الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
في حقيقة
الأمر
وحده
ص - / الأمر: أم ر. حقيقة في القول المخصوص اتفاقا ، وفي الفعل مجاز.
قيل: مشترك. وقيل: متواطئ.
لنا: سبقه إلى الفهم. ولو كان متواطئا لم يفهم منه الأخص ، كحيوان في إنسان.
واستدل: لو كان حقيقة لزم الاشتراك. فيخل بالتفاهم. فعورض بأن المجاز خلاف الأصل فيخل بالتفاهم. وقد تقدم مثله.
التواطؤ: مشتركان في عام ، فيجعل اللفظ له دفعا للمحذورين. وأجيب بأنه يؤدي إلى رفعهما أبدا. فإن مثله لا يتعذر.
وإلى صحة دلالة الأعم " للأخص "
…
.
وأيضا فإنه قول حادث هنا.
حد الأمر: اقتضاء فعل غير كف على جهة الاستعلاء.
وقال القاضي والإمام: القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به. ورد بأن المأمور مشتق منه. وأن الطاعة موافقة الأمر فيجيء الدور فيهما.
وقيل: خبر عن الثواب على الفعل.
وقيل: عن استحقاق الثواب.
ورد بأن الخبر يستلزم الصدق أو الكذب ، والأمر يأباهما /.
ش - لما فرغ من بحث الخبر شرع في الأمر. فقال الأمر أي هذا اللفظ حقيقة في القول المخصوص ، على ما اختلفوا فيه. وإطلاقه على الفعل مجاز.
وقيل: هو مشترك بينهما ، يعني باشتراك لفظي. لم يسبق القول إلى الفهم لتساويهما حينئذ بالنسبة إلى اللفظ لكنه لا يسبق إلى الفهم إلا القول فكان حقيقة قيه ، ولو كان متواطئا ، لم يفهم منه الأخص وهو القول فإنه أخص من القدر المشترك لا محالة كالحيوان والإنسان فإنه لا يفهم من الحيوان الإنسان. فكان في كلام المصنف لف ونشر فتأمل.
واستدل على المختار بأنه لو كان حقيقة في الفعل أيضا لزم الاشتراك وهو مخل بالتفاهم.
وعورض بأنه لو لم يكن حقيقة كان مجازا وهو خلاف الأصل وقد تقدم أن المجاز أولى.
وفي عبارته تسامح ، لما تقدم أن " استدل " بلفظ ما لم يسم فاعله يستعمل في دليل مزيف على مذهب مختار ، واستعمله المصنف ههنا وأبطل تزييفه بقوله وقد تقدم على الوجه الذي قررنا ، وإذا أبطل التزييف خرج لفظ استدل عما اصطلح عليه.
واحتج القائلون بالتواطوء بأن القول والفعل يشتركان في أمر عام فيجعل اللفظ له دفعا للاشتراك والمجاز المحذورين.
وأجيب بثلاثة أوجه:
الأول: أن هذا الاستدلال يؤدي إلى رفع الاشتراك والمجاز أبدا إذ ما من موضع إلا ويمكن التكلف فيه باستخراج أمر عام يمكن جعل اللفظ له. فان خصص هذا الاستدلال بمواضع لم يوجد دليل اشتراك أو مجاز يطلق في هذا الموضع لأن سبق الفهم إلى القول يدل على كونه حقيقة في القول مجازا في الفعل.
الثاني: أنه يؤدي إلى صحة دلالة الأعم على الأخص فإن القول أخص حينئذ لا محالة ودلالة لفظ الأمر عليه لا تنكر ألبتة لكن بالضرورة لا دلالة للأعم على الأخص.
الثالث: أن القول بالتواطوء قول حادث لم يقل به أحد من السلف.
واختلف الناس في تعريف الأمر فقيل: اقتضاء فعل غير كف على جهة الاستعلاء.
فهو أحد أقسام الكلام النفسي.
فقوله: " اقتضاء فعل " يشمل الأمر والنهي والالتماس والدعاء.
وقوله: غير كف يخرج عنه النهي. وقوله: " على سبيل الاستعلاء " يخرج الباقين.
وقال القاضي وإمام الحرمين في حد الأمر: إنه القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به.
ورد بأنه دوري على المأمور المشتق من الأمر والطاعة التي هي موافقة الأمر فيجيء الدور فيهما أي في المأمور والطاعة.
والأول يجوز أن يدفع بأنه من باب تعريف الاصطلاحي باللغوي فلا دور.
وأما الثاني ففي محل المناقشة لجواز أن يدعى أن الطاعة موافقة الأمر
الاصطلاحي وحينئذ يلزم الدور.
وقيل في حده: إنه خبر عن الثواب على الفعل.
وقيل: إنه خبر عن استحقاق الثواب.
وردهما بأن الخبر يستلزم الصدق أو الكذب والأمر يأباهما.
ولقائل أن يقول الكلام في الكلام النفسي وأمر الله بشيء يستلزم إخباره بالثواب أو باستحقاقه بدليل الآيات الدالة على الوعد وهو صادق لا يحتمل الكذب لخارج كما تقدم فيكون تعريف الشيء بلازمه.
ص - / المعتزلة لما أنكروا كلام النفس قالوا: قول القائل لمن دونه افعل ونحوه. ويرد التهديد وغيره ، والمبلغ والحاكي والأدنى. وقال قوم صيغة افعل بتجردها عن القرائن الصارفة عن الأمر. وفيه تعريف الأمر بالأمر. وإن أسقطه بقي صيغة افعل مجردة. وقال قوم صيغة افعل بإرادات ثلاث: وجود اللفظ ، ودلالته على الأمر ، والامتثال. فالأول عن النائم ، والثاني عن التهديد ونحوه ، والثالث عن المبلغ. وفيه تهافت لأن المراد إن كان اللفظ فسد لقوله: وإرادة دلالتها على الأمر. وإن كان المعنى فسد لقوله الأمر صيغة افعل.
وقال قوم الأمر إرادة الفعل. ورد بأن السلطان لو أنكر متوعدا بالإهلاك ضرب سيد لعبده ، فادعى مخالفته وطلب تمهيد عذره بمشاهدته فإنه يأمر ولا يريد لأن العاقل لا يريد هلاك نفسه. وأورد مثله على الطلب لأن العاقل لا يطلب هلاك نفسه وهو لازم. والأولى: لو كان إرادة لوقعت المأمورات كلها لأن معنى الإرادة تخصيصه بحال حدوثه فإذا لم يوجد لم يتخصص.
ش - لما أنكروا الكلام النفسي لم يمكنهم تعريف الأمر بالاقتضاء فعرفوه باللفظ أو الإرادة.
وفيه نظر لأن المراد بالاقتضاء إن كان الطلب لم يفارق الأمر نفسيا كان أو لفظيا ، وإن لم يكن لم يكن الأمر من الطلبيات وهو باطل.
ومن تعريفاتهم: قول القائل لمن دونه افعل ونحوه. أي نحو افعل في الدلالة على مدلوله وإنما قال ونحوه ليندرج تحت الحد صيغة أمر غير العربي.
وفيه نظر لأن النصوص التي تستنبط عنها الأحكام الشرعية عربية والتعريف للأمر منها وأما غير العربي فلكونه يقع ترجمة يعتبر فيه المعنى دون اللفظ.
والظاهر أنه " لإخال " نحو قل وضع وعد ولتضم فإنها ليست أفعل ولكنها نحوه في كونه أمرا في لغة العرب. وزيفه المصنف طرده وعكسه. وأما طرده فإنه يرد عليه التهديد كقوله تعالى: (اعملوا ما شئتم) والإباحة كقوله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا) والتكوين كقوله تعالى: (كن فيكون) وقول الحاكي لمن دونه من أمر أمر. والمبلغ لغيره فإن ذلك قول القائل لمن دونه افعل وليست بأمر.
وأما عكسه فإنه يرد عليه قول الأدنى للأعلى افعل ونحوه إذا كان على سبيل الاستعلاء إذ العلو ليس بشرط في الأمر.
وفيه نظر لأنهم قالوا لمن دونه والأعلى ليس كذلك سواء كان العلو شرطا أو لم يكن.
ومنها قول بعضهم الأمر صيغة افعل بتجردها عن القرائن الصارفة عن الأمر يعني إلى التهديد وغيره من الإباحة والتكوين.
