الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قد أكمل الحسن فى تركيب صورتها
…
فارتجّ أسفلها واهتزّ أعلاها
قامت لتمشى فليت الله صوّرنى
…
ذاك التراب الذى مسّته رجلاها
والله والله لو كانت، إذا برزت،
…
نفس المتيّم فى كفّيه ألقاها
ذكر أخبار عريب [1] المأمونيّة
قال أبو الفرج الأصفهانىّ: كانت عريب مغنّية محسنة، وشاعرة صالحة الشعر، وكانت مليحة الخطّ والمذهب فى الكلام، ونهاية فى الحسن والجمال والظّرف وحسن الصوت وجودة الضّرب وإتقان الصّنعة والمعرفة بالنّغم والأوتار والرواية للشعر؛ لم يتعلّق بها أحد من نظرائها، ولا رئى فى النساء- بعد القيان الحجازيّات مثل جميلة وعزّة الميلاء وسلّامة الزرقاء ومن جرى مجراهنّ على قلّة عددهنّ- نظير لها.
قال: وكان فيها من الفضائل التى وصفناها ما ليس لهنّ مما يكون فى مثلها من جوارى الخلفاء ومن نشأ فى قصور الخلفاء وغذى برقيق العيش الذى لا يدانيه عيش الحجاز والمنشأ بين العامّة والعرب الجفاة. قال: وقد شهد لها من لا تحتاج مع شهادته الى غيره؛ فروى عن حمّاد بن إسحاق قال قال أبى: ما رأيت امرأة أضرب من عريب، ولا أحسن صنعة ووجها، ولا أخفّ روحا، ولا أحسن خطابا بارعا، ولا أسرع جوابا، ولا ألعب بالشّطرنج والنّرد، ولا أجمع لخصلة
[1] ورد هذا الاسم مضبوطا فى الأغانى ج 21 ص 184 طبع ليدن والمحاسن والأضداد للجاحظ ص 199 طبع ليدن (بضم أوّله وفتح ثانيه) . ولكن رأينا فى الأغانى من الشعر ما يؤيد أن ضبطه بفتح أوّله وكسر ثانيه؛ ومن هذا الشعر:
لقد ظلموك يا مظلوم لما
…
أقاموك الرقيب على عريب
ولو أولوك إنصافا وعدلا
…
لما أخلوك أنت من الرقيب
ومن هذا الشعر أيضا:
قاتل الله عريبا
…
فعلت فعلا عجيبا
حسنة لم أرها فى امرأة غيرها قطّ. قال حماد: فذكرت ذلك ليحيى بن أكثم، فقال: صدق أبو محمد، هى كذلك. قلت: أفسمعتها؟ قال: نعم، هناك (يعنى فى دار المأمون) . قلت: أفكانت كما ذكر أبو محمد فى الحذق؟ قال يحيى: هذه مسئلة الجواب فيها على أبيك، هو أعلم منّى بها. فأخبرت أبى بذلك، فضحك ثم قال: أما استحييت من قاضى القضاة أن تسأله عن مثل هذا! وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلىّ: استدعانى المأمون يوما فدخلت عليه، فسألنى عن صوت وقال لى: أتدرى لمن هو؟ فقلت: أسمعه ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء الله بذلك. فأمر جارية من وراء السّتارة أن تغنّيه، فضربت فإذا هى قد شبّهته بالقديم؛ فقلت: زدنى معها عودا آخر، فإنه أثبت لى؛ فزادنى عودا آخر.
فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا صوت محدث لامرأة ضاربة. قال: من أين قلت ذلك؟ فقلت: إنى لمّا سمعت لينه عرفت أنه محدث من غناء النساء، ولمّا رأيت جودة مقاطعه علمت أنّ صاحبته ضاربة حفظت مقاطعه وأجزاءه، ثم طلبت عودا آخر فلم أشكّ. قال: صدقت، الغناء لعريب.
وقال ابن المعتزّ: قال علىّ بن يحيى: أمرنى المعتمد على الله أن أجمع غناء عريب الذى صنعته، فأخذت منها دفاترها وصحفها التى كانت قد جمعت فيها غناءها، فكتبته فكان ألف صوت، وقد قيل أكثر من ذلك. وقد وصفها أبو الفرج الأصفهانىّ وأطنب فى وصفها وتفضيلها، واستدلّ على ذلك وبسط القول فيه.
وأمّا ما قيل فى نسبها وسنّها وكيف تنقّلت بها الحال إلى أن اتصلت بالمأمون، فقد روى عن إسماعيل بن الحسين خال المعتصم أنها ابنة جعفر بن يحيى، وأنّ البرامكة لما نهبوا سرقت وهى صغيرة فبيعت. قال أحمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبىّ:
إن أمّ عريب كانت تسمّى فاطمة، وكانت يتيمة؛ فتزوّجها جعفر بن يحيى بن خالد؛ فأنكر عليه أبوه، وقال له: تتزوّج بمن لا يعرف لها أمّ ولا أب! اشتر مكانها ألف جارية. فأخرجها جعفر وأسكنها فى دار فى ناحية باب الأنبار سرّا من أبيه، ووكّل بها من يحفظها، وكان يتردّد إليها؛ فولدت عريب فى سنة إحدى وثمانين ومائة.
