق (ص: 333) ، والناسخ والمنسوخ للبغدادي (ص: 107) .

(7)

انظر: المصدر نفسه (ص: 46، 80) .

(8)

انظر: المصدر نفسه (ص: 106-108)، والفرق بين الفرق (ص: 337) .

(9)

انظر: المصدر نفسه (ص: 108) .

(10)

انظر: المصدر نفسه (ص: 248-249) ..

ص: 573

الدنيا، علم في عاقبته أنه لم يكن قط مؤمناً" (1) ، وهذا الكلام ليس هو قول أهل الحديث الذين يجيزون الاستثناء في الإيمان إذا لم يكن شقاً، أما الموافاة فهي من مسائل مذهب الأشاعرة بناءً على قولهم في منع حلول الحوادث، وأن غضب الله أو رضاه أزلي، فالكافر إذا مات على الكفر فهو مغضوب عليه غير مرضي عنه ولو عاش أغلب عمره مؤمناً، وعكسه المؤمن، أما مسألة القدر، فقد قال بالكسب وسار فيه على خطأ شيوخه في ذلك مع التجديد في العرض والاستدلال (2) ، أما ما يتعلق بالمعجزات وشروطها، فأقواله فيها جاءت على وفق ما ذهب إليه الباقلاني (3) .

هذه خلاصةسريعة لبعض رؤوس المسائل التي وافق فيها شيوخه الأشاعرة أما الجوانب البارزة في منهجه، كمعالم على تطور المذهب الِأشعري فأهمها:

1-

مخالفته صراحة لبعض أقوال شيخ الأشاعرة أبي الحسن الأشعري، فهو يعرض الأقوال ومنها قول الأشعري، ثم يرجح قولاً آخر قال به غيره كابن كلاب أو القلانسي، أو غيرهما، ومن ذلك مسألة إيمان المقلد (4) ، ومعنى "الإله"(5)، والوقف على قوله تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} (آل عمران:7) ، ومخالفة البغدادي - في هذه المسائل أو غيرها - للأشعري له أهمية في تصور مدى المتابعة والتقليد لشيخهم في ذلك الزمن القريب من اِلأشعري، إذ أن الفرق بين وفاتيهما يتجاوز القرن بقليل، وهذه مدة زمنية قليلة نسبياً.

2-

تبني دليل حدوث الأجسام بقوة، وهو من أدلة المعتزلة، وقد قال به بعض الأشاعرة قبل البغدادي، لكن شيخهم أبا الحسن الأِشعري رأى أنه

(1) أصول الدين (ص: 253) .

(2)

انظر: أصول الدين (ص: 133)، وما بعدها والفرق (ص:339) .

(3)

انظر: المصدر السابق (ص: 170-179)، والفرق (ص: 344) .

(4)

انظر: المصدر السابق (ص: 254) .

(5)

انظر: المصدر نفسه (ص: 123) .

ص: 574

دليل لم تدع إليه الرسل - كما سبق شرح ذلك - فالبغدادي لما عرض هذا الدليل عرضه وكأنه دليل مسلم لا يجوز الاعتراض عليه، بل قال:" وكل قول لا يصح معه الاستدلال على حدوث الأجسام وعلى حدوث الجواهر فهو فاسد"(1) ، وهذا الجزم بالقول بصحة هذا الدليل هو ما نجده إحدى مسلمات مذهب الأشاعرة فيما بعد.

3-

تأييد القول بتجانس الأجسام كلها، وأن اختلافها في الصورة،- وهذا قد قال به بعض المعتزلة (2)، وبنوا عليه نفي صفات الله حين قالوا: إثبات الصفات تجسيم والأجسام متماثلة.

