الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كِتَابُ السِّيَرِ
جَمْعُ سِيرَةٍ وَهِيَ الطَّرِيقَةُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهَا هُنَا أَصَالَةً الْجِهَادُ الْمُتَلَقَّى تَفْصِيلُهُ مِنْ سِيرَتِهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزَوَاتِهِ، وَهِيَ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ.
وَالْأَصْلُ فِيهِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ وَأَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ شَهِيرَةٌ (كَانَ الْجِهَادُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) قَبْلَ الْهِجْرَةِ مُمْتَنِعًا؛ لِأَنَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ صلى الله عليه وسلم أَوَّلَ الْأَمْرِ هُوَ التَّبْلِيغُ وَالْإِنْذَارُ وَالصَّبْرُ عَلَى أَذَى الْكُفَّارِ تَأَلُّفًا لَهُمْ، ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ بَعْدَهَا لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْقِتَالِ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْهُ فِي نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ آيَةً إذَا ابْتَدَأَهُمْ الْكُفَّارُ بِهِ، ثُمَّ أَبَاحَ الِابْتِدَاءَ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، ثُمَّ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ بَعْدَ الْفَتْحِ أَمَرَ بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ بِقَوْلِهِ {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا} [التوبة: 41] ، {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً} [التوبة: 36] وَهَذِهِ آيَةُ السَّيْفِ، وَقِيلَ الَّتِي قَبْلَهَا (فَرْضَ كِفَايَةٍ) لَا عَيْنٍ لَكِنْ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ، وَإِلَّا لَتَعَطَّلَ الْمَعَاشُ، وَلِأَنَّهُ تَعَالَى فَاضَلَ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ وَالْقَاعِدِينَ وَوَعَدَ كُلًّا الْحُسْنَى بِقَوْلِهِ {لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ} [النساء: 95] الْآيَةَ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
كِتَابُ السِّيَرِ (قَوْلُهُ وَهِيَ) أَيْ لُغَةً: الطَّرِيقَةُ (قَوْلُهُ: وَهِيَ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ) أَيْ وَسِتٌّ وَخَمْسُونَ سَرِيَّةً، قَالُوا قَاتَلَ فِي تِسْعٍ مِنْ غَزَوَاتِهِ وَهِيَ بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْمُرَيْسِيعُ وَالْخَنْدَقُ وَقُرَيْظَةُ وَخَيْبَرُ وَالْفَتْحُ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً وَحُنَينٌ وَالطَّائِفُ اهـ شَرْحُ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ (قَوْلُهُ: فِي نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ) مُتَعَلِّقٌ بِنَهْيِهِ.
(قَوْلُهُ: فِي غَيْرِ الْأَشْهُرِ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْمَعْرُوفَةَ الْآنَ لَنَا بَلْ الْمُرَادُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ كَانُوا عَاهَدُوهُمْ عَلَى عَدَمِ الْقِتَالِ فِيهَا كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كَلَامِ الْبَيْضَاوِيِّ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ {فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} [التوبة: 2] شَوَّالًا وَذَا الْقَعْدَةِ وَذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ؛ لِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَوَّالٍ وَقِيلَ هِيَ عِشْرُونَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمِ وَصَفَرٍ وَرَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَعَشْرٍ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ؛ لِأَنَّ التَّبْلِيغَ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى آخِرِ مَا أَطَالَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ قَوْله تَعَالَى {فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ} [التوبة: 5] الَّتِي أُبِيحَ لِلنَّاكِثَيْنِ أَنْ يَسِيحُوا فِيهَا، وَقِيلَ رَجَبٌ وَذُو الْقِعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ، وَهَذَا مُخِلٌّ بِالنَّظَرِ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ، وَقَوْلُهُ لِلنَّاكِثَيْنِ حَاصِلُهَا كَمَا قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ أَيْضًا أَنَّهُمْ عَاهَدُوا مُشْرِكِي الْعَرَبِ فَنَكَثُوا إلَّا نَاسًا مِنْهُمْ بَنِي حَمْزَةَ وَبَنِي كِنَانَةَ فَأَمَرَهُمْ بِنَبْذِ الْعَهْدِ إلَى النَّاكِثِينَ وَأَمْهَلَ الْمُشْرِكِينَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ لِيَسِيرُوا أَيْنَ شَاءُوا فَقَالَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ إلَخْ (قَوْلُهُ:{وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 36] أَيْ وَبِقَوْلِهِ (قَوْلُهُ: وَقِيلَ الَّتِي قَبْلَهَا) وَهُوَ قَوْلُهُ {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا} [التوبة: 41](قَوْلُهُ: لَكِنْ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ) أَيْ فِيمَا بَعْدُ مِنْ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ إنْ لَمْ يَدْخُلُوا بَلْدَةً لَنَا وَإِلَّا فَفَرْضُ عَيْنٍ، وَلَعَلَّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْحَالَيْنِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ع: قَوْلُهُ وَأَمَّا بَعْدَهُ إلَخْ، اعْتَرَضَ بِأَنَّ الْحَالَ الثَّانِي كَانَتْ فِي زَمَنِهِ صلى الله عليه وسلم أَيْضًا (قَوْلُهُ وَلِأَنَّهُ تَعَالَى فَاضَلَ بَيْنَ الْمُجَاهِدِينَ وَالْقَاعِدِينَ) قَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ: وَالْقَاتِلُ أَفْضَلُ مِنْ الْقَتِيلِ؛ لِأَنَّهُ حَصَّلَ مَقَاصِدَ الْجِهَادِ، وَلَيْسَ الْقَتِيلُ مُثَابًا عَلَى الْقَتْلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ بَلْ عَلَى التَّعَرُّضِ لَهُ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ.
وَقَدْ اُعْتُرِضَ كَلَامُهُ بِحَدِيثِ وَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَخْ وَلَمْ يَقُلْ أُغْلَبُ، وَبِأَنَّ الْمَقْتُولَ كَانَ حَرِيصًا عَلَى إعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَقَدْ تَلَبَّسَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
[كِتَابُ السِّيَرِ]
ِ (قَوْلُهُ: فِي نَيِّفٍ) اُنْظُرْ هَلْ هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِإِذْنٍ أَوْ بِنَهْيِهِ (قَوْلُهُ: لَكِنْ عَلَى التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ) أَيْ فِي قَوْلِهِ السَّابِقِ ثُمَّ بَعْدَهَا أَذِنَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَبِأَنَّهُ لَوْ تَعَيَّنَ مُطْلَقًا إلَخْ) تَقَدَّمَ مَا يُغْنِي عَنْهُ وَهُوَ سَاقِطٌ فِي نُسَخٍ
وَالْعَاصِي لَا يُوعَدُ بِهَا وَلَا تَفَاضُلَ بَيْنَ مَأْجُورٍ وَمَأْزُورٍ (وَقِيلَ) فَرْضُ (عَيْنٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [التوبة: 39] وَالْقَاعِدُونَ فِي الْآيَةِ كَانُوا حُرَّاسًا، وَرُدَّ بِأَنَّ ذَلِكَ الْوَعِيدَ لِمَنْ عَيَّنَهُ صلى الله عليه وسلم لِتَعَيُّنِ الْإِجَابَةِ حِينَئِذٍ أَوْ عِنْدَ قِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ
(وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلِلْكُفَّارِ) أَيْ الْحَرْبِيِّينَ (حَالَانِ) : (أَحَدُهُمَا يَكُونُونَ) أَيْ كَوْنُهُمْ (بِبِلَادِهِمْ) مُسْتَقِرِّينَ فِيهَا غَيْرَ قَاصِدِينَ شَيْئًا (فَ) الْجِهَادُ حِينَئِذٍ (فَرْضُ كِفَايَةٍ) وَيَحْصُلُ إمَّا بِتَشْحِينِ الثُّغُورِ وَهِيَ مَحَالُّ الْخَوْفِ الَّتِي تَلِي بِلَادَهُمْ بِمُكَافِئِينَ لَهُمْ لَوْ قَصَدُوهَا مَعَ إحْكَامِ الْحُصُونِ وَالْخَنَادِقِ وَتَقْلِيدِ ذَلِكَ لِأُمَرَائِنَا الْمُؤْتَمَنِينَ الْمَشْهُورِينَ بِالشَّجَاعَةِ وَالنُّصْحِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِمَّا بِأَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بِشَرْطِهِ دَارَهُمْ بِالْجُيُوشِ لِقِتَالِهِمْ؛ لِأَنَّ الثُّغُورَ إذَا شُحِنَتْ كَمَا ذُكِرَ كَانَ فِي ذَلِكَ إخْمَادٌ لِشَوْكَتِهِمْ وَإِظْهَارٌ لِقَهْرِهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْ الظَّفَرِ بِشَيْءٍ مِنَّا، وَأَقَلُّهُ مَرَّةً فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ مَا لَمْ تَدْعُ حَاجَةٌ إلَى أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، وَإِلَّا وَجَبَ وَشَرْطُهُ كَالْمَرَّةِ أَنْ لَا يَكُونَ بِنَا ضَعْفٌ أَوْ نَحْوُهُ كَرَجَاءِ إسْلَامِهِمْ، وَإِلَّا أُخِّرَ حِينَئِذٍ، وَتُنْدَبُ الْبَدَاءَةَ بِقِتَالِ مَنْ يَلِينَا مَا لَمْ يَكُنِ الْخَوْفُ مِنْ غَيْرِهِمْ أَكْثَرَ، فَتَجِبُ الْبَدَاءَةَ بِهِمْ وَأَنْ يُكَثِّرَهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَيُثَابُ عَلَى الْكُلِّ ثَوَابَ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، وَحُكْمُ فَرْضِهَا الَّذِي هُوَ مُهِمٌّ بِقَصْدِ حُصُولِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ بِالذَّاتِ لِفَاعِلِهِ أَنَّهُ (إذَا فَعَلَهُ مَنْ فِيهِمْ كِفَايَةٌ) وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ فَرْضِهِ كَصِبْيَانٍ وَإِنَاثٍ وَمَجَانِينَ (سَقَطَ الْحَرَجُ) عَنْهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ وَ (عَنْ الْبَاقِينَ) رُخْصَةً وَتَخْفِيفًا عَلَيْهِمْ، نَعَمْ الْقَائِمُ بِفَرْضِ الْعَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الْقَائِمِ بِفَرْضِ الْكِفَايَةِ خِلَافًا لِمَا نُقِلَ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِنْ أَقَرَّهُ الْمُصَنِّفُ فِي الرَّوْضَةِ وَأَفْهَمَ السُّقُوطُ أَنَّهُ يُخَاطِبُ بِهِ الْكُلَّ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَأَنَّهُ إذَا تَرَكَهُ الْكُلُّ أَثِمَ أَهْلُ فَرْضِهِ كُلُّهُمْ وَإِنْ جَهِلُوا: أَيْ وَقَدْ قَصَّرُوا فِي جَهْلِهِمْ بِهِ
، وَلَمَّا كَانَ شَأْنُ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ مُبْهَمًا لِكَثْرَتِهَا وَخَفَائِهَا ذَكَرَ مِنْهَا جُمْلَةً فِي أَبْوَابِهَا، ثُمَّ اسْتَطْرَدَ مِنْهَا جُمْلَةً أُخْرَى هُنَا فَقَالَ (وَمِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ الْقِيَامُ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ) الْعِلْمِيَّةِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ فِي الدِّينِ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ، وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ، وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ مِنْهَا وَالنُّبُوَّاتِ وَصِدْقِ الرُّسُلِ وَمَا أُرْسِلُوا بِهِ مِنْ الْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ وَالنَّظَرِيَّةِ (وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ فِي الدِّينِ)
ــ
[حاشية الشبراملسي]
بِعَمَلِ الْجِهَادِ حَتَّى أُصِيبَ، ثُمَّ بَدَا لِي رَدٌّ صَحِيحٌ لِمَا قَالَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ رحمه الله وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم فِي حَدِيثِ: " فَضْلُ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ مُجَاهِدًا بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ» اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
(قَوْلُهُ: وَالنُّصْحُ) صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لِلْمُؤْتَمَنِينَ (قَوْلُهُ: وَإِمَّا بِأَنْ يَدْخُلَ) ظَاهِرُهُ سُقُوطُ الْفَرْضِ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا إشْحَانُ الثُّغُورِ، وَإِمَّا دُخُولُ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ.
قَالَ م ر: وَهُوَ الْمَذْهَبُ اهـ. لَكِنَّ شَيْخَنَا الشِّهَابَ الْبُرُلُّسِيَّ رَدَّ ذَلِكَ، وَلَهُ فِيهِ تَصْنِيفٌ أَقَامَ فِيهِ الْبَرَاهِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ وَعَرَضَهُ عَلَى جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ مِنْ مَشَايِخِهِ وَغَيْرِهِمْ فَوَافَقُوا عَلَى ذَلِكَ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: أَوْ نَائِبِهِ بِشَرْطِهِ) لَعَلَّهُ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَتَقْلِيدُ ذَلِكَ لِأُمَرَائِنَا الْمُؤْتَمَنِينَ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَإِلَّا أُخِّرَ) أَيْ وُجُوبًا.
(قَوْلُهُ: وَحَلِّ الْمُشْكِلَاتِ) يَظْهَرُ أَنَّ الْمُشْكِلَ الْأَمْرُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الثُّغُورَ إذَا شُحِنَتْ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ الشَّارِحَ تَصَرَّفَ فِي عِبَارَةِ التُّحْفَةِ بِمَا لَزِمَ عَلَيْهِ عَدَمُ اتِّسَاقِ الْكَلَامِ كَمَا يُعْلَمُ بِسَوْقِ عِبَارَتِهَا وَنَصِّهَا عَقِبَ قَوْلِهِ وَإِمَّا بِأَنْ يَدْخُلَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ بِشَرْطِهِ دَارَهُمْ بِالْجُيُوشِ لِقِتَالِهِمْ وَأَقَلُّهُ مَرَّةً فِي كُلِّ سَنَةٍ فَإِذَا زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ، هَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ كَثِيرُونَ، وَلَا يُنَافِيهِ كَلَامُ غَيْرِهِمْ لِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ، وَصَرِيحُهُ الِاكْتِفَاءُ بِالْأَوَّلِ وَحْدَهُ، وَنُوزِعَ فِيهِ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى عَدَمِ وُجُوبِ قِتَالِهِمْ عَلَى الدَّوَامِ وَهُوَ بَاطِلٌ إجْمَاعًا. وَيُرَدُّ بِأَنَّ الثُّغُورَ إذَا شُحِنَتْ إلَخْ. وَاعْلَمْ أَنَّ الشِّهَابَ بْنَ قَاسِمٍ نَقَلَ أَنَّ شَيْخَهُ الشِّهَابَ الْبُرُلُّسِيَّ صَنَّفَ فِي الْمَسْأَلَةِ تَصْنِيفًا حَافِلًا بَيَّنَ فِيهِ أَنَّ الشَّحْنَ الْمَذْكُورَ لَا يُغْنِي عَنْ الدُّخُولِ إلَى دَارِهِمْ، وَأَنَّهُ عَرَضَهُ عَلَى عُلَمَاءِ عَصْرِهِ مِنْ مَشَايِخِهِ وَغَيْرِهِمْ فَاعْتَرَفُوا بِأَنَّ مَا فِيهِ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ الْقَائِمُ بِفَرْضِ الْعَيْنِ أَفْضَلُ إلَخْ) هَذَا الِاسْتِدْرَاكُ عَلَى مَا أَفْهَمَهُ الْمَتْنُ مِنْ مَزِيَّةِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ بِتَضَمُّنِهِ سُقُوطَ الْحَرَجِ عَنْ الْبَاقِينَ (قَوْلُهُ: وَأَفْهَمَ السُّقُوطَ) أَيْ عَنْ الْبَاقِينَ
(قَوْلُهُ: مِنْ الْأُمُورِ الضَّرُورِيَّةِ)
لِتَنْدَفِعَ الشُّبُهَاتُ وَتَصْفُوَ الِاعْتِقَادَاتُ عَنْ تَمْوِيهَاتِ الْمُبْتَدَعِينَ وَمُعْضِلَاتِ الْمُلْحِدِينَ، وَلَا يَحْصُلُ كَمَالُ ذَلِكَ إلَّا بِإِتْقَانِ قَوَاعِدِ عِلْمِ الْكَلَامِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْحُكْمِيَّاتِ وَالْإِلَهِيَّاتِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِمَامُ: لَوْ بَقِيَ النَّاسُ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي صَفْوَةِ الْإِسْلَامِ لَمَا أَوْجَبْنَا التَّشَاغُلَ بِهِ، وَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ ثَارَتْ الْبِدَعُ وَلَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِهَا تَلْتَطِمُ فَلَا بُدَّ مِنْ إعْدَادِ مَا يُدْعَى بِهِ إلَى طَرِيقِ الْحَقِّ، وَتُحَلُّ بِهِ الشُّبْهَةُ، فَصَارَ الِاشْتِغَالُ بِأَدِلَّةِ الْمَعْقُولِ وَحَلِّ الشُّبْهَةِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ.
