الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المعتزلة، على أن النسق الذي اتبعه الإيجي في كتابه لم يجعل الكتاب مقصوراً في موضوعاته على علم الكلام، إذ اختلطت هذه الموضوعات بالفلسفة والمنطق حتى أصبحت هذه سمة علم الكلام لدى متأخري الأشاعرة، وإذا كانت هذه السمة معروفة لدى الرازي قبله فالواقع أن الإيجي كان تابعاً له في نسقه الكلامي، وإن كان قد تخلص من كثرة التفريعات المعروفة عن الرازي، هذا ولقد كان الإيجي أكثر اتساقاً من الرازي في موقفه الأشعري، فلم يُغلّب الفلسفة على علم الكلام تغليب الرازي، ولم يتناقض في آرائه بين مؤلفاته مما جعله أكثر تمثيلاً لعلم الكلام الأشعري من الرازي" (1) .
وقد كان دعم هذا الكتاب للمذهب الأشعري مع سهولته ودقة تبويبه أن أصبح مقرراً دراسياً في العصور المتأخرة لدى كثير من المعاهد والجامعات في بعض أنحاء العالم الإسلامي.
-
أبو علي السكوني
(2) : ت 717هـ.
وقد عاش في بلاد المغرب، وترك عدة مؤلفات أهمها: التمييز لما أودعه الزمخشري من الاعتزال في تفسيره للكتاب العزيز - ولا يزال مخطوطاً - وعيون المناظرات، ولحن العوام فيما يتعلق بعلم الكلام - وهما مطبوعان -.
والذي دعا إلى اختيار هذا العلم ليمثل جهة المغرب في هذه المرحلة المعاصرة لحياة شيخ الإسلام ابن تيمية - إضافة إلى وصول كتبه إلينا- أمران:
أحدهما: أن بلاد المغرب لها تميز عن غيرها، فهي وإن قبلت المذهب الأشعري وانتشر فيها على يد الهروي والباقلاني وتلامذتهما إلا أنها رفضت تلك
(1) الأشاعرة: أحمد صبحي (ص: 287-288) ، - ط الرابعة -.
(2)
هو أبو علي عمر بن محمد بن محمد بن أحمد بن خليل السكوني، التونسي المغربي الإشبيلي، له عدة مؤلفات، توفي سنة 717هـ، وقيل غير ذلك، انظر في ترجمته: نيل الابتهاج - بهامش الديباج المذهب - (ص: 195)، ومقدمة تحقيق لحن العوام (ص: 111-114) ، ضمن العدد 12 من حوليات الجامعة التونسية -كلية الآداب والعلوم الإنسانية 1975م.
الانحرافات التي أتى بها الغزالي والرازي وغيرهما، وأبو علي السكوني في كتبه يمثل هذا الاتجاه بوضوح، فهو أشعري الاعتقاد، منافح عند ضد مناوئيه، لكنه اعتمد في ذكره للمناظرات ونقل الأقوال على ما أثر عن الأشعري، وأبي إسحاق الإسفراييني، والباقلاني، والجويني، والشهرستاني، وابن فورك، وهؤلاء تكرر ذكرهم كثيراً (1) ، أما الغزالي فلم يرد له ذكر في المناظرات، موفي لحن العوام حذر من مواضع من كتابه الإحياء، وكتابه الآخر النفخ والتسوية (2) ، وأما الرازي فقد انتقده في المناظرات في مواضع (3) ، ولم ينقل عنه إلا مناظرة أحد النصارى (4) ، أما في لحن العوام فقد انتقد التسمية بمفاتيح الغيب دون أن يذكر اسمه (5) .
ومما يلاحظ أنه رد طويلاً على المنجمين (6) ، والصوفية (7) ، والفلاسفة (8) ، وغيرهم.
والثاني: أن السكوني سلك في كتابيه أسلوباً - لم يسبق إليه فيما أعلم - في تأليف مستقل:
أ- أما في عيون المناظرات فقد عرض فيه المذهب الأشعري عن طريق جمعه للمناظرات التي وقعت من العلماء قبل الأشاعرة، أو من علماء الأشاعرة، وذلك في المسائل التي ردوا فيها على خصومهم وبينوا فيها مذهبهم، وقد جمع
(1) انظر: فهرس عيون المناظرات، وفي لحن العوام ذكر (ص: 216) ، عدداً من علماء الأشاعرة الذين يثق بهم ويوصي بكتبهم، ومنهم هؤلاء.
(2)
انظر: لحن العوام (ص: 209) .
(3)
انظر: عيون المناظرات (ص: 41-44-50) ، وقد دافع السبكي عن الرازي وهاجم السكوني في ترجمة أحد تلاميذ الرازي، انظر: الطبقات (8/121) .