وكانت سنوها إلى أن ماتت ستّا وتسعين سنة. قال: وماتت أمّ عريب فى حياة جعفر، فدفعها إلى امرأة نصرانيّة وجعلها داية [1] لها. فلما حدثت بالبرامكة تلك الحادثة باعتها من سنبس النخّاس، فباعها من المراكبىّ.
قال ابن المعتزّ: وأخبرنى يوسف بن يعقوب قال: كنت إذا نظرت قدمى عريب شبّهتهما بقدمى جعفر بن يحيى. قال: وسمعت من يحكى أنّ بلاغتها فى كتبها ذكرت لبعض الكتّاب، فقال: وما يمنعها من ذلك وهى بنت جعفر بن يحيى! هذا ملخص ما حكاه أبو الفرج فى نسبها.
وأمّا أخبارها مع من ملكها وكيف تنقّلت بها الحال، فقد حكى ابن المعتزّ عن الهشامىّ أنّ مولاها خرج بها إلى البصرة فأدّبها وخرّجها وعلّمها الخطّ والنحو والشعر والغناء، فبرعت فى ذلك أجمع، وتزايدت حتى قالت الشعر. وكان لمولاها صديق يقال له حاتم بن عدىّ من قوّاد خراسان، وقد قيل: إنه كان يكتب لعجيف على ديوان العرض؛ فكان مولاها يدعوه كثيرا ويخالطه. فركبه دين فاستتر عنده؛ فمدّ عينه الى عريب وكاتبها فأجابته، ودامت المواصلة بينهما وعشقته؛ ثم انتقل من منزل مولاها. فلم تزل تحتال حتى اتّخذت سلّما من سبّ [2]، وقيل: من خيوط غلاظ، وكان قد اتخذ لها موضعا، ثم لفّت ثيابها وجعلتها فى فراشها بالليل ودثّرتها
[1] الداية: الظئر المرضعة والمربية.
[2]
السب: شقة كتان رقيقة. وفى الأصل:
«سقب» . وفى الأغانى: «عقب» . فلعلهما محرفان عما أثبتناه.
بدثارها، ثم تسوّرت الحائط وهربت، وأتته فمكثت عنده؛ ومولاها لا يتهمه بشىء من أمرها. فقال عيسى بن عبد الله بن إسماعيل المراكبىّ يهجو أباه ويعيّره بها- وكان كثيرا ما يهجوه-:
قاتل الله عريبا
…
فعلت فعلا عجيبا
ركبت والليل داج
…
مركبا صعبا مهيبا
فارتقت متّصلا بالنّ
…
جم أو منه قريبا
صبرت حتى إذا ما
…
أقصد النوم الرّقيبا
مثّلث بين حشايا
…
ها، لكى لا تستريبا
خلفا منها إذا نو
…
دى لم يلف [1] مجيبا
ومضت يحملها الخو
…
ف قضيبا وكثيبا
محّة لو حرّكت خف
…
ت عليها أن تذوبا
فتدلّت لمحبّ
…
فتلقّاها حبيبا
جذلا قد نال فى الدّن
…
يا من الدّنيا نصيبا
أيّها الظبى الذى تس
…
حر عيناه القلوبا
والذى يأكل بعضا
…
بعضه حسنا وطيبا
كنت نهبا لذئاب
…
فلقد أطمعت ذيبا
وكذا الشاة إذا لم
…
يك راعيها لبيبا
لا يبالى وبأ المر
…
عى إذا كان خصيبا
ولقد أصبح عبد اللّ
…
هـ كشخانا جريبا
[1] كذا فى الأغانى. وفى الأصل: «لم تلق» .