4-

أما مسألة الاستواء، فقد سبق بيان أن الباقلاني ومن قبله قالوا بإثباته بلا تأويل، وردوا على من أوّله بالاستيلاء، وأن ابن فورك مال فيه إلى التأويل، أما البغدادي فقد قال بالتأويل، مع أنه رد على المعتزلة الذين أولوا الاستواء بالاستيلاء وقال:" زعمت المعتزلة أنه بمعنى استولى كقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق، أي استولى، وهذا تأويل باطل؛ لأنه يوجب أنه لم يكن مستولياً عليه قبل استوائه عليه"(3)، ثم عرض أقوال أصحابه الأشاعرة فقال: " واختلف أصحابنا في هذا، فمنهم من قال: إن آية الاستواء من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وهذا قول مالك بن أنس وفقهاء المدينة والأصمعي

ومنهم من قال: إن استواءه على العرش فعل أحدثه في العرش ثم سماه استواء، كما أحدث في بنيان قوم سماه إتياناً، ولم يكن ذلك نزولاً ولا حركة، وهذا قول أبي الحسن الأشعري

ومنهم من قال: إن استواءه على العرش كونه فوق العرش بلا مماسة، وهذا قول القلانسي وعبد الله بن سعيد، ذكره في كتاب الصفات" (4) ، وبعد عرضه لهذه الأقوال يرجح فيقول: " والصحيح عندنا

(1) أصول الدين (ص: 58) .

(2)

انظر: أصول الدين (ص: 54)، والفرق بين الفرق (ص: 328) .

(3)

أصول الدين (ص: 112) .

(4)

أصول الدين (ص: 112-11-) .

ص: 575

تأويل العرش في هذه الآية على معنى الملك، كأنه أراد أن الملك ما استوى لأحد غيره وهذا التأويل مأخوذ من قول العرب: ثّلّ عرشُ فلان إذا ذهب ملكه

فصح بهذا تأويل العرش على الملك في آية الاستواء على ما بيناه (1)، ويقول في موضع آخر حول معنى آية الاستواء: " ومعناه عندنا على الملك استوى، أي استوى الملك للإله، والعرش هاهنا بمعنى الملك

" (2) .

أما مسألة العلو فهو من نفاته، ولذلك بوب لإحدى المسائل بقوله:" المسألة السابعة من الأصل الثالث في إحالة كون الإله في مكان دون مكان "(3) ، ثم ذكر أقوال الكرامية والمعتزلة والحلولية، ثم قال:" ودليلنا على أنه ليس في مكان بمعنى المماسة قيام الدلالة على أنه ليس بجوهر ولا جسم ولا ذي حد ونهاية، والمماسة لا تصح إلا من الأجسام والجواهر التي لها حدود"(4) ، ثم ذكر أنه أفراد هذه المسألة في كتاب مفرد (5) ، وفي موضع آخر يذكر أن الله كان ولا مكان وهو الآن على ما كان (6) .

فالبغدادي من نفاة العلو ومؤولة الاستواء، وبهذا يتبين أن القول بذلك في المذهب الأشعري جاء قبل الجويني.

5-

وأبرز تطور جاء على يد البغدادي هو قوله في الصفات الخبرية، وقد سبق ذكر أن الباقلاني وابن فورك ومن قبلهما أثبتوا لله الوجه واليدين والعين ومنعوا من تأويلها، وابن فورك - مثلاً - وإن قال بتأويل بعض الصفات الخبرية، كالقدم والإصبع واليمين - كما مر - إلا أن هذه الصفات - صفات الوجه واليدين والعين- لم يؤولها ولم يسلك فيها ما سلكه في غيرها بل نص على

(1) أصول الدين (ص: 113-114) .

(2)

المصدر نفسه (ص: 78) .

(3)

المصدر نفسه (ص: 76) .

(4)

المصدر نفسه (ص: 77) .

(5)

انظر: المصدر نفسه (ص: 78) .

(6)

انظر: الفرق بين الفرق (ص: 333) .