قَالَ الْغَزَالِيُّ: الْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ مَدْحُهُ وَلَا ذَمُّهُ فَفِيهِ مَنْفَعَةٌ وَمَضَرَّةٌ، فَبِاعْتِبَارِ مَنْفَعَتِهِ أُوقِتَ الِانْتِفَاعُ حَلَالٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ وَاجِبٌ، وَبِاعْتِبَارِ مَضَرَّتِهِ وَقْتَ الْإِضْرَارِ حَرَامٌ، وَيَجِبُ عَلَى مَنْ لَمْ يُرْزَقْ قَلْبًا سَلِيمًا أَنْ يَتَعَلَّمَ أَدْوِيَةَ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ مِنْ كِبْرٍ وَعُجْبٍ وَرِيَاءٍ وَنَحْوِهَا كَمَا يَجِبُ كِفَايَةً تَعَلُّمُ عِلْمِ الطِّبِّ
(وَ) الْقِيَامُ (بِعُلُومِ الشَّرْعِ كَتَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ وَالْفُرُوعِ) الْفِقْهِيَّةِ زَائِدًا عَلَى مَا لَا بُدَّ مِنْهُ (بِحَيْثُ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) وَالْإِفْتَاءِ بِأَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا مُطْلَقًا، وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِنْ عُلُومِ الْعَرَبِيَّةِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ وَعِلْمِ الْحِسَابِ الْمُضْطَرِّ إلَيْهِ فِي الْمَوَارِيثِ وَالْأَقَارِيرِ وَالْوَصَايَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي فِي بَابِ الْقَضَاءِ، فَيَجِبُ الْإِحَاطَةُ بِذَلِكَ كُلِّهِ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ، وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ قَوْلَهُ بِحَيْثُ مُتَعَلِّقٌ بِعُلُومٍ وَتَعْرِيفُ الْفُرُوعِ لِلتَّفَنُّنِ، وَمَا بَحَثَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ فِي اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ إلَّا بِمَعْرِفَةِ جَمْعٍ يَبْلُغُونَ حَدَّ التَّوَاتُرِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ الْقُرْآنَ مُتَوَاتِرٌ وَمَعْرِفَتُهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ اللُّغَةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَثْبُتَ بِالتَّوَاتُرِ حَتَّى يَحْصُلَ الْوُثُوقُ بِقَوْلِهِمْ فِيمَا سَبِيلُهُ الْقَطْعُ يُرَدُّ بِأَنَّ كُتُبَهَا مُتَوَاتِرَةٌ، وَتَوَاتُرُ الْكُتُبِ مُعْتَدٌّ بِهِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فَيَظْهَرُ حُصُولُ فَرْضِهِمَا بِمَعْرِفَةِ الْآحَادِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ لِتَمَكُّنِهِمْ مِنْ إثْبَاتِ مَا نُوزِعَ فِيهِ مِنْ تِلْكَ الْأُصُولِ بِالْقَطْعِ الْمُسْتَنِدِ لِمَا فِي كُتُبِ ذَلِكَ الْفَنِّ، وَلَا يَكْفِي فِي إقْلِيمٍ مُفْتٍ وَقَاضٍ وَاحِدٌ لِعُسْرِ مُرَاجَعَتِهِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ تَعَدُّدِهِمَا بِحَيْثُ لَا يَزِيدُ مَا بَيْنَ كُلِّ مُفْتِيَيْنِ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَقَاضِيَيْنِ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى لِكَثْرَةِ الْخُصُومَاتِ، أَمَّا مَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي فَرْضٍ عَيْنِيٍّ أَوْ فِي فِعْلٍ آخَرَ أَرَادَ مُبَاشَرَتَهُ وَلَوْ بِوَكِيلِهِ فَتَعَلُّمُ ظَوَاهِرِ أَحْكَامِهِ غَيْرِ النَّادِرَةِ فَرْضُ عَيْنٍ، وَإِنَّمَا يَتَوَجَّهُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ فِي الْعِلْمِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ حُرٍّ ذَكَرٍ غَيْرِ بَلِيدٍ مُكْفًى وَلَوْ فَاسِقًا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِهِ لِعَدَمِ قَبُولِ فَتْوَاهُ وَيَسْقُطُ بِالْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ فِي أَوْجَهِ الْوَجْهَيْنِ، وَبِقَوْلِهِ غَيْرِ بَلِيدٍ مَعَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ كَابْنِ الصَّلَاحِ أَنَّ الِاجْتِهَادَ الْمُطْلَقَ انْقَطَعَ مِنْ نَحْوِ ثَلَثِمِائَةِ سَنَةٍ يُعْلَمُ أَنَّ لَا إثْمَ عَلَى النَّاسِ الْيَوْمَ بِتَعْطِيلِ هَذَا الْفَرْضِ، وَهُوَ بُلُوغُ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ صَارُوا كُلُّهُمْ بُلَدَاءَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا وَمَا قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ وَالْفُرُوعُ " إنَّ " عَطْفٌ عَلَى تَفْسِيرٍ اقْتَضَى بَقَاءَ شَيْءٍ مِنْ عُلُومِ الشَّرْعِ أَوْ عَلَى مَدْخُولِ الْبَاءِ اقْتَضَى أَنَّ الْفُرُوعَ لَيْسَتْ مِنْ عُلُومِ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ يُجَابُ عَنْهُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، أَمَّا الْأَوَّلُ فَتَكُونُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الَّذِي يَخْفَى إدْرَاكُهُ لِدِقَّتِهِ، وَالشُّبْهَةُ الْأَمْرُ الْبَاطِلُ الَّذِي يَشْتَبِهُ بِالْحَقِّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقِيَامَ بِالْحُجَجِ غَيْرُ حَلِّ الْمُشْكِلِ، وَأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْأَوَّلِ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الثَّانِي اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَتَصْفُوَ) أَيْ تَخْلُصُ (قَوْلُهُ: وَمُعْضِلَاتٌ) أَيْ مُشْكِلَاتٌ (قَوْلُهُ: فِي صَفْوَةِ الْإِسْلَامِ) أَيْ فِي النُّورَانِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ حَاصِلَةً فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِمَا يُفْسِدُ قُلُوبَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَا يُطْلَقُ مَدْحُهُ) أَيْ عِلْمِ الْكَلَامِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَتَعَلَّمَ أَدْوِيَةَ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ) وَقَدْ بَيَّنَهَا رحمه الله فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ بِمَا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فَلْيُرَاجِعْ مَنْ أَرَادَ (قَوْلُهُ: مِنْ كِبْرٍ) بَيَانٌ لِلْأَمْرَاضِ
(قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقٌ بِعُلُومٍ) أَيْ إلَخْ (قَوْلُهُ: فَيَظْهَرُ حُصُولُ فَرْضِهِمَا) أَيْ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ (قَوْلُهُ: بِحَيْثُ لَا يَزِيدُ بَيْنَ كُلِّ مُفْتِيَيْنِ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا وَيَكُونُ مِنْ نِسْبَةِ الْجُزْئِيِّ إلَى كُلِّيِّهِ اهـ سم عَلَى حَجّ فِي خُطْبَةِ الْكِتَابِ (قَوْلُهُ: غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ) أَيْ الْفَاسِقُ (قَوْلُهُ وَيَسْقُطُ)
ــ
[حاشية الرشيدي]
أَيْ وَالضَّرُورِيُّ قَدْ يُقَامُ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ قَاسِمٍ
(قَوْلُهُ: فَتَجِبُ الْإِحَاطَةُ بِذَلِكَ كُلِّهِ) أَيْ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: مُتَعَلِّقٌ بِعُلُومٍ) أَيْ لَا بِالْفُرُوعِ، وَجَعَلَهُ الْجَلَالُ مُتَعَلِّقًا بِالْفُرُوعِ خَاصَّةً لَمَّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ بَعْدَهُ،
الْكَافُ فِيهِ اسْتِقْصَائِيَّةً.
وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِ، وَقَدْ يُقَالُ عُلُومُ الشَّرْعِ قَدْ يُرَادُ بِهَا تِلْكَ الثَّلَاثَةُ فَقَطْ، وَهِيَ عُرْفُهُمْ فِي بَابِ الْوَصِيَّةِ وَنَحْوِهَا، وَقَدْ يُرَادُ بِهَا هِيَ وَآلَتِهَا وَهِيَ عُرْفُهُمْ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْهَا هَذَا لِمَا صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ فَرْضَ الْكُلِّ كِفَايَةٌ
(وَالْأَمْرُ) بِيَدِهِ فَلِسَانِهِ فَقَلْبِهِ وَلَوْ فَاسِقًا (بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ الْوَاجِبِ (وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ) أَيْ الْمُحَرَّمِ، لَكِنَّ مَحَلَّهُ فِي وَاجِبٍ أَوْ حَرَامٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، أَوْ اعْتَقَدَ الْفَاعِلُ تَحْرِيمَهُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الزَّوْجِ إذْ لَهُ مَنْعُ زَوْجَتِهِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ شُرْبِ النَّبِيذِ مُطْلَقًا حَيْثُ كَانَ شَافِعِيًّا، وَالْقَاضِي إذْ الْعِبْرَةُ بِاعْتِقَادِهِ كَمَا يَأْتِي وَمُقَلِّدُ مَنْ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ لِكَوْنِهِ مِمَّا يُنْقَضُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي، وَيَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَى مُعْتَقِدِ التَّحْرِيمِ، وَإِنْ اعْتَقَدَ الْمُنْكِرُ إبَاحَتَهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ حُرْمَتَهُ بِالنِّسْبَةِ لِفَاعِلِهِ بِاعْتِبَارِ عَقِيدَتِهِ، وَيَمْتَنِعُ عَلَى عَامِّيٍّ يَجْهَلُ حُكْمَ مَا رَآهُ إنْكَارٌ حَتَّى يُخْبِرَهُ عَالِمٌ بِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ أَوْ مُحَرَّمٌ فِي اعْتِقَادِ فَاعِلِهِ، وَلَا لِعَالِمٍ إنْكَارُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ حَتَّى يَعْلَمَ مِنْ فَاعِلِهِ اعْتِقَادَ تَحْرِيمِهِ لَهُ حَالَةَ ارْتِكَابِهِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حِينَئِذٍ قَلَّدَ الْقَائِلَ بِحِلِّهِ أَوْ جَاهِلٌ بِحُرْمَتِهِ؛ أَمَّا مَنْ ارْتَكَبَ مَا يَرَى إبَاحَتَهُ بِتَقْلِيدٍ صَحِيحٍ فَلَا يَحِلُّ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ لَكِنْ لَوْ نُدِبَ لِلْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ بِرِفْقٍ فَحَسَنٌ، وَإِنَّمَا حَدَّ الشَّافِعِيُّ حَنَفِيًّا شَرِبَ نَبِيذًا يَرَى حِلَّهُ لِضَعْفِ أَدِلَّتِهِ، وَلِأَنَّ الْعِبْرَةَ بَعْدَ الرَّفْعِ بِعَقِيدَةِ الْمَرْفُوعِ إلَيْهِ فَقَطْ، وَلَمْ نُرَاعِ ذَلِكَ فِي ذِمِّيٍّ رُفِعَ إلَيْهِ لِمَصْلَحَةِ تَأَلُّفِهِ لِقَبُولِ الْجِزْيَةِ، هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُحْتَسِبِ، أَمَّا هُوَ فَيُنْكِرُ وُجُوبًا عَلَى مَنْ أَخَلَّ بِشَيْءٍ مِنْ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ وَلَوْ سُنَّةً كَصَلَاةِ الْعِيدِ وَالْأَذَانِ، وَيَلْزَمُهُ الْأَمْرُ بِهِمَا، وَلَكِنْ لَوْ اُحْتِيجَ فِي إنْكَارِ ذَلِكَ لِقِتَالٍ لَمْ يَفْعَلْهُ إلَّا عَلَى أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ الْبَحْثُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ فَرْضُ كِفَايَةِ الْإِفْتَاءِ (قَوْلُهُ: اسْتِقْصَائِيَّةٍ) أَيْ لَيْسَ هُنَاكَ فَرْدٌ آخَرُ
(قَوْلُهُ: فَلِسَانُهُ) قِيَاسُ دَفْعِ الصَّائِلِ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْيَدِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ) ع: فِي الْحَدِيثِ «إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِعَذَابِهِ» اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ. وَقَوْلُهُ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ: أَيْ يَمْنَعُوهُ مِنْ ظُلْمِهِ، وَقَوْلُهُ أَوْشَكَ: أَيْ قَارَبَ (قَوْلُهُ: مَنْ شَرِبَ النَّبِيذَ) مُطْلَقًا مُسْكِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ: وَالْقَاضِي) أَيْ وَبِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْقَاضِي إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمُقَلِّدُ) أَيْ وَلِغَيْرِ مُقَلِّدٍ مِنْ إلَخْ، فَاعْتِقَادُهُ الْحِلَّ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: أَوْ جَاهِلٌ) أَيْ لَكِنَّهُ يُرْشِدُهُ بِأَنْ يُبَيِّنَ لَهُ الْحُكْمَ وَيَطْلُبَ فِعْلَهُ مِنْهُ بِلُطْفٍ (قَوْلُهُ: أَمَّا مَنْ ارْتَكَبَ) مُحْتَرَزُ قَوْلِهِ وَمُقَلِّدُ مَنْ لَا يَجُوزُ إلَخْ (قَوْلُهُ: لَكِنْ لَوْ نُدِبَ) أَيْ طُلِبَ (قَوْلُهُ: وَلَمْ نُرَاعِ ذَلِكَ) أَيْ فَنَحُدُّهُ بَلْ امْتَنَعَ عَلَيْنَا حَدُّهُ.
(قَوْلُهُ: هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ الْمُحْتَسِبِ) أَيْ مَنْ وَلِيَ الْحِسْبَةَ وَهِيَ الْإِنْكَارُ وَالِاعْتِرَاضُ عَلَى فِعْلِ مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ، وَيُقَالُ احْتَسَبَ عَلَى فُلَانٍ كَذَا: أَيْ أَنْكَرَهُ، وَمِنْهُ مُحْتَسِبُ الْبَلَدِ وَاحْتَسَبَ بِكَذَا: اعْتَدَّ بِهِ وَأَرَادَ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ (قَوْلُهُ: وَلَوْ سَنَةً) عِبَارَةُ سم عَلَى مَنْهَجٍ: يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِصَلَاةِ الْعِيدِ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ.
قَالَ طب: وَمِثْلُهَا غَيْرُهَا مِنْ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ دُونَ بَقِيَّةِ السُّنَنِ وَوَافَقَهُ م ر اهـ. وَقَوْلُهُ دُونَ بَقِيَّةِ السُّنَنِ: أَيْ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ، وَحِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا عَيْنَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
وَصَوَّبَهُ ابْنُ قَاسِمٍ وَأَطَالَ فِي تَوْجِيهِهِ بِمَا يُعْرَفُ بِمُرَاجَعَتِهِ
(قَوْلُهُ: بِيَدِهِ فَلِسَانِهِ فَقَلْبِهِ) هَذَا إنَّمَا ذَكَرُوهُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَانْظُرْ مَا مَعْنَى الْأَمْرِ بِالْيَدِ أَوْ الْقَلْبِ وَبَعْدَ تَسْلِيمِ تَصَوُّرِهِ فَالتَّرْتِيبُ الْمَذْكُورُ فِيهِ مُشْكِلٌ، ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ قَاسِمٍ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ (قَوْلُهُ: بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الزَّوْجِ) ظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ عَلَى زَوْجَتِهِ ذَلِكَ مُطْلَقًا، لَكِنَّ قَوْلَهُ إذْ لَهُ إلَخْ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ جَائِزٌ لَا وَاجِبٌ وَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي إذْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَحِقَهُ (قَوْلُهُ: وَلَا لِعَالَمٍ) الْمُنَاسِبُ وَعَلَى عَالِمٍ (قَوْلُهُ: وَجَاهِلٍ تَحْرِيمَهُ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ جَهْلَ التَّحْرِيمِ مِنْ الْفَاعِلِ مَانِعٌ مِنْ الْإِنْكَارِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ إلَّا أَنْ يُخَصَّ بِإِنْكَارٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَذِيَّةٌ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: لَكِنْ لَوْ نُدِبَ) الْمُرَادُ هُنَا بِالنَّدْبِ الطَّلَبُ وَالدُّعَاءُ عَلَى وَجْهِ النَّصِيحَةِ لَا النَّدْبِ
وَالتَّجْسِيسُ وَاقْتِحَامُ الدُّورِ بِالظُّنُونِ، نَعَمْ إنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ وُقُوعُ مَعْصِيَةٍ وَلَوْ بِقَرِينَةٍ ظَاهِرَةٍ كَإِخْبَارِ ثِقَةٍ جَازَ لَهُ بَلْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّجْسِيسُ إنْ فَاتَ تَدَارُكُهَا كَقَتْلٍ وَزِنًا وَإِلَّا فَلَا، وَلَوْ تَوَقَّفَ الْإِنْكَارُ عَلَى الرَّفْعِ لِلسُّلْطَانِ لَمْ يَجِبْ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ عِرْضِهِ وَتَغْرِيمِ الْمَالِ، نَعَمْ لَوْ لَمْ يَنْزَجِرْ إلَّا بِهِ جَازَ، وَشَرْطُ وُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ وَعُضْوِهِ وَمَالِهِ وَإِنْ قَلَّ كَمَا شَمِلَهُ كَلَامُهُمْ بَلْ وَعِرْضِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَعَلَى غَيْرِهِ بِأَنْ يَخَافَ عَلَيْهِ مَفْسَدَةً أَكْثَرَ مِنْ مَفْسَدَةِ الْمُنْكَرِ الْوَاقِعِ، وَيَحْرُمُ مَعَ الْخَوْفِ عَلَى الْغَيْرِ، وَيُسَنُّ مَعَ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْإِلْقَاءِ بِالْيَدِ إلَى التَّهْلُكَةِ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الْجِهَادِ وَنَحْوِهِ كَمُكْرَهٍ عَلَى فِعْلٍ حَرَامٍ غَيْرِ زِنًا وَقَتْلٍ، وَلَوْ فِعْلَ مُكَفِّرٍ بَلْ الصَّبْرُ عَلَى مَا أُكْرِهَ بِهِ وَعَلَى قَتْلٍ لُزُومًا فَيَلْزَمُهُ الصَّبْرُ عَلَيْهِ، وَأَمِنَ أَيْضًا أَنَّ الْمُنْكَرَ عَلَيْهِ لَا يَقْطَعُ نَفَقَتَهُ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا، وَلَا يَزِيدُ عِنَادًا وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى مَا هُوَ أَفْحَشُ وَسَوَاءٌ فِي لُزُومِ الْإِنْكَارِ أَظَنَّ أَنَّ الْمَأْمُورَ يَمْتَثِلُ أَمْ لَا
(وَإِحْيَاءُ الْكَعْبَةِ كُلَّ سَنَةٍ بِالزِّيَارَةِ) بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ، وَلَا يُغْنِي أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرَ وَلَا الصَّلَاةُ وَالِاعْتِكَافُ وَالطَّوَافُ عَنْ أَحَدِهِمَا، لِأَنَّهُمَا الْمَقْصِدُ الْأَعْظَمُ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ، وَفِي الْأَوَّلِ إحْيَاءُ تِلْكَ الْمَشَاعِرِ، الْأَقْرَبُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْقَائِمِينَ بِذَلِكَ مِنْ عَدَدٍ يَحْصُلُ بِهِمْ الشِّعَارُ عُرْفًا وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إجْزَاءِ وَاحِدٍ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ بِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ الدُّعَاءُ وَالشَّفَاعَةُ، وَهُمَا حَاصِلَانِ بِهِ، وَهُنَا الْإِحْيَاءُ وَإِظْهَارُ ذَلِكَ الشِّعَارِ الْأَعْظَمِ فَاشْتُرِطَ فِيهِ عَدَدٌ يَظْهَرُ بِهِ ذَلِكَ.