وهو فاسد لأنه تعريف الأمر بالأمر. فإن أسقط عنه قيد القرائن الصارفة عن الأمر بقيت صيغة افعل مجردة وحينئذ يرد التهديد وغيره كما في الأول.
ومنها قول بعضهم الأمر: صيغة افعل بشرط أن تكون معها إرادات ثلاث إرادة وجود اللفظ ، وإرادة دلالة اللفظ على الأمر ، وإرادة الامتثال. فالإرادة الأولى للاحتراز عن قول النائم. والثانية للاحتراز عن التهديد ونحوه. والثالثة للاحتراز عن قول المبلغ.
قال المصنف: وفيه تهافت أي تساقط لأن المراد بالأمر المذكور في الحد إن كان اللفظ فسد التعريف لأن تقديره حد الأمر صيغة أريد دلالتها على الصيغة فإن اللفظ الذي في قوله وجود اللفظ هو عبارة عن الصيغة ، وإن كان المراد به المعنى فسد - أيضا - لأنه جعل الأمر صيغة ثم ذكره ولم يرد به الصيغة فلا يكون الأمر صيغة.
ورد بجواز أن يكون المراد بالأمر الذي هو المعرف الصيغة وبالذي في التعريف المعنى وهو الطلب ويكون تقدير الأمر: صيغة أريد بها الدلالة على الطلب.
وأجيب بأن هذا التعريف على رأي نفاة الكلام النفسي وذلك لا يصح على رأيهم لأنهم هربوا من تعريفه بالاقتضاء كذلك.
وفيه نظر لأن سلب الطلب عن الأمر لا يصح على كل حال.
ورد هذا التعريف - أيضا - بأخذ الامتثال فيه ، والامتثال فعل المأمور به فكان دوراً.
وفيه نظر لأن الإرادات الثلاث شروط والشرط لا يتوقف على المشروط فلا يدور.
ومنها ما قال بعضهم الأمر: هو إرادة الفعل. ورد بأنه غير منعكس لصدقه بدونها ، فإن السلطان إن أنكر ضرب رجل عبده وتواعد بإهلاك السيد وادعى مخالفة العبد فيما يأمر وطلب صدقه فإنه يأمر العبد بشيء ليشاهد السلطان مخالفة العبد ولا يريد الاتيان بالمأمور به قطعا لاستحالة إرادة الرجل هلاك نفسه.
وأورد المعتزلة مثله على تعريف الأمر بالطلب فإن العاقل لا يطلب هلاك نفسه.
قال المصنف: وهو لازم.
والأولى أن يرد مذهب المعتزلة بأن الأمر لو كان إرادة الفعل لوقعت المأمورات كلها وليس كذلك بالضرورة وبيان الملازمة بأن الإرادة هي الصفة المخصصة لحدوث الفعل في وقت دون وقت فمعناها تخصيص الشيء بحال حدوثه ووقته فإذا لم يوجد الشيء لم يتخصص بحال حدوثه وإذا لم يتخصص بها لم تتعلق الإرادة به فيلزم من المقدمتين أنه إذا لم يوجد الشيء لم تتعلق الإرادة به ويلزم منه أنها إذا تعلقت بشيء وجد بحكم عكس النقيض فعلى تقدير أن يكون الأمر هي الإرادة يلزم أن يكون
المأمور به لكونه مرادا موجودا هذا حد كلام المصنف على الوجه الذي نحاه.
ويمكن أن تقرر المسألة بأهون من هذا وهو أن يقال لو كان الأمر هو الإرادة وقعت المأمورات لأن الأوامر واقعة والفرض أنها إرادات ولا يتخلف المراد عن الإرادة.
وفي كلامه نظر من وجهين:
أحدهما: أنا لا نسلم أن الأمر إذا كان الإرادة كان معنى الإرادة تخصيص الشيء بحال حدوثه بل معناه المشيئة الحادثة.
والثاني: أن هروبه من الوجه الأول في إبطال تعريف المعتزلة لا يجدي فإن الرد المذكور وارد على تعريف الأمر بالطلب سواء كان مذهب المعتزلة حقا أو باطلا.
ص - / القائلون بالكلام النفسي اختلفوا في كون الأمر له صيغة تخصه. والخلاف عند المحققين في صيغة افعل. والجمهور حقيقة في الوجوب. وأبو هاشم في الندب. وقيل للطلب المشترك. وقيل مشترك. الأشعري والقاضي بالوقف فيهما. وقيل مشترك فيهما وفي الإباحة. وقيل للإذن المشترك في الثلاثة. الشيعة مشترك في الثلاثة والتهديد /.
ش - اختلف القائلون بالكلام النفسي في أن الأمر له صيغة تخصه أو لا.
فقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: لا. وقال غيره: نعم.
قال " إمام " الحرمين والغزالي: والذي نراه أن هذه الترجمة عن الأشعري خطأ فإن قول القائل لغيره أمرتك وأنت مأمور ، وأوجبت وندبت صيغ خاصة بالأمور من غير منازعة ولا خلاف في إمكان التعبير بها ، وإنما الخلاف في أن صيغة افعل هل هي مختصة بالأمور أو لا؟ لكونها مترددة بين محامل كثيرة.
وقال صاحب الإحكام: لا وجه لاستبعاد هذا الخلاف. وقول القائل
أمرتك وأنت مأمور ونحوهما لا يرفع هذا الخلاف إذ الخلاف إنما هو في صيغة الأمر الموضوعة للإنشاء ، وما مثل به من الصيغ أمكن أن يقال إنها إخبارات عن الأمر لا إنشاءات وإن كان الظاهر صحة استعمالها للإنشاء كما في بعت واشتريت.
واختلفوا في صيغة " افعل " على ثمانية مذاهب: الجمهور على أنها حقيقة في الوجوب مجاز في غيره.
وأبو هاشم إنها حقيقة في الندب مجاز في غيره.
وقيل: إنها حقيقة في الطلب المشترك بين الوجوب والندب.
وقيل: إنها مشتركة بين الوجوب والندب اشتراكاً لفظياً.
وتوقف الشيخ والقاضي فيهما أي في الاشتراك والانفراد على معنى أن الصيغة تحتملها ولا جزم بواحد منهما.
وقيل: إنها مشتركة في الثلاثة الوجوب والندب والإباحة.
وقالت الشيعة: إنها مشتركة في الثلاثة والتهديد.
ص - / لنا ثبوت الاستدلال بمطلقها على الوجوب شائعا متكررا من غير نكير كالعمل بالأخبار. واعترض بأنه ظن. وأجيب بالمنع. ولو سلم فيكفي الظهور في مدلول اللفظ وإلا لتعذر العمل بأكثر الظواهر. وأيضا: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) والمراد قوله: (اسجدوا). وأيضا: (وإذا قيل لهم اركعوا) ذم على مخالفة أمره. وأيضا: تارك المأمور بع عاص ، بدليل:(أفعصيت أمري) وأيضا: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره).
والتهديد دليل الوجوب. واعترض بأن المخالفة حملة على مخالفة من إيجاب وندب. وهو بعيد. قولهم: مطلق. قلنا: بل عام. وأيضا: نقطع بأن السيد إذا قال
لعبده خط هذا الثوب ولو بكتابة أو إشارة فلم يفعل عد عاصيا.
واستدل بأن الاشتراك خلاف الأصل فثبت ظهوره في أحد الأربعة. والتهديد والإباحة بعيد. والقطع بالفرق بين ندبتك إلى أن تسقيني وبين اسقني ولا فرق إلا اللوم. وهو ضعيف ، لأنهم إن سلموا الفرق فلأن ندبتك نص واسقني محتمل /.
ش - احتج المصنف على مذهب الجمهور بالكتاب والإجماع والعرف. أما الإجماع فلأن الصحابة استدلوا بمطلق صيغة افعل بدون قرينة على
الوجوب ، وشاع هذا الاستدلال ولم ينكره أحد فيكون إجماعا على أن مطلق صيغة افعل للوجوب كالعمل بالأخبار فإنه لما اشتهر بين الصحابة العمل بها كان إجماعا.
وقد اعترض على هذا الدليل بأنه لا يفيد إلا ظنا والظن لا يعتد به في أمثال هذه المسائل.