ص: 576

القول بالإثبات والمنع من التأويل، أما البغدادي فإنه قال:" المسألة الثالثة عشرة من هذا الأصل في تأويل الوجه والعين من صفاته "، ثم ذكر قول المشبه ثم قال: " وزعم بعض الصفاتية أن الوجه والعين المضافين إلى الله تعالى صفات له، والصحيح عندنا أن وجهه ذاته، وعينه رؤيته للأشياء، وقوله:{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} (الرحمن:27) ، معناه ويبقى ربك، ولذلك قال:) {ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ} ، بالرفع لأنه نعت الوجه، ولو أراد الإضافة لقال ذي الجلال والإكرام، بالخفض

" (1) ، ثم ذكر المسألة الرابعة عشرة في تأويل اليد المضافة إلى الله تعالى، وبعد أن أبطل مذهب المشبهة قال: " وزعم بعض القدرية أن اليد المضافة إليه بمعنى القدرة، وهذا التأويل لا يصح على مذهبه مع قوله: إن الله تعالى قادر بنفسه بلا قدرة، وقد تأول بعض أصحابنا هذا التأويل، وذلك صحيح على المذهب، إذا أثبتنا لله القدرة، وبها خلق كل شيء، ولذلك قال في آدم عليه السلام {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (صّ:75) ، ووجه تخصيصه آدم بذلك أن خلقه بقدرته لا على مثال له سبق، ولا من نطفة، ولا نقل من الأصلاب إلى الأرحام، كما نقل ذريته من الأصلاب إلى الأرحام، وزعم بعض أصحابنا أن يديه صفتان، وزعم القلانسي أنهما صفة واحدة " (2) ،

وكلامه هذا يدل على تأويل صريح لهذه الصفات، وقد بنى تأويله هذا على أن الله واحد فقال بعد ذكر بعض الصفات الخبرية ناسياً إثباتها إلى المشبهة: " ودليلينا على أن الله واحد في ذاته، ليس بذي أجزاء وأبعاض أنه قد صح أنه حي، قادر، عالم، مريد فلو كان ذا أجزاء وأبعاض لم يخل أن يكون في كل جزء منه حياة وقدرة وعلم وإرادة، أو تكون هذه الصفات في بعض أجزائه

" (3) ، ثم قال: " وأما قوله: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} [الرحمن: 27] ، فمعناه ويبقى ربك

[ثم ذكر التعليل

(1) أصول الدين (ص: 109-110) .

(2)

المصدر السابق (ص: 111) ، ويلاحظ أنم الطابعين للكتاب خلطوا بين نسختين منه، مع تمييز إحداهما عن الأخرى، وقد نقلنا إحداهما ليستقيم الكلام..

(3)

المصدر نفسه (ص: 75) .

ص: 577

السابق، ثم قال:] واليد المضافة إلى الله تعالى صفة له خاصة وقدرة له بها فعله" (1) ،كما أنه أوّل القدم والإصبع (2) .

وبهذا يتبين أن البغدادي قال بتأويل الصفات الخبرية في وقت مبكر، وأن الجويني - المولود سنة 419 هـ والمتوفى سنة 478هـ - الذي اشتهر عنه أنه أول من أوّل الصفات الخبرية قد سبق إلى ذلك من جانب بعض أعلام الأشاعرة، مع أن البغدادي يشير في مسألة تأويل اليد بالقدرة إلى أن بعض أصحابهم قد قال به، ولم يحدد القائل، وهذا يدل على أنها مسألة مطروحة عند الأشاعرة في ذلك الوقت.