(وَدَفْعُ ضَرَرِ) الْمَعْصُومِ مِنْ (الْمُسْلِمِينَ) وَأَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْقَادِرِينَ وَهُمْ مَنْ عِنْدَهُ زِيَادَةٌ عَلَى كِفَايَةِ سَنَةٍ لَهُمْ وَلِمُمَوَّنِهِمْ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ وَإِنْ نَازَعَ فِيهِ الْبُلْقِينِيُّ (كَكِسْوَةِ عَارٍ) مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ أَوْ يَقِي بَدَنَهُ مِمَّا يَضُرُّهُ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ، وَتَعْبِيرُ الرَّوْضَةِ بِسِتْرِ الْعَوْرَةِ مِثَالٌ (وَإِطْعَامِ جَائِعٍ إذَا لَمْ يَنْدَفِعْ) ذَلِكَ الضَّرَرُ (بِزَكَاةٍ وَ) سَهْمِ الْمَصَالِحِ مِنْ (بَيْتِ الْمَالِ) لِعَدَمِ شَيْءٍ فِيهِ أَوْ لِمَنْعِ مُتَوَلِّيهِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
مَا فِي الشَّرْحِ (قَوْلُهُ: وَالتَّجْسِيسُ) الْأَوْلَى التَّجَسُّسُ، قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ: جَسَّ الْأَخْبَارَ وَتَجَسَّسَهَا: تَتَبَّعَهَا (قَوْلُهُ: وَاقْتِحَامُ الدُّورِ) أَيْ دُخُولُهَا لِلْبَحْثِ عَمَّا فِيهَا، وَفِي الْمُخْتَارِ قَحَمَ الْأَمْرَ: رَمَى بِنَفْسِهِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ وَبَابُهُ خَضَعَ (قَوْلُهُ نَعَمْ لَوْ لَمْ يَنْزَجِرْ إلَّا بِهِ) أَيْ الرَّفْعِ لِلسُّلْطَانِ (قَوْلُهُ: أَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ) شَرْطُهُ أَيْضًا أَنْ لَا يَعْلَمَ أَنَّهُ يُغْرِيهِ الْإِنْكَارُ بِخِلَافِهِ عليه الصلاة والسلام لَا يُشْتَرَطُ فِي إنْكَارِهِ ذَلِكَ م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: وَإِنْ قَلَّ) أَيْ كَدِرْهَمٍ (قَوْلُهُ وَيَحْرُمُ مَعَ الْخَوْفِ عَلَى الْغَيْرِ) أَيْ مَعَ خَوْفِ الْمَفْسَدَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَقِيَاسُ هَذَا أَنَّ مَنْ طَلَبَ شَهَادَةً، وَعَلِمَ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى شَهَادَتِهِ أَعْظَمُ مِمَّا يَسْتَحِقُّ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ حُرِّمَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةُ.
(قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ مَعَ الْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ) مَفْهُومُهُ إخْرَاجُ الْمَالِ فَلْيُرَاجَعْ (قَوْلُهُ: لَا يَقْطَعُ نَفَقَتَهُ) أَيْ كُلًّا أَوْ بَعْضًا (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهَا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ
(قَوْلُهُ: وَفِي الْأَوَّلِ) هُوَ قَوْلُهُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ (قَوْلُهُ: مِنْ عَدَدٍ يَحْصُلُ بِهِمْ الشِّعَارُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ غَيْرَ مُكَلَّفِينَ، وَصَرَّحَ بِهِ حَجّ هُنَا وَتَقَدَّمَ لِلشَّارِحِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مَا يُفِيدُ خِلَافَهُ اهـ.
وَعِبَارَةُ شَيْخِنَا الزِّيَادِيِّ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْقِيَامِ بِإِحْيَاءِ الْكَعْبَةِ عَدَدٌ مَخْصُوصٌ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ
(قَوْلُهُ: وَهُمْ مَنْ عِنْدَهُ زِيَادَةٌ عَلَى كِفَايَةِ سَنَةٍ) أَيْ وَعَلَى وَفَاءِ دُيُونِهِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْفَقِيهُ مِنْ الْكُتُبِ وَالْمُحْتَرِفِ مِنْ الْآلَاتِ.
(قَوْلُهُ: وَلِمُمَوَّنِهِمْ) وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِي الْغَنِيِّ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَالٌ يَكْفِيهِ لِنَفْسِهِ وَلِمُمَوَّنِهِ جَمِيعَ السَّنَةِ، بَلْ يَكْفِي فِي وُجُوبِ الْمُوَاسَاةِ أَنْ يَكُونَ لَهُ نَحْوُ وَظَائِفَ يَتَحَصَّلُ مِنْهَا مَا يَكْفِيهِ عَادَةً جَمِيعَ السَّنَةِ، وَيَتَحَصَّلُ عِنْدَهُ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ مَا يُمْكِنُ الْمُوَاسَاةُ بِهِ، وَقَوْلُهُ كَمَا فِي الرَّوْضَةِ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الشَّارِحُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَلَوْ بِقَرِينَةٍ ظَاهِرَةٍ) اُنْظُرْ هَذِهِ الْغَايَةَ، وَعِبَارَةُ الْأَنْوَارِ: فَإِنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اسْتِسْرَارُ قَوْمٍ بِالْمُنْكَرِ بِآثَارٍ وَأَمَارَةٍ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَفُوتُ تَدَارُكُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: نَعَمْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْزَجِرْ إلَّا بِهِ جَازَ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَلَهُ أَيْ ابْنِ الْقُشَيْرِيِّ احْتِمَالٌ بِوُجُوبِهِ إذَا لَمْ يَنْزَجِرْ إلَّا بِهِ انْتَهَتْ. وَهِيَ الَّتِي تُنَاسِبُ
وَلَوْ ظُلْمًا وَنَذْرٍ وَكَفَّارَةٍ وَوَقْفٍ وَوَصِيَّةٍ صِيَانَةً لِلنُّفُوسِ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ لَوْ سُئِلَ قَادِرٌ فِي دَفْعِ ضَرَرٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِامْتِنَاعُ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ قَادِرٌ آخَرُ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى التَّوَاكُلِ، بِخِلَافِ الْمُفْتَى لَهُ الِامْتِنَاعُ إذَا كَانَ ثَمَّ غَيْرُهُ، وَيُفَرَّقُ بِأَنَّ النُّفُوسَ جُبِلَتْ عَلَى مَحَبَّةِ الْعِلْمِ وَإِفَادَتِهِ، فَالتَّوَاكُلُ فِيهِ بَعِيدٌ جِدًّا بِخِلَافِ الْمَالِ، وَهَلْ الْمُرَادُ بِدَفْعِ ضَرَرٍ مِنْ ذِكْرِ مَا يَسُدُّ الرَّمَقَ أَمْ الْكِفَايَةُ؛ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا ثَانِيهِمَا، فَيَجِبُ فِي الْكِسْوَةِ مَا يَسْتُرُ كُلَّ الْبَدَنِ عَلَى حَسَبِ مَا يَلِيقُ بِالْحَالِ مِنْ شِتَاءٍ وَصَيْفٍ، وَيَلْحَقُ بِالطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ مَا فِي مَعْنَاهُمَا كَأُجْرَةِ طَبِيبٍ وَثَمَنِ دَوَاءٍ وَخَادِمٍ مُنْقَطِعٍ كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَلَا يُنَافِي مَا تَقَرَّرَ قَوْلُهُ لَا يَلْزَمُ الْمَالِكَ بَذْلُ طَعَامِهِ لِمُضْطَرٍّ إلَّا بِبَدَلِهِ لِحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ غِنًى يُلْزِمُهُ الْمُوَاسَاةُ، وَمِمَّا يَنْدَفِعُ بِهِ ضَرَرُ الْمُسْلِمِينَ وَالذِّمِّيِّينَ فَكُّ أَسْرَاهُمْ عَلَى التَّفْصِيلِ الْآتِي فِي الْهُدْنَةِ، وَعِمَارَةُ نَحْوِ سُورِ الْبَلَدِ وَكِفَايَةُ الْقَائِمِينَ بِحِفْظِهَا فَمُؤْنَةُ ذَلِكَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، ثُمَّ عَلَى الْقَادِرِينَ الْمَذْكُورِينَ، وَلَوْ تَعَذَّرَ اسْتِيعَابُهُمْ خَصَّ بِهِ الْوَالِي مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ
(وَتُحْمَلُ الشَّهَادَةُ) عَلَى أَهْلٍ لَهُ وَحَضَرَ لَهُ الْمُحَمَّلُ أَوْ دَعَاهُ قَاضٍ أَوْ مَعْذُورُ جُمُعَةٍ (وَأَدَائِهَا) عَلَى مَنْ تَحَمَّلَهَا إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ، وَإِلَّا فَهُوَ فَرْضُ عَيْنٍ كَمَا يَأْتِي (وَالْحِرَفُ وَالصَّنَائِعُ) كَتِجَارَةٍ وَحِجَامَةٍ لِتُوقِفَ قِيَامَ الدِّينِ عَلَى قِيَامِ الدُّنْيَا، وَقِيَامُهَا عَلَى ذَيْنِكَ وَتَغَايُرُهُمَا الَّذِي اقْتَضَاهُ الْعَطْفُ، عَلَى خِلَافِ مَا فِي الصِّحَاحِ يَكْفِي فِيهِ أَنَّ الْحِرْفَةَ أَعَمُّ عُرْفًا؛ لِأَنَّهَا تَشْمَلُ مَا يَسْتَدْعِي عَمَلًا وَغَيْرَهُ، كَأَنْ يَتَّخِذَ صُنَّاعًا يَعْمَلُونَ عِنْدَهُ، وَالصَّنْعَةُ تَخْتَصُّ بِالْأَوَّلِ (وَمَا يَتِمُّ بِهِ الْمَعَاشُ) عَطْفٌ مُرَادِفٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ تَيْنِكَ وَلَا يَحْتَاجُ لِأَمْرِ النَّاسِ بِهَا لِكَوْنِهِمْ جُبِلُوا عَلَى الْقِيَامِ بِهَا لَوْ تَمَالَئُوا عَلَى تَرْكِهَا أَثِمُوا وَقُتِلُوا
(وَجَوَابُ سَلَامٍ) مَنْدُوبٌ وَإِنْ كُرِهَتْ صِيغَتُهُ وَلَوْ مَعَ رَسُولٍ أَوْ فِي كِتَابٍ، وَيَجِبُ الرَّدُّ فَوْرًا، وَيُنْدَبُ الرَّدُّ عَلَى الْمُبَلِّغِ وَالْبَدَاءَةُ بِهِ فَيَقُولُ وَعَلَيْكَ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ غَيْرِ مُتَحَلِّلٍ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
فِي الْكَفَّارَةِ كِفَايَةُ الْعُمُرِ الْغَالِبِ وَالْقِيَاسُ مَجِيئُهُ هُنَا.
(قَوْلُهُ: أَصَحُّهُمَا ثَانِيهِمَا) أَيْ وَيُرْجَعُ فِيمَا لَا يُعْلَمُ إلَّا مِنْهُ كَالشِّبَعِ إلَيْهِ (قَوْلُهُ: مِنْ شِتَاءٍ وَصَيْفٍ) أَيْ لَا مِنْ كَوْنِهِ فَقِيهًا أَوْ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ الْقَائِمِينَ بِحِفْظِهَا) أَيْ الْبَلَدِ، وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّ مَا تَأْخُذُهُ الْجُنْدُ الْآنَ مِنْ الْجَوَامِكِ يَسْتَحِقُّونَهُ وَلَوْ زَائِدًا عَلَى قَدْرِ الْكِفَايَةِ حَيْثُ اُحْتِيجَ إلَيْهِ فِي إظْهَارِ شَوْكَتِهِمْ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا تَأْخُذُهُ أُمَرَاؤُهُمْ مِنْ الْخُيُولِ وَالْمَمَالِيكِ الَّتِي لَا يَتِمُّ نِظَامُهُمْ وَشَوْكَتُهُمْ إلَّا بِهَا لِقِيَامِهِمْ بِحِفْظِ حَوَادِثِ الْمُسْلِمِينَ (قَوْلُهُ وَلَوْ تَعَذَّرَ اسْتِيعَابُهُمْ) أَيْ الْأَغْنِيَاءِ
(قَوْلُهُ: عَلَى أَهْلٍ) أَيْ عَدْلٍ (قَوْلُهُ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ نِصَابٍ) أَيْ وَهُوَ اثْنَانِ.
(قَوْلُهُ: وَمَا يَتِمُّ بِهِ الْمَعَاشُ) ع: فِي الْحَدِيثِ «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» فَسَّرَهُ الْحَلِيمِيُّ بِاخْتِلَافِ هِمَمِهِمْ فِي الْحِرَفِ وَالصَّنَائِعِ، وَنَفَى الْإِمَامُ وُجُوبَ هَذَا اسْتِغْنَاءً بِالطَّبْعِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كُرِهَتْ صِيغَتُهُ) أَيْ كَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ كَمَا يَأْتِي.
[فَائِدَةٌ] قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إذَا قُلْتَ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَوْ سَلَّمْتَ عَلَى أَحَدٍ فِي الطَّرِيقِ فَقُلْتَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَأَحْضِرْ فِي قَلْبِكَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ وَمَيِّتٍ وَحَيٍّ فَإِنَّهُ مِنْ ذَلِكَ الْمَقَامِ يَرُدُّ عَلَيْكَ فَلَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا رُوحٌ مُطَهَّرٌ يَبْلُغُهُ سَلَامُكَ إلَّا وَيَرُدُّ عَلَيْكَ، وَهُوَ دُعَاءٌ فَيُسْتَجَابُ فِيك فَتُفْلِحُ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ سَلَامُك مِنْ عِبَادِ اللَّهِ الْمُهِيمُ فِي جَلَالِهِ الْمُشْتَغِلُ بِهِ، فَأَنْتَ قَدْ سَلَّمْتَ عَلَيْهِ بِهَذَا الشُّمُولِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْك، وَكَفَى بِهَذَا شَرَفًا لَك حَيْثُ يُسَلِّمُ عَلَيْك الْحَقُّ فَلَيْتَهُ لَمْ يَسْمَعْ أَحَدٌ مِمَّنْ سَلَّمْت عَلَيْهِ حَتَّى يَنُوبَ اللَّهُ سبحانه وتعالى عَنْ الْكُلِّ فِي الرَّدِّ عَلَيْك اهـ مُنَاوِيٌّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عِنْدَ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم السَّلَامُ قَبْلَ السُّؤَالِ إلَخْ.