وأجاب بأنا لا نسلم أنه لا يفيد إلا ظنا بل يفيد القطع لأن الإجماع قطعي ولئن سلم أنه لا يفيد إلا ظنا ولكن لا نسلم أن الظن لا يكفي في مدلولات الألفاظ بل يكفي في مدلول اللفظ ظهور كونه مدلولا له وإلا لتعذر العمل بأكثر الظواهر من الآيات والأخبار.
وأما الكتاب فمنه قوله تعالى لإبليس: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) يعني قوله للملائكة: (اسجدوا). أمر الله الملائكة وإبليس بالسجود لأدم ولم يمتثل إبليس فذمه ، لأن قوله ما منعك ليس للاستفهام بالإجماع فكان للذم ولو لم يكن للوجوب لما ذم.
ومنه قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون) ذم على مخالفة أمره التي هي ترك الركوع فلو لم يكن الأمر للوجوب لما ذم عليها. ومنه قوله تعالى: (أفعصيت أمري) والعاصي يستحق النار لقوله تعالى: (ومن يعص الله ورسوله فإن
له نار جهنم) فيكون الأمر للوجوب وإلا لما استحق تاركه النار. ومنه قوله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة) هدد على مخالفة الأمر فكان للوجوب.
واعترض على هذا الدليل بأن المخالفة عبارة عن حملة على ما يخالفه من إيجاب وندب. يعني إن كان الأمر للوجوب فحمله على الندب مخالفة وبالعكس إلا أنها عبارة عن ترك المأمور به
وأجاب بأنه بعيد والظاهر حملها على ترك المأمور به فيكون راجحا ، وحمل اللفظ على المرجوح مع وجود الراجح بعيد.
واعترض - أيضا - بأنا لا نسلم أنه يدل على أن جميع الأوامر للوجوب لأن الأمر في قوله تعالى: (عن أمره) مطلق لكونه مفردا ، والمطلق لا يفيد العموم.
ولقائل أن يقول في الآيات دلالة على أن ترك المأمور به يوجب الذم والتهديد وغير ذلك ، وهو مسلم وذلك يدل على أن المأمور به فيها كان واجبا وهو - أيضا - مسلم. ولكن ليس الكلام في ذلك ، وإنما الكلام في أن الصيغة للوجوب أو لغيره وليس فيها ما يدل على ذلك ، لجواز أن يكون استعمل الصيغة فيه مجازا لقرينة ترتيب الذم وغيره عليه.
وفيها اعتراضات تفصيلية ذكرنا بعضها في التقرير.
وأما العرف فلأنا نقطع أن السيد إذا قال لعبده خط هذا الثوب ولو كان الأمر بالخياطة بكتابة أو إشارة فلم يمتثل العبد عد عاصيا ولو يكن الأمر للوجوب لما كان كذلك.
واستدل على أن صيغة الأمر للوجوب بأن الأمر يستعمل في الوجوب والندب والإباحة والتهديد وليس مشتركا بين هذه الأربعة أو ثلاثة أو اثنين منها لأن الاشتراك خلاف الأصل فثبت ظهوره لواحد من هذه الأربعة والإباحة والتهديد لم يذهب إليه أحد. فيكون كل منهما بعيد أن يكون الأمر له. ولا يكون للندب - أيضا - للفرق قطعاً
بين ندبتك أن تفعل كذا وبين افعل كذا باستحقاق اللوم في الثاني دون الأول ، فكان الثاني للوجوب.
وأجاب بأن الخصم لا يسلم الفرق بينهما وإن سلم الفرق فلا يسلم أن الفرق باللوم بل بأن الأول نص في الندب ، والثاني محتمل.
ص - / الندب. " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " ، " مشيئتنا ". ورد بأنه رده إلى استطاعتنا وهو معنى الوجوب. مطلق الطلب يثبت الرجحان ، ولا دليل مفيد. فوجب جعله للمشترك دفعا للاشتراك. قلنا بل يثبت التقييد. ثم فيه إثبات اللغة بلوازم الماهيات.
الاشتراك يثبت الإطلاق. والأصل الحقيقة.
القاضي لو ثبت لثبت بدليل إلى أخر. قلنا بالاستقراءات المتقدمة. الإذن المشترك كمطلق الطلب /.
ش - القائل بالندب استدل بقوله عليه السلام: " إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " رد الإتيان بالمأمور به إلى مشيئتنا ، والمندوب هو المفوض إلى مشيئتنا.
وفيه نظر لأن دلالة الرد إلى مشيئتنا على الإباحة أظهر منها على الندب.
وأجاب بأنا لا نسلم أنه رد إلى مشيئتنا بل رد إلى استطاعتنا وهو مقتضى الوجوب لقوله تعالى: (لا يكلف الله نفس إلا وسعها).
وفيه نظر لعدم اختصاص الوجوب بالاستطاعة بل الندب أيضا يحتاج إليها.
واحتج القائل بكون الأمر للقدر المشترك بين الوجوب والندب بأن مطلق الطلب ظاهر من الأمر ، ومطلق الطلبية يثبت رجحان الفعل على الترك وهو مشترك بين الوجوب والندب والأمر موجب لتقييده بالجزم أو عدمه فوجب جعله للقدر المشترك دفعا للاشتراك والمجاز.
ولقائل أن يقول قياسه من الشكل الثالث ونتيجته
جزئية ومطلوب الخصم كلي فلا يكون الدليل مفيدا لمطلوبه.
وأجاب المصنف بأنا لا نسلم أنه لا موجب لتقييد الطلب بالجزم فإن دلائل الوجوب كلها توجبه.
وفيه نظر لأن دلائل الوجوب في حيز التعارض " فلا تفيد " التقييد.
قوله ثم فيه يعني سلمنا أنه لا موجب للتقييد لكن فيما ذكرتم إثبات اللغة بلوازم الماهيات فإن رجحان الفعل على الترك لازم لماهية الوجوب والندب لأنه كلما وجد أحدهما وجد رجحان الفعل على الترك.
وقد استدل به على كون الأمر للقدر المشترك " فإنه " لا يجوز لأنه يفضي إلى رفع المشترك من كلام العرب إذ ما من مشترك إلا وتشترك مفهوماته في لازم فيجعل اللفظ له دفعا للاشتراك والمجاز.
ولقائل أن يقول كما لا يجوز إثبات اللغة بلوازم الماهية لا يجوز بالدلائل
العقلية ، والسمع متعارض فلا يثبت مفهوم ما للأمر وهو تعطيل.
واحتج القائل بالاشتراك بأن الإطلاق ثبت في كل من الأربعة والأصل فيه الحقيقة. ولم يتعرض المصنف لجوابه لوضوحه فإن الحقيقة إنما تكون أصلا إذا لم تستلزم الاشتراك.
ولقائل أن يقول لا نسلم أن الاشتراك عند الخصم محذور ولا يقال إنه يخرج بالإخلال لأنه يلتزم الفهم الإجمالي.
واحتج القاضي على التوقف بأنه " لو ثبت " كون الأمر لواحد من معانيه لكان ثبوته إما عن دليل أو لا عن دليل. والثاني باطل ، لأن القول بلا دليل غير مفيد. والأول لا يخلو إما أن يكون الدليل عقليا وهو باطل إذ لا مجال للعقل في إثبات اللغة. أو نقليا متواترا وهو يوجب عدم الخلاف أو أحادا وهو لا يفيد العلم.
وأجاب بأن الاستقراءات المتقدمة دليل على ثبوته.
وفيه بحث من وجهين:
أحدهما: أن لقائل أن يقول التوقف لا عن دليل ويختار أن لا دليل للنافي.
والثاني: أن يقال الاستقراءات إنما تثبت نقلا فإما أن يكون متواترا أو أحادا وعاد المحذور.
واحتج على كونه حقيقة في الإذن الذي هو القدر المشترك بين الوجوب والندب والإباحة بدليل القائل بكونه لمطلق الطلب وجوابه كجوابه.
ص - مسألة: صيغة الأمر لا تدل على تكرار ولا مرة. وهو مختار الإمام.
الأستاذ: للتكرار مدة العمر مع الإمكان. وقال كثير: للمرة ، ولا يحتمل التكرار. وقيل: بالوقف.
لنا: أن المدلول طلب حقيقة الفعل ، والمرة والتكرار خارجي ، ولذلك يبرأ بالمرة.