قد لعمرى لطم الخدّ
…
وقد شقّ الجيوبا
وجرت منه دموع
…
بلّت الذّقن الخضيبا
قال ابن المعتزّ: وحدّثنى محمد بن موسى بن يونس: أنها ملّته بعد ذلك فهربت منه، فكانت تغنّى عند أقوام عرفتهم ببغداد وهى مستترة متخفّية. فلمّا كان يوم من الأيام اجتاز ابن أخى المراكبىّ ببستان كانت فيه مع قوم تغنّى، فسمع غناءها فعرفه؛ فبعث إلى عمّه وأقام هو مكانه، فلم يبرح حتى جاء عمّه وكبسها، فأخذها وضربها مائة مقرعة وهى تصيح: يا هذا، لم تقتلنى! لست أصبر عليك، أنا امرأة حرّة، فإن كنت مملوكة فبعنى، لست أصبر على الضّيق. فلما كان من الغد ندم على فعله وصار إليها فقبّل رأسها ويدها ورجلها ووهب لها عشرة آلاف درهم. ثم بلغ محمدا الأمين خبرها فأخذها. قال: وكان الأمين فى حياة أبيه طلبها منه فلم يجبه إلى ذلك. فلما أفضت إليه الخلافة جاء المراكبىّ ومحمد راكب ليقبّل يده؛ فأمر بمنعه ودفعه، ففعل ذلك الشاكرىّ [1] ؛ فضربه المراكبىّ وقال: أتمنعنى من تقبيل يد مولاى! فجاء الشاكرىّ لمّا نزل محمد الأمين فشكاه؛ فأمر بإحضار المراكبىّ فأمر بضرب عنقه، فسئل فى أمره فعفا عنه وحبسه، وطالبه بخمسمائة ألف درهم مما اقتطعه من نفقات الكراع؛ وبعث فأخذ عريب من منزله مع خدم كانوا له. فلمّا قتل محمد الأمين هربت عريب الى المراكبىّ فكانت عنده.
قال ابن المعتزّ: وأمّا رواية إسماعيل بن الحسن خال المعتصم فإنها تخالف هذا، وذكر أنها إنما هربت من دار مولاها المراكبىّ إلى محمد بن حامد الخاقانىّ المعروف بالخشن أحد قوّاد خراسان، وكان أشقر أصهب أزرق العين. وفيه تقول عريب ولها فيه غناء:
[1] الشاكرىّ: الأجير والمستخدم، وهو معرب جاكر. (عن القاموس) .
بأبى كلّ أصهب
…
أزرق العين أشقر
جنّ قلبى به ولي
…
س جنونى بمنكر
وقال إسحاق بن إبراهيم: لمّا نمى إلى الأمين خبر عريب بعث فى إحضارها وإحضار مولاها فأحضرا، فغنّت بحضرة إبراهيم بن المهدىّ، فطرب الأمين واستعادها، وقال لإبراهيم: كيف سمعت؟ قال: سمعت يا سيّدى حسنا، وإن تطاولت بها الأيام وسكن روعها ازداد غناؤها حسنا وطيبا. فقال للفضل بن الربيع: خذها إليك وساوم بها ففعل، فاشتطّ مولاها فى السّوم ثم أوجبها له بمائة ألف درهم.
وانتقض أمر الأمين وشغل عنها فلم يأمر لمولاها بشىء حتى قتل بعد أن افتضّها؛ فرجعت إلى مولاها، ثم هربت منه إلى ابن حامد؛ فلم تزل عنده حتى قدم المأمون بغداد فتظلم المراكبىّ من محمد بن حامد، فأمر المأمون بإحضاره وسئل عنها فأنكرها.
فقال له المأمون: كذبت، وقد سقط إلىّ خبرك، وأمر صاحب الشّرط أن يجرّده فى مجلس الشّرط ويضع عليه السّياط حتى يردّها فأخذه. فبلغها الخبر، فركبت حمار مكار وجاءت وقد جرّد ليضرب، وهى مكشوفة الوجه وهى تصيح: إن كنت مملوكة فليبعنى، وإن كنت حرّة فلا سبيل علىّ. فرفع خبرها إلى المأمون، فأمر بتعديلها عند قتيبة بن زياد القاضى فعدّلت عنده. وتقدّم إليه المراكبىّ مطالبا بها، فسأله البيّنة على ملكه إياها فعاد متظلّما إلى المأمون وقال: قد طولبت بما لم يطالب به أحد فى رقيق. وتظلمت زبيدة بنة جعفر إليه وقالت: من أغلظ ما جرى علىّ، بعد قتل ابنى، هجوم المراكبىّ على دارى [1] وأخذ عريب منها. فقال المراكبىّ: إنما أخذت ملكى، لأنه لم ينقدنى الثمن. فأمر المأمون بدفعها إلى محمد ابن عمر الواقدىّ، وكان قد ولّاه القضاء بالجانب الشرقىّ، فأخذها من قتيبة بن زياد
[1] فى الأصل: «داره» وهو تحريف.
وأمر ببيعها ساذجة؛ فآشتراها المأمون بخمسين ألف درهم، وقيل: اشتراها بخمسة آلاف درهم. ودعا عبد الله بن إسماعيل وقال له: لولا أنّى حلفت ألّا أشترى مملوكا بأكثر من هذا لزدتك، ولكنى سأولّيك عملا تكسب فيه أضعاف هذا الثمن، ورمى إليه بخاتمين من ياقوت أحمر قيمتهما ألف دينار، وخلع عليه خلعا سنيّة. فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ينتفع بهذا الأحياء، وأمّا أنا فإنى لا محالة ميّت؛ لأن هذه الجارية كانت حياتى. وخرج فاختلط وتغيّر عقله ومات بعد أربعين يوما. وذهبت بالمأمون كلّ مذهب ميلا إليها ومحبّة لها، حتى قيل: إن المأمون قبّل رجلها فى بعض الأيام وإنها قالت أثر ذلك: والله يا أمير المؤمنين، لولا ما شرّفها الله به من وضع فمك الكريم عليها لقطعتها! ولكن لله علىّ ألّا أغسلها لغير وضوء أو طهر إلا بماء الورد ما عشت. فكانت تفعل ذلك إلى أن ماتت.