(قَوْلُهُ: مِنْ مُسْلِمٍ) مُتَعَلِّقٌ بِسَلَامِ أَوْ صِفَةٌ لَهُ (قَوْلُهُ: مُمَيِّزٍ) لَيْسَ بِهِ سُكْرٌ وَلَا جُنُونٌ كَمَا يَأْتِي، وَشَمِلَتْ عِبَارَتُهُ الْفَاسِقَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلَهُ الْمَارَّ لَمْ يَجِبْ
(قَوْلُهُ وَحَضَرَ لَهُ الْمُحَمِّلُ) أَيْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ غَيْرُهُ
(قَوْلُهُ: مِنْ مُسْلِمٍ مُمَيِّزٍ) أَيْ صَبِيٍّ، أَمَّا
بِهِ مِنْ صَلَاةٍ (عَلَى جَمَاعَةٍ) أَيْ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مُكَلَّفِينَ أَوْ سُكَارَى لَهُمْ نَوْعُ تَمْيِيزٍ سَمِعُوهُ، أَمَّا وُجُوبُهُ فَبِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ إسْقَاطُ الْمُسْلِمِ لِحَقِّهِ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا كَوْنُهُ عَلَى الْكِفَايَةِ فَلِخَبَرِ «يُجْزِي عَنْ الْجَمَاعَةِ إذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِي عَنْ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ» وَيَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ عَنْ بَاقِيهِمْ، فَإِنْ رَدُّوا كُلُّهُمْ وَلَوْ مُرَتَّبًا أُثِيبُوا ثَوَابَ الْفَرْضِ كَالْمُصَلِّينَ عَلَى الْجِنَازَةِ، وَلَوْ رَدَّتْ امْرَأَةٌ عَنْ رَجُلٍ أَجْزَأَ إنْ شَرَعَ السَّلَامَ عَلَيْهَا، وَإِلَّا فَلَا أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُمْ لَمْ يَسْقُطْ، بِخِلَافِ نَظِيرِهِ فِي الْجِنَازَةِ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ ثَمَّ الدُّعَاءُ وَهُوَ مِنْهُ أَقْرَبُ لِلْإِجَابَةِ وَهُنَا الْأَمْنُ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، وَقَضِيَّتُهُ إجْزَاءُ تَشْمِيتِ الصَّبِيِّ عَنْ جَمْعٍ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّبَرُّكُ وَالدُّعَاءُ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَشَرْطُهُ إسْمَاعٌ وَاتِّصَالُ كَاتِّصَالِ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ، فَإِنْ شَكَّ فِي سَمَاعِهِ زَادَ فِي الرَّفْعِ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ نِيَامٌ خَفَضَ صَوْتَهُ، وَلَا يَكْفِي رَدُّ غَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِمْ، وَيَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ اللَّفْظِ وَالْإِشَارَةِ عَلَى مَنْ رَدَّ عَلَى أَصَمَّ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، نَعَمْ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ فَهِمَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ الْحَالِ وَالنَّظَرِ إلَى فَمِهِ لَمْ تَجِبْ الْإِشَارَةُ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ، وَتُجْزِي إشَارَةُ الْأَخْرَسِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا، وَصِيغَتُهُ ابْتِدَاءً السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَوْ سَلَامِي عَلَيْكُمْ، وَيُجْزِي مَعَ الْكَرَاهَةِ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ، وَيَجِبُ فِيهِ الرَّدُّ وَكَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ سَلَامٌ، أَمَّا لَوْ قَالَ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ فَلَا يَكُونُ سَلَامًا وَلَمْ يَجِبْ رَدُّهُ، وَنُدِبَتْ صِيغَةُ الْجَمْعِ لِأَجْلِ الْمَلَائِكَةِ فِي الْوَاحِدِ، وَيَكْفِي الْإِفْرَادُ فِيهِ بِخِلَافِهِ فِي الْجَمْعِ وَالْإِشَارَةِ بِيَدٍ أَوْ نَحْوِهَا مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ خِلَافَ الْأَوْلَى، وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّفْظِ أَفْضَلُ، وَصِيغَتُهُ رَدًّا وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَوْ عَلَيْكَ السَّلَامُ لِلْوَاحِدِ، وَيَجُوزُ مَعَ تَرْكِ الْوَاوِ، فَإِنْ عَكَسَ جَازَ، فَإِنْ قَالَ وَعَلَيْكُمْ وَسَكَتَ لَمْ يُجْزِ، وَهُوَ ابْتِدَاءً وَجَوَابًا بِالتَّعْرِيفِ أَفْضَلُ وَزِيَادَةُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ أَكْمَلُ فِيهِمَا، وَلَوْ سَلَّمَ كُلٌّ مِنْ اثْنَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مَعًا لَزِمَ كُلًّا رَدٌّ، أَوْ مُرَتَّبًا كَفَى الثَّانِيَ سَلَامُهُ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
فَيَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِ، بِخِلَافِ ابْتِدَائِهِ بِالسَّلَامِ فَلَا يُسَنُّ عَلَى مَا يَأْتِي أَيْضًا (قَوْلُهُ: وَلَوْ رَدَّتْ امْرَأَةٌ عَنْ رَجُلٍ) أَيْ فِيمَا لَوْ سَلَّمَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ وَعَلَيْهَا، بِخِلَافِ مَا لَوْ خَصَّ الرَّجُلَ بِالسَّلَامِ لِمَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ وَلَا يَكْفِي رَدُّ غَيْرِ الْمُسْلِمِ عَلَيْهِمْ، وَقَوْلُهُ إنْ شَرَعَ: أَيْ بِأَنْ كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ أَوْ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ مَثَلًا.
(قَوْلُهُ: أَوْ صَبِيٍّ) مِنْهُ يُعْلَمُ أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ السَّابِقِ وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ فَرْضِهِ كَصِبْيَانٍ إلَخْ غَيْرَ مُرَادٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: ذَاكَ خَصَّهُ بِالْجِهَادِ وَهُوَ لَا يَقْتَضِي طَرْدَهُ فِي غَيْرِهِ، وَقَرِينَةُ السِّيَاقِ تَدُلُّ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْقَصْدَ التَّبَرُّكُ) مُعْتَمَدٌ (قَوْلُهُ: وَشَرْطُهُ) أَيْ إجْزَاءِ الرَّدِّ (قَوْلُهُ: فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ نِيَامٌ خَفَضَ صَوْتَهُ) أَيْ نَدْبًا مَعَ الْإِسْمَاعِ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ أَدَّى إلَى إيقَاظِ النَّائِمِينَ.
(قَوْلُهُ: جَمَعَ بَيْنَهُمَا) أَيْ نَدْبًا (قَوْلُهُ: لَمْ تَجِبْ الْإِشَارَةُ) أَيْ فِي الْأَوَّلِ لِسُقُوطِ الْإِثْمِ وَفِي الثَّانِي لِحُصُولِ السُّنَّةِ (قَوْلُهُ: وَتُجْزِي إشَارَةُ الْأَخْرَسِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا إنْ فَهِمَهَا كُلُّ أَحَدٍ) وَإِلَّا كَانَتْ كِنَايَةً فَتُعْتَبَرُ النِّيَّةُ مَعَهَا لِوُجُوبِ الرَّدِّ وَلِلْكِفَايَةِ فِي حُصُولِ السُّنَّةِ مِنْهُ (قَوْلُهُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ) أَيْ وَلَوْ عَلَى وَاحِدٍ (قَوْلُهُ: أَوْ سَلَامِي عَلَيْكُمْ) قَالَ حَجّ: وَيَجُوزُ تَنْكِيرُ لَفْظِهِ وَإِنْ حُذِفَ التَّنْوِينُ فِيمَا يَظْهَرُ.
(قَوْلُهُ: أَمَّا لَوْ قَالَ) أَيْ ابْتِدَاءً، وَقَوْلُهُ وَعَلَيْكُمْ بِالْوَاوِ (قَوْلُهُ: بِخِلَافِهِ فِي الْجَمْعِ) أَيْ فَلَا يَكْفِي لِأَدَاءِ السُّنَّةِ وَلَا يَجِبُ الرَّدُّ حَيْثُ لَمْ يُعَيِّنْ وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَظَاهِرُ التَّقْيِيدِ بِذَلِكَ فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ جَمْعٌ لَا يَكْفِيهِ أَنْ يَقُولَ فِي الرَّدِّ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ (قَوْلُهُ: أَوْ نَحْوُهَا) أَيْ كَرَأْسٍ (قَوْلُهُ خِلَافَ الْأُولَى) وَلَا يَجِبُ الرَّدُّ (قَوْلُهُ: وَالْجَمْعُ بَيْنَهَا) أَيْ الْإِشَارَةِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ عَكَسَ) أَيْ كَأَنْ قَالَ فِي الرَّدِّ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ (قَوْلُهُ: وَعَلَيْكُمْ وَسَكَتَ) وَمِثْلُهُ سَلَامُ مَوْلَانَا (قَوْلُهُ: فِيهِمَا) أَيْ ابْتِدَاءً وَرَدًّا (قَوْلُهُ: أَوْ مُرَتَّبًا كَفَى) أَيْ إنْ أَتَى بِهِ بَعْدَ تَمَامِ صِيغَةِ الْأَوَّلِ.
ــ
[حاشية الرشيدي]
الْمَجْنُونُ فَسَيَأْتِي عَدَمُ وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ تَمْيِيزٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ رَدَّتْ امْرَأَةٌ عَنْ رَجُلٍ) أَيْ وَعَنْ نَفْسِهَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: خَفَضَ صَوْتَهُ) أَيْ مَعَ الْإِسْمَاعِ كَمَا لَا يَخْفَى (قَوْلُهُ: خِلَافُ الْأَوَّلِ) أَيْ لِلنَّهْيِ عَنْهُ فِي خَبَرِ التِّرْمِذِيِّ
رَدًّا.
نَعَمْ إنْ قَصَدَ بِهِ الِابْتِدَاءَ صَرَفَهُ عَنْ الْجَوَابِ، أَوْ قَصَدَ بِهِ الِابْتِدَاءَ وَالرَّدَّ فَكَذَلِكَ فَيَجِبُ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ أَوَّلًا، وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ دَفْعَةً أَوْ مُرَتَّبًا، وَلَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بَيْنَ سَلَامِ الْأَوَّلِ وَالْجَوَابِ كَفَاهُ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ بِقَصْدِهِمْ، وَكَذَا إنْ أَطْلَقَ فِيمَا يَظْهَرُ وَيُسَلِّمُ رَاكِبٌ عَلَى مَاشٍ، وَهُوَ عَلَى وَاقِفٍ وَقَاعِدٍ وَصَغِيرٌ عَلَى كَبِيرٍ وَقَلِيلٌ عَلَى كَثِيرٍ حَالَةَ التَّلَاقِي، فَإِنْ عُكِسَ لَمْ يُكْرَهْ فَلَوْ تَلَاقَى قَلِيلٌ مَاشٍ وَكَثِيرٌ رَاكِبٌ تَعَارَضَا، وَيُنْدَبُ لِلنِّسَاءِ إلَّا مَعَ الرِّجَالِ الْأَجَانِبِ فَيَحْرُمُ مِنْ الشَّابَّةِ ابْتِدَاءً وَرَدًّا وَيُكْرَهَانِ عَلَيْهَا، نَعَمْ لَا يُكْرَهُ سَلَامُ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ الرِّجَالِ عَلَيْهَا حَيْثُ لَمْ تَخَفْ فِتْنَةً لَا عَلَى جَمْعِ نِسْوَةٍ أَوْ عَجُوزٍ فَلَا يُكْرَهَانِ، وَاسْتُثْنِيَ عَبْدُهَا وَكُلُّ مَنْ يُبَاحُ نَظَرُهُ إلَيْهَا، وَلَوْ سَلَّمَ بِالْعَجَمِيَّةِ جَازَ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ حَيْثُ فَهِمَهَا الْمُخَاطَبُ وَوَجَبَ الرَّدُّ، وَلَا يَجِبُ رَدُّ سَلَامِ مَجْنُونٍ وَسَكْرَانَ وَإِنْ كَانَ لَهُمَا تَمْيِيزٌ، وَمَحَلُّهُ فِي الثَّانِي مِنْ غَيْرِ الْمُتَعَدِّي.
أَمَّا هُوَ فَفَاسِقٌ، وَيَحْرُمُ بَدَاءَةُ ذِمِّيٍّ بِهِ، فَإِنْ بَانَ ذِمِّيًّا اُسْتُحِبَّ لَهُ اسْتِرْدَادُ سَلَامِهِ، فَإِنْ سَلَّمَ الذِّمِّيُّ عَلَى مُسْلِمٍ قَالَ لَهُ وُجُوبًا وَعَلَيْكَ، وَيَجِبُ اسْتِثْنَاؤُهُ وَلَوْ بِقَلْبِهِ إنْ كَانَ مَعَ مُسْلِمِينَ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وَتَحْرُمُ بَدَاءَتُهُ بِتَحِيَّةٍ غَيْرِ السَّلَامِ، وَإِنْ كَتَبَ إلَى كَافِرٍ قَالَ السَّلَامُ عَلَى مَنْ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَلَوْ قَامَ عَنْ جَلِيسٍ لَهُ فَسَلَّمَ وَجَبَ الرَّدُّ، وَمَنْ دَخَلَ دَارِهِ سَلَّمَ نَدْبًا عَلَى أَهْلِهِ أَوْ مَوْضِعًا خَالِيًا فَلْيَقُلْ نَدْبًا السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، وَيُسَمِّي اللَّهَ قَبْلَ دُخُولِهِ وَيَدْعُو (وَيُسَنُّ) عَيْنًا لِلْوَاحِدِ وَكِفَايَةً لِلْجَمَاعَةِ كَالتَّسْمِيَةِ لِلْأَكْلِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ،
ــ
[حاشية الشبراملسي]
فَائِدَةٌ] جَمَعَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ الْمَسَائِلَ الَّتِي لَا يَجِبُ فِيهَا رَدُّ السَّلَامِ فَقَالَ:
رَدُّ السَّلَامِ وَاجِبٌ إلَّا عَلَى
…
مَنْ فِي صَلَاةٍ أَوْ بِأَكْلٍ شُغِلَا
أَوْ شُرْبٍ أَوْ قِرَاءَةٍ أَوْ أَدْعِيَهْ
…
أَوْ ذِكْرٍ أَوْ فِي خُطْبَةٍ أَوْ تَلْبِيَهْ
أَوْ فِي قَضَاءِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ
…
أَوْ فِي إقَامَةٍ أَوْ الْأَذَانِ
أَوْ سَلَّمَ الطِّفْلُ أَوْ السَّكْرَانُ
…
أَوْ شَابَةٌ يُخْشَى بِهَا افْتِتَانُ
أَوْ فَاسِقٌ أَوْ نَاعِسٌ أَوْ نَائِمْ
…
أَوْ حَالَةَ الْجِمَاعِ أَوْ تَحَاكُمْ
أَوْ كَانَ فِي حَمَّامٍ أَوْ مَجْنُونَا
…
فَوَاحِدٌ مِنْ بَعْدِهِ عِشْرُونَا
قَوْلُهُ فِي النَّظْمِ أَوْ شَابَةِ بِالتَّخْفِيفِ لِلضَّرُورَةِ (قَوْلُهُ: كَفَى الثَّانِي سَلَامُهُ رَدًّا) أَيْ إنْ قَصَدَ بِهِ الرَّدَّ أَوْ أَطْلَقَ أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ نَعَمْ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَيُسَلِّمُ رَاكِبٌ) أَيْ يُسَنُّ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ: أَيْ الْمَاشِي (قَوْلُهُ: تَعَارَضَا) أَيْ فَلَا أَوْلَوِيَّةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ (قَوْلُهُ وَيُكْرَهَانِ) أَيْ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ (قَوْلُهُ: لَا عَلَى جَمْعِ نِسْوَةٍ) قِيَاسُ مَا فِي الْعَدَدِ مِنْ جَوَازِ خَلْوَةِ رَجُلٍ بِامْرَأَتَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَمْعِ هُنَا مَا فَوْقَ الْوَاحِدَةِ (قَوْلُهُ: فَلَا يُكْرَهَانِ) أَيْ عَلَيْهِمَا وَلَا يَحْرُمَانِ مِنْهُمَا.
