المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ذكر بيان ذم الدنيا وشىء من المواعظ والرقائق الداخلة فى هذا الباب - نهاية الأرب في فنون الأدب - جـ ٥

[النويري، شهاب الدين]

فهرس الكتاب

- ‌الجزء الخامس

- ‌[تتمة الفن الثاني في الإنسان وما يتعلق به]

- ‌[القسم الثالث في المدح والهجو والمجون والفكاهات وغيرها]

- ‌[تتمة الباب السادس في الغناء والسماع]

- ‌تابع أخبار المغنين الذين نقلوا الغناء من الفارسية إلى العربية ومن أخذ عنهم ومن اشتهر بالغناء

- ‌ذكر أخبار إسحاق بن إبراهيم

- ‌ذكر أخبار علّويه

- ‌ذكر أخبار معبد اليقطينى

- ‌ذكر أخبار محمد الرف

- ‌ذكر أخبار محمد بن الأشعث

- ‌ذكر أخبار عمرو بن بانة

- ‌ذكر أخبار عبد الله بن العباس الربيعىّ

- ‌ذكر أخبار وجه القرعة

- ‌ذكر أخبار محمد بن الحارث بن بسخنّر [1]

- ‌ذكر أخبار أحمد بن صدقة

- ‌ذكر أخبار أبى حشيشة

- ‌ذكر أخبار القيان

- ‌ذكر أخبار جميلة

- ‌ذكر أخبار عزّة الميلاء

- ‌ذكر أخبار سلّامة القسّ

- ‌ذكر أخبار حبابة

- ‌ذكر أخبار خليدة المكّيّة

- ‌ذكر أخبار متيّم الهشاميّة

- ‌ذكر أخبار ساجى جارية عبيد الله بن عبد الله بن طاهر

- ‌ذكر أخبار دقاق

- ‌ذكر أخبار قلم الصالحيّة

- ‌ذكر أخبار بصبص جارية ابن نفيس

- ‌ذكر أخبار جوارى ابن رامين وهنّ سلّامة الزّرقاء، وربيحة، وسعدة

- ‌ذكر أخبار عنان جارية الناطفىّ

- ‌ذكر أخبار شارية جارية إبراهيم بن المهدىّ

- ‌ذكر أخبار بذل

- ‌ذكر أخبار ذات الخال

- ‌ذكر أخبار دنانير البرمكيّة

- ‌ذكر أخبار عريب [1] المأمونيّة

- ‌ذكر أخبار محبوبة

- ‌ذكر أخبار عبيدة الطّنبوريّة

- ‌الباب السابع من القسم الثالث من الفنّ الثانى فيما يحتاج إليه المغنّى ويضطرّ إلى معرفته، وما قيل فى الغناء، وما وصفت به القيان، ووصف آلات الطّرب

- ‌ذكر ما يحتاج إليه المغنّى ويضطرّ إلى معرفته وما قيل فى الغناء والقيان من جيّد الشعر

- ‌ذكر ما قيل فى وصف آلات الطرب

- ‌القسم الرابع من الفنّ الثانى فى التهانى والبشائر والمراثى والنوادب والزهد والتوكل والأدعية وفيه أربعة أبواب

- ‌الباب الأوّل من هذا القسم فى التهانى والبشائر

- ‌ذكر شىء مما هنّئ به ولاة المناصب

- ‌ذكر نبذة من التهانى العامّة والبشائر التامّة

- ‌وكتب أيضا فى مثل ذلك:

- ‌ومما قيل فى التهانى بالفتوحات، وهزيمة جيوش الأعداء

- ‌الباب الثانى من القسم الرابع من الفن الثانى فى المراثى والنوادب

- ‌ذكر شىء من المراثى والنوادب

- ‌ومما قيل فى شواذّ المراثى:

- ‌الباب الثالث من القسم الرابع من الفن الثانى فى الزهد والتوكل

- ‌ذكر بيان حقيقة الزهد

- ‌ذكر فضيلة الزهد وبغض الدنيا

- ‌ذكر بيان ذمّ الدنيا وشىء من المواعظ والرقائق الداخلة فى هذا الباب

- ‌ذكر بيان الزهد وأقسامه وأحكامه

- ‌ذكر بيان تفصيل الزهد فيما هو من ضروريات الحياة

- ‌ذكر بيان علامات الزهد

- ‌ذكر ما ورد فى التوكل من فضيلته وحقيقته

- ‌ذكر بيان أعمال المتوكلين

- ‌الباب الرابع من القسم الرابع من الفن الثانى فى الأدعية

- ‌ذكر الأوقات التى ترجى فيها إجابة الدعاء

- ‌ذكر دعوات ساعات الأيام السبعة ولياليها

- ‌ذكر ما يدعى به فى المساء والصباح، والغدوّ والرواح، والصلاة والصوم، والجماع والنوم؛ والورد والصدر، والسفر والحضر؛ وغير ذلك

- ‌ ذكر ما ورد فى أسماء الله الحسنى والاسم الأعظم

- ‌النمط الأوّل

- ‌النمط الثانى

- ‌النمط الثالث

- ‌النمط الرابع

- ‌النمط الخامس

- ‌النمط السادس

- ‌النمط السابع

- ‌النمط الثامن

- ‌النمط التاسع

- ‌النمط العاشر

- ‌صورة ما ورد بآخر الجزء الخامس فى أحد الأصلين الفتوغرافيين:

- ‌صورة ما ورد بآخر الجزء الخامس فى الأصل الثانى الفتوغرافى:

الفصل: ‌ذكر بيان ذم الدنيا وشىء من المواعظ والرقائق الداخلة فى هذا الباب

وقال صلى الله عليه وسلم: «من اشتاق إلى الجنّة سارع إلى الخيرات ومن خاف من النار لها عن الشهوات ومن ترقّب الموت ترك اللذّات ومن زهد فى الدنيا هانت عليه المصائب»

. والأحاديث فى ذلك كثيرة وفيما ذكرناه منها كفاية. فلنذكر ما جاء من ذلك فى الأثر.

قيل: جاء فى الأثر: لا تزال لا إله إلّا الله تدفع عن العباد سخط الله ما لم يسألوا ما نقص من دنياهم. وفى لفظ آخر: ما لم يؤثروا صفقة دنياهم على دينهم فإذا فعلوا ذلك وقالوا: لا إله إلا الله قال الله تعالى: كذبتم لستم بها صادقين. وعن بعض الصحابة رضى الله عنهم أنه قال: تابعنا الأعمال كلّها فلم نرفى أمر الآخرة أبلغ من زهد الدنيا. وقال بعض الصحابة لصدر التابعين: أنتم أكثر أعمالا واجتهادا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا خيرا منكم. قيل: ولم ذاك؟ قال:

كانوا أزهد فى الدنيا منكم. وقال عمر رضى الله عنه: الزهادة فى الدنيا راحة القلب والجسد. والآثار أيضا فى ذلك كثيرة فلا نطوّل بسردها.

‌ذكر بيان ذمّ الدنيا وشىء من المواعظ والرقائق الداخلة فى هذا الباب

وقد ورد فى كتاب الله عز وجل كثير فى ذمّ الدنيا وصرف الخلق عنها ودعوتهم إلى الآخرة؛ وهو أيضا مقصود الأنبياء ولذلك بعثوا، فلا حاجة إلى الاستشهاد بالايات لظهورها. فلنذكر نبذة من الأخبار والآثار الواردة فى ذلك، وذلك من جملة ما اختاره الغزالىّ رحمه الله فى كتابه المترجم بإحياء علوم الدين. فمن ذلك ما

روى عن النبىّ صلى الله عليه وسلم أنه مرّ على شاة ميّتة فقال: «أترون أن الشاة هينّة على أهلها» ؟ قالوا: من هوانها عليهم ألقوها. قال: «والذى نفسى بيده للدنيا أهون على

ص: 242

الله من هذه الشاة على أهلها ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة [ماء [1]] »

. وقال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله منها»

. وقال صلى الله عليه وسلم: «حبّ الدنيا أسّ كلّ خطيئة»

. وقال صلى الله عليه وسلم: «يا عجبا كلّ العجب للمصدّق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور!»

. وروى أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على مزبلة فقال: «هلمّوا إلى الدنيا وأخذ خرقا قد بليت على تلك المزبلة وعظاما قد نخرت فقال هذه الدنيا»

وهذه إشارة إلى أن زينتها ستخلق مثل تلك الخرق، وأن الأجسام التى ترى بها ستصير عظاما بالية. وقال عيسى بن مريم عليه السلام: لا تتّخذوا الدنيا ربّا فتتّخذكم عبيدا، اكنزوا كنزكم عند من لا يضيّعه، فإنّ صاحب كنز الدنيا يخاف عليه الآفة وصاحب كنز الله لا يخاف عليه الآفة. وقال أيضا: يا معشر الحواريّين، إنى قد كببت لكم الدنيا على وجهها فلا تنعشوها بعدى، فإنّ من خبث الدنيا أن الله عصى فيها، وإن من خبث الدنيا أن الآخرة لا تدرك إلا بتركها. ألا فاعبروا الدنيا ولا تعمروها، واعلموا أن أصل كلّ خطيئة حبّ الدنيا. وربّ شهوة أورثت حزنا طويلا.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله جلّ ثناؤه لم يخلق خلقا أبغض اليه من الدنيا وإنه منذ خلقها لم ينظر اليها»

. وقال صلى الله عليه وسلم: «ألهاكم التكاثر يقول ابن آدم مالى مالى وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدّقت فأبقيت!»

. وقال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له وعليها يعادى من لا علم له وعليها يحسد من لا فقه له ولها يسعى من لا يقين له»

. وقال صلى الله

[1] التكملة عن الإحياء.

ص: 243

عليه وسلم: «من أصبح والدنيا أكبر همّه فليس من الله فى شئ وألزم الله قلبه أربع خصال همّا لا ينقطع عنه أبدا وشغلا لا يتفرّغ منه أبدا وفقرا لا يبلغ غناه أبدا وأملا لا يبلغ منتهاه أبدا»

. وقال أبو هريرة رضى الله عنه: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا هريرة ألا أريك الدنيا جميعا بما فيها» ؟ قلت: بلى يا رسول الله. فأخذ بيدى وأتى بى واديا من أودية المدينة، فإذا مزبلة فيها رءوس ناس وعذرات وخرق وعظام، ثم قال:«يا أبا هريرة هذه الرءوس كانت تحرص كحرصكم وتأمل آمالكم هى اليوم عظام بلا جلد ثم هى صائرة رمادا وهذه العذرات هى ألوان أطعمتهم اكتسبوها من حيث اكتسبوها ثم قذفوها فى بطونهم فأصبحت والناس يتحامونها وهذه الخرق البالية كانت رياشهم ولباسهم فأصبحت الرياح تصفّقها وهذه العظام عظام دوابّهم التى كانوا ينتجعون عليها أطراف البلاد فمن كان باكيا على الدنيا فليبك»

. قال: فما برحنا حتى اشتدّ بكاؤنا.

وقال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا موقوفة بين السماء والأرض منذ خلقها الله تعالى لا ينظر إليها وتقول يوم القيامة: يا ربّ اجعلنى لأدنى أوليائك نصيبا اليوم فيقول اسكتى يا لا شئ إنى لم أرضك لهم فى الدنيا أأرضاك لهم اليوم،!

وقال صلى الله عليه وسلم: «ليجيئنّ أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة فيؤمر بهم إلى النار» . قالوا: يا رسول اللهّ، مصلين؟ قال:«نعم [كانوا [1]] يصلّون ويصومون ويأخذون هنة من الليل فإذا عرض لهم من الدنيا شئ وثبوا عليه»

. وقال صلى الله عليه وسلم فى بعض خطبه: «المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدرى ما الله صانع فيه وبين أجل قد بقى لا يدرى ما الله قاض فيه فليتزوّد العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته ومن حياته لموته ومن شبابه

[1] التكملة عن الإحياء.

ص: 244

لهرمه فإنّ الدنيا خلقت لكم وأنتم خلقتم للآخرة والذى نفسى بيده ما بعد الموت مستعتب ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنّة أو النار»

. قال صلى الله عليه وسلم: «احذروا الدنيا فإنها أسحر من هاروت وماروت»

. وقال عليه السلام لأصحابه: «هل منكم من يريد أن يذهب الله عنه العمى ويجعله بصيرا ألا إنه من رغب فى الدنيا وطال أمله فيها أعمى الله قلبه على قدر ذلك ومن زهد فى الدنيا وقصر أمله فيها أعطاه الله علما بغير تعلّم وهدى بغير هداية ألا إنه سيكون بعدكم قوم لا يستقيم لهم الملك إلا بالقتل والتّجبّر ولا الغنى إلا بالفخر والبخل ولا المحبّة إلا باتّباع الهوى ألا فمن أدرك ذلك الزمان منكم فصبر للفقر وهو يقدر على الغنى وصبر على البغضاء وهو يقدر على المحبّة وصبر للذّلّ وهو يقدر على العزّ لا يريد بذلك إلا وجه الله تعالى أعطاه الله ثواب خمسين صدّيقا» .

وقال عيسى بن مريم عليه السلام: ويل لصاحب الدنيا! كيف يموت ويتركها، ويأمنها وتغرّه، ويثق بها وتخذله! وويل للمغترّين! كيف أرتهم ما يكرهون وفارقهم ما يحبّون، وجاءهم ما يوعدون! وويل لمن الدنيا همّه، والخطايا عمله كيف يفتضح غدا بذنبه!. وقيل له: علّمنا علما واحدا يحبّنا الله عليه، قال: أبغضوا الدنيا يحبّكم الله.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولهانت عليكم الدنيا ولآثرتم الآخرة»

. ومن الآثار فى ذلك ما حكاه داود بن هلال قال: مكتوب فى صحف إبراهيم عليه السلام: يا دنيا، ما أهونك على الأبرار الذين تصنّعت وتزّينت لهم! إنى قذفت فى قلوبهم بغضك والصدود عنك، وما خلقت خلقا أهون علىّ منك، كلّ شأنك صغير، وإلى الفناء تصيرين، قضيت عليك يوم خلقتك الّا تدومى لأحد ولا يدوم أحد لك

ص: 245

وإن بخل بك صاحبك وشحّ عليك. طوبى للأبرار الذين أطلعونى من قلوبهم على الرضا، ومن ضميرهم على الصدق والاستقامة! طوبى لهم! ما لهم عندى من الخير إذا وفدوا إلىّ من قبورهم [إلا [1]] النور يسعى أمامهم والملائكة حافّون بهم حتى أبلّغهم ما يرجون من رحمتى.

وقال عمّار بن سعيد: مرّ عيسى بن مريم عليه السلام بقرية فإذا أهلها موتى فى الأفنية والطرق، فقال: يا معشر الحواريّين، إن هؤلاء ماتوا عن سخطة، ولو ماتوا عن غير ذلك لتدافنوا. فقالوا: يا روح الله، وددنا أنّا علمنا خبرهم، فسأل الله تعالى فأوحى اليه: إذا كان الليل فنادهم يجيبوك. فلما كان الليل أشرف على نشز، ثم نادى يأهل القرية، فأجابه مجيب: لبّيك يا روح الله. فقال: ما حالكم وما قصّتكم؟ قال: بتنا فى عافية وأصبحنا فى الهاوية. قال: وكيف ذاك؟ قال [2] : لحبّنا الدنيا وطاعتنا أهل المعاصى. قال: وكيف كان حبّكم للدنيا؟ قال: حبّ الصبىّ لأمّه، إذا أقبلت فرح بها، وإذا أدبرت حزن وبكى عليها. قال: فما بال أصحابك لا يجيبونى؟ قال: لأنهم ملجمون بلجم من نار بأيدى ملائكة غلاظ شداد. قال:

فكيف أجبتنى من بينهم؟ قال: لأنّى كنت فيهم ولم أكن منهم، فلما نزل بهم العذاب أصابنى معهم، فأنا معلّق على شفير جهنّم لا أدرى أنجو منها أم أكبّ فيها.

فقال المسيح للحواريّين: لأكل الخبز الشعير بالملح الجريش ولبس المسوح والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة.

قيل: وأوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام أن يا موسى لا تركننّ إلى حبّ الدنيا فلن تأتينى بكيرة هى أشدّ منها.

[1] زيادة عن الإحياء (ج 3 ص 188)

[2]

فى الأصل وفى الإحياء: «قالوا» والسياق يقتضى الإفراد.

ص: 246

وقال لقمان لابنه: يا بنىّ، إن الدنيا بحر عميق وقد غرق فيه ناس كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله عز وجل، وحشوها الإيمان بالله تعالى، وشراعها التوكّل على الله عز وجل، لعلك تنجو وما أراك ناجيا.

وقال بعض الحكماء: إنك لن تصبح فى شىء من الدنيا إلا وقد كان له أهل قبلك ويكون له أهل بعدك؛ وليس لك من الدنيا إلا عشاء ليلة وغداء يوم، فلا تهلك فى أكلة، وصم [عن [1]] الدنيا وأفطر على الآخرة، وإن رأس مال الدنيا الهوى وربحها النار.

وقيل لبعضهم: كيف ترى الدهر؟ قال: يخلق الأبدان، ويجدّد الآمال، ويقرّب المنيّة، ويبعد الأمنيّة. قيل: فما حال أهله؟ قال: من ظفر به تعب، ومن فاته نصب. وفى ذلك قيل:

ومن يحمد الدنيا لعيش يسرّه

فسوف لعمرى عن قريب يلومها

إذا أدبرت كانت على المرء حسرة

وإن أقبلت كانت كثيرا همومها

وقال بعض الحكماء: كانت الدنيا ولم أكن فيها، وتذهب الدنيا ولا أكون فيها، فلا أسكن إليها، فإنّ عيشها نكد، وصفوها كدر، وأهلها منها على وجل، إمّا بنعمة زائلة، أو بلية نازلة، أو منيّة قاضية.

وقال أبو حازم: إيّاكم والدنيا، فإنّه بلغنى أنه يوقف العبد يوم القيامة إذا كان معظّما للدنيا فيقال: هذا عظّم ما حقّره الله.

وقال ابن مسعود: ما أصبح أحد من الناس إلا وهو ضيف وماله عارية، فالضيف يرتحل والعارية مردودة. وفى ذلك قيل:

وما المال والأهلون إلّا وديعة

ولا بدّ يوما أن تردّ الودائع

[1] الزيادة عن الإحياء.

ص: 247

وزار رابعة العدوية أصحابها فذكروا الدنيا فأقبلوا على ذمّها، فقالت: أمسكوا عن ذكرها، فلولا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها، ألا من أحبّ شيئا أكثر من ذكره.

وقال رجل لعلىّ رضى الله عنه: يا أمير المؤمنين، صف لنا الدنيا؛ فقال:

وما أصف لكم من دار من صحّ فيها ما أمن، ومن سقم فيها ندم [1] ، ومن افتقر فيها حزن، ومن استغنى فيها فتن؛ فى حلالها الحساب، وفى حرامها العذاب.

وقال الحسن بعد أن تلا قوله تعالى فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا*

: من قال ذا؟ من خلقها من هو أعلم بها. إيّاكم وما شغل من الدنيا فإنّ الدنيا كثيرة الأشغال، لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب. وقال أيضا: مسكين ابن آدم رضى بدار حلالها حساب، وحرامها عذاب، إن أخذه من حلّه حوسب به، وإن أخذه من حرام عذّب به. ابن آدم يستقلّ ماله ولا يستقلّ عمله، يفرح بمصيبته فى دينه ويجزع من مصيبته فى دنياه.

وقال داود الطائىّ: يآبن آدم، فرحت ببلوغ أملك، وإنّما بلغته بانقضاء أجلك، ثم سوّفت بعملك، كأنّ منفعته لغيرك.

وقال بشر: من سأل الله الدنيا فإنما يسأله طول الوقوف بين يديه.

وقال أبو حازم: ما فى الدنيا شىء يسرّك إلا وقد ألصق الله إليه شيئا يسوءك وقال الحسن: أهينوا الدنيا، فو الله ما هى لأحد بأهنأ منها لمن أهانها. وقال أيضا: إذا أراد الله بعبد خيرا أعطاه عطيّة من الدنيا ثم يمسك، فإذا نفد أعاد عليه؛ وإذا هان عليه عبد بسط له الدنيا بسطا.

[1] كذا فى الأصلين. وفى الإحياء (ج 3 ص 192) : «من صح فيها سقم، ومن أمن فيها ندم» .

ص: 248

قال الجنيد: كان الشافعىّ رحمه الله من المريدين الناطقين بلسان الحقّ فى الدين، وعظ أخا له فى الله تعالى وخوّفه بالله فقال: يا أخى، إنّ الدنيا دحض مزلّة، ودار مذلّة، عمرانها إلى الخراب صائر، وساكنها إلى القبور زائر؛ شملها على الفرقة موقوف، وغتاها إلى الفقر مصروف؛ الإكثار فيها إعسار، والإعسار فيها يسار؛ فافزع إلى الله وارض برزق الله. لا تستسلف من دار بقائك فى دار فنائك، فإن عيشك فىء زائل، وجدار مائل؛ أكثر من عملك، وقصّر من أملك. وهذا من أبلغ المواعظ والترغيب.

ومن المواعظ ما قاله أبو الدرداء رضى الله عنه: والله لو تعلمون ما أعلم لخرجتم إلى الصّعدات [تجأرون و [1]] تبكون على أنفسكم، ولتركتم أموالكم لا حارس لها ولا راجع إليها إلّا ما لا بدّ لكم منه، ولكن يغيب عن قلوبكم ذكر الآخرة وحضرها الأمل، فصارت الدنيا أملك بأعمالكم وصرتم كالذين لا يعلمون، فبعضكم شرّ من البهائم التى لا تدع هواها مخافة مما فى عاقبته. ما لكم لا تحابّون ولا تناصحون وأنتم إخوان على دين [الله [1]] ؛ ما فرّق بين أهوائكم إلا خبث سرائركم، ولو اجتمعتم على البرّ لتحاببتم. ما لكم تناصحون [2] فى أمر الدنيا ولا يملك أحدكم النصيحة لمن يحبّه ويعينه على أمر آخرته! ما هذا إلا من قلّة الإيمان فى قلوبكم.

لو كنتم توقنون بخير الآخرة وشرّها كما توقنون بالدنيا لآثرتم طلب الاخرة لأنها أملك بأموركم. فإن قلتم: حبّ العاجلة غالب؛ فإنّا نراكم تدعون العاجل من الدنيا للآجل مما تكدّون أنفسكم بالمشقّة والاحتراف فى طلب أمر لعلكم لا تدركونه.

[1] زيادة عن الإحياء.

[2]

فى الأصلين: «ما لكم لا تناصحون فى أمر الدنيا» بدخول لا النافية والسياق يقتضى حذفها. وفى الإحياء: «ما لكم تناصحون فى أمر الدنيا ولا تناصحون فى أمر الآخرة ولا يملك أحدكم

» .

ص: 249

فبئس القوم أنتم! ما حقّقتم إيمانكم بما يعرف به الإيمان البالغ فيكم. فإن كنتم فى شكّ مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فأتونا لنبيّن لكم ولنريكم من النور ما تطمئنّ اليه قلوبكم. والله ما أنتم بالمنقوصة عقولكم فنعذركم؛ إنكم لتبيّنون صواب الرأى فى دنياكم وتأخذون بالحزم فى أموركم. ما لكم تفرحون باليسير من الدنيا تصيبونه وتحزنون على اليسير منها يفوتكم، يتبين ذلك فى وجوهكم ويظهر على ألسنتكم، وتسمّونها المصائب وتقيمون فيها المآتم، وعامّتكم قد تركوا كثيرا من دينهم ثم لا يتبيّن ذلك فى وجوهكم [1] ولا يتغيّر حال بكم!. إنى لأرى الله قد تبرّأ منكم. يلقى بعضكم بعضا بالسرور، وكلكم يكره أن يستقبل صاحبه بما يكره مخافة أن يستقبله صاحبه بمثله، فاصطحبتم [2] على الغلّ، ونبتت مراعيكم على الدّمن، وتصافيتم على رفض الأجل. ولو ددت أن الله أراحنى منكم وألحقنى بمن أحبّ رؤيته، ولو كان حيّا لم يصابركم. فإن كان فيكم خير فقد أسمعتكم؛ وإن تطلبوا ما عند الله تجدوه يسيرا. والله أستعين على نفسى وعليكم.

وكتب الحسن البصرىّ إلى عمر بن عبد العزيز رحمهما الله تعالى:

أمّا بعد، فإن الدنيا دار ظعن ليست بدار إقامة، وإنما أنزل آدم عليه السلام من الجنّة إليها عقوبة؛ فاحذرها يا أمير المؤمنين؛ فإنّ الزاد منها تركها، والغنى منها فقرها؛ لها فى كلّ حين قتيل؛ تذلّ من أعزّها، وتفقر من جمعها؛ هى كالسّم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه. فكن فيها كالمداوى جراحته، يحتمى قليلا مخافة ما يكره طويلا، ويصبر على شدّة الدواء مخافة طول الداء. فاحذر هذه الدار الغدّارة الختّالة الخدّاعة التى قد تزيّنت بخدعها وفتنت بغرورها، وحلت بامالها، وسوّفت بخطّابها؛

[1] كذا فى الإحياء. وفى الأصلين: «ثم لا يتبين ذلك فى وجوههم» .

[2]

كذا فى الإحياء. وفى الأصل: «فأصبحتم على الغل

» .

ص: 250

فأصبحت كالعروس المجلوّة [1] ، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهى لأزواجها كلّهم قالية؛ فلا الباقى بالماضى معتبر، ولا الآخر بالأوّل مزدجر، والعارف بالله عز وجل حين أخبره عنها مدّكر؛ فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغترّ وطغى ونسى المعاد، فشغل لبّه حتى زلّت [به [2]] قدمه، فعظمت ندامته، وكثرت حسرته، واجتمعت عليه سكرات الموت وتألّمه، وحسرات الفوت بغصّته؛ وراغب [3] فيها لم يدرك فيها ما طلب، ولم يروّح نفسه من التعب؛ فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد. فاحذرها يا أمير المؤمنين، وكن أسرّ ما تكون فيها أحذر ما تكون لها؛ فإنّ صاحب الدنيا كلما اطمأنّ فيها إلى سرور أشخصته إلى مكروه؛ السارّ فيها أهلها غارّ، والنافع فيها غدّار [4] ضارّ؛ وقد وصل الرخاء فيها بالبلاء، وجعل البقاء فيها إلى فناء، فسرورها مشوب بالأحزان. لا يرجع منها ما ولّى وأدبر، ولا يدرى ما هو آت فينتظر؛ أمانيها كاذبة، وآمالها باطلة، وصفوها كدر، وعيشها نكد، وابن آدم فيها على خطر، ومن البلاء على حذر. فلو كان الخالق لم يخبر عنها خبرا، ولم يضرب لها مثلا، لكانت الدنيا أيقظت النائم ونبّهت الغافل، فكيف وقد جاء من الله عز وجل عنها زاجر وفيها واعظ! فما لها عند الله جل ثناؤه قدر، وما نظر إليها منذ خلقها. ولقد عرضت على نبيّك صلى الله عليه وسلم بمفاتيحها وخزائنها لا ينقصه ذلك عند الله جناح بعوضة فأبى أن يقبلها إذ كره أن يخالف على الله أمره، أو يحبّ ما أبغض خالقه، أو يرفع ما وضع مليكه. فزواها [5] عن الصالحين اختبارا. وبسطها

[1] فى الأصل: «المجلية» والفعل واوى كما فى القاموس.

[2]

زيادة عن الإحياء.

[3]

كذا فى الإحياء. وفى الأصلين: «ومن راغب بزيادة «من» والسياق يأباها.

[4]

كذا فى الإحياء. وفى الأصلين: «والنافع فيها غدا ضارّ» .

[5]

زواه زيّا وزويّا: نحّاه.

ص: 251

لأعدائه اغترارا؛ فيظنّ المغرور المقتدر عليها أنه أكرم بها، ونسى ما صنع الله عز وجل بمحمد صلى الله عليه وسلم حين شدّ الحجر على بطنه. ولقد جاءت الرواية عنه عن ربّه عز وجل أنه قال لموسى عليه السلام: إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجّلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبّا بشعار الصالحين. فإن شئت اقتديت بصاحب الروح والكلمة عيسى بن مريم عليه السلام فإنه كان يقول: إدامى الجوع، وشعارى الخوف، ولباسى الصوف، وصلائى فى الشتاء مشارق الشمس، وسراجى القمر، ودابّتى رجلاى، وطعامى وفاكهتى ما تنبت الأرض، أبيت ليس لى شىء وأصبح وليس لى شىء وليس على الأرض أغنى منّى.

وقال بعضهم لبعض الملوك: إن أحقّ الناس بذمّ الدنيا وقلاها من بسط له فيها وأعطى حاجته منها، لأنه يتوقّع آفة تعدو على ماله فتجتاحه، أو على جمعه فتفرّقه، أو تأتى سلطانه فتهدمه من القواعد، أو تدبّ إلى جسمه فتسقمه، أو تفجعه بشىء هو ضنين به من أحبابه. فالدنيا أحقّ بالذمّ، هى الآخذة لما تعطى، الراجعة فيما تهب. بينا هى تضحك صاحبها إذ أضحكت منه غيره، وبينا هى تبكى له إذ بكت عليه، وبينا هى تبسط كفّه بالإعطاء إذ بسطتها بالاسترداد. تعقد التاج على رأس صاحبها اليوم وتعفّره فى التراب غدا؛ سواء عليها ذهاب ما ذهب وبقاء ما بقى، تجد فى الباقى من الذاهب خلفا، وترضى بكلّ من كلّ بدلا.

وعن وهب بن منبّه أنه قال:

لمّا بعث الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون قال:

لا يرو عنّكما لباسه الذى لبس من الدنيا، فإنّ ناصيته بيدى ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفّس إلا بإذنى، ولا يعجبنّكما ما متّع به منها فإنما هى زهرة الدنيا وزينة المترفين. فلو شئت أن أزيّنكما بزينة من الدنيا يعرف فرعون حين يراها أنّ قدرته

ص: 252

تعجز عمّا أوتيتما لفعلت، ولكنّى أرغب بكما عن ذلك فأزوى ذلك عنكما، وكذلك أفعل بأوليائى، إنى لأذودهم عن نعيمها كما يذود الراعى الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة؛ وما ذاك لهوانهم علىّ ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتى سالما موفّرا.

إنما يتزيّن لى أوليائى بالذّلّ والخضوع والخوف والتقوى تنبت فى قلوبهم فتظهر على أجسادهم، فهى ثيابهم التى يلبسون، ودثارهم الذى يظهرون، وضميرهم الذى يستشعرون، ونجاتهم التى بها يفوزون، ورجاؤهم الذى إيّاه يأملون، ومجدهم الذى به يفخرون، وسيماهم التى بها يعرفون. فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك وذلّل لهم قلبك ولسانك. واعلم أنّ من أخاف لى وليّا فقد بارزنى بالمحاربة، ثم أنا الثائر له يوم القيامة.

وخطب علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه يوما [خطبة [1]] فقال فيها:

اعلموا أنكم ميّتون، ومبعوثون من بعد الموت وموقوفون على أعمالكم ومجزيّون بها، فلا تغرّنّكم الحياة الدنيا؛ فإنّها بالبلاء محفوفة، وبالفناء معروفة، وبالغدر موصوفة؛ وكلّ ما فيها إلى زوال، وهى بين أهلها دول وسجال؛ لا تدوم أحوالها، ولا يسلم من شرها نزّالها؛ بينا أهلها فى رخاء وسرور، إذا هم منها فى بلاء وغرور؛ أحوال مختلفة، وتارات متصرّفة؛ العيش فيها مذموم، والرخاء فيها لا يدوم. وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها، وتقصيهم بحمامها؛ وكلّ حتفه فيها مقدور، وحظّه فيها موفور. واعلموا عباد الله أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا، وأشدّ منكم بطشا وأعمر ديارا، وأبعد آثارا؛ فأصبحت أصواتهم هامدة وخامدة من بعد طول تقلّبها، وأجسادهم بالية، وديارهم خالية، وآثارهم عافية؛ استبدلوا بالقصور المشيّدة، والسّرر والنمارق الممهّدة، الصخور

[1] زيادة عن الإحياء.

ص: 253

والأحجار المسندة، فى القبور اللاطئة الملحدة؛ فمحلّها مقترب، وساكنها مغترب، بين أهل عمارة موحشين، وأهل محلّة متشاغلين؛ لا يستأنسون بالعمران، ولا يتواصلون تواصل الجيران والإخوان؛ على ما بينهم من قرب المكان والجوار، ودنوّ الدار.

وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلى، وأكلتهم الجنادل والثرى؛ وأصبحوا بعد الحياة أمواتا، وبعد غضارة العيش رفاتا؛ فجع بهم الأحباب، وسكنوا التراب، وظعنوا فليس لهم إياب. هيهات هيهات! كلّا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون؛ فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى والوحدة فى دار المثوى، وارتهنتم فى ذلك المضجع، وضمّكم ذلك المستودع؛ فكيف بكم لو قد عاينتم الأمور، وبعثرت القبور، وحصّل ما فى الصدور؛ ووقفتم للتحصيل، بين يدى الملك الجليل؛ فطارت القلوب، لإشفاقها من سالف الذنوب؛ وهتكت عنكم الحجب والأستار، وظهرت منكم العيوب والأسرار؛ هنالك تجزى كلّ نفس ما كسبت.

إن الله عز وجل يقول: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى

؛ وقال تعالى: وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنا مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً

. جعلنا الله وإيّاكم عاملين بكتابه، متّبعين لأوليائه، حتّى يحلّنا وإيّاكم دار المقامة من فضله، إنه حميد مجيد.

ومما يلتحق بهذا الفصل ويدخل فيه، خطبة قطرىّ بن الفجاءة وسترد فى كلام البلغاء فى باب الكتابة.

وقال بعضهم: يأيها الناس، اعملوا على مهل، وكونوا من الله على وجل، ولا تغترّوا بالأمل ونسيان الأجل؛ ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدّارة خدّاعة،

ص: 254

قد تزخرفت لكم بغرورها، وفتنتكم بأمانيها، وتزينت لخطّابها، فأصبحت كالعروس المجلوّة؛ العيون اليها ناظرة، والقلوب عليها عاكفة، والنفوس لها عاشقة. فكم من عاشق لها قتلت، ومطمئنّ إليها خذلت. فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنّها دار كثرت بوائقها، وذمّها خالقها؛ جديدها يبلى، وملكها يفنى؛ وعزيزها يذلّ، وكثيرها يقلّ؛ وحيّها يموت، وخيرها يفوت. فاستيقظوا من غفلتكم، وانتبهوا من رقدتكم؛ قبل أن يقال: فلان عليل، أو مدنف ثقيل، فهل على الدواء من دليل، أو على الطبيب من سبيل؛ فيدعى لك الأطبّاء، ولا يرجى لك الشفاء؛ ثم يقال: فلان أوصى، ولماله أحصى؛ ثم يقال: قد ثقل لسانه فما يكلّم إخوانه، ولا يعرف جيرانه؛ وعرق عند ذلك جبينك، وتتابع أنينك، وثبت يقينك [1] ، وطمحت جفونك، وصدقت ظنونك؛ وتلجلج لسانك، وبكى إخوانك؛ وقيل لك: هذا ابنك فلان، وهذا أخوك فلان، ومنعت الكلام فلا تنطق؛ ثم حلّ بك القضاء، وانتزعت نفسك من الأعضاء، ثم عرج بها الى السماء؛ فاجتمع عند ذلك إخوانك، وأحضرت أكفانك؛ فغسّلوك وكفّنوك؛ فانقطع عوّادك، واستراح حسّادك؛ وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهنا بأعمالك.

وقال بعض الحكماء: الأيام سهام، والناس أغراض، والدهر يرميك كلّ يوم بسهامه، ويتخرّمك بلياليه وأيّامه، حتّى يستغرق جميع أجزائك؛ فكم بقاء سلامتك مع وقوع الأيّام بك، وسرعة الليالى فى بدنك! لو كشف لك [2] عما أحدثت الأيام فيك من النقص لاستوحشت من كلّ يوم يأتى عليك، واستثقلت ممرّ الساعات بك؛ ولكنّ تدبير الله فوق تدبير الاعتبار؛ وبالسلوّ عن غوائل الدنيا وجد طعم لذّاتها، وإنّها

[1] كذا فى الإحياء. وفى الأصلين: «وثبت نفسك

» .

[2]

كذا فى الإحياء. وفى الأصل: «لو كشفت عما

» .

ص: 255