الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فى أقطار الممالك لأنها من أشياعه ونفره. ولما كان اليوم الفلانى علّق الستر وخلّق المقياس، وكسر الخليج فكان فى كسره جبر للخليقة ومنافع للناس؛ وذلك بعد أن وفّى النيل المبارك ستة عشر ذراعا، وصرف فى مصالح البلاد يدا تضنّ بالبذل خرقا وتكفى بحسن التدبير ضياعا، [وبثّ فى أرجاء الأعمال بحارا تحسب بتلاطم الأمواج ركاما وبمضاعفة الفجاج [1] سراعا] . وهو بحمد الله آخذ فى ازدياده إلى حدّه، جار على اعتياده فى المشى على وجه الثرى وخدّه؛ يتتبّع أدواء المحل تتبّع طبيب خبير، ويعكس بيت أبى الطّيّب فتمسى وبسطها تراب، ويصبّحها وبسطها حرير. وقد وثقت الأنفس بفضل الله العميم، وأصبح الناس بعد قطوب اليأس تعرف فى وجوههم نضرة النّعيم؛ تيمّنا ببركة أيّامنا التى أعادت إليهم الهجوع، وأعاذتهم مما ابتلى به غيرهم من الخوف والجوع. فليأخذ المجلس العالى حظّه من هذه البشرى التى خصّت وعمّت، ووثقت النفوس بمزيد النعمة إذ قيل: تمّت؛ ويذيعها فى الأقطار، ويعرّفهم قدر ما منح الله جيوش الإسلام من فضله الذى يعجب الزّرّاع ليغيظ بهم الكفّار؛ ويستقبل نعم الله التى سيسم الأرض وسميّها ويولى النعم وليّها ويأتى بالبركات أتيّها حتى تغصّ بالنعم تلك الرّحاب، ويظنّ لعموم رىّ البلاد الشاميّة أنّ نيل مصر وصل إليها على السّحاب؛ ويقيم منار العدل الذى هو خير بالأرض من أن تمطر، ويعفّى آثار الظلم حتى لا تكاد تظهر.
ومما قيل فى التهانى بالفتوحات، وهزيمة جيوش الأعداء
.
فمن ذلك ما كتب به المهلّب بن أبى صفرة إلى الحجّاج بن يوسف الثقفىّ فى حرب الأزارقة:
[1] وردت هذه الجملة هكذا بالأصل!
أمّا بعد، فالحمد لله الذى لا تنقطع موادّ نعمته من خلقه حتى تنقطع موادّ السّكر. وإنّا وعدوّنا كنا على حالتين: يسرنّا منهم أكثر مما يسوءنا، ويسوءهم منّا أكثر مما يسرّهم؛ فلم يزل الله عز وجل يزيدنا وينقصهم، ويعزّنا ويذلّهم، ويؤيّدنا ويخذلهم، ويمحصنا ويمحقهم؛ حتى بلغ الكتاب أجله، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.
وكتب الحارث بن عبد الله بن أبى ربيعة حين ولّى العراق من قبل عبد الله ابن الزبير إليه يخبره بهزيمة الخوارج: أمّا بعد، فإنا مذ خرجنا نؤمّ هذا العدوّ فى نعم من الله متّصلة علينا، ونقمة من الله متتابعة عليهم؛ نقدم ويحجمون، ونجدّ ويرحلون، إلى أن حللنا بسوق الأهواز. والحمد لله رب العالمين.
ثم كتب إليه بعد هذا الكتاب [1] : أمّا بعد، فإنا لقينا الأزارقة بجدّ وحدّ، وكانت فى الناس جولة ثم ثاب أهل الحفاظ والصبر بنيّات صادقة وأبدان شداد وسيوف حداد؛ فأعقب الله خير عاقبة، وجاوز بالنعمة مقدار الأمل، فصاروا دريئة رماحنا وضريبة سيوفنا، وقتل الله أميرهم ابن الماحوز؛ وأرجو أن يكون آخر هذه النعمة كأوّلها. والسلام.
وكتب طاهر بن الحسين إلى المأمون لمّا فتح بغداد وقتل محمدا الأمين:
أمّا بعد، فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين فى النسب واللّحمة، لقد فرّق الله بينهما فى الولاية والحرمة؛ لمفارقته عصمة الدين، وخروجه عن الأمر الجامع للمسلمين.
قال الله عز وجل: يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
. ولا صلة لأحد فى معصية الله، ولا قطيعة فى ذات الله. وكتبت إلى أمير المؤمنين وقد قتل المخلوع
[1] فى الكامل المبرد (ص 640 صبع أوربا) ان هذا الكتاب من المهك الى الحارث.
وردّاه الله رداء نكبة، وأحمد لأمير المؤمنين أمره، وأنجز له ما كان ينتظر من صادق وعده. والحمد لله المتولّى لأمير المؤمنين بنعمته، والراجع إليه بمعلوم حقّه، والكائد له ممن ختر عهده ونكث عقده؛ حتى ردّ له الألفة بعد تفريقها، وأحيا الأعلام بعد دروس أثرها، ومكّن له فى الأرض بعد شتات أهلها.