وَحِينَئِذٍ فَيَجِبُ عَلَيْهَا الرَّدُّ وَعَلَى مَنْ سَلَّمَتْ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ لَهُمَا تَمْيِيزٌ) يُؤْخَذُ مِنْهُ تَقْيِيدُ الْمُمَيِّزِ فِيمَا مَرَّ بِغَيْرِهِمَا لَكِنْ فِي حَجّ حَمَلَ السَّكْرَانَ وَالْمَجْنُونَ هُنَا عَلَى مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ، وَعَلَيْهِ فَالْمُمَيِّزُ فِيمَا مَرَّ جَارٍ عَلَى إطْلَاقِهِ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ فِي الثَّانِي) لَعَلَّ وَجْهَ التَّقْيِيدِ بِهِ لِيَكُونَ ذِكْرُهُ مُحْتَاجًا إلَيْهِ لَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ غَيْرِ الْمُتَعَدِّي فَإِنَّهُ كَمَا لَا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الْمُتَعَدِّي لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: أَمَّا هُوَ فَفَاسِقٌ) أَيْ فَلَا يَجِبُ الرَّدُّ بَلْ هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ الْآتِي بَلْ يُنْدَبُ تَرْكُهُ حَيْثُ كَانَ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ (قَوْلُهُ: اُسْتُحِبَّ لَهُ اسْتِرْدَادُ سَلَامِهِ) أَيْ كَأَنْ يَقُولَ اسْتَرْجَعْتُ سَلَامِي أَوْ رُدَّ إلَيَّ سَلَامِي أَوْ نَحْوَهُ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ تَحْقِيرُهُ (قَوْلُهُ: وَتَحْرُمُ بُدَاءَتُهُ بِتَحِيَّةٍ غَيْرِ السَّلَامِ) وَمِنْهُ صَبَاحُ الْخَيْرِ أَوْ مَسَاءُ الْخَيْرِ (قَوْلُهُ: وَيُسَمِّي اللَّهَ قَبْلَ دُخُولِهِ) أَيْ الْمَوْضِعَ الْخَالِيَ (قَوْلُهُ: وَيَدْعُو) أَيْ وَلَوْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
وَلَا يَجِبُ لَهَا رَدٌّ (قَوْلُهُ: فَيَجِبُ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ أَوَّلًا) أَيْ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ (قَوْلُهُ: وَمَحَلُّهُ فِي الثَّانِي فِي غَيْرِ الْمُتَعَدِّي إلَخْ)
وَجَوَابُهُ (ابْتِدَاؤُهُ) بِهِ عِنْدَ إقْبَالِهِ أَوْ انْصِرَافِهِ عَلَى مُسْلِمٍ لِلْخَبَرِ الْحَسَنِ «إنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاَللَّهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ» وَفَارَقَ الرَّدَّ بِأَنَّ الْإِيحَاشَ وَالْإِخَافَةَ فِي تَرْكِ الرَّدِّ أَعْظَمُ مِنْهُمَا فِي تَرْكِ الِابْتِدَاءِ، لَكِنْ ابْتِدَاؤُهُ أَفْضَلُ مِنْ رَدِّهِ كَإِبْرَاءِ الْمُعْسِرِ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ إنْظَارِهِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ ابْتِدَاؤُهُ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ بَعْدَ تَكَلُّمٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، نَعَمْ يُحْتَمَلُ فِي تَكَلُّمٍ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا وَعُذِرَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَفُوتُ الِابْتِدَاءُ بِهِ فَيَجِبُ جَوَابُهُ، وَلَوْ أَرْسَلَ سَلَامَهُ لِغَائِبٍ يُشْرَعُ لَهُ السَّلَامُ عَلَيْهِ كَأَنْ قَالَ لِلرَّسُولِ: سَلِّمْ لِي عَلَى فُلَانٍ كَانَ وَكِيلًا عَنْهُ فِي الْإِتْيَانِ بِصِيغَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ، فَإِنْ أَتَى الْمُرْسَلُ بِصِيغَتِهِ، وَقَالَ لَهُ سَلِّمْ لِي عَلَى فُلَانٍ كَفَاهُ أَنْ يَقُولَ فُلَانٌ يُسَلِّمُ عَلَيْك، وَيَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ فِيهِمَا تَبْلِيغُهُ مَا لَمْ يَرُدَّ الرِّسَالَةَ (لَا عَلَى) نَحْوِ (قَاضِي حَاجَةِ) بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ جِمَاعٍ (وَ) شَارِبٍ وَ (آكِلٍ) فِي فَمِهِ لُقْمَةٌ تَشْغَلُهُ (وَ) كَائِنٍ (فِي حَمَّامٍ) لِاشْتِغَالِهِ بِالِاغْتِسَالِ.
ــ
[حاشية الشبراملسي]
قَوْلُهُ: وَقَضِيَّتُهُ) أَيْ الْحَدِيثِ (قَوْلُهُ أَنَّهُ لَوْ أَتَى بِهِ بَعْدَ تَكَلُّمٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ يَسِيرًا وَمِنْهُ صَبَاحُ الْخَيْرِ (قَوْلُهُ: لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إذَا أَتَى بِهِ، ثُمَّ تَكَلَّمَ لَا يَبْطُلُ الِاعْتِدَادُ بِهِ فَيَجِبُ الرَّدُّ، وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ قَبْلُ وَشَرْطُهُ إسْمَاعٌ وَاتِّصَالٌ كَاتِّصَالِ الْإِيجَابِ بِالْقَبُولِ بُطْلَانُهُ بِالتَّكَلُّمِ وَإِنْ قَلَّ بِنَاءً عَلَى مَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ تَخَلُّلَ الْكَلَامِ يُبْطِلُ الْبَيْعَ سَوَاءً أَكَانَ مِمَّنْ يُرِيدُ أَنْ يُتِمَّ الْعَقْدَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
وَيُمْكِنُ تَخْصِيصُ مَا مَرَّ بِالِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا طَالَ الْفَصْلُ بَيْنَهُمَا، وَمَا هُنَا بِمَا إذَا قَلَّ الْفَاصِلُ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْعِ بِأَنَّهُ بِالْكَلَامِ يُعَدُّ مُعْرِضًا عَنْ الْبَيْعِ، وَالْمَقْصُودُ هُنَا الْأَمَانُ، وَقَدْ وُجِدَ بِمُجَرَّدِ الصِّيغَةِ فَلَا يَضُرُّ الْكَلَامُ بِهِ مِنْ الْمُبْتَدِئِ.
وَيُشْتَرَطُ الْفَوْرُ مِنْ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ لَا يَشْتَغِلُ بِكَلَامِ أَجْنَبِيٍّ مُطْلَقًا وَلَا بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ؛ لِأَنَّهُ بِذَلِكَ لَا يُعَدُّ قَابِلًا لِلْأَمَانِ بَلْ مُعْرِضًا عَنْهُ فَكَأَنَّهُ رَدَّهُ (قَوْلُهُ: وَعُذِّرَ بِهِ أَنَّهُ لَا يَفُوتُ) وَمِثْلُهُ الرَّدُّ (قَوْلُهُ: وَلَوْ أَرْسَلَ سَلَامَهُ لِغَائِبٍ) يَنْبَغِي وَلَوْ فَاسِقًا وَيَلْزَمُهُ تَبْلِيغُهُ؛ لِأَنَّهُ تَحَمَّلَ الْأَمَانَةَ وَإِنْ جَازَ تَرْكُ رَدِّ سَلَامِ الْفَاسِقِ زَجْرًا م ر اهـ سم عَلَى حَجّ.
[فَرْعٌ] إذَا أَرْسَلَ السَّلَامَ مَعَ عَبْدِهِ إلَى أَحَدٍ فَإِنْ قَالَ لَهُ سَلِّمْ لِي عَلَى فُلَانٍ، فَإِنْ قَالَ الرَّسُولُ لِفُلَانٍ فُلَانٌ يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْك أَوْ السَّلَامُ عَلَيْك مِنْ فُلَانٍ وَجَبَ الرَّدُّ، وَكَذَا لَوْ قَالَ السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ فَبَلِّغْهُ عَنِّي فَقَالَ الرَّسُولُ لِفُلَانٍ زَيْدٌ يُسَلِّمُ عَلَيْك وَجَبَ الرَّدُّ.
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الِاعْتِدَادِ بِهِ وَوُجُوبِ الرَّدِّ مِنْ صِيغَةٍ مِنْ الْمُرْسِلِ أَوْ الرَّسُولِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تُوجَدْ مِنْ وَاحِدٍ كَأَنْ قَالَ الْمُرْسِلُ سَلِّمْ لِي عَلَى فُلَانٍ، فَقَالَ الرَّسُولُ لِفُلَانٍ زَيْدٌ يُسَلِّمُ عَلَيْك فَلَا اعْتِدَادَ بِهِ وَلَا يَجِبُ الرَّدُّ كَذَا نَقَلَهُ م ر عَنْ وَالِدِهِ وَاعْتَمَدَهُ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَيُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الشَّارِحِ حَيْثُ غَايَرَ بَيْنَ اقْتِصَارِهِ عَلَى قَوْلِهِ سَلِّمْ لِي عَلَى فُلَانٍ مِنْ كَوْنِهِ يَكُونُ وَكِيلًا فِي الصِّيغَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَا لَوْ أَتَى الْمُوَكَّلُ بِصِيغَةِ السَّلَامِ الشَّرْعِيَّةِ حَيْثُ اكْتَفَى فِي تَبْلِيغِهَا بِفُلَانٍ يُسَلِّمُ عَلَيْك (قَوْلُهُ: كَفَاهُ أَنْ يَقُولَ) أَيْ فِي الْخُلُوصِ مِنْ الْعُهْدَةِ أَوْ فِي وُجُوبِ الرَّدِّ (قَوْلُهُ: وَيَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ فِيهِمَا تَبْلِيغُهُ) أَيْ وَلَوْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ بِأَنْ نَسِيَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَذَكَّرَهُ؛ لِأَنَّهُ أَمَانَةٌ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يَرُدَّ الرِّسَالَةَ) قَالَ م ر: أَيْ بِحَضْرَةِ الْمُرْسِلِ، وَلَا يَصِحُّ رَدُّهُ فِي غِيبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ الرَّدُّ فِي غِيبَتِهِ اهـ فَلْيُتَأَمَّلْ هَذَا هَلْ هُوَ مَنْقُولٌ؟ وَعَلَى تَسْلِيمِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ جَاءَهُ كِتَابٌ، وَفِيهِ سَلِّمْ لِي عَلَى فُلَانٍ فَلَهُ رَدُّهُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ تَحَمُّلٌ، وَإِنَّمَا طَلَبَ مِنْهُ تَحَمُّلَ هَذِهِ الْأَمَانَةِ عِنْدَ وُصُولِ الْكِتَابِ إلَيْهِ فَلَهُ أَنْ لَا يَتَحَمَّلهَا بِأَنْ يَرُدَّهَا فِي الْحَالِ فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: لِاشْتِغَالِهِ بِالِاغْتِسَالِ) أَشَارَ إلَى خُرُوجِ الْمَسْلَخِ فَيُسَنُّ السَّلَامُ عَلَى مَنْ فِيهِ م ر، وَمَالَ
ــ
[حاشية الرشيدي]
عِبَارَةٌ مُتَهَافِتَةٌ، إذْ الْحُكْمُ فِي الْقَيْدِ وَالْمُقَيَّدِ وَاحِدٌ (قَوْلُهُ: كَأَنْ قَالَ لِلرَّسُولِ سَلِّمْ لِي عَلَى فُلَانٍ كَانَ وَكِيلًا إلَخْ) أَيْ خِلَافًا لِابْنِ حَجَرٍ وَحَاوَلَ الشِّهَابُ ابْنُ قَاسِمٍ رَدَّ كَلَامِ ابْنِ حَجَرٍ إلَى كَلَامِ الشَّارِحِ بِمَا لَا يَقْبَلُهُ كَمَا يُعْلَمُ بِمُرَاجَعَتِهِ (قَوْلُهُ: فَإِنْ أَتَى الْمُرْسَلُ بِصِيغَةٍ إلَخْ) وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ وُجُودُ الصِّيغَةِ الْمُعْتَبَرَةِ مِنْ الْمُرْسِلِ أَوْ الرَّسُولِ (قَوْلُهُ: لِاشْتِغَالِهِ بِالِاغْتِسَالِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرَ مُشْتَغِلٍ بِالِاغْتِسَالِ يُسَنُّ عَلَيْهِ فَلْيُرَاجَعْ
وَقَضِيَّتُهُ نَدْبُهُ فِي الْمَسْلَخِ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَا عَلَى فَاسِقٍ بَلْ يُنْدَبُ تَرْكُهُ حَيْثُ كَانَ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ، وَمُرْتَكِبِ ذَنْبٍ عَظِيمٍ لَمْ يَتُبْ عَنْهُ، وَمُبْتَدِعٍ إلَّا لِعُذْرٍ أَوْ خَوْفِ مَفْسَدَةٍ، وَلَا عَلَى مُصَلٍّ وَسَاجِدٍ وَمُلَبٍّ وَمُؤَذِّنٍ وَمُقِيمٍ وَنَاعِسٍ وَخَطِيبٍ وَمُسْتَمِعِهِ وَمُسْتَغْرِقِ الْقَلْبِ بِدُعَاءٍ وَمُتَخَاصِمَيْنِ بَيْنَ يَدَيْ حَاكِمٍ (وَلَا جَوَابَ) يَجِبُ (عَلَيْهِمْ) إلَّا مُسْتَمِعِ الْخُطْبَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ بَلْ يُكْرَهُ لِقَاضِي الْحَاجَةِ وَنَحْوِهِ كَالْمُجَامِعِ وَيُنْدَبُ لِلْآكِلِ، نَعَمْ يُسَنُّ السَّلَامُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْبَلْعِ وَقَبْلَ وَضْعِ اللُّقْمَةِ بِالْفَمِ، وَيَرُدُّ الْمُلَبِّي فِي الْإِحْرَامِ نَدْبًا بِاللَّفْظِ، وَمِثْلُهُ مَنْ بِالْحَمَّامِ.
وَيُنْدَبُ لِمُصَلٍّ وَمُؤَذِّنٍ إشَارَةٌ، وَإِلَّا فَبَعْدَ فَرَاغِهِ مَعَ قُرْبِ الْفَصْلِ. وَيُنْدَبُ عَلَى الْقَارِئِ وَإِنْ اشْتَغَلَ بِالتَّدَبُّرِ وَيَجِبُ رَدُّهُ.
نَعَمْ يَتَّجِهُ أَخْذًا مِمَّا مَرَّ فِي الدُّعَاءِ أَنَّ مَحَلَّهُ فِي قَارِئٍ لَمْ يَسْتَغْرِقْ قَلْبُهُ فِي التَّدَبُّرِ، وَإِلَّا لَمْ يُسَنَّ ابْتِدَاءً وَلَا يَجِبُ رَدٌّ وَلَا يَسْتَحِقُّ مُبْتَدِئٌ بِنَحْوِ صَبَّحَكَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ أَوْ قَوَّاكَ اللَّهُ جَوَابًا وَدُعَاؤُهُ لَهُ فِي نَظِيرِهِ حَسَنٌ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِإِهْمَالِهِ تَأْدِيبَهُ لِتَرْكِهِ سُنَّةَ السَّلَامِ، وَحَنْيُ الظَّهْرِ مَكْرُوهٌ، وَكَذَا بِالرَّأْسِ وَتَقْبِيلُ نَحْوِ رَأْسٍ أَوْ يَدٍ أَوْ رِجْلٍ كَذَلِكَ.
وَيُنْدَبُ ذَلِكَ لِنَحْوِ عِلْمٍ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ شَرَفٍ أَوْ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
طب إلَى خِلَافِهِ إذَا كَانَ مَشْغُولًا بِلُبْسِ ثِيَابِهِ أَخْذًا مِنْ الْعِلَّةِ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
وَكَتَبَ أَيْضًا حَفِظَهُ اللَّهُ: قَوْلُهُ لِاشْتِغَالِهِ بِالِاغْتِسَالِ قَضِيَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ جَالِسًا بِالْحَمَّامِ، وَلَيْسَ مَشْغُولًا بِغُسْلٍ وُجُوبُ الرَّدِّ عَلَيْهِ، وَعِبَارَةُ حَجّ: لِاشْتِغَالِهِ إلَخْ، وَلِأَنَّهُ مَأْوَى الشَّيَاطِينِ، وَقَضِيَّةُ الْأُولَى نَدْبُهُ عَلَى غَيْرِ الْمُشْتَغِلِ بِشَيْءٍ وَلَوْ دَاخِلَهُ، وَالثَّانِيَةُ عَدَمُ نَدْبِهِ عَلَى مَنْ فِيهِ وَلَوْ بِمَسْلَخِهِ، وَهُوَ قَضِيَّةُ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ، ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ وَغَيْرَهُ قَالَ: إنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ بِمَسْلَخِهِ وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ كَوْنَهُ مَحَلَّ الشَّيَاطِينِ لَا يَقْتَضِي تَرْكَ السَّلَامِ عَلَيْهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّ السُّوقَ مَحَلُّهُ، وَيُسَنُّ السَّلَامُ عَلَى مَنْ فِيهِ وَيَلْزَمُهُمْ الرَّدُّ (قَوْلُهُ: وَهُوَ كَذَلِكَ) وَقَضِيَّتُهُ أَيْضًا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مَشْغُولًا فِي الْحَمَّامِ بِغُسْلٍ أَوْ نَحْوِهِ سُنَّ ابْتِدَاؤُهُ بِالسَّلَامِ وَوَجَبَ الرَّدُّ (قَوْلُهُ حَيْثُ كَانَ مُجَاهِرًا بِفِسْقِهِ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ مُخْفِيًا لَا يُسَنُّ ابْتِدَاؤُهُ بِالسَّلَامِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَلَا عَلَى فَاسِقٍ شَامِلٌ لِلْمُجَاهِرِ وَلِغَيْرِهِ اسْتَثْنَى مِنْهُ الْمُجَاهِرَ بِقَوْلِهِ بَلْ يُنْدَبُ إلَخْ، فَبَقِيَ الْمُخْفِي عَلَى مُجَرَّدِ عَدَمِ سَنِّ السَّلَامِ عَلَيْهِ، وَإِنْ عَلِمَ الْمُسْلِمُ فِسْقَهُ وَهُوَ يَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ.
وَقَضِيَّةُ قَوْلِهِ بَلْ يُنْدَبُ تَرْكُهُ حَيْثُ كَانَ إلَخْ أَنَّهُ عَلَى الْمُجَاهِرِ خِلَافَ الْأُولَى فَلْيُتَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَمُرْتَكِبِ ذَنْبٍ) أَيْ كَالزِّنَا، وَهُوَ عَطْفُ أَخَصَّ عَلَى أَعَمَّ (قَوْلُهُ: وَمُبْتَدِعٌ) أَيْ لَمْ يَفْسُقْ بِبِدْعَتِهِ وَيَنْبَغِي رُجُوعُهُ لِلْجَمِيعِ (قَوْلُهُ: إلَّا لِعُذْرٍ) وَمِنْهُ خَوْفُهُ أَنْ يَقْطَعَ نَفَقَتَهُ (قَوْلُهُ: وَمُسْتَغْرِقُ الْقَلْبِ بِدُعَاءٍ) قَالَ سم عَلَى حَجّ: الْأَذْكَارُ الْمَطْلُوبَةُ عَقِبَ الصَّلَاةِ قَبْلَ التَّكَلُّمِ هَلْ يُسَنُّ السَّلَامُ، وَيَجِبُ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْتَغِلِ بِهَا أَوْ لَا؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالثَّانِي غَيْرُ بَعِيدٍ إذْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الرَّدُّ مَشَقَّةً شَدِيدَةً لِتَفْوِيتِهِ الثَّوَابَ الْمُرَتَّبَ عَلَيْهَا وَاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَفُوتَ لِعُذْرِهِ بِالرَّدِّ.