وحكى علىّ بن يحيى المنجّم أنّ المأمون لمّا مات بيعت فى ميراثه- ولم يبع له عبد ولا أمة غيرها- فاشتراها المعتصم بمائة ألف وأعتقها فهى مولاته. وقيل: إنه لمّا مات محمد الأمين تدلّت عريب من قصر الخلد بحبل إلى الطريق وهربت إلى حاتم بن عدىّ.
وحكى إبراهيم بن رباح قال: كنت أتولّى نفقات المأمون، فوصف له إسحاق ابن إبراهيم الموصلىّ عريب، فأمره أن يشتريها له، فاشتراها بمائة ألف درهم؛ فأمرنى المأمون بحملها، وأن أحمل إلى إسحاق مائة ألف درهم، ففعلت ذلك؛ فلم أدر كيف أثبتها، فكتبت فى الدّيوان أنّ مائة الألف خرجت فى ثمن جوهرة، ومائة الألف الأخرى خرجت لصائغها ودلّالها. فجاء الفضل بن مروان الى المأمون وقد رأى ذلك وأنكره، وسألنى عنه فقلت: نعم، هو ما رأيت. فسأل المأمون عن ذلك فقال: وهبت لدلّال وصائغ مائة ألف درهم! وغلّظ القصّة؛ فأنكرها
المأمون، ودعانى فدنوت وأخبرته أنّ المال الذى خرج فى ثمن عريب وصلة إسحاق، وقلت: أيّما أصوب يا أمير المؤمنين: ما فعلت، أم أثبت فى الديوان أنها خرجت ثمن مغنيّة وصلة مغنّ. فضحك المأمون وقال: الذى فعلت أصوب. ثم قال للفضل ابن مروان: يا نبطىّ، لا تعترض على كاتبى هذا فى شىء.
ولعريب أخبار قد بسط أبو الفرج الأصبهانىّ القول بها فى كتابه الذى ترجمه «تحف الوسائد فى أخبار الولائد» ، وذكر أيضا نتفا من أخبارها فى كتابه المترجم «بالأغانى» . منها خبرها مع محمد بن حامد المعروف بابن الخشن، وأخبار لها مع المأمون، وأخبار مع صالح المنذرىّ الخادم، وإبراهيم بن المدبّر، وغير ذلك من أخبارها. وقد رأينا أن نثبت لمعا من ذلك.
أما أخبارها مع محمد بن حامد- وهو أحد من كانت تعشقه وتهواه وتخاطر بنفسها فى الاجتماع به- فمنها ما روى عن ابن عبد الملك الضرير أنها لمّا صارت فى دار المأمون احتالت حتى وصلت إليه، وكانت تلقاه فى الوقت بعد الوقت حتى حملت منه وولدت بنتا؛ فبلغ ذلك المأمون فزوّجه إياها. وقال محمد بن موسى: اصطبح المأمون يوما ومعه ندماؤه وفيهم محمد بن حامد وجماعة من المغنّين وعريب معه على مصلاة؛ فأومأ إليها محمد بن حامد بقبلة؛ فاندفعت فغنّت ابتداء:
رمى ضرع ناب فاستمرّ بطعنة
…
كحاشية البرد اليمانى المسهّم
تريد بغنائها جواب محمد بن حامد بأن تقول له: طعنة. فقال المأمون للندماء: أيّكم أومأ إلى عريب بقبلة؟ والله لئن لم يصدقنى لأضربنّ عنقه! فقال محمد بن حامد:
أنا يا أمير المؤمنين أومأت إليها، والعفو أقرب للتقوى. فقال: قد عفوت عنك.
فقال: كيف استدلّ أمير المؤمنين على ذلك؟ فقال: ابتدأت صوتا، وهى لا تغنّى
ابتداء إلا لمعنّى، فعلمت أنها لم تبتدئ هذا الصوت إلا لشىء أومئ إليها به، ولم يكن من شرط هذا الموضع إلا إيماء بقبلة، فعلمت أنها أجابته بطعنة. وقد حكى أنّ المأمون قال فى هذه الواقعة عن محمد بن حامد: نكشخنه قبل أن يكشخننا [1] ؛ فزوّجه إياها، واشترط عليه أن يحضرها إلى مجلسه فى أوقات عيّنها له المأمون.