ولمّا فتح المعتصم عمّوريّة أكثر الشعراء من ذكر هذا الفتح؛ فمن ذلك قول أبى تمام حبيب بن أوس الطائى من قصيدته التى يقول فى أوّلها:
السيف أصدق إنباء من الكتب
…
فى حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف فى
…
متونهنّ جلاء الشكّ والرّيب
والعلم فى شهب الأرماح لامعة
…
بين الخميسين لا فى السبعة الشّهب
جاء منها:
فتح الفتوح تعالى أن يحيط به
…
نظم من الشّعر أو نثر من الخطب
فتح تفتّح أبواب السماء له
…
وتبرز الأرض فى أثوابها القشب
ومنها:
وبرزة الوجه قد أعيت رياضتها
…
كسرى وصدّت صدودا عن أبى كرب
بكر فما افترعتها كفّ حادثة
…
ولا ترقّت إليها همّة النّوب
من عهد إسكندر أو قبل ذاك فقد
…
شابت نواصى اللّيالى وهى لم تشب
حتى إذا مخض الله السنين لها
…
مخض الحليبة كانت زبدة الحقب
أتهم الكربة السوداء سادرة
…
منها وكان اسمها فرّاجة الكرب
لمّا رأت أختها بالأمس قد خربت
…
كان الخراب لها أعدى من الحرب
أشار فى هذا البيت إلى فتح أنقرة.
ومنها:
لبّيت صوتا زبطريّا هرقت له
…
كأس الكرى ورضاب الخرّد العرب
قيل: كانت الروم لمّا فتحت زبطرة صاحت امرأة من المسلمين: وا محمداه! وا معتصماه! فلما بلغه الخبر ركب لوقته يؤمّ الشأم، وصاح: لبّيك! لبّيك! ولم يرجع إلى أن فتح أنقرة وعمّوريّة. ومنها:
خليفة الله جازى الله سعيك عن
…
جرثومة الدّين والإسلام والحسب
إن كان بين صروف الدهر من رحم
…
موصولة أو ذمام غير منقضب
فبين أيّامك الّلاتى نصرت بها
…
وبين أيام بدر أقرب النّسب
وكتب أبو عبيد [عبد] الله البكرى إلى المعتمد على الله المؤيّد بنصر الله يهنّئه بالفتح الذى كان فى سنة سبع وسبعين وأربعمائة:
أطال الله بقاء سيّدى ومولاى الجليل القدر، الجميل الذكر، ذى الأيادى الغرّ، والنعم الزّهر؛ وهنأه ما منحه من فتح ونصر، واعتلاء وقهر. بطالع السعد يا مولاى أبت، وبسانح اليمن عدت، وبكنف الحرز عذت، وفى سبيل الظّفر سرت، وبقدم البرّ سعيت، وبجنّة العصمة أتيت، وبسهم السّداد رميت فأصميت. صدر عن أكرم المقاصد وأشرف المشاهد، وعود بأجلّ ما ناله عائد وآب به وارد؛ فتوح أضحكت مبسم الدهر، وسفرت عن صفحة البشر، وردّت ماضى العمر، وأكبت [1] وارى الكفر؛ وهزّت أعطاف الأيام طربا، وسقت أقداح السرور نخبا، وثنت آمال الشرك كذبا، وطوت أحشاء الطاغية رهبا؛ فذكرها زاد الراكب، وراحة اللّاغب؛ ومتعة الحاضر، ونقلة المسافر.
[1] أكبت: جعلته لا يورى. وفى الأصل: «أكفت» . ولعله تحريف من الناسخ.
بها تنقض الأحلاس فى كلّ منزل
…
وتعقد اطراف الحبال وتطلق
شملت النعمة وجبرت الأمة، وجلت الغمّة؛ وشفت الملّة، وبرّدت الغلّة، وكشفت العلّة.
كان داء الإشراك سيفك واشت
…
دّت شكاة الهدى وكان طبيبا
فغدا الدّين جديدا، والإسلام سعيدا، والزمان حميدا؛ وعمود الدين قائما، وكتاب الله حاكما؛ ودعوة الإيمان منصورة، وعين الملك قريرة. فهنأ الله مولانا وهنأنا هذه المنح البهيّة مطالعها، الشّهيّة مواقعها؛ المشهورة آثارها، المأثورة أخبارها؛ ونصر الله أعلامه ففى البرّ تحلّ وتعقد، وعضد حسامه فبالقسط يسلّ ويغمد؛ وأيّد مذاهبه فبالتّحزّم تسدى وتلحم، وأمّر كتائبه ففى الله تسرج وتلجم. فكم فادح خطب كفاه، وظلام كرب جلاه، وميّت حقّ أحياه، وحىّ باطل أرداه! وكم جاحم ضلالة أطفأ ناره، وناجم فتنة قلّم أظفاره، ومفلول سنّة أرهف شفاره، ومستباح حرمة حمى ذماره. فلله هذه المساعى الكريمة والمنازع القويمة، المتبلّجة عن ميمون النّقيبة ومحمود العزيمة؛ فقد تمثّل بها العهد الأوّل والقرن الأفضل الذى أخرج للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؛ والذى سطع هذا السّراج، وانتهج هذا المنهاج؛ فلا زالت الفتوح تتوالى عليه، وصنائع الله تتّصل لديه، إدالة من مشاقّيه وإذالة لمحاربيه، وإبادة لمناوئيه. وإن أجلّ هذه النعم فى الصدور، وأحقّها بالشكر الموفور؛ ما منّ الله به من سلامة مولاى التى هى جامعة لعزّ الدّين وصلاح كافّة المسلمين، بعد أن صلى من الحرب نيرانها، فكان أثّبت أركانها وأصبر أقرانها:
وقفت وما فى الموت شكّ لواقف
…
كأنّك فى جفن الردى وهو نائم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمة
…
ووجهك وضّاح وثغرك باسم
هنيئا لضرب الهام والمجد والعلا
…
ووجهك والإسلام أنّك سالم
فلله الحمد والإبداع والإلهام، وله المنّة وعلينا متابعة الشكر والدوام. وقد فازت الكفّ الكليم، بأعلى قداح المكلوم لدى المقام الكريم؛ وإنها لهى التالية للإصبع الدامية فى المنزلة العالية.
بصرت بالراحة العليا [1] فلم ترها
…
تنال إلا على جسر من التّعب
ومن كلام القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانىّ جواب كتاب ورد عليه يخبر فيه بانتصار المسلمين. ابتدأه بقوله عز وجل: يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ
. وصلت بشرى المجلس السامى- أعلاه الله وشيّده، وأسعده وأصعده، وشكر مشهده وأنجح مقصده، وملأ بالحسنات أمسه ويومه وغده، وأهلك وعادى أعداءه وحسّده، واجتبّ بسيفه زرع الكفّار وذراه وحصده- بما منّ الله سبحانه من نصرة المسلمين عند لقاء عدوّهم؛ وما وليهم الله من القوّة والإظهار، وما قذف فى قلوب الكفر من الخوف والحذار؛ وشرح القضيّة شرحا شرح الصدور، واستوى فيها الغيّاب مع الحضور؛ فكانت البشارة منه وكانت المباشرة له، وما كلّ من بشّر باشر، ولا كلّ من غار غاور؛ ولا كلّ من خبّر عن السيوف لقيها بوجهه، ولا كلّ من حدّث عن الرماح عانقها بصدره. فنفعه الله بالإسلام كما نفع الإسلام به، وأتمّ النعمة عليه كما أتمّها فيه؛ وتقبّل جهاده الذى جلا فيه الكربات، وابتغى فيه القربات. ويتوقّع إن هان العدوّ فى العيون، وظهر منه غير ما كان فى الظنون، أن يكسر الله بكم مصافّه، ويفتح عليكم بلاده، ويطهّر بسيوفكم الشام، ويسرّ بنصركم الإسلام، ويشرّف بيوم نصركم الأيّام. والخير يغتنم إذا عنّت فرصه، ويصاد إذا أمكن الصائد قنصه، والجهاد فرض على المطيق تقتضيه عزائمه ولا تقتضيه رخصه. وقد حضر المولى وحضر كلّ خير، وحضر من رأيه ما يكفى
[1] فى ديوان أبى تمام: «الكبرى» .
أمر العدوّ ولو لم يكن إلا رأيه لا غير؛ فكيف وفى يده من العضب، مثل ما فى صدره من القلب؛ كلاهما حديد لا تكلّ مضاربه، ولا تخونه ضرائبه، ولا تفنى إذا عدّدت عجائبه. فكم له من يوم أغرّ محجّل الأطراف، وليلة فى سبيل الله دهماء الأهوال بيضاء الأوصاف؛ والنفوس واثقة بأن الظّفر على يده يجرى، والمبشّر من جهته يسرّ ويسرى. والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين.
وكتب أيضا فى مثل ذلك: ورد كتاب المجلس- نصر الله عزمته، وشكر همّته، وأتمّ عليه نعمته، وصرف به وعنه صرف كلّ دهر وملمّته ومؤلمته، وأعان أولياءه على أن يؤدّوا خدمته، ويستوهبوا له فضل الله ورحمته، وأجزل قسمه من الخير الذى يحسن بين محبّيه قسمته- سافرا عن مثل الصباح السافر، متحدّثا عن روض أفعاله بلسان النسيم السّحرىّ الساحر، حاملا حديث بيضه وسمره حديث السامر.
وهنّأ بالفتح وهو المهّنأ به، وكيف لا يهنّأ بالفتح من هو فاتحه! وكيف لا يشرح خبره من هو فاتح كلّ صدر وشارحه! ولقد دعا له لسان كلّ مسلم وساعدت لسانه جوارحه؛ وعلم أنه باشر الحرب وتولّى كبرها، وأخمد جمرها، ولقى أقرانها، وافترس فرسانها، وجبّن شجعانها، وشجّع جبانها؛ وأنفق الكريمين على النفس: النّفس والمال، وحفظ على الإسلام الطّرفين: الفاتحة والمآل. وإذا تأمل المجلس الدنيا علم أن الذى يبقى بها أحاديث، وإذا نظر إلى المال علم أن الذى فى الأيدى منه مواريث؛ فالحازم من ورث ماله ولم يورثه لغيره، والسعيد من لم يرض لنفسه من الحديث إلا بخيره. وما يخفى عن أحد ما فعله، ولا ما بذله، ولا ما هان عليه، ولا ما أهان الله كرائم المال بيديه؛ ولقد حلّت نعمة الله فى محلّها لديه، وكان كفأها الكريم الذى أصدقها ما فى كفّيه.
هذا ثنائى وهاتيكم مناقبكم
…
يا أعين النّاس ما أبعدت إسهادى
وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً
، بل هو سبحانه يوفى عباده مثاقيل الذّرّ، وللصابرين عنده الأجر بغير حساب لجلالة قدر الصبر.
والمجلس صبّر نفسه على المشقّات فليبشر بثوابها، وكثّر أعمال البرّ فهو يدخل الجنّة بفضل الله من جميع أبوابها. وكما يهنّأ المجلس بالافتتاح فهو يهنّأ بالجراح؛ ولا يغسل ثوب العمل إلا الدم المسفوح، وكل جرح إنما هو باب إلى الجنة مفتوح. والحمد لله على أن أمتع الأمّة بنفسه التى بذلها، وقد باعها له وأبقاها لنا وقبلها. وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ.
وكتب المرحوم علاء الدين علىّ بن القاضى محيى الدين بن الزكىّ إلى أخيه بهاء الدين مبشّرا بفتح صفد، وكان هذا الفتح فى يوم الجمعة ثامن عشر شوّال سنة أربع وستين وستمائة، على ما نذكره إن شاء الله تعالى فى أخبار دولة الترك فى أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس:
يقبّل اليد الكريمة، ويبثّ ما يعالجه من لواعج الأشواق التى تركته بين الأصحاب مدلّها، وسلبت لبّه فلا أعلم عليه من دلّها؛ وينهى أن المملوك فارق كريم جنابه وتوجّه إلى صفد المحروسة فوصل إليها فى تاريخ كذا، ووافاها والحصن قد تزعزعت أركانه، والكفر قد انهدم بنيانه، وشمّر عن ساق الهزيمة شيطانه؛ وحماة الحرب قد وقفت فى مراكزها، وكماة الهيجاء قد استعدّت لأخذ فرص النصر ومناهزها؛ والرماح قد اهتزّت شوقا الى لقائهم، والسيوف قد آلت أنها لا توافق على مقامهم، والمجانيق تزور حماهم وتلك الزيارة لشقائهم؛ وتدمّر بحجارتها عليهم تدميرا، وتريهم من بأسها يوما عبوسا قمطريرا، وتصير بهم إلى الهلاك وتعدهم جهنّم وساءت مصيرا؛ والقسىّ ترسل اليهم المنايا فى أجنحة السهام، وقد أحدقت بهم كماة الترك كأنها ظباء
بأعلى الرقمتين قيام؛ فمن نازع بقوسه وهو لمهج الكافرين منازع، ومن متدرّع بنحره نحو المنايا يسارع، ومن وارد منهل المنيّة وآخر فى إثره كارع، ومن متدرّع وحاسر علما أن ليس لقضاء الله دافع؛ وما زادهم إلا إيمانا وتسليما، وما سلك بهم إلا صراطا مستقيما، وما اشترى أنفسهم وأموالهم إلا بالجنّة وأعدّ لهم أجرا كريما. والسلطان- عزّ نصره- قد شحذ شبوات عزمه، وفوّق سديد سهمه ليفوز بجزيل سهمه؛ وهو يرتّب عساكره، ويهيّئ ميامنه ومياسره، وينفذ أوائله ويقدّم أواخره، ويحثّ صناديده، ويثبت رعاديده؛ ويسعر همّة مساعره، ويذكى نار الحرب فى مجامره؛ ويقابل الأبراج ببروج يهدمونها، ويكل بالنّقوب نقباء يحفرونها، ويعد للمؤمنين مغانم كثيرة يأخذونها؛ ويعدّ لكل مقام رجالا، ويرتّب لكل مقاتل من المسلمين قتالا، ويبسط لهم بقتل الكافرين آمالا؛ حتى قامت الحرب على ساق، وضاق بأهل الشقاق الخناق؛ وبلغت الأرواح منهم التّراقى، ودارت عليهم كؤوس المنايا فانتشى المسقّى والساقى؛ وأحدقت بهم الجياد تصهل، وسحب القسىّ تهطل، وكواذب الآمال تعدهم وتمطل؛ وخرصوا لأنفسهم الفرج فكذّبتهم أسنّة الخرصان، ونظروا إلى الحياة بعين الطمع فكحلتهم بنات الحنيّة المرنان؛ فلما أشرب [1] العجز نفوسهم، واستوى فى الشّورى مرءوسهم ورئيسهم؛ ومنوا بالمنايا من كل جانب، وسمح كلّ منهم بالمال والذهب مذ علم أنّه ذاهب؛ وتحقّقوا أن لا ملجأ من السيف إلا إليه، ولا معوّل بعد المعوّل إلا عليه، وتيقّنوا أن لا مقام لهم ولا مقرّ، وقال الكافر يومئذ أين المفرّ. والمسلمون مثابرون على العمل الصالح يرفعونه، ومبادرون أجل عدوّهم يمزّقون منه كل ما يرقعونه؛ وإذا بصيحة كالصيحة التى تأخذهم وهم ينظرونها، أو الصعقة التى ينتظرونها، إذ أمرّت السيوف على رقابهم وهم يبصرونها؛
[1] فى الأصل: «اشراب» وهو غير واضح.
فارتجّت أرجاء الحصن بالاصطخاب، ووقع الاختلاف بينهم والاضطراب؛ وقيل:
إن الكافر قد طلب الأمان، وإنه ركب ظهر المذلّة مذ ناوله الجزع العنان، وإن الكفر قد ذلّ للإيمان، وإن شيطانه قد نكص على عقبه لما تراءت الفئتان؛ فأمسكت المجانيق عن ضربها، وكفّت الحنايا عن إرسال شهبها، وأقصرت ليوث الحرب الضارية عن وثبها. فما كان إلّا هنيهة وقد خرج رسول منهم حيث لا تنفع الرسائل، واخترق وشيج القنا وشوك النّصال وظبا المناصل، ورأى كثرة هالته فكادت تنقدّ تحت الذعر منه المفاصل، ومشى إلى السلطان خاضعا وأعيا على السّماطين يقوم كلما عوّجته الأفاكل.
وقبّل كمّا قبّل التّرب قبله
…
وكلّ كمىّ واقف متضائل
وأدّى الرسالة وإذا هى كما قال أبو الطيب دروع، ورجع إلى أهله وفى قلبه من جيش الإسلام- كثره الله- صدوع.
فأقبل من أصحابه وهو مرسل
…
وعاد إلى أصحابه وهو عاذل
فأبوا لنصيحته قبولا، وقالوا: قاتلك الله رسولا؛ لقد خرجت عن سنّة إخوانك، وألقيت إلى المسلمين فاضل عنانك، ولم ترقب رضا أقسّتك [1] ورهبانك.
والرعب قد خرج به عن قومه وآله، وهو يناشدهم الله فى أموالهم وأنفسهم وينشدهم بلسان حاله:
أمرتهم أمرى بمنعرج اللّوى
…
فلم يستبينوا الرّشد إلا ضحى الغد
فلما استحكمت مرّة عصيانهم، وأبوا إلا مغالاة فى طغيانهم؛ ولم يسمحوا بتسليم ذلك الحصن الحصين، وقالوا: إنه على حفظ أرواحنا لقوىّ أمين؛ أرسلت عليهم من المجانيق حجارة كالمطر، إلا أنها ترمى بشرر كالقصر فتهدم قصورا كالشرر؛
[1] فى الأصول: «أقسائك» وهو تحريف.
فزعزعت منها بروجا وبدنا، وقالت: هذا جزاؤكم وإن عدتم عدنا، ولنتبعنّ بعدها آثاركم ونقلع منكم قلاعا ومدنا. فلما أكذبهم الحصن فى آمالهم، وأراهم الله قرب آجالهم؛ وكان ذلك فى اليوم الأغرّ يوم الجمعة والفتح، سلكوا فى التسليم عادة لم يسلكوها، ورأوا من الجزع خطّة ملكتهم ولم يملكوها؛ فأجمعوا أمرهم وشركاءهم إلا أنه كان عليهم غمّة، وطلبوا الذّمام ومن قبلها كانوا لا يرقبون فى مؤمن إلّا ولا ذمّة؛ فألقوا إلى الإسلام يومئذ السلم، ورأوا نور الله الظاهر أشهر من نار على علم؛ فخرجوا من الحصن زرافات وأوزاعا، مهطعين إلى الداعى كيوم يخرجون من الأجداث سراعا. فلو تراهم نحو المنايا يركضون، كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ.
جرت الرياح على مقرّ ديارهم
…
فكأنما كانوا على ميعاد
وصدق الله المؤمنين وعده، وكان بصدق وعده حقيقا، وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً
. فلما كان يوم السبت نادى فيهم السيف بالرحيل، ولم يتزوّدوا من متاع الدنيا إلا القليل؛ وقام النصر على منابر الهامات خطيبا، وكثر القتل فصار المهنّد الصقيل خضيبا؛ وأجرى أودية من دمائهم، ولم يغادر بقيّة من ذمائهم؛ واستوى العبيد منهم والأرباب، وصار فرسانهم فرانس الذئاب، واستمرءوا المرعى الوخيم فرعاهم الذّباب؛ ووجدوا غبّ البغى علينا، وقلنا: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا
؛ وآب المسلمون بخير عميم، وفتح عظيم وأجر كريم؛ وجعل الله الجنّة جزاء للسالمين منهم والذاهبين، وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ
. فليأخذ حظّه من هذه البشرى فإن لها من النصر العزيز ما بعدها، ومن المغانم الكثيرة ما ينجز للأمّة المحمديّة وعدها؛ ويثق بأن
له إن شاء الله من ثواب هذه الغزوة أوفر نصيب، وأن سهم عزمه فى نحور الأعداء إن شاء الله مصيب؛ فقد روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
«إن بالمدينة قوما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم» . والله لا يخليه من أجرها، ولا يحرمه وافر برّها؛ ويتحفه من مقربات التهانى بما تكون له هذه بمنزلة العنوان فى الكتاب، والآحاد فى الحساب؛ وركعة النافلة بالنسبة إلى الخمس، والفجر الأوّل قبل طلوع طلعة الشمس؛ وأن يديم على الإسلام والمسلمين حياة مولانا السلطان الملك الظاهر ركن الدنيا والدين، ويؤيّده بالملائكة المقربين، ما دامت السموات والأرضون، إن شاء الله تعالى.
ومن إنشاء المولى المرحوم محيى الدين عبد الله بن عبد الظاهر كتاب كتبه عن السلطان الملك الأشرف خليل إلى الملك المظفّر يوسف بن عمر صاحب اليمن قرين كتاب السلطان الملك المنصور المسيّر إليه بالهناء بفتح طرابلس الشأم:
أعز الله نصرة المقام وأوفد عليه كلّ بشرى أحسن من أختها، وكل تهنئة لا يجلّيها إلا هو لوقتها، وكل مبهجة يعجز البيان والبنان عن ثبتها ونعتها، وتتبلّج فتودّ الدّرر والدرارى لو زفّت هذه إلى تراقيها وسمت هذه إلى سمتها؛ وصبّحه منها بكل هاتفة أسجع من هواتف الحمائم، وبكلّ عارفة أسرع من عوارف الزّهر عند عزائم النسائم، وبكل عاطفة أعنّة الإتحاف بالإيجاف الذى شكرت الصّفاح منه أعظم قادر والصحائف أكرم قادم، والغزو الذى لا تخصّ تهامة ببشراه بل جميع النجود والتهائم، وذوو الصوارم والصرائم، وأولو القوى والقوائم، وكلّ ثغر عن ابتهاج أهل الإسلام باسم، وكلّ برّبرّ بتوصيل ما ترتّب عليه من ملاحم، وكلّ بحر عذب يمون كلّ غاز لا يحبس عن جهاد الكفار فى عقر الدار الشكائم، وكلّ بحر ملح كم تغيّظ من مجاورة أخيه لأهل الشرك ومشاركتهم فيه فراح وموجه المتلاطم. المملوك يجدّد
خدمة يقتفى فيها أثر والده، ويجرى فى تبليغها على أجمل عوائده، ويستفتح فيها استفتاحا تحفّ به من هنا ومن هنا تحف محامده؛ ويصف ولاء قد جعله أجمل عقوده وأكمل عقائده، ويشفعهما بإخلاص قد جعله ميله أحسن وسائله وقلبه أزين وسائده؛ ويطلع العلم الكريم أن من سجايا المتعرّضين إلى الإعلان بشكر الله فى كلّ ما يعرض للمسلمين من نصر، ويفرض لهم من أجر غزوكم قعد عنه ملك فيما مضى من عصر؛ أن يقدروا تلك النعمة حقّ قدرها من التحدّث بنعمتها، والتنبيه لسماع نغمتها؛ وإرسال أعنّة الأقلام فى ميادين الطروس، وإدارة حرباء وصف خير حرب إلى مواجهة خير الشموس. ولما كانت غزوات مولانا السلطان ملك البسيطة الوالد- خلّد الله سلطانه- قد أصبحت ذكرى للبشر، ومواقفه للنصر فكم جاءت هى والقدر على قدر؛ وقد صارت سيرها وسيرها هذه شدو الأسمار، وهذه جادّة يستطيب منها حسن الحدو السّفّار، فكم قاتلت من يليها من الكفّار، وكم جعلت من يواليها وهو منصورها منصورا بالمهاجرين والأنصار. ولما أذلّ الله ببأسها طوائف التتار فى أقاصى بلاد العجم، وجعل حظّ قلوبهم الوجع من الخوف ونصيب وجهوهم الوجم، وأخلى الله من نسورهم الأوكار ومن أسودهم الأجم، وقصرت بهم هممهم حتى صاروا يخافون الصبح إذا هجم والظن اذا رجم، وصارت رؤية الدماء تفزعهم فلو احتاج أحدهم لتنقيص دم لمرض لأحجم من خوفه وما احتجم. وأباد الله الأرمن فحل بالنّيل منهم الويل، وما شمّر أحد من الجنود الإسلامية عن ساعد إلا وشمّر هو من الذّل الذّيل، ولا أثارت الجياد من الخيل عثيرا منعقدا إلا وظنّوه مساء قد أقبل أو ليل. وانتهت نوبة القتل بهم والإسار إلى «التّكفور ليفون» ملك الأرمن الذى كان يحمى سرحهم ويمرّد صرحهم، ويستنطق هتف التّتار ويسترجع صدحهم؛ وتعتزّ طرابلس الشأم بأنه خال إبرنسها الكافر، ولسان مشورته السفير ووجه تدبيره
السافر؛ وطالما غرّ وأغرى، وجرّ وأجرى، وضرّ وأضرى؛ فلما توكّل مولانا السلطان وعزم وعزم فتوكّل، وتحقّق أن البلاء به قد نزل، وما تشكّك أن ذلك فى ذهن القدر قد تصوّر وتشكّل؛ وأنّ يومه فى الفتك سيكون أعظم من أمسه وأعظم منهما معاداة غده، وأن نصر الله لن يخلفه صادق موعده، أكل يده ندامة على ما فرّط فى جنب الله؛ وساق الحتف لنفسه بيده فعمر الله بروحه الخبيثة الدّرك الأسفل من النار، وسقاه الحتف كأسا بعد كأس لم يكن لها غير الهلك من خمار.
وكانت طرابلس هى ضالّة الإسلام الشريدة، وإحدى آبقاته من الأعوام العديدة؛ وكلما مرّت شمخت بأنفها، وتأنّقت فى تحسين منازه منازهها وتزيين ريحانها وعصفها، ومرّت وهى لا تغازل ملكا بطرفها وكلما تقادم عهدها تكثرت بالأفواج والأمواج من بين يديها ومن خلفها؛ إذ البحر لها جلباب والسحاب لها خمار، وليس بها من البرّ إلا بمقدار ساحة الباب من الدار؛ كأنها فى سيف ذلك البحر جبل قد انحطّ، أو ميل استواء قد خرج عن الخط، وما قصد أحد شطّها بنكاية إلا شطّ واشتط؛ قدّر الله أن صرف مولانا السلطان إليها العنان، وسبق جيشه اليها كلّ خبر وليس الخبر كالعيان، وجاءها بنفسه النفيسة والسعادة قد أحرسته عيونها وتلك المخاوف كلّهن أمان، وقد اتخذ من إقدامه عليها خير حبائل ومن مفاجأته لها أمدّ عنان؛ وفى خدمته جنود لا تستبعد مفازة، وكم راحت وغدت وفى نفوسها للأعداء حزازة؛ فامتطوا بخيولهم من جبال لبنان تيجانا لها صاغتها الثّلوج، ومعارج لا ترافق بها غير الرياح الهوج؛ وانحطّت تلك الجيوش من تلك الجنادل، انحطاط الأجادل، واندفعوا فى تلك الأوعار اندفاع الأوعال، ولم يحفل أحد منهم بسرب لاصق ولا بجبل شاهق فقال: هذا منخفض أو عال؛ وشرعوا فى التحصيل لما يوهى ذلك التحصين، وابتناء كلّ سور أمام أسوارها من التدبير الحسن والرأى الرصين؛ فما لبثوا إلا مقدار ما قيل
لهم: دونكم والاحتطاب، ونقل المجانيق على الخيل وعلى الرقاب؛ حتى جرّوها بأسرع من جرّ النّفس، وأجروها على الأرض سفائن وكم قالوا: السفينة لا تجرى على يبس.
وفى الحال نقلت إليها فرأوا من متوقّلها [1] من يمشى بها على رجلين ومنهم من يمشى على أربع، ووجّهت سهامها وجوهها إلى منافذها فما شوهدت منها عين إلا وكان قدّامها منها إصبع؛ وألقيت العداوة بين الحجارة من المجانيق وبين الحجارة من الأسوار، فكم نقبت ونقّبت من فلذة كبدها عن أسرار؛ وأوقدت نيران المكايد ثمّ فكم حولها من صافن ومن صافر. وكم رمتهم بشرر كالقصر فوقع الحافر كما يقال على الحافر.
وما برحت سوق أهل الإيمان فى نفاق على أهل النّفاق، وأكابرهم تساق أرواحهم الخبيثة إلى السّياق. وكان أهل عكّاء قد أنجدوهم من البحر بكلّ برّ، ورموا الإسلام بكل شرر وكل شرّ؛ فكان السهم الذى يخرج منها لا يخرج إلا مقترنا بسهام. وشرفات ذلك الثغر كالثنايا ولكنها لكثرة من بها لا تفترّ عن ابتسام؛ وما زالت جنود الإسلام كذلك، ومولانا السلطان لا ترى جماعة مقدمة ولا متقدّمة إلا وهو يرى بين أولئك.
واستمرّ ذلك من مستهلّ شهر ربيع الأول إلى يوم الثلاثاء رابع شهر ربيع الآخر، فزحف عليها فى بكرة ذلك النهار زحفا يقتحم كلّ هضبة ووهده، وكلّ صلبة وصلده، حتى أنجز الله وعده، وفتحها المسلمون مجازا وفى الحقيقة فتحها وحده. وطلعت سناجق الإسلام الصّفر على اسوارها، ودخلت عليهم من أقطارها، وجاست الكسّابة خلال ديارها؛ فاحتازها مولانا السلطان لنفسه ملكا، وما كان يكون له فى فتحها شريك وقد نفى عنها شركا؛ وكلما قيل: هذه طرابلس فتحت قال النصر بمن قتل فيها من النّجد الواصلة وأكثر عكا [2] وأهل عكا؛ وأعاد الله قوّة الكفر بها أنكاثا،
[1] توقل فى الجبل: صعد.
[2]
كذا وردت هذه الكلمات بالأصل، وهى كما يظهر قلقة غير واضحة.
وكان أخذها من مائة سنة وثمانين سنة فى يوم ثلاثاء واستردّت فى يوم الثلاثا. ولما عمّت هذه البشائر [و] وكل بها مولانا السلطان إلى كلّ من يستجلى حسان هذه العرائس، ويستحلى نفيس هذه النفائس؛ سيّر مولانا السلطان إلى مولانا بشرى فقعقع بها البريد، لتتلى بأمر مولانا على كل من ألقى السمع وهو شهيد، وكما عمّ السرور بذلك كلّ قريب قصد أن يعمّ الهناء كل بعيد. وأصدر المملوك هذه الخدمة يتحجّب بين يدى نجواها، ويتوثّب بعد هذه المفاتحة لكلّ سانحة يحسن لدى المولى مستقرّها ومثواها. لا برح المقام يستبشر لكماة الإسلام بكل فضل وبكلّ نعمى، ويفرح لسرح الكفر إذا انتهك ولسفح الملك إذا يحمى، ولسمع الشّرك إذا يصمّ ولقلبه إذا يصمى.
وكتب المولى محيى الدين أيضا عن نفسه مطالعة إلى السلطان الملك المنصور يهنّئه بهذا الفتح:
هنّئت يا ملك البسيطه
…
فتحا به النّعمى محيطه
وبقيت يا خير الملو
…
ك بسيفك الدّنيا محوطه
يقبّل الأرض ويبتهل إلى دعاء صالح يقدّمه بين يدى بشره وبشراه، وكلّ مقام محمود من الإجابة يحوّله فى سرّه ونجواه؛ ويهنّىء بهذا الفتح الذى كم مضى ملك وفى قلبه منه حسره، وما ادّخر الله إلا لمولانا السلطان أجره وفخره. فالحمد لله على هذا النصر العزيز وهذا الفتح المبين، والظفر الذى أعطاه الله إيّاه فى شهر وقد أقامت جموع الكفر حتى حازت بعضه فى مدّة سبع سنين. وله الشكر على أن جعل الكفر من بعد قوة أنكاثا، وجعل أخذ مدينة طرابلس من الكفّار فى يوم الثلاثاء وكان أخذها من المسلمين فى يوم الثلاثاء؛ وله المنّة فى ردّ هذه الأخيذة، وجعلها بين يدى مولانا السلطان منبوذة. ثم المنّة لله على أن سطر فى سيرة مولانا السلطان هذه
السّنة، وجعلها ما بين نومة عين وانتباهتها فى أقرب من سنة، وردّ إباقها على المسلمين بعد أن أقامت هاربة عند الكفار مائة سنة وستّا وثمانين سنة؛ والله يلحق بها فى الفتح أخواتها من المدن، ولا يلبث إن شاء الله هاديا بها بعدها مثل عكّاء وصور وصيدا حتى يراهنّ الى قبضته قد عدن، إن شاء الله تعالى.
وكتب إلى الأمير حسام الدين طرنطاى عن الأمير بدر الدين بيدرا فى ذلك:
المملوك يهنئ بهذا الفتح الذى كادت به هذه الغزوة تزهو على غيرها من الغزوات وتتيه، وأشرقت الأرض بنور ربها ابتهاجا بما أمضاه الله منه وما سيمضيه، وبما سيعطيه حتى يرضيه، وذلك أن فتح طرابلس التى طالما شمخت بأنفها على الملوك، وكم أبت على مستفتح فما قال لغيره إباؤها: لله أبوك؛ وأخّر الله مدّتها إلى خير الأزمان، وفتحها على يدى سلطاننا الذى حقّق الله به آمالا تنفذ إلا منه بسلطان.
فالحمد لله الذى عضد هذا الملك من مولانا بخير من دبّره، وحماه منه بأقطع حسام جرّده الله لنقض ما أمرّه؛ وما من فتوح ولا أمر ممنوح إلا ومولانا منضّد عقوده، ومجهّز بريده، ومطلع سعوده؛ ورافع علمه، وممضى سيفه ومرضى قلمه. فأمتع الله الأمة من مولانا السلطان بسلطان يستردّ لهم الحقوق ويتقاضى الديون، وأمتع الله سلطانها من مولانا بمن آراؤه أقفال الممالك وسيوفه مفاتيح الحصون.
ومن إنشاء المولى شهاب الدين محمود الحلبى ما كتب به عن الأمير سيف الدين سلّار نائب السلطنة الشريفة إلى النائب بقلعة الجبل عند كسرة التتار بمرج الصّفّر فى شهر رمضان سنة اثنتين وسبعمائة:
وبشّره بالفتح الذى أعاد الله به الأمة خلقا جديدا، والنصر الذى أنزل الله فيه من الملائكة أنصارا للملّة وجنودا، والظفر الذى أطفأ الله به من نار الكفر ما لم يكن
يرهب خمودا، والغزوة التى زلزل الله بها جبال أهل الشرك وقد تدفّقت على الأرض أمثال البحار عددا وعديدا. المملوك يقبّل اليد العالية التى لها من هذه النّصرة وإن لم تبلغها أجر الرامى المسدّد سهمه، المعجّل من التهانى غنمه، الموفّر من المحامد الجزيلة قسمه؛ ويهنّىء المولى بهذا الفتح الذى مدّ الله به على الأمة جناح رحمته وفضله، ومنّ على أيّامنا الزاهرة فيه بالشأم وأهله، وبرز فيه الإسلام كلّه للشرك كلّه. ولله الحمد الذى أعز دينه ونصره، وحصد بسيوف الإسلام عدوّ دينه بعد أن حصره؛ وأباد جيوش الشّرك وهم مائة ألف أو يزيدون، وأفنى أحزاب أهل الكفر وكانوا أمثال الرمال لا يعدّون؛ وينهى أنّ علمه الكريم قد أحاط بما كان من أمر هذا العدوّ المخذول ودخوله إلى البلاد المحروسة بجيوشه وكتائبه وجموعه وجنوده من أشياع أهل الكفر وأحزاب الشرك. ولما تواصلت الأخبار بقربه، واستعداده بحزبه، ومهاجمته البلاد، وإيقاع الرّعب فى قلوب أهلها بالتنوّع فى الفساد؛ ساق الرّكاب الشريف فى طلبه يطوى المراحل، ويقطع فى كلّ يوم منزلتين بل منازل.
ولما حلّ الركاب الشريف بمرج الصّفّر على مرحلة من دمشق المحروسة فى يوم السبت مستهلّ شهر رمضان المعظّم زيّنت العساكر المنصورة للقاء حال وصولها، واستعدّت للحرب دون تشاغل بأسباب نزولها؛ فوافى العدوّ المخذول فى مائة ألف من جيوش تسيل كالرمال، وتعلو الجبال بأشدّ من الجبال؛ وحين وصلوا حملوا على الميمنة بجملتهم، وقصدوا إزاحتها عن موقفها بحملتهم؛ فتلقّتهم الجيوش المنصورة بنفوس قد بايعت الله على لقاء عدوّ الله وعدوّها، ووثقت بما أعد الله لها من الجزاء فى رواحها فى سبيله وغدوّها؛ وصدمتهم صدمة كسرت حدّهم، وأوهنت شدّتهم وشدّهم؛ وأزالت طمعهم، وأبانت ظلعهم؛ وسالت [1] عليهم الجيوش المنصورة من
[1] فى الأصل. «وأسالت» .
كلّ جانب، وحميت الحرب بين الكتائب الإسلاميّة وبين تلك الكتائب؛ ودخل الليل ونار الحرب تشتعل، والجياد من المحاجر تحفى وبالجماجم تنتعل؛ فأووا إلى جبال اعتصموا بهضابها، واحتموا بتوعّر مسالكها وضيق عقابها؛ وأحاطت بهم الجيوش المنصورة لحوسهم [1] لا لحفظهم، وتضمّ أطرافهم لا لحبّهم بل لبغضهم؛ فكانوا- بعد كثرة من قتل منهم فى المعركة الأولى أو فرّ من أوّل الليل- جمعا يناهز الأربعين ألف فارس، فأصبحوا يعاودون القتال، وينزلون إلى أطراف الجبال للنّزال؛ والجيوش المنصورة تلزمهم من كل جانب، وتحكّم فى أبطالهم القنا والقواضب.
وجرت فى أثناء ذلك حملات ظهر فى كلّ منها خسارهم، وشهد عندهم بما يكابدون قتلهم وإسارهم؛ وبعد ذلك نزلوا من جانب واحد يطلبون الفرار، ويتوقّعون القتل إن تعذّر الإسار؛ فساقت خلفهم الجيوش المنصورة تتخطّفهم رماحها، وتتلقّفهم صفاحها؛ وتقاذفت بمن نجا منهم الفلوات، وغرّقتهم أمواج السّراب قبل أمواج الفرات؛ فأخذوا قنصا باليد من بطون الأودية ورءوس الشّعاب، ولم يحصل أحد منهم على الغنيمة بالإياب؛ وقتل أكثر مقدّمى التمانات [2] وفرّ كبيرهم وأنّى له الفرار، وبين يديه مفاوز إن سلك منها تناولته بأرماح من العطش القفار. فليأخذ المولى حظّه من هذه البشرى التى تنبىء عن الفتح العظيم والفضل العميم، والنّصرة التى حفظ الله بها على الإسلام البلاد والثغور والأموال والحريم؛ ويكتب إلى البلاد بمضمونها، ويسرّ قلوب أهل الثغور بمكنونها؛ ويستنهض المولى الأمّة لشكر الله عليها، ومن ذا الذى يقوم بشكر ذلك! ويعرّفهم مواقع هذه النّصرة التى أنجد الله فيها الإسلام بالملائك؛ ويتقدّم أمره بضرب البشائر بكلّ مكان، ويشهر فى جميع الثغور أن عدوّ
[1] فى الأصل: «لحرسهم» بالراء. والحوس: القتل.
[2]
فى أحد الأصول: «التومانات» .