وَيُعَارِضُهُ الِاحْتِيَاطُ فِي تَحْصِيلِ ذَلِكَ الثَّوَابِ لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْذُورًا بِالرَّدِّ فِي الْوَاقِعِ فَلْيُتَأَمَّلْ، نَعَمْ إنْ قَيَّدَ الْكَلَامَ فِي الْإِخْبَارِ بِمَا لَيْسَ خَبَرًا اتَّجَهَ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ فَلَا كَلَامَ فِي نَدْبِ السَّلَامِ مَعَهَا وَوُجُوبِ الرَّدِّ اهـ.
وَقَوْلُهُ نَعَمْ إنْ قَيَّدَ الْكَلَامَ إلَخْ أَيْ وَلَمْ نَرَ مَنْ قَيَّدَهُ (قَوْلُهُ: كَمَنْ بِالْحَمَّامِ) أَيْ غَيْرُ مَشْغُولٍ بِالِاغْتِسَالِ أَوْ نَحْوِهِ (قَوْلُهُ: وَمُؤَذِّنٌ إشَارَةٌ) أَيْ تُفْهِمُ رَدَّ السَّلَامِ بِرَأْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهَا (قَوْلُهُ: مَعَ قُرْبِ الْفَصْلِ) أَيْ عُرْفًا بِأَنْ لَا يَقْطَعَ الْقَبُولَ عَنْ الْإِيجَابِ كَمَا فِي الْبَيْعِ (قَوْلُهُ: وَيُنْدَبُ عَلَى الْقَارِئِ) وَمِثْلُهُ الْمُدَرِّسُ وَالطَّلَبَةُ فَيُنْدَبُ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ وَيَجِبُ الرَّدُّ (قَوْلُهُ: جَوَابًا) أَيْ لِمَا ابْتَدَأَ بِهِ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ بَعْدُ لَا يَسْتَحِقُّ جَوَابًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ ابْتِدَاؤُهُ: أَيْ لَوْ أَتَى بِهِ بَعْدَ كَلَامٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ.
(قَوْلُهُ: وَحَنْيُ الظَّهْرِ مَكْرُوهٌ) أَيْ وَانْضَمَّ إلَيْهِ السَّلَامُ وَلَوْ اتَّفَقَتْ الْمَذْكُورَاتُ فِيهِ (قَوْلُهُ: لِنَحْوِ عِلْمٍ) مِنْ النَّحْوِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَمُرْتَكِبِ ذَنْبٍ عَظِيمٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى مُجَاهِرٍ، وَعِبَارَةُ التُّحْفَةِ بَلْ يُسَنُّ تَرْكُهُ عَلَى مُجَاهِرٍ بِفِسْقِهِ وَمُرْتَكِبِ ذَنْبٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَكَذَا بِالرَّأْسِ) لَعَلَّ الْبَاءَ زَائِدَةٌ
وِلَادَةٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ وِلَايَةٍ مَصْحُوبَةٍ بِصِيَانَةٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: أَوْ لِمَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ أَوْ يُخَافُ مِنْ شَرِّهِ وَلَوْ كَافِرًا خُشِيَ مِنْهُ ضَرَرًا لَا يُحْتَمَلُ عَادَةً، وَيَكُونُ عَلَى جِهَةِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَا الرِّيَاءِ وَالْإِعْظَامِ، وَيَحْرُمُ عَلَى دَاخِلٍ حُبُّ قِيَامِ الْقَوْمِ لَهُ لِلْحَدِيثِ الْحَسَنِ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَمَثَّلَ النَّاسُ لَهُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ» كَمَا فِي الرَّوْضَةِ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا إذَا أَحَبَّ قِيَامَهُمْ وَاسْتِمْرَارَهُ وَهُوَ جَالِسٌ أَوْ طَلَبًا لِلتَّكَبُّرِ عَلَى غَيْرِهِ، وَهَذَا أَخَفُّ تَحْرِيمًا مِنْ الْأَوَّلِ، إذْ هُوَ التَّمَثُّلُ فِي الْخَبَرِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ.
وَأَمَّا مَنْ أَحَبَّهُ جُودًا مِنْهُمْ عَلَيْهِ لِمَا أَنَّهُ صَارَ شِعَارًا لِلْمَوَدَّةِ فَلَا حُرْمَةَ فِيهِ وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ وَجْهِ صَبِيٍّ رَحْمَةً وَمَوَدَّةً.
وَيُنْدَبُ تَقْبِيلُ قَادِمٍ مِنْ سَفَرٍ وَمُعَانَقَتِهِ، وَيَحْرُمُ تَقْبِيلُ أَمْرَدَ حَسَنٍ لَا مَحْرَمِيَّةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَنَحْوُهَا وَمَسُّ شَيْءٍ مِنْ بَدَنِهِ بِلَا حَائِلٍ كَمَا مَرَّ
وَيُسَنُّ تَشْمِيتُ عَاطِسٍ إذَا حَمِدَ بِيَرْحَمُكَ اللَّهُ أَوْ رَبُّك، وَإِنَّمَا سُنَّ ضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي السَّلَامِ وَلَوْ لِوَاحِدٍ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُ وَلِصَغِيرٍ بِنَحْوِ أَصْلَحَك اللَّهُ، أَوْ بَارَكَ فِيكَ وَيُكْرَهُ قَبْلَ الْحَمْدِ، فَإِنْ سَكَتَ قَالَ يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ حَمِدَهُ أَوْ يَرْحَمُكَ اللَّهُ إنْ حَمِدْتَهُ.
وَيُسَنُّ تَذْكِيرُهُ الْحَمْدَ، وَمَنْ سَبَقَ الْعَاطِسَ بِالْحَمْدِ أَمِنَ مِنْ الشَّوَصِ وَهُوَ وَجَعُ الضِّرْسِ، وَاللَّوَصِ وَهُوَ وَجَعُ الْأُذُنِ، وَالْعِلَّوْصِ وَهُوَ وَجَعُ الْبَطْنِ كَمَا جَاءَ بِذَلِكَ الْخَبَرُ الْمَشْهُورُ، وَيُكَرَّرُ التَّشْمِيتُ إلَى ثَلَاثٍ، ثُمَّ يَدْعُو لَهُ بَعْدَهَا بِالشِّفَاءِ، وَلَا حَاجَةَ لِتَقْيِيدِ بَعْضِهِمْ ذَلِكَ بِمَا إذَا عُلِمَ كَوْنُهُ مَزْكُومًا؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمَذْكُورَةَ مَعَ تَتَابُعِهَا عُرْفًا مَظِنَّةَ الزُّكَامِ وَنَحْوِهِ، وَالْأَوْجَهُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَتَتَابَعْ كَذَلِكَ سُنَّ التَّشْمِيتُ بِتَكَرُّرِهَا مُطْلَقًا.
وَيُسَنُّ لِلْعَاطِسِ وَضْعُ شَيْءٍ عَلَى وَجْهِهِ وَخَفْضُ صَوْتِهِ مَا أَمْكَنَ وَإِجَابَةُ مُشَمِّتِهِ بِنَحْوِ يَهْدِيكُمْ اللَّهُ وَلَمْ يَجِبْ؛ لِأَنَّهُ لَا إخَافَةَ بِتَرْكِهِ، بِخِلَافِ رَدِّ السَّلَامِ
(وَلَا جِهَادَ عَلَى صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ) لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمَا (وَامْرَأَةٍ) لِخَبَرِ الْبُخَارِيِّ «جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ» وَلِأَنَّهَا مَجْبُولَةٌ عَلَى الضَّعْفِ وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى (وَمَرِيضٍ) مَرَضًا يَمْنَعُهُ الرُّكُوبَ أَوْ الْقِتَالَ بِأَنْ تَحْصُلَ لَهُ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً، وَإِنْ لَمْ تُبِحْ التَّيَمُّمَ فِيمَا يَظْهَرُ، وَمِثْلُهُ بِالْأَوْلَى الْأَعْمَى، وَكَالْمَرِيضِ مَنْ لَهُ مَرِيضٌ لَا مُتَعَهِّدَ لَهُ غَيْرُهُ، وَكَالْأَعْمَى ذُو رَمَدٍ وَضَعِيفِ بَصَرٍ لَا يُمْكِنُهُ مَعَهُ اتِّقَاءُ السِّلَاحِ (وَذِي عَرَجٍ بَيِّنٍ) وَلَوْ فِي رِجْلٍ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الرُّكُوبِ وَخَرَجَ بِبَيِّنِ يَسِيرِهِ الَّذِي لَا يَمْنَعُ الْعَدْوَ (وَأَقْطَعَ وَأَشَلَّ) وَلَوْ لِمُعْظَمِ أَصَابِعِ يَدٍ وَاحِدَةٍ، إذْ لَا بَطْشَ لَهُمَا وَلَا نِكَايَةَ، وَمِثْلُهُمَا فَاقِدُ الْأَنَامِلِ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ اعْتِبَارِ مُعْظَمِ الْأَصَابِعِ هُنَا
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الْمُعَلِّمِ الْمُسْلِمِ (قَوْلُهُ أَوْ وِلَايَةٍ) كَالْقَاضِي (قَوْلُهُ: مَصْحُوبَةٍ بِصِيَانَةٍ) رَاجِعٌ لِلْجَمِيعِ (قَوْلُهُ: وَيَكُونُ عَلَى جِهَةٍ) أَيْ وُجُوبًا (قَوْلُهُ: وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ وَجْهٍ) أَيْ فِي أَيِّ مَحَلٍّ فِيهِ وَلَوْ فِي الْفَمِ، وَقَوْلُهُ صَبِيٍّ لَا يُشْتَهَى أَوْ صَبِيَّةٍ (قَوْلُهُ: وَيُنْدَبُ تَقْبِيلُ) أَيْ فِي وَجْهِهِ (قَوْلُهُ: وَنَحْوُهَا) كَالْمِلْكِ: أَيْ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: كَمَا مَرَّ) عِبَارَتُهُ فِيمَا مَرَّ: وَلَوْ بِحَائِلٍ وَنَصُّهَا فِي كِتَابِ النِّكَاحِ
. (قَوْلُهُ: وَيُسَنُّ تَشْمِيتُ عَاطِسٍ) ظَاهِرُهُ، وَلَوْ كَانَ كَافِرًا وَلَوْ قِيلَ بِالْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمًا لَهُ لَمْ يَبْعُدْ (قَوْلُهُ: وَلِصَغِيرٍ بِنَحْوِ أَصْلَحَكَ اللَّهُ) مِنْهُ أَنْشَأَك اللَّهُ إنْشَاءً صَالِحًا (قَوْلُهُ وَيُكْرَهُ قَبْلَ الْحَمْدِ) أَيْ فَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَيَأْتِي بِهِ ثَانِيًا بَعْدَ الْحَمْدِ (قَوْلُهُ: أَوْ يَرْحَمُك اللَّهُ إنْ حَمِدْتَهُ) أَيْ وَتَحْصُلُ بِهَا سُنَّةُ التَّشْمِيتِ (قَوْلُهُ: وَمَنْ سَبَقَ الْعَاطِسَ إلَخْ) وَنَظَمَهَا بَعْضُهُمْ فَقَالَ:
مَنْ يَبْتَدِئْ عَاطِسًا بِالْحَمْدِ يَأْمَنْ مِنْ
…
شَوَصٍ وَلَوَصٍ وَعِلَّوْصٍ كَذَا وَرَدَا
(قَوْلُهُ: ثُمَّ يَدْعُو بَعْدَهَا بِالشِّفَاءِ) أَيْ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ عَافَاك اللَّهُ أَوْ شَفَاك (قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ أَنَّهَا لَوْ لَمْ تُتَابَعْ كَذَلِكَ) أَيْ عُرْفًا (قَوْلُهُ بِنَحْوِ يُهْدِيكُمْ اللَّهُ) كَغَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَلَوْ زَادَ عَلَيْهِ وَيُصْلِحُ بَالكُمْ كَانَ حَسَنًا
(قَوْلُهُ لَا يُمْكِنُهُ مَعَهُ) قَيَّدَ فِي كُلٍّ مِنْ قَوْلِهِ ذُو رَمَدٍ إلَخْ (قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُمَا فَاقِدُ الْأَنَامِلِ) أَيْ أَكْثَرَ الْأَنَامِلِ عُبَابٌ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
أَمَّا فَاقِدُ أُصْبُعَيْنِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: أَوْ وِلَايَةِ) أَيْ وِلَايَةِ حُكْمٍ (قَوْلُهُ وَيَكُونُ عَلَى جِهَةِ الْبِرِّ إلَخْ) أَيْ أَصْلِ السَّلَامِ. وَانْظُرْ مَا الْمُرَادُ بِالْإِعْظَامِ الْمَنْفِيِّ
لَا فِي الْعِتْقِ عَنْ الْكَفَّارَةِ كَمَا مَرَّ بِأَنَّ هَذَا يَقَعُ فِي نَادِرٍ مِنْ الْأَزْمِنَةِ فَيَسْهُلُ تَحَمُّلُهُ مَعَ قَطْعِ أَقَلِّهَا، وَذَلِكَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ إطَاقَتُهُ لِلْعَمَلِ الَّذِي يَكْفِيهِ غَالِبًا عَلَى الدَّوَامِ، وَهُوَ لَا يَأْتِي مَعَ قَطْعِ بَعْضِ الْأَصَابِعِ، وَالْأَوْجَهُ عَدَمُ تَأْثِيرِ قَطْعِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ إذَا أَمْكَنَ مَعَهُ الْمَشْيُ مِنْ غَيْرِ عَرَجٍ بَيِّنٍ (وَعَبْدٍ) وَلَوْ مُبَعَّضًا أَوْ مُكَاتَبًا لِنَقْصِهِ وَإِنْ أَمَرَهُ سَيِّدُهُ، وَالْقِيَاسُ أَنَّ مُسْتَأْجِرَ الْعَيْنِ كَذَلِكَ وَذِمِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ الْجِزْيَةَ لِنَذُبَّ عَنْهُ لَا لِيَذُبَّ عَنَّا، نَعَمْ يَجِبُ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِعِقَابِ الْآخِرَةِ كَمَا مَرَّ (وَعَادِمِ أُهْبَةِ قِتَالٍ) كَسِلَاحٍ وَمُؤْنَةِ نَفْسِهِ أَوْ مُمَوَّنِهِ ذَهَابًا وَإِيَابًا، وَكَذَا مَرْكُوبٌ إنْ كَانَ الْمَقْصِدُ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا، وَلَا يُطِيقُ الْمَشْيَ كَمَا مَرَّ فِي الْحَجِّ، وَلَوْ بَذَلَهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ دُونَ غَيْرِهِ لَزِمَهُ الْقَبُولُ، وَلَوْ فَقَدَهَا فِي الْأَثْنَاءِ جَازَ لَهُ الرُّجُوعُ وَلَوْ مِنْ الصَّفِّ مَا لَمْ يَفْقِدْ السِّلَاحَ، وَيُمْكِنُهُ الرَّمْيُ بِحِجَارَةٍ وَنَحْوِهَا أَوْ يُورِثُ انْصِرَافُهُ فَشَلًا فِي الْمُسْلِمِينَ وَإِلَّا حُرِّمَ، نَعَمْ يَتَّجِهُ أَنَّ مَحَلَّهُ إنْ لَمْ يُظَنَّ مَوْتُهُ جُوعًا أَوْ نَحْوَهُ لَوْ لَمْ يَنْصَرِفْ
(وَكُلُّ عُذْرٍ مَنَعَ وُجُوبَ الْحَجِّ مَنَعَ الْجِهَادَ) أَيْ وُجُوبَهُ (إلَّا خَوْفَ طَرِيقٍ مِنْ كُفَّارٍ) فَإِنَّهُ وَإِنْ مَنَعَ وُجُوبَ الْحَجِّ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِهَادِ إنْ أَمْكَنَتْهُ مُقَاوَمَتُهُمْ كَمَا بَحَثَهُ الْأَذْرَعِيُّ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمَخَاوِفِ (وَكَذَا) خَوْفِهَا (مِنْ لُصُوصٍ مُسْلِمِينَ) يَمْنَعُ وُجُوبَ الْحَجِّ، وَلَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْجِهَادِ (عَلَى الصَّحِيحِ) لِذَلِكَ وَمُقَابِلُهُ يُقَيِّدُهَا بِالْكُفَّارِ (وَالدَّيْنِ الْحَالِّ) وَلَوْ لِذِمِّيٍّ وَإِنْ كَانَ بِهِ رَهْنٌ وَثِيقٌ أَوْ ضَامِنٌ مُوسِرٌ (يَحْرُمُ) عَلَى مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ، وَلَوْ وَالِدًا وَهُوَ مُوسِرٌ بِأَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَزْيَدُ مِمَّا يَبْقَى لِلْمُفْلِسِ فِيمَا يَظْهَرُ، وَيَلْحَقُ بِالْمَدِينِ وَلِيُّهُ (سَفَرِ جِهَادٍ وَغَيْرِهِ) بِالْجَرِّ، وَإِنْ قَصُرَ رِعَايَةً لِحَقِّ الْغَيْرِ، وَالْأَوْجَهُ ضَبْطُ الْقَصِيرِ هُنَا بِالْعُرْفِ لَا بِمَا ضُبِطَ بِهِ فِي التَّنَفُّلُ عَلَى الدَّابَّةِ وَهُوَ مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ (إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ) أَوْ ظَنَّ رِضَاهُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْإِذْنِ وَالرِّضَا لِرِضَاهُ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ، نَعَمْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِلشَّهَادَةِ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