وأيضا: فإنا قاطعون بأن المرة والتكرار من صفات الفعل كالقليل والكثير. ولا دلالة للموصوف على الصفة. الأستاذ: تكرر الصوم والصلاة. رد بأن التكرار من غيره. وعورض بالحج. قالوا: ثبت في لا تصم فوجب في صم لأنها طلب. رد بأنه قياس. وبالفرق بأن النهي يقتضي النفي. وبأن التكرار في الأمر مانع من غيره بخلاف النهي. قالوا الأمر نهي عن ضده ، والنهي يعم فيلزم التكرار. رد بالمنع. وبأن اقتضاء
النهي للأضداد دائما " فرفع " على تكرار الأمر.
المرة: القطع بأنه إذا قال ادخل فدخل مرة امتثل. قلنا: امتثل لفعل ما أمر به لأنها من ضرورته ، لا أن الأمر ظاهر فيها ، ولا في التكرار. الوقف لو ثبت إلى أخره.
ش - صيغة الأمر المجردة عن قرائن المرة والتكرار لا تدل على شيء منهما.
وهو مختار إمام الحرمين والمصنف.
وقال الأستاذ أبو إسحق إنها تقتضي التكرار مدة العمر إن أمكن.
وقال كثير من الأصوليين: إنه للمرة ، ولا يحتمل التكرار.
وقيل بالوقف وفسر بكونه مشتركا بين المرة والتكرار من غير ترجيح ، وبكونه غير معلوم في الواقع.
واحتج المصنف على الإمام بوجهين:
أحدهما: أن مدلول الأمر طلب حقيقة الفعل والمرة والتكرار خارجان عن مدلوله ، لأنه لو دخل أحدهما في مدلوله وقرن الأمر به لزم التكرار ، وبالأخر لزم النقض.
والدليل على خروج التكرار عن مدلوله الخروج عن عهدة المأمور به بالمرة.
والثاني: القطع بأن المرة والتكرار من صفات الفعل كالقليل والكثير ولا دلالة للموصوف على الصفة.
وفيه نظر لجواز أن تكون الصفة لازمة فيدل الموصوف عليها بالإلتزام.
واحتج الأستاذ بثلاثة أوجه:
الأول: أن الأمر ورد في الصلاة والصوم وحمل على التكرار فيهما بالاتفاق فلو لم يقتض التكرار لزم تكليف بلا دليل.
وأجاب المصنف بأن تكرار الصلاة والصوم ليس بمستفاد من الأمر بل بفعله صلى الله عليه وسلم.
وفيه نظر لأن تكرارهما فرض والفعل لا تثبت به الفرضية.
وعورض بأن الأمر ورد في الحج وحمل على المرة بالاتفاق.
وفيه نظر لأن حديث الأقرع بن حابس صرفه عن مقتضاه ، ولأن الشرط الإمكان وهو من الأماكن البعيدة غير ممكن إلا بالجلاء عن الوطن وفيه حرج عظيم وهو مدفوع.
الثاني: أن النهي مثل لا تصم يقتضي التكرار فوجب أن يكون الأمر كذلك بجامع الطلب. ورد بأنه قياس في اللغة وهو غير مفيد ، وبالفرق بينهما من
وجهين:
أحدهما: أن النهي نفي الفعل ، ونفيه دائما ممكن. والأمر بالإتيان به وهو على الدوام غير ممكن.
وفيه نظر لأن صوم الدهر ممكن.
والأخر: أن التكرار في النهي لا يمنع عن نهي غيره بخلاف التكرار في الأمر فإنه يمنع عن الأمر بغيره.
وفيه نظر فإن الأوامر المؤقتة بوقت لا تمنع الأمر بغيره.
والثالث: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده ، والنهي عن ضده يقتضي التكرار فالأمر بالشيء يقتضي التكرار.
وأجاب بأنا لا نسلم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده ، وعلى تقدير التسليم لا نسلم أن النهي الضمني يقتضي التكرار ، فإن اقتضاء النهي الضمني التكرار فرع اقتضاء الأمر التكرار فكان الاستدلال به موقوفا على المطلوب.
واحتج من قال إنه يقتضي المرة: بأنا قاطعون بأن السيد إذا قال لعبده ادخل فدخل مرة عد ممتثلا ولو كان للتكرار لما عد لأنه لم يأت به.
وأجاب بأنه إنما عد ممتثلا لإتيانه بفعل المأمور به فالمطلق وهو يتحقق فرد لا لكونه ظاهرا في المرة.
واحتج الواقف بأنه لو ثبت المرة أو التكرار فإما أن تكون " فإما أن " بدليل أو لا إلى أخره.
وتقريره وجوابه قد مر.
ص - مسألة: الأمر إذا علق على علة ثابتة وجب تكرره بتكررها اتفاقا ، للإجماع على اتباع العلة لا للأمر. فإن علق على غير علة فالمختار لا يقتضي.
لنا: القطع بأنه إذا قال إن دخلت السوق فاشتر كذا عد ممتثلا بالمرة مقتصرا.
قالوا: ثبت ذلك في أوامر الشرع: (إذا قمتم)(الزانية والزاني)(وإن كنتم جنبا). قلنا في غير العلة بدليل خاص. قالوا: تكرر للعلة ، فالشرط أولى لانتفاء المشروط بانتفائه. قلنا العلة مقتضية معلولها.
ش - هذه المسألة من فروع ما تقدم من اقتضاء الأمر التكرار إذا علق الأمر على صفة ثبتت عليتها. وجب تكرار المأمور به بتكررها لأن الإجماع منعقد على اتباع
العلة بمعنى تكرره بتكررها لا لأن الأمر يقتضي التكرار.
وعلى صفة لم تثبت عليتها. اختلفوا في وجوب تكرار الفعل بتكررها. والمختار عدمه ، لأنا قاطعون بأن الرجل إذا قال لعبده إن دخلت السوق فاشتر اللحم فاشتراه مرة امتثل ، وإن كرر الشراء بتكرار الدخول استحق اللوم ، واقتضاء التكرار يمنع استحقاقه.
واحتج القائلون بأن تعليق الأمر بصفة مطلقا يقتضي التكرار بوجهين:
أحدهما: أنه ثبت في أوامر الشرع تكرره بتكرر ما علق عليها سواء كانت الصفات شروطا أو عللا كقوله تعالى: (إذا قمتم إلى الصلوة فاغسلوا وجوهكم)، وقوله تعالى:(الزانية والزاني فاجلدوا) وكقوله: (وإن كنتم جنبا فاطهروا) فإنها أفاد التكرار فيها.
وأجاب المصنف بما معناه أن ما كان علة فلا كلام فيه وما كان غيرها فبدليل خاص اقتضى ذلك لا لأجل التعليق.
ولقائل أن يقول لا بد من بيان الدليل لينظر في صحة الدلالة وعدمها.
والثاني: أن تكرر الفعل بتكرر العلة بلا خلاف ، وذلك يوجب تكرره بتكرر الشرط بالأولى لأنه أقوى منها " فإن المشروط ينتفي عند انتفاء العلة تقتضي معلولها " فإنها كلما وجدت وجد المعلول بخلاف الشرط فإنه لا يقتضي مشروطه.
وحينئذ لا مدخل للشرط في الوجود أصلا وذلك واضح وكون المعلول النوعي لا ينتفي بعدم علة شخصية لا يبطل بمحل النزاع لأن كلامنا في أن وجود العلة يقتضي وجود المعلول ، وذلك ثابت غير مدافع فيتكرر بتكرره قطعا.
وأما أن عدمها يقتضي عدم المعلول فلم يتعرض له ، ولم يحتج إليه بخلاف الشرط فإن وجوده لا يقتضي وجود المشروط وذلك أيضا ثابت غير مدافع فلا يتكرر بتكرره قطعا.
ص - مسألة: القائلون بالتكرار قائلون بالفور. ومن قال: المرة تبرئ ، قال
بعضهم للفور. وقال القاضي إما الفور أو العزم. وقال الإمام بالوقف لغة ، فإن بادر امتثل. وقيل بالوقف ، وإن بادر. وعن الشافعي ما اختير في التكرار. وهو الصحيح. لنا ما تقدم. الفور. لو قال: اسقني فأخر عد عاصيا. قلنا: للقرينة. قالوا: كل مخبر أو منشئ فقصده الحاضر مثل زيد قائم. وأنت طالق. رد بأنه قياس. وبالفرق بأن في هذا استقبالا قطعا. قالوا: طلب ، كالنهي والأمر نهي عن ضده. وقد تقدما. قالوا:(ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) فذم على ترك البدار.