وقال حمدون: كنت ليلة فى مجلس المأمون ببلاد الروم بعد العشاء الآخرة فى ليلة ظلماء ذات رعود وبروق؛ فقال لى المأمون: اركب الساعة فرس النّوبة وسر إلى عسكر أبى إسحاق، (يعنى المعتصم) ، فأدّ إليه رسالتى وهى كيت وكيت. فركبت فلم تثبت معى شمعة، وسمعت وقع حافر دابّة فرهبت ذلك فجعلت أتوقّاه حتى صكّ ركابى تلك الدابّة، وبرقت بارقة فأبصرت وجه الراكب فإذا عريب؛ فقلت: عريب؟
قالت: نعم، حمدون؟ قلت نعم. ثم قلت لها: من أين أقبلت فى هذا الوقت؟
قالت: من عند محمد بن حامد. قلت: وما صنعت عنده؟ قالت: يانكس، عريب تجىء فى هذا الوقت من عند محمد بن حامد خارجة من مضرب الخليفة راجعة إليه تقول لها: أىّ شئ عملت معه! صلّيت معه التراويح، أو قرأت عليه أجزاء من القرآن، أو دارسته شيئا من الفقه! يا أحمق، تحادثنا وتعاتبنا وآصطلحنا ولعبنا وشربنا وغنّينا وانصرفنا. قال: فأخجلتنى وغاظتنى وافترقنا. ومضيت فأدّيت الرسالة؛ ثم عدت إلى المأمون وأخذنا فى الحديث وتناشدنا الأشعار، فهممت أن أحدّثه بحديثها ثم هبته، فقلت: أقدّم قبل ذلك تعريضا بشىء من الشعر فأنشدته:
ألا حىّ أطلالا لقاطعة الحبل
…
ألوف تساوى صالح القوم بالرّذل
فلو أنّ من أمسى بجانب تلعة
…
الى جبلى طىّ فساقطة النعل
[1] كشخنه وكشخه: شتمه بالكشخنة وهى الدّياثة وعدم الغيرة.
جلوس إلى أن يقصر الظّلّ عندها
…
لراحوا وكلّ القوم منها على وصل
فقال لى المأمون: اخفض صوتك لا تسمع عريب فتغضب وتظنّ أنّا فى حديثها؛ فأمسكت عما أردت أن أخبره به، وخار الله لى فى ذلك.
وقال محمد بن عيسى الواثقىّ: قال لى محمد بن حامد ليلة: أحبّ أن تفرّغ لى مضربك، فإنى أريد أن أجيئك فأقيم عندك؛ ففعلت وأتانى. فلما جلس جاءت عريب فدخلت وجلسنا؛ فجعل محمد يعاتبها ويقول: فعلت كذا وفعلت كذا! فقالت لى: يا محمد، هذا عندك رأى! ثم أقبلت عليه فقالت: يا عاجز، خذ بنا فيما نحن فيه، واجعل سراويلى مخنقتى وألصق خلخالى بقرطى، فإذا كان غد فاكتب بعتابك فى طومار حتى أكتب اليك بعذرى فى مثله، ودع عنك هذا الفضول؛ فقد قال الشاعر:
دعى عدّ الذنوب إذا التقينا
…
تعالى لا نعدّ ولا تعدّى
فأقسم لو هممت بمدّ شعرى
…
إلى باب [1] الجحيم لقلت مدّى
وقال أحمد بن حمدون: وقع بين عريب وبين محمد بن حامد شرّ حتى كادا يخرجان إلى القطيعة، وكان فى قلبها منه أكثر مما فى قلبه منها. فلقيته يوما فقالت: كيف قلبك يا محمد؟ قال: أشقى ما كان وأقرحه. فقالت: استبدل تسل. فقال لها:
لو كانت البلوى باختيار لفعلت! فقالت: لقد طال إذا تعبك. فقال: وما يكون! أصبر مكرها! أما سمعت قول العبّاس بن الأحنف:
تعب يطول مع الرّجاء لذى الهوى
…
خير له من راحة فى الياس
لولا كرامتكم لما عاتبتكم
…
ولكنتم عندى كبعض النّاس
قال: فذرفت عيناها، واعتذرت اليه واعتنقته، واصطلحا وعادا إلى ما كانا عليه.
[1] فى الأغانى: «الى نار الجحيم» .
وحكى أحمد بن جعفر بن حامد قال: لمّا توفّى عمّى محمد بن حامد، صار جدّى إلى منزله، فنظر إلى تركته وجعل يقلّب ما خلّف، ويخرج إليه منها الشىء بعد الشىء، إلى أن أخرج إليه سفط مختوم؛ ففضّ الخاتم وفتحه، فاذا فيه رقاع عريب إليه؛ فجعل يتصفّحها ويبتسم، فوقعت فى يده رقعة فقرأها ووضعها بين يديه، وقام لحاجته؛ فقرأتها فإذا فيها:
ويلى عليك ومنكا!