6-

ومن المعالم البارزة في منهج البغدادي، مما كان له أثر فيمن أتى بعده: صياغته لمذهب الأشاعرة على أنه مذهب أهل السنة والجماعة، حتى أنه كاد يستقر في أذهان كثير ممن ينتسب إلى الفقه والعلم أن أقوال الأشاعرة تمثل المذهب الصحيح الذي هو مذهب السلف، ومحاولة البغدادي جاءت على النحو التالي:

أ- تأليفه لكتاب في الملل والنحل، ثم في الفرق، والأشعري وإن سبقه إلى ذلك في تأليف مقالات الإسلاميين، إلا أن أسلوبه في العرض لم يكن مرتباً بشكل واضح، وحتى ذكره لمذهب أهل الحديث كان مختصراً (3) ، ولما ذكره أشار إلى أنه به يقول وإليه مذهب، أما البغدادي فقد عرض أقوال الفرق بمنهج واضح ومرتب، واعتمد على حديث الافتراق الوارد، وساق بعض رواياته بأسانيده هو، ثم ذكر أنه مروي عن جمع من الصحابة (4) ، ثم حصر أعداد الفرق لتوافق ما في الحديث، فذكر اثنتين وسبعين فرقة، ثم الفرقة الثالثة والسبعين وجعلها فرقة أهل السنة والجماعة على أنهم الفرقة الناجية، الواردة في الحديث.

ولما شرح اعتقاد هذه الطائفة ذكر عقائد الأشعرية مختصرة، وفصلها في كتابه

(1) أصول الدين (ص: 76) .

(2)

انظر: المصدر السابق، نفس الصفحة.

(3)

ومع ذلك فالأشعري أوثق وأدق في نقل الأقوال لسائر الطوائف من البغدادي وممن جاء بعده.

(4)

انظر: الفرق بين الفرق (ص: 4-9) .

ص: 578

"أصول الدين"، ولما كان هذا الكتاب أول كتاب في الفرق بعد مرحلة الأشعري، وجاء مرتباً على هذه الطريقة، توهم الكثيرون أن ما عرضه من عقائد الفرقة الناجية في كتابه هذا هو عقيدة أهل السنة والجماعة الذي يجب أتباعه.

ب - حين ذكر أصناف أهل السنة والجماعة أدخل فيهم مختلق فئات الناس على أنهم على هذا الاعتقاد الأشعري، فذكر أن منهم سالكي طرق الصفاتية من المتكلمين، الذين تبرءوا من التشبيه والتعطيل، كما ذكر أن منهم أئمة الفقه من فريقي الرأي والحديث وأدخل فيهم أصحاب المذاهب الأربعة وأهل الظاهر وغيرهم (1) ، كما ذكر أن منهم أهل الأدب والنحو والتصريف واللغة، فذكر أعلامم، كما ذكر أن منهم علماء القراءات والتفسير، كما ذكر أن منهم الزهاد والصوفية، والمرابطين في الثغور، وعامة البلدان التي غلب فيها شعار أهل السنة (2) ، وبذكر هذه الأصناف كلها، ونسبتها في الاعتقاد إلى مذهب الأشاعرة يكون البغدادي قد ادعى أن انتشار المذهب الأشعري عند هؤلاء دليل على أنه الحق.

جـ - ولما كان مذهب الأشاعرة اعتمد على مناهج أهل الكلام، فإن البغدادي حرص على أن ينسب لأعلام الصحابة والسلف أنهم من المتكلمين، فذكر أن منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه لأنه ناظر الخوارج، وعبد الله ابن عمر لكلامه في القدرية وبراءته منهم، وعمر بن عبد العزيز رحمه الله وأن له رسالة في الرد على القدرية، وزيد بن علي بن الحسين، والحسن البصري، والزهري، والشعبي، وجعفر الصادق، وأبا حنيفة، والشافعي، وأبا يوسف صاحب أبي حنيفة ثم ذكر أعلام الكلابية والأِشعرية الذين سبقوه أو عاصروه (3) .

(1) انظر: الملل والنحل (ص: 158) ، حيث ذكر أن مدار الفتوى عليهم دون غيرهم، وانظر: الفرق بين الفرق (ص: 313-317) .

(2)

انظر: الفرق بين الفرق (ص: 317-318)، وانظر: أصول الدين (ص: 307-317) ، وفيه تفصيلات كثيرة.

(3)

انظر: أصول الدين (ص: 307-310) .

ص: 579