قلنا لقوله: (فإذا سويته). قالوا: لو كان التأخير مشروعا لوجب أن يكون إلى وقت معين. ورد بأنه يلزم لو صرح بالجواز. وبأنه إنما يلزم أن لو كان التأخير معينا.
وأما في الجواز فلا لأنه متمكن من الامتثال.
قالوا: قال: (سارعوا)(فاستبقوا) قلنا محمول على الأفضلية ، وإلا لم يكن مسارعا. القاضي ما تقدم في الموسع. الإمام الطلب متحقق والتأخير مشكوك فوجب البدار. وأجيب بأنه غير مشكوك.
ش - القائلون بأن الأمر المطلق يقتضي التكرار يلزمهم القول بأنه يقتضي الفور لأن من ضرورة التكرار استغراق جميع الأوقات من وقت الأمر إلى أخر العمر. والذين قالوا بأن المرة تبرئ المكلف اختلفوا. فقال: بعضهم يقتضي الفور.
وقال القاضي: يقتضي أحد الأمرين: إما الفور أو العزم على الفعل.
وقال إمام الحرمين: بالوقف على معنى أنه لا يعلم لغة من غير قرينة أنه يقتضي الفور أو التراخي. فإن بادر المأمور وأتى بالمأمور به على الفور كان ممتثلاً.
وقيل بالوقف ، وإن بادر المأمور وأتى بالمأمور به على الفور لم يقطع بكونه ممتثلا بل يتوقف فيه أيضا كما يتوقف على الفور. ونقل عن الشافعي ما اختير في التكرار. وهو أنه لا يقتضي الفور كما لا يقتضي التكرار. واختاره المصنف. والدليل عليه ما تقدم في التكرار. وتقريره أن مدلول الأمر تحصيل الفعل. والفور والتراخي خارجان عنه. والفور والتراخي من صفات الفعل ، ولا دلالة للموصوف على الصفة.
وفيه نظر قد تقدم.
استدل القائلون بأنه يقتضي الفور بسبعة أوجه:
الأول: العرف فإن الرجل إذا قال لعبده اسقني ماء فإنه يفيد الفور قطعا ولهذا يذم على التأخير.
وأجاب بأن الفور مستفاد من القرينة يعني الحالية ، والكلام في المجرد عنها.
الثاني: أن كل مخبر ومنشئ فإنما يقصد بإنشائه الزمان الحال كزيد قائم. وأنت طالق فكذا الأمر بأمره ، لأنه قسم من الكلام.
وأجاب بأنه قياس في اللغة. وبالفرق بأن في الأمر استقبالا قطعا لأن الأمر لتحصيل ما ليس بحاصل في الحال ، ولأنه مشتق من الفعل المستقبل.
وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه مبنى على الفرق وقد تقدم غير مرة.
والثاني: أنه مشتق من الفعل المضارع وهو يصلح للحال والاستقبال لا أنه مستقبل ألبتة والأمر لأن يحصل في الحال ما ليس بحاصل.
الثالث: أن الأمر طلب كالنهي يقتضي الوفر فكذلك الأمر.
الرابع: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الضد يستلزم الفور فكذا ما يستلزم النهي عن الضد فإن ملزوم الملزوم ملزوم.
وقد تقدم هذان الوجهان في المسألة المتقدمة مع الجواب عنهما.
الخامس: أنه أمر الله - تعالى - الملائكة وإبليس بالسجود لأدم وترك إبليس السجود فذمه الله - تعالى - على ترك السجود على الفور بدليل قوله تعالى: (ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك) لأنه ليس للاستفهام قطعا فيكون للذم. ولو لم يكن للفور لم
يتوجه الذم لمساغ أن يقول منعني كونه لم يجب على الفور. وأجاب بأنه اقتضى الفور بقرينة قوله: (فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له سجدين) فإنه دل على وجوب السجود عقيب التسوية ونفخ الروح ولا يلزم منه أن يكون الأمر المطلق مفيدا للفور.
وفيه نظر فإنه ليس في الآية إلا دلالة وقوع السجود من الملائكة عقيبهما ، والوقوع عقيبهما إما أن يكون قبل الأمر أو بعده ، والأول ليس مما نحن فيه لكونه غير مأمور به ، والثاني يفيد المطلوب.
السادس: لو كان التأخير مشروعا لوجب أن يكون إلى وقت معين عند المكلف وإلا لزم تكليفه بعدم تأخير الواجب عن وقت لا يعلمه وهو تكليف بما لا يطاق لكن لا يجوز أن يكون التأخير إلى وقت معين لأن ذلك الوقت ليس إلا وقتا يغلب على ظن المكلف أنه لا يعيش بعده ، لأن القائلين بالتراخي قائلون به لكن لا بد لغلبة ظنه من دليل وهو إما كبر السن أو مرض شديد لكن كثير من المكلفين يموتون دونهما.
وأجاب أولا: بنقض إجمالي وهو أن هذا الدليل منقوض بما إذا صرح للمكلف بجواز التأخير مثل أن يقول صل متى شئت ، فإنه يطرد هذا الدليل فيه مع أنه للتراخي بالاتفاق.
وثانيا: بنقض تفصيلي منع الملازمة. وتقريره لا نسلم أنه إذا لم يجب التأخير إلى وقت معين عند المكلف لزم تكليف ما لا يطلق وإنما يلزم ذلك أن لو كان التأخير متعينا ، وليس كذلك لجواز الاتيان بالمأمور به على الفور فإن المراد بالتراخي هو أن لا يكون الفور لازما لا أن لا يجوز.
السابع: أن يقال فعل المأمور به من الخيرات وسبب للمغفرة ومثله يجب الإتبان به على الفور لقوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) أمر بالمسارعة والأمر للوجوب.
وأجاب بأن الأمر بذلك للندب على معنى أنها أفضل من التأخير وقرينته أنه لو لم يحمل على ذلك انتفى المسارعة لأنها عبارة عن مباشرة الفعل في وقت مع جواز الإتيان به بعد ذلك فلو وجب الفور تضيق ولا مسارعة فيه.
وفيه نظر فإن للخصم أن يقول: المسارعة هي المسابقة إلى الشيء وأما جواز الإتيان به بعد ذلك فليس بداخل في مفهومه.
واستدل القاضي بما مر في الواجب الموسع من وجوب العزم في أول الوقت أو الإتيان بالمأمور به وقد تقدم مع جوابه ثمة.
واستدل إمام الحرمين بأن الطلب متحقق بورود الأمر والخروج عن العهدة بالتأخير مشكوك فيه فوجب ترك المشكوك فيه فتعين المبادرة.
وأجاب بما معناه أن الطلب على الفور متحقق أو على التراخي أو مطلقا لا سبيل إلى الأول لكونه مصادرة ولا إلى الثاني لأنه بعيد خلاف المقصود فتعين الثالث. والمطلق يحتمل البدار والتأخير من غير ترجيح فكما يخرج عن العهد بالبدار يخرج بالتأخير وحينئذ لا يكون مشكوكا.
ولكن كلامه في الدلالة على هذا البيان في حيز الإلغاز.
ص - مسألة: اختار الإمام والغزالي أن الأمر بشيء معين ليس نهيا عن ضده ، ولا يقتضيه عقلا. وقال القاضي ومتابعوه نهي عن ضده. ثم قال: يتضمنه. ثم اقتصر قوم. وقال القاضي: والنهي كذلك فيهما. ثم منهم من خص الوجوب دون الندب.
ش - اختلفوا في أن الأمر بشيء معين هل هو بعينه نهي عن ضده أو لا؟
فذهب إمام الحرمين والغزالي إلى أن الأمر بشيء معين لا يكون نهياً عن
ضده " ولا يقتضيه عقلا " أي لا يستلزمه والمراد بالضد ما يستلزم ترك المأمور به وقوله: معين - قيد اتفاقي.
وقال القاضي أبو بكر أولا: الأمر بشيء بعينه نهي عن ضده. ثم قال ثانيا: إن الأمر بالشيء يتضمن النهي عن ضده أي يستلزمه بكونه نهيا عن ضده " عن أن يقول والنهي عن الشيء أمر بضده أو مستلزم له.
وقال القاضي النهي كذلك فيهما أي النهي عن الشيء أمر بضده أو يقتضيه عقلاً.
ثم من القائلين بكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده أو مستلزما له من قال إن الأمر الذي هو نهي عن ضده أو مستلزم له هو أمر الإيجاب لا الندب. ومنهم من لم يخصه به.
ص - لنا لو كان الأمر نهيا عن الضد أو يتضمنه لم يحصل بدون تعقل الضد والكف عنه لأنه مطلوب النهي. ونحن نقطع بالطلب مع الذهول عنهما.
واعترض بأن المراد الضد العام. وتعقله حاصل لأنه لو كان عليه لم يطلبه.
وأجيب بأن طلبه في المستقبل. ولو سلم فالكف واضح.
ش - احتج المصنف على أن الأمر بالشيء لا يكون نهيا عن ضده ولا يقتضيه عقلا فإنه لو كان كذلك لم يحصل الأمر بدون تعقل الضد ، وتعقل الكف عنه لأن النهي طلب الكف عن الضد ، والفرض أن الأمر عينه ، والشيء لا يحصل بدون تعقله ، لكنا نقطع بأن الأمر قد يطلب شيئا مع الذهول عن ضده ، والكف عنه.
واعترض بأنا لا نسلم تحقق الطلب مع الذهول عن ضده والكف عنه ، لأن الضد قد يطلق على أمر خاص كالأكل والشرب بالنسبة إلى الصلاة. وعلى أمر عام وهو ترك المأمور به فإنه يتحقق بكل من الأمور الخاصة. والمراد بالضد هاهنا هو الثاني. وتحقق الطلب مع الذهول عنه ممتنع لأن الأمر عند الأمر يعقل ترك المأمور به إذ لو علم أن المأمور متلبس بالمأمور به لم يأمره لأنه تحصيل الحاصل.
ولقائل أن يقول هذا تناقض ظاهر لأن مدعاهم أن الأمر بالشيء عين النهي عن
ضده ودليلهم بالتمحل الشديد يدل على أنه شيء يستلزم تعقل الأمر بعقله.
وأجاب المصنف بأنا لا نسلم أن الأمر لو علم أن المأمور على الفعل لم يأمره.
قوله: لامتناع تحصيل الحاصل - قلنا لا نسلم لزوم ذلك وإنما يلزم أن لو كان الأمر يطلب تحصيل " الحاصل " الفعل في الحال ، وهو ممنوع فإن الأمر يطلب به الفعل في الزمان المستقبل. ولو سلم أن الضد العام معلوم للأمر ، فالكف غير معلوم له وهو واضح.
وفي كلامه نظر من وجهين:
أحدهما: أنه يسلتزم أن يكون الأمر لطلب دوام المأمور به لا لطلب المأمور به إذ كان المأمور على المأمور به وقت الأمر وإلا فلا يفيد شيئا.
والثاني: أن كون الكف غير معلوم يدفع كون الأمر بالشيء عين النهي عن ضده ولا يدفع كونه متضمنا له لأن كونه غير معلوم لا ينافي أن يكون لازما من لوازمه لأن معرفة الشيء يستلزم معرفة ما تتوقف عليه ماهيته. أما اللوازم الخارجية فإنما يتوقف عليها وجود الشيء لا العلم به فيجوز أن يتحقق الشيء لوجود لازمه وإن لم يكون العلم به حاصلا.
ص - القاضي لو لم يكن إياه لكان ضدا أو مثلا أو خلافا. لأنهما إما أن يتساويا في صفات النفس أو لا. الثاني: إما أن يتنافيا بأنفسهما أو لا. فلو كانا مثلين أو ضدين لم يجتمعا ولو كانا خلافين لجاز أحدهما مع ضد الأخر وخلافه ، لأنه حكم الخلافين. ويستحيل الأمر مع ضد النهي عن ضده ، وهو الأمر بضده ، لأنهما نقيضان. أو تكليف بغير الممكن.
وأجيب: إن أراد بطلب ترك ضده ، طلب الكف منع لازمها عنده ، فقد تلازم الخلافان ، فيستحيل ذلك وقد يكون كل منهما ضد الأخر كالظن والشك ، فإنهما معا ضدا العلم وإن أراد بترك ضده عين الفعل المأمور به رجع النزاع لفظيا في تسميته تركا. ثم في تسمية طلبه نهياً.
القاضي: أيضاً السكون عين ترك الحركة ، وطلب السكون طلب ترك الحركة.
وأجيب بما تقدم.
ش - احتج القاضي على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده بوجهين:
الأول: لو لم يكن الأمر بالشيء عين النهي عن ضده لكان إما ضدا له أو مثلا له أو خلافا له لانحصار الغير في ذلك فإنه إذا لم يكن عينه فإما أن يكون مساويا له في صفات النفس أي في تمام ذاتياته أو لا. والأول: هما المثلان كزيد وعمرو. والثاني: إما أن يتنافيا ذاتهما أو لا ، والأول: هما الضدان ويندرج فيه
النقيضان والعدم والملكة ، فالضدان كالسواد والبياض ، والنقيضان كالإنسان واللاإنسان ، والعدم والملكة كالعمى والبصر.
والثاني: هما الخلافان كالحركة والسواد ، لكن التالي باطل لأن الأمر بالشيء والنهي عن ضده لو كانا مثلين أو ضدين لم يجتمعا لكنهما يجتمعان. يقال صل ولا تتركها.
ولقائل أن يقول: الضدان لا يجتمعان في محل واحد في زمان واحد والأمر بالشيء والنهي عن ضده كذلك لأن زمان التلفظ بالأمر غير زمان التلفظ بالنهي عن ضده. ثم إن قوله إنهما يجتمعان يدل على التعدد ، والمدعى أنهما واحد ولو كانا خلافين لجاز وجود أحدهما مع ضد الأخر ومع خلاف الأخر لأن حكم الخلافين
ذلك كالعلم والإرادة فإنه يجوز وجود العلم مع ضد الإرادة وهو الكراهة ومع خلافها وهو المحبة وعكسه وهو جواز الجهل مع الإرادة ومع السخاوة التي هي خلاف العلم. لكن يستحيل اجتماع الأمر بالشيء مع ضد النهي عن الضد وهو الأمر بالضد لأنه يلزم الأمر بالشيء والأمر بضده وذلك أمر بالنقيضين إن كان الضدان نقيضين ، أو الأمر بالمتنافيين إن لم يكونا كذلك وذلك تكليف ما لا يطاق. فلا يكون الأمر بالشيء والنهي عن ضده خلافين. وإذا بطل الأقسام الثلاثة بطل التالي.
وأجاب المصنف عن هذا الوجه بأن القاضي إن أراد بطلب ترك الضد الذي هو المعنى بالنهي عن الضد طلب الكف عن الضد يختار أنهما خلافان حينئذ ، ويمنع إذ ذاك ما يجعل القاضي لازم الخلافين ، وهو اجتماع الخلاف مع ضد الخلاف ، وخلاف الخلاف لأن الخلافين قد يكونان متلازمين كالعلة والمعلول المساوي فإنه يستحل اجتماع أحدهما مع ضد الأخر لأنه اجتماع الضدين لعدم انفكاك أحدهما عن الأخر فكلما يصدق أحدهما يصدق الأخر. وأيضا قد يكون ضد أحد الخلافين ضد الخلاف الأخر كالظن والشك فإنهما خلافان وكل منهما ضد العلم فيكون كل منهما ضد الأخر.
قال شيخي العلامة: المثال غير صحيح لأن الظن والشك ضدان على الوجه الذي فسر المصنف الضدين.
والمثال الصحيح هو الضاحك والكاتب فإنهما خلافان على الوجه الذي فسره ، وكل منهما ضد للصاهل.
والفرق بين الوجهين المذكورين أن الأول سنده نقض تفصيلي. والثاني نقض إجمالي وإن أراد القاضي بطلب ترك ضده طلب غير الفعل المأمور به كان النهي عن الضد عين الأمر بالشيء وصار النزاع لفظيا في تسمية الفعل بترك الضد ، ثم في تسمية طلب ذلك الفعل نهيا.
والثاني: أن السكون عين ترك الحركة ، فطلب السكون الذي هو الأمر بالسكون هو بعينه طلب ترك الحركة الذي هو النهي عن ضد السكون.