(4)
انظر: المصدر السابق (ص: 283-287) .
(5)
انظر: لحن العوام (ص: 209) .
(6)
انظر: عيون المناظرات (ص: 221)، ولحن العوام (ص: 174) وما بعدها.
(7)
انظر: لحن العوام (ص: 202-206، 213-214) .
(8)
انظر: المصدر السابق (ص: 212) .
السكوني في كتابه هذا مائة وستين مناظرة، وقال في أول الكتاب بعد أن ذكر علم التوحيد وأهميته:" قصدت إلى تعريفه بطريق ترغب في سمعه الآذان ويسهل مدركه على الأذهان، ويحمل على تحصيله من به أراد معرفة حقائق قواعد الإيمان، فألهمني الله سبحانه في ذلك إلى منهج تقرب فائدته، وتُرتجى بفضل الله عائدته وذلك أني رأيت القلوب كالمجبولة على حب سماع ما كان وما جرى في التاريخ في سالف الأزمان، ووجدت معظم قواعد هذا العلم الشريف قد تضمنتها عيون مناظرات وأشكال مناظرات جرت لأوّلي العلم في العالمين والأنبياء والمرسلين صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين، إلى الخلفاء الراشدين، وصدور العلماء من المتقدمين والمتأخرين فرتبتها في هذا المجموع"(1) ، وقد ضمن كتابه هذا كثيراً من آراء الأشاعرة كدليل حدوث الأجسام (2) ، وكلام الله (3) ، ونفى العلو (4) ، والرؤية بلا مقابلة (5) ، وتكليف مالا يطاق (6) ، والكسب (7) ، وغيرها.
ب - أما كتابه لحن العوام فقد قصد منه أن يبين كثيراً من الألفاظ والعبارات التي تدور على ألسنة العوام مما له علاقة بالله وأسمائه وصفاته، وقد ذكر في المقدمة أنه لا يجوز إطلاق الأسماء لله إلا بما ورد به الشرع، ونقل عن الأشعري والباقلاني ما يؤيد ذلك، ثم سرد مجموعة كبيرة من العبارات والألفاظ التي ترد على ألسنة العامة وغيرهم، وبين ما فيها من مخالفة لما يجب لله تعالى، والكتاب بديع في أسلوبه وطريقته لولا أنه حشى تعليلاته بما يوافق مذهب الأشاعرة، مثل نفي العلو، وتأويل الاستواء والنزول (8) ، وغيرها.
(1) عيون المناظرات (ص: 14) .
(2)
انظر: المصدر السابق (ص: 26-232-233) .
(3)
انظر: المصدر نفسه (ص:41) .
(4)
انظر: المصدر نفسه (ص: 48، 230-231) .
(5)
انظر: المصدر نفسه (ص: 58، 266-267) .
(6)
انظر: المصدر نفسه (60) .
(7)
انظر: المصدر نفسه (ص: 61) .
(8)
انظر: لحن العوام (ص: 142-164-169) .
وفيما يتعلق بعصره فإنه بعد أن ذكر نفي العلو وتأويل الاستواء والنزول، ردّاً على من يسميهم بالكرامية والمجسمة والحشوية المشبهة، قال:" حتى ذكر بعض أغبيائهم أنه ينزل درجاً من المنبر.. ويقول للناس: ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا كنزولي من منبري هذا، وهذا جهل عظيم بما يجب للرب سبحانه ويستحيل عليه "(1) ، وهذه الحكاية ذكرها ابن بطوطة في رحلته وأن ذلك كان سنة 726هـ، والغريب أن ابن بطوطة ذكر أنه رأى ابن تيمية بنفسه يقول هذا على المنبر، وهذه فرية واضحة لأن ابن تيمية كان وقت دخول ابن بطوطة دمشق في السجن (2) ، أما ما ذكره السكوني فهو ناقل عن غيره، ولا يمكن أن يكون ناقلاً عن ابن بطوطة على القول الراجح في وفاته - أي السكوني - وهو سنة 717هـ.
وهذا يدل على انتشار هذه الفرية على شيخ الإسلام - أو غيره من علماء السلف - والظاهر أن ابن بطوطة تلقاها عن غيره ثم صاغها لتناسب حكاية الرحلات.
* * *
(1) لحن العوام (ص: 143) ، ضمن حوليات الجامعة التونسية - العدد 12 سنة 1975م.
(2)
انظر: رحلة ابن بطوطة (1/110) ، وقد رد عليه المحقق الدكتور علي المنتصر الكتاني في الحاشية، كما دحض هذه الفرية محمد بهجت البيطار في كتابه حياة شيخ الإسلام ابن تيمية (ص: 46-53) .