…
أوقعت فى الحقّ شكّا
زعمت أنّى خؤون
…
جورا علىّ وإفكا
إن كان ما قلت حقّا
…
أو كنت أزمعت تركا
فأبدل الله ما بى
…
من ذلّة الحبّ نسكا
قال: وهذا الشعر لعريب.
وامّا أخبارها مع المأمون وإخوته وغير ذلك من أخبارها- قال صالح ابن علىّ بن الرشيد المعروف بزعفرانة: تمارى خالى أبو علىّ والمأمون فى صوت، فقال المأمون: أين عريب؟ فجاءت وهى محمومة، فسألها عن الصوت؛ فقالت فيه بعلمها. فقال لها: غنّيه. فولّت لتجىء بالعود؛ فقال: غنّيه بلا عود. فاعتمدت من الحمّى على الحائط وغنّت، وأقبلت عقرب فرأيتها وقد لسبت يدها مرّتين أو ثلاثا، فما نحّت يدها ولا سكتت حتى فرغت من الصوت؛ ثم سقطت وقد غشى عليها.
قال عثمان بن العلاء عن أبيه: عتب المأمون على عريب فهجرها [1] أياما؛ ثم اعتلّت فعادها فقال: كيف وجدت طعم الهجر؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، لولا مرارة
[1] كذا فى الأغانى. وفى الأصل: «فهجرته» .
الهجر ما عرفت حلاوة الوصل، ومن ذمّ بدء الغضب حمد عاقبة الرضا. فخرج المأمون إلى جلسائه فحدّثهم بالقصة؛ ثم قال: أترى لو كان هذا من كلام النّظام لم يكن كثيرا! وقال أحمد بن أبى دواد: جرى بين المأمون وبين عريب كلام، فكلّمها المأمون بشىء غضبت منه فهجرته أياما. فدخلت على المأمون، فقال: يا أحمد، اقض بيننا.
فقالت عريب: لا حاجة لى فى قضائه ودخوله بيننا، وأنشأت تقول:
ونخلط الهجر بالوصال ولا
…
يدخل [1] فى الصّلح بيننا أحد
وكانت قد تمكّنت من المأمون وأخذت بمجامع قلبه، وذهب به حبّها كلّ مذهب؛ وقد قدّمنا أنه قبّل رجلها.
وكانت عريب تهوى أبا عيسى بن الرشيد أخا المأمون، وكان المثل يضرب بحسنه وحسن غنائه، وكانت تزعم أنها ما عشقت أحدا من بنى هاشم وأصفته من الخلفاء وأولادهم سواه. ولم تزل عريب مبجّلة عند الخلفاء محبوبة اليهم مكرّمة لديهم إلى أن غضب عليها المعتصم والواثق وانحرفا عنها. وكان سبب ذلك أن المعتصم وجد لها كتابا إلى العبّاس بن المأمون ببلد الروم تقول فيه: اقتل أنت العلج حتى أقتل أنا الأعور الليلىّ هاهنا (تعنى الواثق، وكان المعتصم استخلفه ببغداد) .
ولعمرى إنّ هذا من الأمور العظيمة التى لا تحتمل من الأولاد والإخوة فكيف من أمة مغنّية! ولو لم تكن لها عندهم المكانة العظمى والمحلّ الكبير لما أبقوها بعد الاطّلاع من باطن حالها على هذه الطّويّة. وكانت عريب تكايد الواثق فيما يصوغه من الألحان، وتصوغ فى ذلك الشعر تغنّيه لحنا فيكون أجود من لحنه.
[1] كذا فى الأغانى. وفى الأصل: «ولا يصلح» .
قال: وكانت عريب تتعشّق صالحا المنذرىّ الخادم، فتزوّجته سرّا. فحكى عنها أنّ بعض الجوارى دخلت عليها يوما؛ فقالت لها عريب: ويحك! تعالى إلىّ! فجاءت؛ فقالت: قبّلى هذا الموضع منّى، فإنك تجدين ريح الجنّة، وأومأت إلى سالفتها، ففعلت ثم قالت لها: ما السبب فى هذا؟ قالت: قبّلنى الساعة صالح المنذرىّ فى هذا الموضع. قال: ووجّهه المتوكل إلى مكان بعيد فى حاجة؛ فقالت عريب فيه:
أمّا الحبيب فقد مضى
…
بالرّغم منّى لا الرّضا
أخطأت فى تركى لمن
…
لم ألق [1] منه عوضا
وكانت عريب تهوى إبراهيم بن المدبّر ويهواها، ولها معه أخبار وحكايات، وبينهما أشعار وفكاهات. فمن مكاتباتها إليه ما روى عن ابن المعتز قال: كتبت إليه تدعو له فى شهر رمضان: أفديك بسمعى وبصرى، وأهلّ الله عليك هذا الشهر باليمن والمغفرة، وأعانك على المفترض منه والمتنفّل، وبلّغك مثله أعواما، وفرّج عنك وعنّى فيه [2] . وكتبت فى شىء بلغها عنه: وهب الله لنا بقاءك ممتّعا بالنّعم. ما زلت أمس فى ذكرك، فمرّة بمدحك، ومرّة بأكلك وبذكرك بما فيك لونا لونا. اجحد ذنبك الآن، وهات حجج الكتّاب ونفاقهم. فأمّا خبرنا أمس فإنا شربنا من فضل نبيذك على تذكارك رطلا، وقد رفعنا حسابنا إليك، فارفع حسابك إلينا، وخبّرنا من زارك أمس وألهاك، وأىّ شىء كانت القصّة على جهتها. [ولا تخطرف [3] فتحوجنا إلى كشفك والبحث عليك وعن حالك] ، وقل الحق، فمن صدق [نجا [4]] .