كَخِنْصَرٍ وَبِنْصَرٍ فَيَجِبُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: بَعْضُ الْأَصَابِعِ) أَيْ لَمْ يُغْتَفَرْ (قَوْلُهُ: وَذِمِّيٌّ) مَفْهُومُهُ وُجُوبُ الْجِهَادِ عَلَى الْمُعَاهَدِ وَالْمُؤَمَّنِ وَالْحَرْبِيِّ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ بَذَلَ الْجِزْيَةَ إلَخْ، وَعِبَارَةُ شَرْحِ الْمَنْهَجِ: وَلَا عَلَى كَافِرٍ وَهِيَ شَامِلَةٌ لِلذِّمِّيِّ وَغَيْرِهِ، وَعِبَارَةُ حَجّ كَعِبَارَةِ الشَّارِحِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّمَا عَبَّرَ بِالذِّمِّيِّ لِكَوْنِهِ مُلْتَزِمًا لِأَحْكَامِنَا لَا لِلِاحْتِرَازِ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ (قَوْلُهُ: أَوْ مُمَوَّنِهِ) وَكَذَا مُؤْنَتُهُمَا كَمَا فُهِمَ بِالْأُولَى (قَوْلُهُ ذَهَابًا وَإِيَابًا) وَكَذَا إقَامَةً، وَيَكْفِي فِي تَقْدِيرِهَا غَلَبَةُ الظَّنِّ بِحَسَبِ اجْتِهَادِهِ قُلْته بَحْثًا وَهُوَ ظَاهِرٌ اهـ عَمِيرَةُ (قَوْلُهُ: فَشَلًا) أَيْ ضَعْفًا (قَوْلُهُ وَإِلَّا حُرِّمَ) ظَاهِرُهُ حُرْمَةُ ذَلِكَ، وَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ مَا يُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ مَشَقَّةٌ لَا تُحْتَمَلُ عَادَةً لَكِنْ لَا يُظَنُّ مَعَهَا الْمَوْتُ، وَإِنْ خَشِيَ مُبِيحَ تَيَمُّمٍ (قَوْلُهُ: نَعَمْ يَتَّجِهُ أَنَّ مَحَلَّهُ) أَيْ حُرْمَةَ الِانْصِرَافِ (قَوْلُهُ: إنْ لَمْ يَظُنَّ مَوْتَهُ جُوعًا) أَيْ وَإِلَّا جَازَ لَهُ الِانْصِرَافُ
(قَوْلُهُ: وَكُلُّ عُذْرٍ مَنَعَ وُجُوبَ الْحَجِّ) وَمِنْهُ احْتِيَاجُ الْفَقِيهِ لِكُتُبِهِ وَالْمُحْتَرِفِ لِآلَتِهِ (قَوْلُهُ يَمْنَعُ الْحَجَّ) إنْ عَمَّ اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: وَالدَّيْنُ الْحَالُّ) أَيْ وَإِنْ قَلَّ كَفَلْسٍ (قَوْلُهُ: وَلَوْ لِذِمِّيٍّ) هَذَا يُخْرِجُ الْمُعَاهَدَ وَالْمُؤَمَّنَ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنَّهُمَا كَذِمِّيٍّ، وَيَشْمَلُهُمَا قَوْلُ الْمَنْهَجِ مُسْلِمًا كَانَ: أَيْ رَبُّ الدَّيْنِ أَوْ كَافِرًا بَلْ يَشْمَلُ مَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ لِحَرْبِيٍّ لَزِمَ الْمُسْلِمَ بِعَقْدٍ (قَوْلُهُ سَفَرِ جِهَادٍ وَغَيْرِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ رَبُّ الدَّيْنِ مُسَافِرًا مَعَهُ أَوْ فِي الْبَلَدِ الَّذِي قَصَدَهَا مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَرْجِعُ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهَا أَوْ يَمُوتُ أَحَدُهُمَا (قَوْلُهُ: وَهُوَ مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ) وَحِينَئِذٍ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ فَإِنَّ التَّسَاهُلَ يَقَعُ فِيهِ كَثِيرًا اهـ حَجّ (قَوْلُهُ: لَا يَتَعَرَّضُ لِلشَّهَادَةِ) أَيْ لَا يَجُوزُ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ، لَكِنْ فِي كَلَامِ سم عَلَى مَنْهَجٍ فِي آخِرِ
ــ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: أَنَّ مُسْتَأْجِرَ الْعَيْنِ كَذَلِكَ) أَيْ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْغَايَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ
(قَوْلُهُ: وَالْأَوْجَهُ ضَبْطُ الْقَصِيرِ إلَخْ) لَعَلَّ الْوَجْهَ ضَبْطُ السَّفَرِ، وَإِلَّا فَالْقَصِيرُ وَالطَّوِيلُ سَوَاءٌ هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى
بَلْ يَقِفُ وَسَطَ الصَّفِّ أَوْ حَاشِيَتَهُ حِفْظًا لِلدِّينِ، وَإِلَّا إنْ اسْتَنَابَ مَنْ يَقْضِيهِ مِنْ مَالٍ حَاضِرٍ، وَمِثْلُهُ كَمَا هُوَ الْقِيَاسُ نَظَائِرُهُ دَيْنٌ ثَابِتٌ عَلَى مَلِيءٍ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِإِذْنِ وَلِيِّ الدَّائِنِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ إذْ لَا مَصْلَحَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ (وَالْمُؤَجَّلُ) لَا يَمْنَعُ سَفَرًا مُطْلَقًا وَإِنْ قَرُبَ حُلُولُهُ بِشَرْطِ وُصُولِهِ لِمَا يَحِلُّ لَهُ فِيهِ الْقَصْرُ وَهُوَ مُؤَجَّلٌ إذْ لَا مُطَالَبَةَ لِمُسْتَحِقِّهِ الْآنَ، نَعَمْ لَهُ الْخُرُوجُ مَعَهُ لِيُطَالِبَهُ بِهِ عِنْدَ حُلُولِهِ، وَقِيلَ يُمْنَعُ سَفَرًا مَخُوفًا كَالْجِهَادِ وَرُكُوبِ الْبَحْرِ صِيَانَةً لِحَقِّ الْغَيْرِ
(وَيَحْرُمُ) عَلَى حُرٍّ وَمُبَعَّضٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى (جِهَادٌ) وَلَوْ مَعَ عَدَمِ سَفَرٍ (إلَّا بِإِذْنِ أَبَوَيْهِ) وَإِنْ عَلَيَا مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ، وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْأَقْرَبِ وَلَوْ كَانَا قِنَّيْنِ؛ لِأَنَّ بِرَّهُمَا فَرْضُ عَيْنٍ، هَذَا (إنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ) وَإِنَّمَا لَمْ يَجِبْ اسْتِئْذَانُ الْكَافِرِ لِاتِّهَامِهِ بِمَنْعِهِ لَهُ حَمِيَّةً لِدِينِهِ، وَإِنْ كَانَ عَدُوًّا لِلْمُقَاتِلِينَ، وَيَلْزَمُ الْمُبَعَّضَ اسْتِئْذَانُ سَيِّدِهِ أَيْضًا، وَيَحْتَاجُ الْقِنُّ لِإِذْنِ سَيِّدِهِ لَا أَبَوَيْهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَيْضًا بِلَا إذْنٍ سَفَرٌ مَعَ الْخَوْفِ وَإِنْ قَصُرَ مُطْلَقًا، وَطَوِيلٌ وَلَوْ مَعَ الْأَمْنِ إلَّا لِعُذْرٍ كَمَا قَالَ (لَا سَفَرَ تُعْلَمُ فَرْضُ عَيْنٍ) وَمِثْلُهُ كُلُّ وَاجِبٍ عَيْنِيٍّ، وَإِنْ كَانَ وَقْتُهُ مُتَّسِعًا لَكِنْ يَتَّجِهُ مَنْعُهُمَا لَهُ مِنْ خُرُوجٍ لِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ خُرُوجِ قَافِلَةِ أَهْلِ بَلَدِهِ: أَيْ وَقِنِّهِ عَادَةً أَوْ أَرَادُوهُ لِعَدَمِ مُخَاطَبَتِهِ بِالْوُجُوبِ إلَى الْآنَ (وَكَذَا كِفَايَةٌ) مِنْ عِلْمٍ شَرْعِيٍّ أَوْ آلَةٍ لَهُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إذْنِ الْأَصْلِ (فِي الْأَصَحِّ) إنْ كَانَ السَّفَرُ آمِنًا أَوْ قَلَّ خَطَرُهُ، وَإِلَّا كَخَوْفٍ أَسْقَطَ وُجُوبَ الْحَجِّ اُحْتِيجَ لِإِذْنِهِ حِينَئِذٍ فِيمَا يَظْهَرُ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْهُ حِينَئِذٍ، وَلَمْ يَجِدْ بِبَلَدِهِ مَنْ يَصْلُحُ لِكَمَالِ مَا يُرِيدُهُ، أَوْ رَجَا بِغُرْبَتِهِ زِيَادَةَ فَرَاغٍ أَوْ إرْشَادَ أُسْتَاذٍ كَمَا يَكْفِي فِي سَفَرِهِ الْأَمْنُ لِتِجَارَةٍ تُوقِعُ زِيَادَةَ رِبْحٍ أَوْ رَوَاجٍ، وَسَوَاءٌ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
الْفَصْلِ الْآتِي أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ (قَوْلُهُ وَإِلَّا إنْ اسْتَنَابَ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ إلَّا بِإِذْنِ غَرِيمِهِ (قَوْلُهُ: مِنْ مَالٍ حَاضِرٍ) أَيْ فَلَا تَحْرِيمَ لِوُصُولِ الدَّائِنِ إلَى حَقِّهِ فِي الْحَالِ بِخِلَافِهِ فِي الْغَائِبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَصِلُ، وَمِنْ الْعِلَّةِ يُعْلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِ الدَّائِنِ بِالْوَكِيلِ وَمِنْ ثُبُوتِ الْوَكَالَةِ حَجّ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ.
بَقِيَ مَا لَوْ امْتَنَعَ الْوَكِيلُ مِنْ الدَّفْعِ لَهُ أَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا، وَيُجْبَرُ عَلَى التَّوْفِيَةِ حَيْثُ قَبِلَ الْوَكَالَةَ،؟ فِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ جَوَازُ ذَلِكَ وَعَدَمُ إجْبَارِهِ عَلَى الدَّفْعِ وَالدَّائِنُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ اسْتِيفَاءِ حَقِّهِ بِالْقَاضِي (قَوْلُهُ: دَيْنٌ ثَابِتٌ) أَيْ لِمُرِيدِ السَّفَرِ (قَوْلُهُ: عَلَى مَلِيءٍ) أَيْ وَإِنْ أَذِنَ لِمَنْ يَسْتَوْفِي مِنْهُ وَيَدْفَعُهُ لِرَبِّ الدَّيْنِ، وَلَا يَكْفِي الْإِذْنُ لِمَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فِي الدَّفْعِ لِلدَّائِنِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الشَّخْصَ لَا يَكُونُ وَكِيلًا عَنْ غَيْرِهِ فِي إزَالَةِ مِلْكِهِ، وَطَرِيقُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُحِيلَ رَبَّ الدَّيْنِ بِمَا لَهُ عَلَى الْمَدِينِ.
(قَوْلُهُ: لَا أَثَرَ لِإِذْنِ وَلِيِّ الدَّائِنِ) أَيْ فِي السَّفَرِ (قَوْلُهُ: لَا يَمْنَعُ سَفَرًا مُطْلَقًا) أَيْ مَخُوفًا أَوْ غَيْرَهُ (قَوْلُهُ: نَعَمْ لَهُ الْخُرُوجُ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ فِيهِ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ
(قَوْلُهُ: وَيَحْرُمُ) عَلَى الْمُكَلَّفِ (قَوْلُهُ وَإِنْ عَلَيَا) قِيَاسُهُ عَلَوَا، ثُمَّ رَأَيْتُ أَنَّ عَلَا جَاءَ بِالْوَاوِ وَالْيَاءِ فَيُقَالُ فِي مُضَارِعِهِ يَعْلُو وَيُعْلَى عَلَيْهِ فَمَا هُنَا عَلَى إحْدَى اللُّغَتَيْنِ (قَوْلُهُ: وَيَلْزَمُ الْمُبَعَّضَ) أَيْ إذَا أَرَادَ الْجِهَادَ، وَإِلَّا فَهُوَ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَيْهِ.
(قَوْلُهُ: وَيَحْتَاجُ الْقِنُّ) فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ (قَوْلُهُ إلَّا لِعُذْرٍ) أَيْ وَمِنْهُ السَّفَرُ لِبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ لِمَا لَا يَتَيَسَّرُ بَيْعُهُ أَوْ شِرَاؤُهُ فِي بَلَدِهِ أَوْ يَتَيَسَّرُ لَكِنْ يَتَوَقَّعُ زِيَادَةً فِي ثَمَنِهِ مِنْ الْبَلَدِ الَّذِي يُسَافِر إلَيْهِ كَمَا تَأْتِي الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ كَمَا يَكْفِي فِي سَفَرِهِ الْأَمْنُ لِتِجَارَةٍ تُوقِعُ زِيَادَةَ رِبْحٍ أَوْ رَوَاجٍ (قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ وَقْتُهُ مُتَّسِعًا) كَتَعَلُّمِ أَحْكَامِ الصَّوْمِ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ مَثَلًا (قَوْلُهُ: وَلَمْ يَجِدْ بِبَلَدِهِ مَنْ يُصْلَحُ) وَمِثْلُ عَدَمِ وُجُودِهِ مَا لَوْ كَانَ عَظِيمًا وَالْمُعَلِّمُ حَقِيرًا أَوْ جَرَتْ
ــ
[حاشية الرشيدي]
(قَوْلُهُ: وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الدَّيْنِ الْحَاضِرِ (قَوْلُهُ: لِمَا يَحِلُّ لَهُ فِيهِ الْقَصْرُ) أَيْ كَخَارِجِ الْعُمْرَانِ (قَوْلُهُ: وَإِنْ عَلِيًّا) اُنْظُرْ هَلَّا قَالَ وَإِنْ عُلْوًا (قَوْلُهُ: حَمِيَّةً لِدِينِهِ) هَذَا لَا يَظْهَرُ فِيمَا لَوْ كَانَ الْأَصْلُ يَهُودِيًّا وَالْمُقَاتِلُونَ نَصَارَى أَوْ عَكْسَهُ لِلْقَطْعِ بِانْتِفَاعِ الْحَمِيَّةِ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى
فِي ذَلِكَ أَخْرَجَ وَحْدَهُ أَمْ مَعَ غَيْرِهِ، كَانَ بِبَلَدِهِ مُتَعَدِّدُونَ صَالِحُونَ لِإِفْتَاءٍ أَمْ لَا، وَفَارَقَ الْجِهَادَ بِخَطَرِهِ.
نَعَمْ يَتَّجِهُ أَنْ يَتَوَقَّعَ فِيهِ بُلُوغَ مَا قَصَدَهُ، وَإِلَّا كَبَلِيدٍ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ ذَلِكَ فَلَا إذْ سَفَرُهُ لِأَجْلِهِ كَالْعَبَثِ، وَيُشْتَرَطُ لِخُرُوجِهِ لِفَرْضِ الْكِفَايَةِ أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا، وَأَنْ لَا يَكُونَ أَمْرَدَ جَمِيلًا إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَحْرَمٌ يَأْمَنُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَوْ لَزِمَتْهُ كِفَايَةُ أَصْلِهِ احْتَاجَ لِإِذْنِهِ إنْ لَمْ يَنُبْ مَنْ يُمَوِّنُهُ مِنْ مَالٍ حَاضِرٍ، وَأَخَذَ مِنْهُ الْبُلْقِينِيُّ أَنَّ الْفَرْعَ لَوْ لَزِمَتْ أَصْلَهُ مُؤْنَتُهُ امْتَنَعَ سَفَرُهُ إلَّا بِإِذْنِ فَرْعِهِ إنْ لَمْ يَنُبْ كَمَا مَرَّ، ثُمَّ بَحَثَ أَنَّهُ لَوْ أَدَّى نَفَقَةَ يَوْمٍ حَلَّ لَهُ السَّفَرُ فِيهِ كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَإِنْ نَظَرَ فِيهِ بَعْضُهُمْ، وَفَرَّقَ بِأَنَّ الْمُؤَجَّلَ التَّقْصِيرُ فِيهِ مِنْ الْمُسْتَحِقِّ لِرِضَاهُ بِذِمَّتِهِ مَعَ أَنَّهُ خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يَتَجَدَّدُ بِهِ الضَّرَرُ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْأَصْلِ أَوْ الْفَرْعِ، ثُمَّ قَالَ: فَالْأَوْجَهُ مَنْعُهُ فِيهِمَا، وَكَذَا فِي الزَّوْجَةِ إلَّا بِإِذْنٍ أَوْ إنَابَةٍ كَمَا أَطْلَقُوهُ، وَيُرَدُّ الْفَرْقُ الْمَذْكُورُ بِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَمْنَعْ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ الذِّمَّةُ فَلَأَنْ لَا يَمْنَعَ مَا لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ بِالْأَوْلَى، وَلَا فَرْقَ فِي جَوَازِ مَنْ مَنَعَهُ السَّفَرَ الْمَخُوفَ كَبَحْرٍ بَيْنَ غَلَبَةِ السَّلَامَةِ أَوْ لَا وَكَسُلُوكِ بَادِيَةٍ مُخْطِرَةٍ وَلَوْ لِعِلْمٍ أَوْ تِجَارَةٍ، وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ يَقِيسُهُ عَلَى الْجِهَادِ، وَفَرَّقَ الْأَوَّلَ بِخَطَرِ الْهَلَاكِ فِي الْجِهَادِ.
(فَإِنْ)(أَذِنَ أَبَوَاهُ) أَوْ سَيِّدُهُ (وَالْغَرِيمُ) فِي الْجِهَادِ (ثُمَّ) بَعْدَ خُرُوجِهِ (رَجَعُوا) أَوْ كَانَ الْأَصْلُ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ وَصَرَّحَ بِالْمَنْعِ (وَجَبَ) عَلَيْهِ إنْ عَلِمَ، وَلَمْ يَخْشَ خَوْفًا وَلَا كَسْرَ قَلْبِ الْمُسْلِمِينَ بِرُجُوعِهِ (الرُّجُوعُ) كَمَا لَوْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ (إنْ لَمْ يَحْضُرْ الصَّفَّ) وَإِلَّا حَرُمَ إلَّا عَلَى الْعَبْدِ بَلْ يُنْدَبُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ طُرُوُّ الْمَانِعِ كَابْتِدَائِهِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ لِنَحْوِ خَوْفٍ عَلَى مَعْصُومٍ، وَأَمْكَنَهُ الْمُسَافَرَةُ لِمَأْمَنٍ أَوْ الْإِقَامَةُ بِهِ إلَى أَنْ يَرْجِعَ مَعَ الْجَيْشِ أَوْ غَيْرِهِمْ لَزِمَهُ، وَلَوْ حَدَثَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي السَّفَرِ لَمْ يُمْنَعْ اسْتِمْرَارُهُ فِيهِ مَا لَمْ يُصَرِّحْ رَبُّهُ بِمَنْعِهِ، وَفَارَقَ مَا مَرَّ فِي الِابْتِدَاءِ بِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ دَوَامًا مَا لَا يُغْتَفَرُ ابْتِدَاءً (فَإِنْ) الْتَقَى الصَّفَّانِ أَوْ (شَرَعَ فِي قِتَالٍ) ثُمَّ طَرَأَ ذَلِكَ وَعَلِمَهُ (حَرُمَ الِانْصِرَافُ فِي الْأَظْهَرِ) لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِالثَّبَاتِ وَلِانْكِسَارِ الْقُلُوبِ بِانْصِرَافِهِ، نَعَمْ يَأْتِي فِيهِ مَا مَرَّ مِنْ وُقُوفِهِ آخِرَ الصَّفِّ وَنَحْوِهِ.
وَالثَّانِي لَا يَحْرُمُ بَلْ يَجِبُ.
وَالثَّالِثُ يُخَيَّرُ بَيْنَ الِانْصِرَافِ وَالْمُصَابَرَةِ، وَالْخِلَافُ فِي الرَّوْضَةِ أَوْجَهُ وَفِي أَصْلِهَا أَقْوَالٌ أَوْ أَوْجُهٌ
(الثَّانِي) مِنْ حَالِ الْكُفَّارِ (يَدْخُلُونَ) أَيْ دُخُولُهُمْ عُمْرَانَ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
عَادَةُ أَهْلِ بَلَدٍ بِأَنَّهُمْ لَا يَتَعَلَّمُونَ مِنْ بَعْضِهِمْ لِعَدَاوَةٍ أَوْ نَحْوِهَا.
(قَوْلُهُ: وَفَارَقَ الْجِهَادَ) أَيْ حَيْثُ تَوَقَّفَ عَلَى إذْنِ الْأَبَوَيْنِ إلَّا إذَا دَخَلُوا بَلْدَةً لَنَا (قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ رَشِيدًا) أَيْ أَمَّا غَيْرُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ السَّفَرُ، يَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَنْ يَتَعَهَّدُهُ فِي السَّفَرِ، وَإِلَّا جَازَ الْخُرُوجُ وَعَلَى وَلِيِّهِ أَنْ يَأْذَنَ لِمَنْ يَتَعَهَّدُهُ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلَايَةٌ (قَوْلُهُ امْتَنَعَ سَفَرُهُ) أَيْ الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: أَنَّهُ لَوْ أَدَّى نَفَقَةَ يَوْمٍ) أَيْ لِلزَّوْجَةِ أَوْ الْأَصْلِ (قَوْلُهُ: وَهُوَ مُتَّجِهٌ) هَذَا يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ سَفَرِهِ أَنْ يَتْرُكَ لِمُمَوَّنِهِ نَفَقَةَ الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ، وَعِبَارَتُهُ ثَمَّ بَعْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَمُؤْنَةُ مَنْ عَلَيْهِ إلَخْ.
وَمَا أَوْهَمَهُ كَلَامُهُمَا مِنْ جَوَازِ الْحَجِّ عِنْدَ فَقْدِ مُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ لِجَعْلِهِمَا ذَلِكَ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ لَيْسَ بِمُرَادٍ كَمَا قَالَهُ الْإِسْنَوِيُّ، إذْ لَا يَجُوزُ لَهُ حَتَّى يَتْرُكَ لَهُمْ نَفَقَةَ الذَّهَابِ وَالْإِيَابِ، وَإِلَّا فَيَكُونُ مُضَيِّعًا لَهُمْ كَمَا فِي الِاسْتِذْكَارِ وَغَيْرِهِ، لَكِنَّ ذِكْرَهُ هُنَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِمَادِهِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ بَيَانِ سَفَرِ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مُطْلَقًا.
(قَوْلُهُ: ثُمَّ قَالَ) أَيْ الْمُنْظَرُ وَقَوْلُهُ فِيهِمَا أَيْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ (قَوْلُهُ: مَا تَعَلَّقَتْ) أَيْ اسْتَقَلَّتْ، وَقَوْلُهُ بِهِ هُوَ الدَّيْنُ الْمُؤَجَّلُ، وَقَوْلُهُ فَلَأَنْ بِفَتْحِ اللَّامِ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهِ) وَهُوَ نَفَقَةُ الْغَدِ فِي حَقِّ الْأَبَوَيْنِ وَالزَّوْجَةِ (قَوْلُهُ: بَلْ يُنْدَبُ) ظَاهِرُهُ وَإِنْ حَصَلَ بِانْصِرَافِهِ كَسْرُ قُلُوبِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِ الِانْصِرَافِ عَلَى الْعَبْدِ حَيْثُ رَجَعَ سَيِّدُهُ لَمْ يَبْعُدْ (قَوْلُهُ: مَا لَمْ يُصَرِّحْ)
ــ
[حاشية الرشيدي]
قَوْلُهُ: وَلَا فَرْقَ فِي جَوَازِ مَنْعِهِ إلَخْ) عِبَارَةُ التُّحْفَةِ: وَلَا فَرْقَ فِي الْمَنْعِ مِنْ السَّفَرِ الْمَخُوفِ كَبَحْرٍ: أَيْ وَإِنْ غَلَبَتْ السَّلَامَةُ فِيهِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُهُمْ، ثُمَّ رَأَيْت الْإِمَامَ وَغَيْرَهُ صَرَّحُوا بِذَلِكَ، وَكَسُلُوكِ بَادِيَةٍ مُخْطِرَةٍ وَلَوْ لِعِلْمٍ
الْإِسْلَامِ وَلَوْ جِبَالَهُ أَوْ خَرَابَهُ، فَإِنْ دَخَلُوا (بَلْدَةً لَنَا) أَوْ صَارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَنَا دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ كَانَ أَمْرًا عَظِيمًا (فَيَلْزَمُ أَهْلَهَا الدَّفْعُ) لَهُمْ (بِالْمُمْكِنِ) أَيْ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَطَاقُوهُ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ (فَإِنْ أَمْكَنَ تَأَهُّبٌ لِقِتَالٍ) بِأَنْ لَمْ يَهْجُمُوا بَغْتَةً (وَجَبَ الْمُمْكِنُ) فِي دَفْعِهِمْ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ (حَتَّى عَلَى) مَنْ لَا جِهَادَ عَلَيْهِ مِنْ (فَقِيرٍ وَوَلَدٍ وَمَدِينٍ وَعَبْدٍ) وَامْرَأَةٍ فِيهَا قُوَّةٌ (بِلَا إذْنٍ) مِمَّنْ مَرَّ، وَيُغْتَفَرُ ذَلِكَ لِمِثْلِ هَذَا الْخَطَرِ الْعَظِيمِ الَّذِي لَا سَبِيلَ لِإِهْمَالِهِ (وَقِيلَ إنْ)(حَصَلَتْ مُقَاوَمَةٌ بِأَحْرَارٍ اُشْتُرِطَ إذْنُ سَيِّدِهِ) أَيْ الْعَبْدِ لِلْغِنَى عَنْهُ، وَالْأَصَحُّ لَا لِتَقْوَى الْقُلُوبِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ تَأَهَّبَ لِهُجُومِهِمْ بَغْتَةً (فَمَنْ قُصِدَ) مِنَّا (دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِالْمُمْكِنِ) حَتْمًا (إنْ عُلِمَ أَنَّهُ إنْ أُخِذَ قُتِلَ) وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا جِهَادَ عَلَيْهِ إذْ لَا يَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ لِكَافِرٍ (وَإِنْ جَوَّزَ الْأَسْرَ) وَالْقَتْلَ (فَلَهُ) أَنْ يَدْفَعَ وَ (أَنْ يَسْتَسْلِمَ) وَيَلْزَمُ الْمَرْأَةَ الدَّفْعُ إنْ عَلِمَتْ وُقُوعَ فَاحِشَةٍ بِهَا حَالًا بِمَا أَمْكَنَهَا، وَإِنْ أَفْضَى إلَى قَتْلِهَا إذْ لَا يُبَاحُ بِخَوْفِ الْقَتْلِ، وَمِثْلُهَا فِي ذَلِكَ الْأَمْرَدُ كَمَا بَحَثَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ (وَمَنْ هُوَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ مِنْ الْبَلْدَةِ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ (كَأَهْلِهَا) فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْمَجِيءُ إلَيْهِمْ.
وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ كِفَايَةُ مُسَاعَدَةٍ لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِهِمْ (وَمَنْ) هُمْ (عَلَى الْمَسَافَةِ) الْمَذْكُورَةِ فَمَا فَوْقَهَا (يَلْزَمُهُمْ) حَيْثُ وَجَدُوا سِلَاحًا وَمَرْكُوبًا، وَإِنْ أَطَاقُوا الْمَشْيَ وَزَادًا (الْمُوَافَقَةُ) لِأَهْلِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ فِي الدَّفْعِ (بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ إنْ لَمْ يَكْفِ أَهْلُهَا وَمَنْ يَلِيهِمْ) دَفْعًا عَنْهُمْ وَإِنْقَاذًا لَهُمْ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ بِقَدْرِ الْكِفَايَةِ عَدَمَ لُزُومِ خُرُوجِ كُلِّهِمْ بَلْ يَكْفِي فِي سُقُوطِ الْحَرَجِ عَنْهُمْ خُرُوجُ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فِيهِمْ كِفَايَةٌ (قِيلَ) يَجِبُ الْمُوَافَقَةُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَمَا فَوْقَهَا (وَإِنْ كَفَوْا) أَيْ أَهْلُ الْبَلَدِ وَمَنْ يَلِيهِمْ فِي الدَّفْعِ لِعِظَمِ الْخَطْبِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْإِيجَابِ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ، وَفِيهِ غَايَةُ الْحَرَجِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، لَكِنْ قِيلَ هَذَا الْوَجْهُ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ بَلْ يُوجِبُ الْمُوَافَقَةَ عَلَى الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ غَيْرِ ضَبْطٍ إلَى وُصُولِ الْخَبَرِ بِأَنَّهُمْ قَدْ كَفَوْا (وَلَوْ أَسَرُوا مُسْلِمًا فَالْأَصَحُّ وُجُوبُ النُّهُوضِ إلَيْهِمْ) وُجُوبَ عَيْنٍ وَلَوْ عَلَى نَحْوِ قِنٍّ بِلَا إذْنٍ نَظِيرَ مَا مَرَّ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُمْ (لِخَلَاصِهِ إنْ تَوَقَّعْنَاهُ) وَلَوْ عَلَى نُدُورٍ فِي الْأَوْجَهِ كَدُخُولِهِمْ دَارَنَا بَلْ أَوْلَى، إذْ حُرْمَةُ الْمُسْلِمِ أَعْظَمُ، وَيُنْدَبُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ خَلَاصِهِ افْتِدَاؤُهُ بِمَالٍ، فَمَنْ قَالَ لِكَافِرٍ أَطْلِقْ
ــ
[حاشية الشبراملسي]
أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهُ مُوسِرٌ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ
(قَوْلُهُ: بِأَنْ لَمْ يَهْجُمُوا) بَابُهُ دَخَلَ اهـ مُخْتَارٌ (قَوْلُهُ: وَيُغْتَفَرُ ذَلِكَ) أَيْ عَدَمُ الْإِذْنِ (قَوْلُهُ وَأَنْ يَسْتَسْلِمَ) يَنْبَغِي أَنْ يَخُصَّ بِهَذَا مَا سَبَقَ فِي بَابِ الصِّيَالِ مِنْ وُجُوبِ دَفْعِ الصَّائِلِ إذَا كَانَ كَافِرًا.
قَالَ ر م: الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الصِّيَالِ مِنْ أَنَّهُ يَجِبُ دَفْعُ الصَّائِلِ الْكَافِرِ، وَيَمْتَنِعُ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ فِي الصَّفِّ وَذَاكَ فِي غَيْرِ الصَّفِّ، وَالْفَرْقُ أَنَّهُ فِي الصَّفِّ يَنَالُ الشَّهَادَةَ الْعُظْمَى، فَجَازَ اسْتِسْلَامُهُ وَلَا كَذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّفِّ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ الصَّفُّ وَلَوْ حُكْمًا فَإِنَّهُمْ إذَا دَخَلُوا دَارَ الْإِسْلَامِ وَجَبَ الدَّفْعُ بِالْمُمْكِنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَفًّا فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ (قَوْلُهُ: فَاحِشَةٍ بِهَا حَالًا) أَيْ أَمَّا لَوْ لَمْ تَعْلَمْهُ حَالًا فَيَجُوزُ لَهَا الِاسْتِسْلَامُ، ثُمَّ إنْ أُرِيدَ مِنْهَا الْفَاحِشَةُ وَجَبَ عَلَيْهَا الِامْتِنَاعُ وَالدَّفْعُ، وَإِنْ أَدَّى إلَى قَتْلِهَا (قَوْلُهُ: وَلَوْ عَلَى نَحْوِ قِنٍّ) أَيْ كَالْوَلَدِ وَالْمَرْأَةِ (قَوْلُهُ: وَيُنْدَبُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ خَلَاصِهِ افْتِدَاؤُهُ بِمَالٍ) يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ الْمَالِ آلَةُ الْحَرْبِ لِمَا مَرَّ مِنْ حُرْمَةِ بَيْعِهَا لَهُمْ وَيَدْخُلُ فِي غَيْرِ آلَةِ الْحَرْبِ سَائِرُ الْأَمْوَالِ، وَمِنْهَا مَا لَوْ طَلَبُوا قُوتًا يَأْكُلُونَهُ أَوْ مَا يَتَأَتَّى مِنْهُ آلَةُ الْحَرْبِ كَالْحَدِيدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْبَيْعِ جَوَازُ بَيْعِ ذَلِكَ لَهُمْ وَإِنْ أَمْكَنَ اتِّخَاذُهُ سِلَاحًا لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا يَتَّخِذُوهُ كَذَلِكَ، وَمَا هُنَا أَوْلَى مِنْهُ
ــ
[حاشية الرشيدي]
أَوْ تِجَارَةٍ، وَمِنْهَا السَّفَرُ لِحَجَّةٍ اُسْتُؤْجِرَ عَلَيْهَا ذِمَّةً أَوْ عَيْنًا بَيْنَ الْأَصْلِ الْمُسْلَمِ وَغَيْرِهِ إذْ لَا تُهْمَةَ
(قَوْلُهُ: وَخَرَابِهِ) اُنْظُرْ أَخْذُ هَذَا غَايَةٌ فِي الْعُمْرَانِ (قَوْلُهُ: إذْ لَا يَجُوزُ الِاسْتِسْلَامُ لِكَافِرٍ) أَيْ فِي الْقَتْلِ فَلَا يُنَافِي مَا بَعْدَهُ فِي الْمَتْنِ (قَوْلُهُ: حَالًا) أَيْ لَا بَعْدَ الْأَسْرِ (قَوْلُهُ: وَيُنْدَبُ عِنْدَ الْعَجْزِ) مَحَلُّهُ عِنْدَ عَدَمِ تَعْذِيبِ الْأَسْرَى وَإِلَّا وَجَبَ كَمَا يَأْتِي فِي الْهُدْنَةِ