وأجاب بما تقدم وهو أن النزاع حينئذ يكون لفظيا.
ص - التضمين: أن أمر الإيجاب طلب فعل يذم على تركه اتفاقا ، ولا يذم إلا على فعل وهو الكف أو الضد فيستلزم النهي.
وأجيب بأنه مبني على أنه من معقوله لا بدليل خارجي. وإن سلم فالذم على أنه لم يفعل لا على فعل. وإن سلم فالنهي طلب كف عن فعل لا عن كف ، وإلا أدى إلى وجوب تصور الكف عن الكف لكل أمر وهو باطل قطعا. قالوا: لا يتم الواجب إلا بترك ضده وهو الكف عن ضده أو نفيه فيكون مطلوبا. وهو معنى النهي. وقد تقدم.
ش - احتج القائلون بأن الأمر بالشيء يتضمن النهي عن ضده بوجهين:
أحدهما: أمر الإيجاب طلب فعل يذم تاركه. ولا يذم إلا على فعل ، لأن العدم غير مقدور عليه ، وغير المقدور عليه لا يذم تاركه. وذلك الفعل هو الكف أو فعل ضد المأمور به لأن عدم المأمور لا يحصل إلا بأحدهما فيكون الكف أو فعل الضد المأمور به منهيا عنه فيكون أمر الإيجاب مستلزما للنهي عن أحدهما.
وفيه نظر لأنه يكون مستلزما للمنهي عنه وهو أحدهما لا النهي عن أحدهما وهو خلاف المطلوب.
وأجاب بأن هذا الدليل مبني على أن الذم على ترك فعل المأمور به من معقول الأمر لا بدليل خارجي وليس كذلك بل العلم بالذم على الترك مستفاد من دليل خارجي.
ولقائل أن يقول الدليل الدال على ذلك إما أن يكون شرعيا ولا نسلم وروده على أن ذلك كان معلوما قبل الشرع. وإما أن يكون عقليا وهو ليس بحجة فلم يبق إلا أن يكون من معقوله. ثم قال: ولئن سلم أن الذم على الترك من معقول الأمر لكن لا نسلم أن الذم لا يكون إلا على فعل. يجوز أن يكون على أنه لم يفعل لا أنه فعل.
لا يقال العدم غير مقدور لأن ذلك هو الممتنع وليس الكلام فيه ولئن سلم أن الذم على الفعل لكن لا يصح أن يكون الكف منهيا عنه لأن النهي هو طلب كف عن فعل لا طلب كف عن كف وإلا أدى إلى وجوب تصور الكف عن الكف لكل أمر لأن الأمر بالشيء يستلزم تصور النهي الذي هو طلب الكف عن الكف وهو باطل قطعا فإنا نجد أنفسنا تأمرنا بأشياء ولم نتصور شيئا من ذلك وإذا لم يكن النهي طلب كف عن كف لم يكن الكف منهيا عنه.
وفيه نظر من وجهين:
أحدهما: أن قوله النهي طلب كف عن فعل لا عن كف يوهم أن الفساد إنما هو باعتبار جعل الكف منهيا عنه وليس كذلك فإن الفساد باق. وإن كان المنهي عنه فعلا لا كفا فإنا نجد أنفسنا إذا أمرنا بشيء أن الذهن لا يتوجه إلى شيء من ذلك والمنازع مكابر.
والثاني: أن هذا الجواب مخصوص بدفع كون الكف هو الفعل الذي يذم عليه لا الضد.
الثاني: أن الأمر بالشيء يستلزم كون المأمور به واجبا والواجب لا يتم إلا بترك الضد ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، فترك الضد واجب وترك الضد هو
الكف عنه أو نفيه. فيكون أحدهما مطلوبا ويكون ضد المأمور به منهيا عنه ، فيكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده.
وأجاب بقوله: وقدم تقدم. وهو أنه ليس كل ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، بل ما لا يتم الواجب إلا به أذ كان شرطا شرعيا كان واجبا وترك الضد ليس كذلك.
وفيه نظر لأن ذلك مختاره على خلاف أكثر الأصوليين فيكون رد المختلف على المختلف وقد تقدم هناك إبطال الوجوه المذكورة ثمة.
ص - الطاردون: متمسكا القاضي المتقدمان. وأيضا - النهي: طلب ترك فعل والترك فعل الضد ، فيكون أمرا بالضد. قلنا ، فيكون الزنا واجبا من حيث هو ترك لواط وبالعكس. وهو باطل قطعا. وبأن لا مباح. وبأن النهي طلب الكف لا الضد المراد. فإن قلتم فالكف فعل فيكون أمرا رجع النزاع لفظيا ، ولزم أن يكون النهي نوعا من " الأمور " ومن ثم قيل الأمر طلب فعل لا كف.
ش - القائلون بأن النهي عن الشيء هو بعينه أمر بضده ، كما أن الأمر بالشيء هو عين النهي عن ضده ، احتجوا بثلاثة أوجه:
الأول والثاني: متمسكا القاضي ، يعني الدليلين الدالين على عدم المغايرة لأنه لو لم يكن النهي عن الشيء أمرا بضده لكان إما مثله أو ضده أو خلافه إلى أخره. ولأن السكون عين ترك الحركة فيقال ترك الحركة عين السكون فالنهي عن الحركة هو عين الأمر بالسكون وقد مر جوابهما.
والوجه الثالث: أن النهي طلب ترك فعل وترك الفعل هو بعينه فعل الضد فالنهي طلب فعل الضد. وكل ما هو طلب فعل فهو أمر. فالنهي عن الشيء هو بعينه أمر بضده.
وأجاب عنه بثلاثة أوجه:
الأول: لو كان ترك فعل هو بعينه فعل الضد لكان الزنا واجبا من حيث هو ترك اللواط ، وبالعكس لأن ترك اللواط حينئذ يكون فعل الزنا الذي هو ضده ، وترك اللواط واجب فالزنا واجب ، وترك الزنا فعل اللواط الذي هو ضده وترك الزنا واجب فيكون اللواط واجبا ولا نزاع في بطلان ذلك.
الثاني: أنه لو كان ترك فعل هو بعينه فعل ضده لزم أن لا يتحقق المباح في
الشرع لأن كل مباح ضده الحرام وضد الحرام بعينه ترك الحرام واجب فيكون المباح واجبا.
ولقائل أن يقول: هذان الجوابان ليسا بشيء لأن المستدل جعل ترك الزنا مثلا فعلا خاصا هو فعل ضد الزنا أي عدمه فإنه قد تقدم أن عدم الشيء ضد فترك الزنا عنده فعل ضده الذي هو عدمه وليس للواط ولا لنفي المباح في ذلك مدخل.
الثالث: أن النهي طلب الكف عن الفعل فيكون الكف عن الفعل مطلوبا لا فعل الضد المراد. فإن قيل لو سلم أن النهي طلب الكف عن الفعل فالكف فعل فيكون طلبه أمرا لأن طلب الفعل أمر.
أجيب بأنه حينئذ رجع النزاع لفظيا لأنا لا نسمي طلب الكف أمرا وأنتم تسمونه أمرا.
ويلزمكم أن يكون النهي نوعا من الأمر لأنه حينئذ يكون طلب الفعل سواء كان كفا أو غيره أمرا ثم إن كان ذلك الفعل كفا سمي نهيا أيضا. والقول بأن النهي نوع من الأمر باطل. ومن ثم أي ومن أجل أن القول بأن النهي نوع من الأمر باطل. قيل في تعريف الأمر إنه طلب فعل غير كف.
ولقائل: " أن يقول بعد أن صار النزاع لفظا لا وجه لإيراد كون النهي نوعا من الأمر لجواز " أن يقول الأمر والنهي عندي عبارتان عن معبر واحد فإن كان بصيغة السلب قلنا نهي عن الشيء وهو أمر بضده وإن كان بصيغة الإيجاب قلنا أمر بشيء وهو نهي عن ضده.
وقول من قال إنه طلب فعل غير كف ، غير ناهض لأنه اصطلاح ولا مشاحة فيه.
ص - الطاردون في التضمين لا يتم المطلوب بالنهي إلا بأحد أضداده كالأمر.
وأجيب بالإلزام الفظيع ، وبأن لا مباح.
ش - القائلون بأن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده كما أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده احتجوا بأن المطلوب بالنهي وهو الترك - كفا كان أو أن لا يفعل - لا يتم إلا بفعل أحد أضداده. وما لا يتم المطلوب إلا به فهو مطلوب فالنهي عن الشيء يستلزم طلب فعل الضد وطلب فعل الضد أمر. فيكون النهي مستلزما للأمر.
وأجيب بالإلزام الفظيع وهو أنه يلزم أن يكون طلب ترك الزنا مستلزما لطلب فعل اللواط.
وفيه نظر لأنه قال لا يتم إلا بأحد أضداده يعني لا على التعين وأحد الأمور لا على التعيين ليس بواحد منها بعينه فلا يرد عليه اللواط ولا الزنا غاية ما في الباب أن ينظر في أضداده فما دل " عليه دليل " صريح على حرمته يرجح على موجبه الذي يوجبه استلزاما لأن الصريح أقوي من المستلزم.
قال وأيضا يلزم أن لا مباح في الشرع كما ذكر.
وفيه نظر لأن كلامهم في أدلتهم وغيرها يدل على أن المراد بالضد شيء خاص وهو فعل المنهي عنه فإن الزنا لما كان منهيا عنه مثلا فضده الذي هو ترك فعله مطلوب وكل طلب فعل أمر عندهم فلا مدخل فيه للمباح.
ص - الذين نفروا من الطرد إما لأن النهي طلب ضد نفي وإما للإلزام الفظيع وإما لأن أمر الإيجاب يستلزم الذم على الترك وهو فعل ما يستلزم كما تقدم. والنهي طلب كف عن فعل فلم يستلزم المر لأنه طلب فعل لا كف وإما لإبطال المباح.
ش - الذين يفرون من الطرد ويقولون الأمر بالشيء هو بعينه نهي عن ضده أو
يستلزمه دون العكس إنما يفرون من الطرد لأحد أمور: إما لأن النهي طلب نفي فعل أي طلب أن لا يفعل وهو عدم والأمر طلب وجود فعل وطلب العدم لا يكون غير طلب الوجود ولا متضمنا له.
وفيه نظر لأن الوجودي قد يستلزم العدمي فإن تصور كل سلب يتلزم تصور إيجابه.
قيل وهذا الدليل يوجب أن لا يكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده ولا مستلزما له لأن طلب الوجود لا يكون بعينه طلب العدم ولا متضمنا له.
وأما الإلزام المذكور وهو لزوم كون الزنا واجبا" وهذا " الدليل أيضا باطل لأن الأمر بالشيء لو كان عين النهي عن ضده أو مستلزما له للزم أن يكون الأمر بالصلاة بعينه نهيا عن الحج أو مستلزما له فإن الصلاة ضد الحج.
وفيه نظر لأن الحج وأمثاله إن كان ضدا فقد دل الدليل الصريح على وجوبه فترك الدليل الذي ينفيه بالاستلزام ترجيحا للصريح عليه.
وإما لأن أمر الإيجاب يستلزم الذم على الترك والترك فعل لما تقدم أن الذم لا يكون إلا على الفعل فاستلزم الأمر النهي لأن الترك الذي هو فعل يذم عليه منهي عنه.
وأما النهي عن الشيء فلا يستلزم الأمر بالضد. إما لأن النهي طلب كف فعل والأمر طلب فعل غير كف فلو كان النهي مستلزما للأمر لزم أن يكون طلب الكف مستلزما لطلب غير الكف ، وهو مستحيل.
وإما لأنه لو كان النهي مستلزما للأمر لزم نفي المباح لأنه يلزم من النهي الأمر بالمباح الذي هو ضد النهي عنه فانتفى المباح لكونه مأمورا به والمأمور به واجب.
وهو أيضا باطل لأن الأمر بالشيء لو كان مستلزما للنهي عن الضد للزم أيضا نفي المباح لأنه ضد المأمور به فيكون منهيا عنه فلا يكون مباحا.
ص - والمخصص: للأمرين الأخيرين.
ش - والذين خصصوا استلزام الأمر للنهي بأمر الإيجاب ، احتجوا بالأمرين الأخيرين: أما الأمر الأول منهما فلأن الأمر إنما استلزم النهي بسبب الذم على الترك ولا ذم على الترك في الندب فلا يستلزم الأمر الذي للندب النهي عن ضده.
ولقائل أن يقول لو كان علة الاستلزام ذلك لا ستلزم نهي الإيجاب الأمر بضده لأنه طلب كف فعل يذم فاعله ، وكف فعل يذم فاعله مأمور به.
وهذا النقض وارد على الفار من الطرد أيضا.
وأما بالثاني فلأن استلزم الأمر للنهي يوجب نفي المباح وهو خلاف الأصل فخصص أمر الإيجاب باستلزام النهي دون أمر الندب تقليلا لما هو خلاف الأصل.
ولقائل أن يقول هذا باطل قطعا لأن مقتضاه تسويغ انتفاء المباح في أمر الإيجاب.
ص - مسألة: الإجزاء: الامتثال. فالإتيان بالمأمور به على وجهه يحققه اتفاقا.
وقيل: الإجزاء: إسقاط القضاء فيستلزمه. وقال عبد الجبار: لا يستلزمه. لنا لو لم يستلزمه لم يعلم امتثال. وأيضا فإن القضاء استدراك لما فات من الأداء فيكون تحصيلا للحاصل. قالوا لو كان لكان المصلي بظن الطهارة أتما أو ساقطا عنه القضاء ، إذا تبين الحدث. وأجيب بالسقوط للخلاف. وبأن الواجب مثله بأمر أخر عند التبين.
وإتمام الحج الفاسد واضح.
ش- اختلف الناس في معنى الإجزاء. فقيل: هو الامتثال. وعلى هذا إذا
أتى بالمأمور به على الوجه الذي أمر به فذهب بعضهم إلى أنه تحقق الإجزاء يعني سقط القضاء. وهو مختار المصنف.
وقال عبد الجبار: لا يسقط القضاء به.
واحتج المصنف على ما اختاره بوجهين:
الأول: أن الإتيان بالمأمور به لو لم يستلزم الإجزاء لم يعلم الامتثال لبقاء احتمال توجه التكليف ، وإذا احتمل توجه احتمل عدم الامتثال لأن تحقق الامتثال مع توجه التكليف متنافيان. وإذا احتمل عدم الامتثال لم يعلم الامتثال لأن العلم بالشيء ينافي احتمال النقيض.
وفيه نظر لأن الإجراء لما كان سقوط القضاء كان غير الامتثال قطعا فلا يلزم من عدم سقوط القضاء عدم العلم بالامتثال فإن الامتثال حينئذ عبارة عن إخراج المأمور به من القوة إلى الفعل وهو عين الإتيان بالمأمور به على الوجه الذي أمر به فكيف يكون غير معلوم.
ولأن قوله لبقاء احتمال توجه التكليف ليس بمستقيم لأنه إذا لم يحصل سقوط القضاء بالإتيان بالمأمور به فالخطاب متوجه لا محتمل لأن القضاء بالأمر السابق.
والثاني: أن القضاء استدراك لما فات من الأداء فلو لم يكن الإتيان بالمأمور به على وجهه مسقطا للقضاء لكان تحصيلا للحاصل ، فإن الحاصل من الإتيان بالمأمور به إذا عدم الإجزاء ولم يحصل بالقضاء شيء أخر غيره وهو تحصيل للحاصل. وأن يكون القضاء فكذلك أبدا وفيه تكليف ما لا يطيق.
ولعبد الجبار أن يقول الإتيان بالمأمور به على الوجه الذي أمر به امتثال للأمر لا محالة ولكن لا يعلم أن القضاء يسقط به أولا حيث لم يكن مستلزما له لما سيجئ. وعدم العلم بالسقوط لا يستلزم العدم في نفسه كما أنا لا نعلم أي عبادة وقعت معتدا بها عند الله - تعالى - وإنما تنكشف يوم القيامة.
واستدل القاضي ومتابعوه بأن الإتيان بالمأمور به على الوجه الذي أمر به لو كان مستلزما لسقوط القضاء لأثم المصلي بظن الطهارة أو سقط عنه القضاء إذا ثبت حدثه بعده لأنه إما أن يكون مأمورا بها مع يقين الطهارة أو مع ظنها فإن كان الأول أثم