وما أحوجك إلى تأديب، فإنك لا تحسن أن [5] تودّ. [والحقّ أقول إنه يعتريك كزاز [6]
[1] كذا فى الأغانى (ج 18 ص 184 طبع بلاق) . وفى الأصل
لم ألف عنه معرضا
[2]
فى الأصل: «فيك» .
[3]
تخطرف الشىء: جاوزه.
[4]
التكلملة عن الأغانى.
[5]
كذا فى الأغانى (ج 19 ص 122 طبع بلاق) . وعبارة الاصل: «وما أحوجك الى تأديب فانك لا تحسن أن تؤدبه» :
[6]
الكزاز: تشنج يصيب الإنسان من البرد الشديد.
شديد يجوز حدّ البرد. وكفاك بهذا من قولى عقوبة. وإن عدت سمعت أكثر منه [1]] . والسلام.
ولما نكب عبد الله بن يحيى بن خاقان ابن المدبّر وحبسه، كتبت إليه كتابا تتشوّقه وتخبره استيحاشها له واهتمامها بأمره، وأنها قد سألت الخليفة فى أمره فوعدها ما تحبّ. فأجابها عن كتابها، وكتب فى آخر الجواب:
لعمرك ما صوت بديع لمعبد
…
بأحسن عندى من كتاب عريب
تأمّلت فى أثنائه خطّ كاتب
…
ورقّة مشتاق ولفظ خطيب
وراجعنى من وصلها ما استفزّنى
…
وزهّدنى فى وصل كلّ حبيب
فصرت لها عبدا مقرّا بملكها
…
ومستمسكا من ودّها بنصيب
وقال أبو عبد الله بن حمدون: اجتمعت أنا وإبراهيم بن المدبّر وابن ميّادة والقاسم بن زرزر فى بستان بالمطيرة فى يوم غيم ورذاذ يقطر أحسن قطر ونحن فى أطيب عيش وأحسن يوم، فلم نشعر إلا بعريب قد أقبلت من بعيد؛ فوثب إبراهيم من بيننا فخرج حافيا حتى تلقاها، وأخذ بركابها حتى نزلت، وقبّل الأرض بين يديها. وكانت قد هجرته مدّة لشىء أنكرته عليه. فجاءت وجلست وأقبلت عليه متبسمة، ثم قالت: إنما جئت إلى من هاهنا لا إليك. فآعتذر وشفعنا له فرضيت.
وأقامت عندنا يومئذ وباتت، واصطبحنا من غد وأقامت عندنا. فقال إبراهيم:
بأبى من حقّق الظنّ به
…
وأتانا زائرا مبتديا
كان كالغيث تراخى مدّة
…
وأتى بعد قنوط مرويا
طاب يومان لنا فى قربه
…
بعد شهرين لهجر مضيا
فأقرّ الله عينى و؟؟؟
…
سقما كان لجسمى مبليا
[1] التكملة عن الأغانى.
وقال فيها أيضا:
ألا يا عريب وقيت الرّدى
…
وجنّبك الله صرف الزّمن
فإنّك أصبحت زين النساء
…
وواحدة النّاس فى كلّ فنّ
فقربك يدنى لذيذ الحياة
…
وبعدك ينفى لذيذ الوسن
فنعم الأنيس ونعم الجليس
…
ونعم السمير ونعم السّكن
وقال أيضا فيها وفى جاريتين بدعة وتحفة:
إنّ عريبا خلقت وحدها
…
فى كلّ ما يحسن من أمرها
ونعمة لله فى خلقه
…
يقصّر العالم فى شكرها
أشهدنى جاريتاها على
…
أنّهما محسنتا دهرها
فبدعة تبدع فى شجوها
…
وتحفة تتحف فى زمرها
يا ربّ أمتعها بما خوّلت
…
وامدد لها يا ربّ فى عمرها
وقال علىّ بن العباس بن أبى طلحة الكاتب: كنت عند إبراهيم بن المدبّر، فزارته بدعة وتحفة، وأخرجتا رقعة من عريب؛ فقرأها فإذا فيها: بنفسى أنت وسمعى وبصرى، وقلّ ذلك لك. أصبح يومنا هذا طيبا- طيّب الله عيشك- قد احتجبت سماؤه، ورق هواؤه، وتكامل صفاؤه، وكأنه أنت فى رقّة شمائلك وطيب محضرك ومخبرك، لا فقدت ذلك أبدا منك! ولم يصادف حسنه وطيبه منّا نشاطا ولا طربا لأمور صدّتنى عن ذلك، أكره تنغيص ما أشتهيه لك من السرور بشرحها. وقد بعثت إليك ببدعة وتحفة ليؤنساك وتسرّ بهما، سرّك الله وسرّنى بك!. فكتب إليها:
كيف السرور وأنت نازحة
…
عنّى! وكيف يسوغ لى الطرب!
