المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر بيان تفصيل الزهد فيما هو من ضروريات الحياة - نهاية الأرب في فنون الأدب - جـ ٥

[النويري، شهاب الدين]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الخامس

- ‌[تتمة الفن الثاني في الإنسان وما يتعلق به]

- ‌[القسم الثالث في المدح والهجو والمجون والفكاهات وغيرها]

- ‌[تتمة الباب السادس في الغناء والسماع]

- ‌تابع أخبار المغنين الذين نقلوا الغناء من الفارسية إلى العربية ومن أخذ عنهم ومن اشتهر بالغناء

- ‌ذكر أخبار إسحاق بن إبراهيم

- ‌ذكر أخبار علّويه

- ‌ذكر أخبار معبد اليقطينى

- ‌ذكر أخبار محمد الرف

- ‌ذكر أخبار محمد بن الأشعث

- ‌ذكر أخبار عمرو بن بانة

- ‌ذكر أخبار عبد الله بن العباس الربيعىّ

- ‌ذكر أخبار وجه القرعة

- ‌ذكر أخبار محمد بن الحارث بن بسخنّر [1]

- ‌ذكر أخبار أحمد بن صدقة

- ‌ذكر أخبار أبى حشيشة

- ‌ذكر أخبار القيان

- ‌ذكر أخبار جميلة

- ‌ذكر أخبار عزّة الميلاء

- ‌ذكر أخبار سلّامة القسّ

- ‌ذكر أخبار حبابة

- ‌ذكر أخبار خليدة المكّيّة

- ‌ذكر أخبار متيّم الهشاميّة

- ‌ذكر أخبار ساجى جارية عبيد الله بن عبد الله بن طاهر

- ‌ذكر أخبار دقاق

- ‌ذكر أخبار قلم الصالحيّة

- ‌ذكر أخبار بصبص جارية ابن نفيس

- ‌ذكر أخبار جوارى ابن رامين وهنّ سلّامة الزّرقاء، وربيحة، وسعدة

- ‌ذكر أخبار عنان جارية الناطفىّ

- ‌ذكر أخبار شارية جارية إبراهيم بن المهدىّ

- ‌ذكر أخبار بذل

- ‌ذكر أخبار ذات الخال

- ‌ذكر أخبار دنانير البرمكيّة

- ‌ذكر أخبار عريب [1] المأمونيّة

- ‌ذكر أخبار محبوبة

- ‌ذكر أخبار عبيدة الطّنبوريّة

- ‌الباب السابع من القسم الثالث من الفنّ الثانى فيما يحتاج إليه المغنّى ويضطرّ إلى معرفته، وما قيل فى الغناء، وما وصفت به القيان، ووصف آلات الطّرب

- ‌ذكر ما يحتاج إليه المغنّى ويضطرّ إلى معرفته وما قيل فى الغناء والقيان من جيّد الشعر

- ‌ذكر ما قيل فى وصف آلات الطرب

- ‌القسم الرابع من الفنّ الثانى فى التهانى والبشائر والمراثى والنوادب والزهد والتوكل والأدعية وفيه أربعة أبواب

- ‌الباب الأوّل من هذا القسم فى التهانى والبشائر

- ‌ذكر شىء مما هنّئ به ولاة المناصب

- ‌ذكر نبذة من التهانى العامّة والبشائر التامّة

- ‌وكتب أيضا فى مثل ذلك:

- ‌ومما قيل فى التهانى بالفتوحات، وهزيمة جيوش الأعداء

- ‌الباب الثانى من القسم الرابع من الفن الثانى فى المراثى والنوادب

- ‌ذكر شىء من المراثى والنوادب

- ‌ومما قيل فى شواذّ المراثى:

- ‌الباب الثالث من القسم الرابع من الفن الثانى فى الزهد والتوكل

- ‌ذكر بيان حقيقة الزهد

- ‌ذكر فضيلة الزهد وبغض الدنيا

- ‌ذكر بيان ذمّ الدنيا وشىء من المواعظ والرقائق الداخلة فى هذا الباب

- ‌ذكر بيان الزهد وأقسامه وأحكامه

- ‌ذكر بيان تفصيل الزهد فيما هو من ضروريات الحياة

- ‌ذكر بيان علامات الزهد

- ‌ذكر ما ورد فى التوكل من فضيلته وحقيقته

- ‌ذكر بيان أعمال المتوكلين

- ‌الباب الرابع من القسم الرابع من الفن الثانى فى الأدعية

- ‌ذكر الأوقات التى ترجى فيها إجابة الدعاء

- ‌ذكر دعوات ساعات الأيام السبعة ولياليها

- ‌ذكر ما يدعى به فى المساء والصباح، والغدوّ والرواح، والصلاة والصوم، والجماع والنوم؛ والورد والصدر، والسفر والحضر؛ وغير ذلك

- ‌ ذكر ما ورد فى أسماء الله الحسنى والاسم الأعظم

- ‌النمط الأوّل

- ‌النمط الثانى

- ‌النمط الثالث

- ‌النمط الرابع

- ‌النمط الخامس

- ‌النمط السادس

- ‌النمط السابع

- ‌النمط الثامن

- ‌النمط التاسع

- ‌النمط العاشر

- ‌صورة ما ورد بآخر الجزء الخامس فى أحد الأصلين الفتوغرافيين:

- ‌صورة ما ورد بآخر الجزء الخامس فى الأصل الثانى الفتوغرافى:

الفصل: ‌ذكر بيان تفصيل الزهد فيما هو من ضروريات الحياة

وقال أبو سليمان الدارانىّ: سمعنا فى الزهد كلاما كثيرا، والزهد عندنا ترك كلّ شى يشغلك عن الله عز وجل، وقرأ قوله تعالى: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ

، قال: هو القلب الذى ليس فيه غير الله. فهذا بيان أقسامه بالإضافة إلى المرغوب فيه وعنه.

وأما أحكامه فتنقسم إلى فرض ونفل وسلامة. فالفرض هو الزهد فى الحرام، والنفل هو الزهد فى الحلال، والسلامة هو الزهد فى الشبهات. فهذه درجاته وأقسامه وأحكامه على سبيل الاختصار.

‌ذكر بيان تفصيل الزهد فيما هو من ضروريات الحياة

قال الغزالىّ رحمه الله: اعلم أنّ ما الناس منهمكون فيه ينقسم إلى فضول وإلى مهمّ؛ فالفضول كالخيل المسوّمة- إذ غالب الناس إنما يقتنيها للترفّه بركوبها وهو قادر على المشى- وغير ذلك مما لا ينحصر. ثم حصر المهمّ الضرورىّ فتميّز ما عداه أنّه فضول. قال: والمهمّ أيضا يتطرّق إليه فضول فى مقداره وجنسه [1] وأوقاته على ما يشرحه من قوله. قال: والمهمّات ستّة أمور، وهى: المطعم، والملبس، والمسكن وأثاثه، والمنكح، والمال، والجاه يطلب لأغراض.

فالمهمّ الأوّل المطعم. ولا بدّ للإنسان من قوت حلال يقيم صلبه، ولكن له طول وعرض ووقت. فأما طوله فبالإضافة إلى جملة العمر فإن من يملك طعام يومه قد لا يقنع به، وهو لا يقصر إلا بقصر الأمل، وأقلّ درجات الزهد فيه الاقتصار على قدر دفع الجوع عند شدّته وخوف المرض. ومن هذا حاله فإذا استقل بما تناوله لم يدّخر [2] من غدائه لعشائه؛ وهذه الدرجة العليا.

[1] كذا فى الإحياء. وفى الأصل: «وحسنه

» .

[2]

كذا فى الإحياء. وفى الأصل: «ولم يدخر» بالواو.

ص: 260

والثانية: أن يدّخر لشهر أو أربعين يوما.

والثالثة: أن يدّخر لسنة فقط، وهذه رتبة ضعفاء الزهّاد. ومن ادّخر لأكثر من ذلك فتسميته زاهدا محال؛ لأنّ من أمّل بقاء أكثر من سنة فهو طويل الأمل جدّا فلا يتمّ منه الزهد إلا إذا لم يكن له كسب ولم يرض لنفسه الأخذ من أيدى الناس، كداود الطانىّ فإنه ورث عشرين دينارا فأمسكها وأنفقها عشرين سنة، فهذا لا يضادّ الزهد إلا عند من جعل التوكل شرط الزهد.

وأمّا عرضه فبالإضافة الى المقدار، وأقل درجاته فى اليوم والليله نصف رطل، وأوسطه رطل، وأعلاه مدّ- وهو ما قدّره الله تعالى فى إطعام المساكين فى الكفّارة- وما وراء ذلك فهو اتساع واشتغال بالبطن. ومن لم يقدر على الاقتصار على مدّ لم يكن له من الزهد فى البطن نصيب.

وأمّا بالإضافة إلى الجنس فأقلّه ما يقوت وهو الخبز من النّخالة، وأوسطه خبز الشعير والذرة، وأعلاه خبز البرّ غير منخول؛ فاذا ميّزت النّخالة منه وصار حوّارى فقد دخل فى التنعّم وخرج عن آخر أبواب الزهد فضلا عن أوائله.

وأمّا الأدم، فأقلّه الملح أو البقل والخلّ، وأوسطة الزيت أو يسير من الأدهان، وأعلاه اللحم وذلك فى الأسبوع مرّة أو مرّتين؛ فإن صار دائما أو أكثر من مرّتين فى الأسبوع خرج من آخر أبواب الزهد فلم يكن صاحبه زاهدا فى البطن أصلا.

وأمّا بالإضافة إلى الوقت فأقلّه فى اليوم والليلة مرّة وهو أن يكون صائما ثم يفطر فى وقت الإفطار؛ وأوسطه أن يصوم ويشرب ليلة ولا يأكل، ويأكل ليلة ولا يشرب؛ وأعلاه أن ينتهى إلى أن يطوى ثلاثة أيام وأسبوعا وما زاد عليه.

وانظر الى أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فى كيفيّة زهدهم فى المطاعم وتركهم الأدم واقتصارهم على ما يمسك الرمق. قالت عائشة أمّ المؤمنين رضى الله

ص: 261

عنها: كانت تأتى علينا أربعون ليلة وما يوقد فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مصباح ولا نار. قيل لها: فبم كنتم تعيشون؟ قالت: بالأسودين التمر والماء.

وجاء أهل قباء إلى النبىّ صلى الله عليه وسلم بشربة من لبن مشوبة بعسل، فوضع القدح من يده وقال:«أما إنّى لست أحرّمه ولكنّى أتركه تواضعا لله تعالى»

. وأتى عمر بن الخطّاب رضى الله عنه بشربة من ماء بارد وعسل فى يوم صائف فقال:

اعزلوا عنّى حسابها. وقال يحيى بن معاذ الرازىّ. الزاهد الصادق قوته ما وجد، ولباسه ما ستر، ومسكنه حيث أدرك؛ الدنيا سجنه، والقبر مضجعه، والخلوة مجلسه، والاعتبار فكرته، والقرآن حديثه، والربّ أنيسه، والذكر رفيقه، والزهد قرينه، والحزن شأنه، والحياء شعاره، والجوع إدامه، والحكمة كلامه، والتراب فراشه، والتقوى زاده، والصمت غنيمته، والصبر معتمده، والتوكّل حسبه، والعقل دليله، والعبادة حرفته، والجنّة مبلغه إن شاء الله تعالى.

المهم الثانى الملبس. وأقلّ درجاته ما يدفع الحرّ والبرد ويستر العورة، وهو كساء يتغطّى به؛ وأوسطه قميص وقلنسوة ونعلان؛ وأعلاه أن يكون معه منديل وسراويل. وما جاوز هذا من حيث المقدار فهو مجاوز حدّ الزهد. وشرط الزهد ألّا يكون له ثوب يلبسه اذا غسل ثوبه بل يلزمه القعود فى البيت؛ فإذا صار صاحب قميصين وسراويلين ومنديلين فقد خرج من جميع أبواب الزهد. هذا من حيث المقدار. وأما الجنس، فأقلّه المسوح الخشنة، وأوسطه الصوف الخشن، وأعلاه القطن الغليظ.

وأما من حيث الوقت، فأقصاه ما يستر سنة، وأقلّه ما يبقى يوما، وقد رقع بعضهم ثوبه بورق الشجر [وإن كان يتسارع الجفاف إليه [1]] ؛ وأوسطه ما يتماسك

[1] زيادة من الإحياء.

ص: 262

عليه شهرا وما يقاربه. فطلب ما يبقى أكثر من سنة خروج إلى طول الأمل، وهو مضادّ للزهد إلا إذا كان المطلوب خشونته وقد يتبع ذلك قوّته ودوامه. فمن وجد زيادة من ذلك فينبغى أن يتصدّق به؛ فإن أمسكه لم يكن زاهدا بل كان محبّا للدنيا. ولينظر إلى أحوال الأنبياء صلى الله عليهم والصحابة رضى الله عنهم كيف تركوا الملابس. قال أبو بردة: أخرجت لنا عائشة رضى الله عنها كساء ملبّدا وإزارا غليظا فقالت: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فى هذين.

وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يحبّ المتبذّل الذى لا يبالى ما لبس»

. وفى الخبر: «ما من عبد لبس ثوب شهرة إلا أعرض الله عنه حتى ينزعه وإن كان عنده حبيبا» .

واشترى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبا بأربعة دراهم وكان إزاره أربعة أذرع ونصفا، واشترى سراويل بثلاثة دراهم، وكان يلبس شملتين بيضاوين من صوف وكانت تسمّى حلّة لأنهما ثوبان من جنس واحد. وربما كان يلبس بردين يمانيين أو سحوليّين. ولبس صلى الله عليه وسلم يوما واحدا ثوبا سيراء [1] من سندس قيمته مائتا درهم، فكان أصحابه يلمسونه ويقولون: يا رسول الله، أنزل هذا عليك من الجنّة! تعجّبا، وكان قد أهداه إليه المقوقس ملك الإسكندرية، فأراد أن يكرمه بلبسه ثم نزعه وأرسل به إلى رجل من المشركين وصله به، ثم حرّم لبس الحرير والديباج.

وقد صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى خميصة [2] لها علم فلمّا سلّم قال: «شغلنى النظر الى هذه اذهبوا بها الى أبى جهم وأتونى بأنجبانيّته [3] »

(يعنى كساءه) فاختار لبس الكساء على الثوب الناعم. وكان شراك نعله قد أخلق فأبدل بسير جديد فصلّى

[1] السيراء (بكسر السين وفتح التحتية ممدودا) : ضرب من البرود فيه خطوط صفر.

[2]

الخميصة: ثوب خز أو صوف معلم.

[3]

الأنبجانىّ: نسبة الى منبج (كمجلس) موضع بالشأم، يقال فى النسبة اليه منبجانى وأنبجانى بفتح بائهما على غير قياس.

ص: 263

فيه؛

فلما سلّم قال: «أعيدوا الشّراك الخلق وانزعوا هذا الجديد فإنّى نظرت إليه فى الصلاة»

. وعن جابر رضى الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة رضى الله عنها وهى تطحن بالرحا وعليها كساء من وبر الإبل [1]، فلما نظر إليها بكى وقال:«يا فاطمة تجرّعى مرارة الدنيا لنعيم الأبد»

. فأنزل الله عليه (ولسوف يعطيك ربّك فترضى) .

[وقد أوصى أمته عامّة باتباعه إذ قال: «من أحبنى فليستنّ بسنّتى»

. وقال: «عليكم بسنتى وسنّة الخلفاء الراشدين من بعدى عضّوا عليها بالنواجذ»

. وقال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ

[2]

] .

وأوصى رسول صلى الله عليه وسلم عائشة رضى الله عنها خاصة وقال لها: «إن أردت اللّحوق بى فإيّاك ومجالسة الأغنياء ولا تنزعى ثوبا حتى ترقعيه»

. وعدّ على قميص عمر رضى الله عنه اثنتان [3] وعشرون رقعة بعضها من أدم.

وفى الخبر: «من ترك ثوب جمال وهو يقدر عليه تواضعا لله تعالى وابتغاء لوجهه كان حقّا على الله أن يدّخر له من عبقرىّ الجنّة فى أتخات الياقوت»

. وقال عمر رضى الله عنه: اخلولقوا واخشوشنوا، وإيّاكم وزىّ العجم كسرى وقيصر. وقال الثورىّ وغيره: البس من الثياب ما لا يشهّرك عند العلماء ولا يحقّرك عند الجهّال. وقال بعضهم: قوّمت ثوبى سفيان ونعليه بدرهم وأربعة دوانيق. والأخبار فى التقلّل من اللباس كثيرة فلا نطوّل بسردها.

المهم الثالث المسكن. وللزهد فيه أيضا ثلاث درجات، أعلاها ألّا يطلب موضعا خاصا لنفسه فيقنع بزوايا المساجد كأصحاب الصّفّة، وأوسطها أن يطلب

[1] كذا فى الإحياء. وفى الأصلين: «من أجلة الابل

» .

[2]

زيادة عن الإحياء.

[3]

كذا بالأصل. وفى الإحياء (ج 4 ص 223 طبع بلاق) : «اثنتا عشرة رقعة» .

ص: 264

موضعا خاصّا لنفسه مثل كوخ مبنىّ من سعف أو خصّ أو ما يشبهه، وأدناها أن يطلب حجرة مبنيّة إما بشراء أو إجارة. فإن كان قدر سعة المسكن على قدر حاجته من غير زيادة ولم تكن فيه زينة لم يخرجه هذا القدر عن آخر درجات الزهد. فإن طلب التشييد والتجصيص والسعة وارتفاع السقف أكثر من ستة أذرع فقد جاوز بالكليّة حدّ الزهد فى المسكن. قال: والغرض من المسكن دفع المطر والبرد ودفع الأعين والأذى. وأقلّ الدرجات فيه معلوم، وما زاد عليه فهو من الفضول، والفضول كله من الدنيا، وطالب الفضول والساعى له بعيد من الزهد.

وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أراد الله بعبد شرّا أهلك ماله فى الماء والطين»

. وقال الحسن: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة.

وقال عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: مرّ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نعالج خصّا فقال: «ما هذا» قلنا: خصّ لنا قد وهى؛ قال: «أرى الأمر أعجل من ذلك»

. واتخذ نوح عليه السلام بيتا من قصب؛ فقيل له: لو بنيت! فقال: هذا كثير لمن يموت. وقال الحسن: دخلنا على صفوان بن محرز [1] وهو فى بيت من قصب قد مال عليه؛ فقيل له: لو أصلحته! فقال: كم من رجل قد مات وهذا قائم على حاله.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بنى فوق ما يكفيه كلّف أن يحمله يوم القيامة»

. وفى الخبر:

«كلّ نفقة للعبد يؤجر عليها إلا ما أنفقه فى الماء والطين» . وجاء فى تفسير قوله تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً

أنه الرياسة والتطاول فى البنيان.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلّ بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا ما أكنّ من حرّ وبرد»

. ونظر عمر رضى الله عنه

[1] كذا فى كتابى الخلاصة والتهذيب فى أسماء الرجال. وفى الأصلين: «محيريز» .

ص: 265

فى طريق الشأم الى صرح قد بنى بجصّ وآجرّ، فكبّر وقال: ما كنت أظنّ أن يكون فى هذه الأمّة من يبنى بنيان هامان لفرعون. وكان ارتفاع بناء السلف قامة وبسطة. قال الحسن: كنت اذا دخلت بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضربت بيدى الى السقف. وقال عمرو بن دينار: اذا علىّ العبد البناء فوق ستة أذرع ناداه ملك: الى أين يا أفسق الفاسقين. وقال الفضيل: إنّى لا أعجب ممن بنى وترك ولكنّى أعجب ممن نظر اليه ولم يعتبر. وقال ابن مسعود: يأتى قوم يرفعون الطين، ويضعون الدين، ويستعملون البراذين، يصلّون الى قبلتكم، ويموتون على غير دينكم.

المهم الرابع أثاث البيت. وللزهد فيه أيضا درجات، أعلاها حال عيسى عليه السلام إذ كان لا يصحبه إلا مشط وكوز؛ فرأى إنسانا يمشط لحيته بأصابعه؛ فرمى بالمشط. ورأى آخر يشرب من النهر بكفّيه فرمى بالكوز. وهذا حكم كلّ أثاث فإنه إنما يراد لمقصود فإذا استغنى عنه فهو وبال فى الدنيا والآخرة. وما لا يستغنى عنه فيقتصر فيه على أقلّ الدرجات وهو الخزف فى كلّ ما يكفى فيه الخزف، ولا يبالى أن يكون مكسور الطرف اذا كان المقصود يحصل به. وأوسطها أن يكون له أثاث بقدر الحاجة صحيح فى نفسه، ولكن يستعمل الآلة الواحدة فى مقاصد كالذى معه قصعة يأكل فيها ويشرب فيها ويحفظ المتاع فيها. وكان السلف يستحبّون استعمال آلة واحدة فى أشياء للتخفيف. وأعلاها أن يكون له بعدد كلّ حاجة آلة من الجنس النازل الخسيس؛ فإن زاد فى العدد أو فى نفاسة الجنس خرج من جميع أبواب الزهد وركن الى طلب الفضول. ولينظر الى سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه رضى الله عنهم. قالت عائشة رضى الله عنها: كان

ص: 266

ضجاع [1] رسول الله صلى الله عليه وسلم الذى ينام عليه وسادة من أدم حشوها ليف.

وقال الفضيل: ما كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم إلّا عباءة مثنيّة ووسادة حشوها ليف.

وروى أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نائم على سرير مرمول [2] بشريط، فجلس فرأى أثر السرير فى جنبه عليه السلام فدمعت عينا عمرّ. فقال له النبىّ صلى الله عليه وسلم:«ما الذى أبكاك يابن الخطاب» ؟ قال: ذكرت كسرى وقيصر وما هما فيه من الملك وذكرتك وأنت حبيب الله وصفيّه ورسوله نائم على سرير مرمول بالشريط! فقال صلى الله عليه وسلم: «أما ترضى يا عمر أن تكون لهما الدنيا ولنا الآخرة» ! قال: بلى يا رسول الله. قال: «فذلك كذلك»

. ودخل رجل على أبى ذرّ فجعل يقلّب بصره فى بيته فقال: يا أبا ذرّ، ما أرى فى بيتك متاعا ولا غير ذلك من الأثاث! فقال: إن لنا بيتا نوجّه إليه صالح متاعنا. فقال: إنه لا بدّ لك من متاع ما دمت هاهنا.

فقال: إن صاحب المنزل لا يدعنا فيه. ولما قدم عمير بن سعد أمير حمص على عمر قال له: ما معك من الدنيا؟ فقال: معى عصاى أتوكّأ عليها وأقتل بها حيّة إن لقيتها، ومعى جرابى أحمل فيه طعامى، ومعى قصعتى آكل فيها وأغسل فيها رأسى وثوبى، ومعى مطهرتى أحمل فيها شرابى ووضوئى للصلاة، فما كان بعد هذا من

[1] كذا فى الأصلين والإحياء، ولم نجده فى كتب اللغة التى بين أيدينا. وفى لسان العرب ونهاية ابن الأثير «ضجعة» وقالا فى تفسيره: «الضجعة بالكسر من الاضطجاع وهو النوم كالجلسة من الجلوس وبفتحها المرة الواحدة، والمرادّ ما كان يضطجع عليه فيكون فى الكلام مضاف محذوف تقديره كانت ذات ضجعته أو ذات اضطجاعه فراش أدم

» .

[2]

الرمل: النسج، والسرير المرمول هو الذى ينسج له شريط ويجعل ظهرا له (عن القاموس) . وقد ورد الحديث فى نهاية ابن الأثير وفى لسان العرب:

«واذا هو جالس على رمال سرير» وفى رواية أخرى «على رمال حصير» . والرمال كحطام وركام ما رمل أى نسج. والمراد أن هذا السرير قد نسج وجهه بالسعف ولم يكن عليه وطاء سوى الحصير.

ص: 267

الدنيا فهو تبع لما معى. فقال عمر: صدقت، رحمك الله.

وقدم رسول الله صلى الله وسلم من سفر، فدخل على فاطمة رضى الله عنها فرأى على باب منزلها سترا وفى يديها قلبين من فضّة فرجع. فدخل عليها أبو رافع وهى تبكى، فأخبرته برجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فسأله أبو رافع فقال:«من أجل الستر والسّوارين» :

فأرسلت بهما بلالا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: قد تصدّقت بهما فضعهما حيث ترى. فقال: «اذهب فبعه وادفعه إلى أهل الصّفّة»

. فباع القلبين بدرهمين ونصف وتصدّق بهما عليهم. فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بأبى أنت قد أحسنت» . وقال الحسن: أدركت سبعين من الأخيار ما لأحدهم إلا ثوبه، وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوبا قطّ، كان إذا أراد النوم باشر الأرض بجسمه وجعل ثوبه فوقه.

المهم الخامس المنكح. قال الغزالىّ: وقد قال قائلون: لا معنى للزهد فى أصل النكاح ولا فى كثرته؛ وإليه ذهب سهل بن عبد الله وقال: قد حبّب إلى سيّد الزاهدين النساء فكيف نزهد فيهنّ! ووافقه ابن عيينة، وقال: كان أزهد الصحابة علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه وكان له أربع نسوة وبضع عشرة سرّيّة.

قال الغزالىّ: والصحيح ما قاله أبو سليمان الدارانىّ إذ قال: كلّ ما شغلك عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك مشئوم. والمرأة قد تكون شاغلا عن الله. قال:

وكشف الحقّ فيه أنّه قد تكون العزوبة أفضل فى بعض الأحوال فيكون ترك النكاح من الزهد. وحيث يكون النكاح أفضل لدفع الشهوة الغالبة فهو واجب فكيف يكون تركه من الزهد! وإن لم يكن عليه آفة فى تركه ولا فعله ولكن ترك النكاح احترازا عن ميل القلب إليهنّ والأنس بهنّ بحيث يشتغل عن ذكر الله فترك ذلك من الزهد. وإن علم أن المرأة لا تشغله عن ذكر الله ولكن ترك ذلك احترازا من لذّة النظر والمضاجعة

ص: 268

والمواقعة فليس هذا من الزهد أصلا؛ فإن الولد مقصود لبقاء نسله، وتكثير أمّة محمد صلى الله عليه وسلم من القربات. واللذّة التى تلحق الإنسان فيما هو من ضرورة الوجود لا تضرّه إذا لم تكن هى المقصد والمطلب؛ وهذا كمن ترك أكل الخبز وشرب الماء احترازا من لذّة الأكل والشرب، وليس ذلك من الزهد فى شئ؛ لأن فى ترك ذلك فوات بدنه، فكذلك فى ترك النكاح انقطاع نسله؛ فلا يجوز أن يترك النكاح زهدا فى لذّته من غير آفة أخرى. قال: وأكثر الناس تشغلهم كثرة النسوان، فينبغى أن يترك الأصل إن كان يشغله، وإن لم يشغله وكان يخاف من أن تشغله الكثرة منهن أو جمال المرأة فلينكح واحدة غير جميلة وليراع قلبه فى ذلك. قال أبو سليمان:

الزهد فى النساء أن تختار المرأة الدّون أو اليتيمة على المرأة الجميلة والشريفة. وقال الجنيد: أحبّ للمريد المبتدى ألّا يشغل قلبه بثلاث وإلّا تغيّر حاله: التكسّب، وطلب الحديث، والتزوّج. فقد ظهر أن لذّة النكاح كلذّة الأكل والشرب، فما شغل عن الله تعالى فهو محذور فيهما جميعا.

المهم السادس: ما يكون وسيلة إلى هذه الخمسة وهو المال والجاه. [أمّا الجاه [1]] فمعناه ملك القلوب بطلب محلّ فيها ليتوصّل به إلى الاستعانة فى الأغراض والأعمال.

وكلّ من لا يقدر على القيام بنفسه فى جميع حاجاته وافتقر إلى من يخدمه افتقر إلى جاه لا محالة فى قلب خادمه؛ لأنه إن لم يكن له عنده محلّ وقدر لم يقم بخدمته. وقيام القدر والمحلّ فى القلوب هو الجاه. قال: وإنما يحتاج إلى المحلّ فى القلوب إما لجلب نفع أو لدفع ضرر أو لخلاص من ظلم. فأمّا النفع فيغنى عنه المال؛ فإنّ من بخدم بأجرة خدم وإن لم يكن عنده للمستأجر قدر، وإنما يحتاج إلى الجاه فى قلب من يخدم

[1] الزيادة عن الإحياء.

ص: 269

بغير أجرة. وأما دفع الضرر فيحتاج لأجله إلى الجاه فى بلد لا يكمل فيه العدل أو يكون بين جيران يظلمونه فلا يقدر على دفع شرّهم إلا بمحلّ له فى قلوبهم أو محلّ له عند السلطان. وقدر الجاه فيه لا ينضبط. والخائض فى طلب الجاه سالك طريق الهلاك.

بل حق الزاهد ألّا يسعى لطلب المحل فى القلوب أصلا؛ فإن اشتغاله بالدين والعبادة يمهّد له من المحلّ فى القلوب ما يدفع به عنه الأذى ولو كان بين الكفّار فكيف بين المسلمين.

وأمّا التوهّمات والتقديرات التى تحوج [1] إلى زيادة فى الجاه على الحاصل بغير كسب فهى أوهام كاذبة؛ إذ من طلب الجاه لم يخل عن أذى فى بعض الأحوال؛ فعلاج ذلك بالاحتمال والصبر أولى من علاجه بطلب الجاه. فإذا طلب المحلّ فى القلوب لا رخصة فيه أصلا، واليسير منه داع إلى الكثير، وضراوته أشدّ من ضراوة الخمر، فليحترز من قليله وكثيره.

وأمّا المال، فهو ضرورىّ فى المعيشة أعنى القليل منه. فإن كان كسوبا، فإذا اكتسب حاجة يومه فينبغى أن يترك الكسب، هذا شرط الزهد؛ فإن جاوز ذلك إلى ما يكفيه أكثر من سنة فقد خرج عن حدّ ضعفاء الزهّاد وأقويائهم جميعا. وإن كانت له ضيعة ولم تكن له قوّة يقين فى التوكّل فأمسك منها مقدار ما يكفى ريعه لسنة واحدة فلا يخرج بهذا القدر عن الزهد بشرط أن يتصدّق بكلّ ما يفضل عن كفاية سنة؛ ولكن يكون من ضعفاء الزّهاد.

قال: وأمر المنفرد فى جميع ذلك أخف من أمر المعيل. وقد قال أبو سليمان:

لا ينبغى أن يرهق الرجل أهله إلى الزهد بل يدعوهم إليه؛ فإن أجابوا وإلّا تركهم

[1] كذا فى الإحياء. وفى الأصل: «تخرج

» .

ص: 270

وفعل بنفسه ما شاء. قال: والذى يضطرّ الإنسان إليه من الجاه والمال ليس بمحدود؛ فالزائد منه على الحاجة سمّ قاتل، والاقتصار على قدر الضرورة دواء نافع، وما بينهما درجات متشابهة، فما يقرب من الزيادة وإن لم يكن سمّا قاتلا فهو مضرّ، وما يقرب من الضرورة فهو وإن لم يكن دواء نافعا لكنّه قليل الضرر. والسمّ محظور شربه، والدواء فرض تناوله، وما بينهما مشتبه أمره. فمن احتاط فإنما يحتاط لنفسه، ومن تساهل فإنما يتساهل على نفسه، ومن استبرأ لدينه وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه وردّ نفسه إلى مضيق الضرورة فهو الآخذ بالحزم وهو من الفرقة الناجية لا محالة. والمقتصر على [قدر [1]] الضرورة والمهمّ لا يجوز أن ينسب إلى الدنيا، بل ذلك القدر من الدنيا هو عين الدين لأنه شرط الدين، والشرط من جملة المشروط.

وقد روى أن إبراهيم الخليل عليه السلام أصابته حاجة فذهب إلى صديق له يستقرضه شيئا فلم يقرضه فرجع مهموما. فأوحى الله تعالى إليه: لو سألت خليلك لأعطاك. فقال: يا ربّ، عرفت مقتك للدنيا فخفت أن أسألك منها شيئا. فأوحى الله إليه: ليس الحاجة من الدنيا. فعلى هذا يكون قدر الحاجة من الدين وما وراء ذلك وبال فى الآخرة؛ وهو أيضا فى الدنيا كذلك، يعرفه من يخبر أحوال الأغنياء وما عليهم من المحنة فى كسب المال وجمعه وحفظه واحتمال الذّلّ فيه؛ وغاية سعادته به أن يسلم لورثته فيأكلوه، وربما يكونون أعداء له، وقد يستعينون به على المعاصى فيكون هو معينا لهم عليها. ولذلك شبّه جامع الدنيا ومتّبع الشهوات بدود القزّ إذ لا يزال ينسج على نفسه حيّا [2] ثم يروم الخروج فلا يجد مخلصا فيموت ويهلك بسبب عمله الذى عمله بنفسه؛ فكذلك كلّ من اتبع شهوات الدنيا. قال الشاعر:

[1] الزيادة عن الإحياء.

[2]

كذا فى الإحياء. وفى الأصل: «ينسج على نفسه حتى يقتلها ثم يروم» .

ص: 271