إن غبت غاب العيش وانقطعت
…
أسبابه وألحّت الكرب
وأنفذ الجواب [1][اليها] . فلم تلبث أن جاءت على حمار مصرىّ، فبادر إليها وتلقاها حافيا حتى جاء بها إلى صدر المجلس، يطأ الحمار بساطه وما عليه، حتى أخذ بركابها فأجلسها فى مجلسه وجلس بين يديها. ثم قال:
ألا ربّ يوم قصر الله طوله
…
بقرب عريب، حبّذا هو من قرب
بها تحسن الدّنيا وينعم عيشها
…
وتجتمع السّرّاء للعين والقلب
وقال إبراهيم بن اليزيدىّ: كنت مع المأمون فى بلد الروم. فبينما أنا أسير فى ليلة مظلمة شاتية ذات غيم وريح وإلى جانبى قبّة، إذ برقت برقة فإذا فى القبّة عريب.
فقالت: يا إبراهيم بن اليزيدىّ. فقلت: لبّيك! قالت: قل فى هذا البرق أبيانا ملاحا لأغنّى فيها. فقلت:
ماذا بقلبى من أليم الخفق
…
إذا رأيت لمعان البرق
من قبل الأردنّ أو دمشق
…
لأن من أهوى بذاك الأفق
فارقته وهو أعزّ الخلق
…
علىّ والزّور خلاف الحقّ
ذاك الذى يملك منّى رقّى
…
ولست أبغى ما حييت عتقى
فتنفّست نفسا ظننته قد قطع حيازيمها؛ فقلت: ويحك! على من هذا التنفس؟ فضحكت ثم قالت: على الوطن. فقلت: هيهات! ليس هذا كله على الوطن. فقالت: ويلك! أظننت أنك تستفزّنى! والله لقد نظرت نظرة مريبة فى مجلس فادّعاها أكثر من ثلاثين رئيسا، والله ما علم أحد منهم لمن كانت إلى هذا الوقت.
[1] فى الأصل: «وابتدأ الجواب فلم تلبث» . والتصويب والزيادة عن الأغانى (ج 19 ص 125 طبع بلاق) .
وقال أبو العبيس بن حمدون: غضبت عريب على بعض جواريها، فجئت إليها وسألتها أن تعفو عنها؛ فقالت- فى بعض ما تقوله مما تعتدّ به عليها من ذنوبها-:
يا أبا العباس، إن كنت تشتهى أن ترى زناى وصفاقة وجهى وجرأتى على كلّ عظيمة أيّام شبابى، فانظر إليها واعرف أخبارها. قال: وكانت فى شبابها يقدّم إليها البرذون فتطفر عليه بلا ركاب.
وقال أبو العبّاس بن الفرات: حدّثتنى بدعة جارية عريب: أنّ عريب كانت تجد فى رأسها بردا وكانت تغلّف رأسها بستين مثقالا مسكا وعنبرا، وتغسله من جمعة إلى جمعة، فإذا غسلته جدّدت غيره، وتقتسم الجوارى غسالة رأسها.
وقال علىّ بن المنجّم: دخلت يوما على عريب مسلّما عليها، فلما جلست هطلت السماء بمطر عظيم. فقالت: أقم عندى اليوم حتى أغنّيك أنا وجوارىّ، وابعث إلى من أحببت من إخوانك، فأمرت بدوابّى فردّت، وجلسنا نتحدّث. فسألتنى عن خبرنا بالأمس فى مجلس الخليفة ومن كان يغنيّنا، وأىّ شىء استحسنّاه من الغناء. فأخبرتها أنّ صوت الخليفة كان لحنا صنعه بنان من الماخورىّ. فقالت: وما هو؟ فقلت:
تجافى ثم تنطبق
…
جفون حشوها الأرق
وذى كلف بكى جزعا
…
وسفر القوم منطلق
به قلق يململه
…
وكان وما به قلق
جوانحه على خطر
…
بنار الشّوق تحترق
فوجّهت رسولا إلى بنان، فحضر وقد بلّته السماء؛ فأمرت بخلع فاخرة فخلعت عليه، وقدّم له طعام فأكل، وجلس يشرب معنا. فسألته عن الصوت فغنّاها إياه.
فأخذت دواة ورقعة وكتبت: