الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وفيه نظر لأن دعي أمر فكان إثباتا وهو محمول على الشرعي عنده فلا إجمال.
والقائل بالمذهب الرابع بأنه تعذر حمله في النهي على الشرعي للزوم صحته كبيع المضامين والملاقيح والحر فإن الحمل على الشرعي يستلزم صحتها واللازم باطل بالإجماع وبطلانه يستلزم بطلان ملزومه وهو الشرعي. وإذا تعذر الشرعي حمل على اللغوي لأنه أولى من الإجمال.
وأجاب بما تقدم أن الشرعي ليس معناه الصحيح وبأن ما ذكرتم يستلزم أن تحمل الصلاة في قوله صلى الله عليه وسلم: " دعي الصلاة أيام أقرائك " على اللغوي هو باطل لأن اللغوية هي الدعاء وهو جائز حال الحيض بالإجماع.
وفيه النظران.
البيان والمبين
ص - البيان والمبين. يطلق البيان على فعل المبين. وعلى الدليل وعلى المدلول فلذلك قال الصيرفي: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح.
وأورد البيان ابتداء. والتجوز بالحيز وتكرير الوضوح.
وقال القاضي والأكثر الدليل. وقال البصري: العلم عن الدليل.
والمبين نقيض المجمل.
ويكون في مفرد ، وفي مركب ، وفي فعل وإن لم يسبق إجمال.
ش - لما فرغ من بيان المجمل شرع في بيان البيان والمبين.
والبيان يطلق على معان ثلاثة: على فعل المبين وهو التبيين أي رفع
الإبهام. وعلى الدليل وهو ما يحصل به التبيين. وعلى المدلول أي الاعتقاد التابع للتبيين.
وكذلك اختلفوا في تعريفه فالصيرفي اختار الأول. وعرفه بأنه إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح.
وزيفه المصنف بأنه غير جامع لخروج البيان ابتداء وهو ما يدل على الحكم من غير تقدم إجمالي فإنه بيان بالاتفاق ، وباشتماله على المجاز فإن الحيز للجواهر فاستعماله في الأعراض مجاز ، وباشتماله على التكرار لأنه ذكر التجلي والوضوح وأحدهما كاف.
وقال القاضي وأكثر الأصوليين إن البيان هو الدليل. واختار عبد الله البصري المدلول وعرفه بأنه العلم الحاصل عن الدليل. ثم عرف المصنف المبين بأنه نقيض
المجمل. يعني مقابله: وهو ما تتضح دلالته. ويدخل فيه الخطاب الذي ورد مبينا ابتداء ثم المبين إما قول مفرد أو مركب وإما فعل سبق إجماله أو لم يسبق.
ص - مسألة: الجمهور: الفعل يكون بيانا. لنا: أنه صلى الله عليه وسلم بين الصلاة والحج بالفعل. وقوله: " خذوا عني " و " صلو كما " يدل عليه. وأيضا فإن المشاهدة أدل.
وليس الخبر كالمعاينة.
قالوا: يطول فيتأخر البيان. قلنا: وقد يطول بالقول. ولو سلم فما تأخر للشروع فيه. ولو سلم فلسلوك أقوى البيانين.
ولو سلم فما تأخر عن وقت الحاجة.
ش - " ذهب الجمهور الأصوليين " إلى أن الفعل يجوز أن يقع بيانا " خلافا " لشرذمة.
والدليل للجمهور أنه واقع والوقوع دليل الجواز فإن كل واحد من الصلاة والحج وقع مجملا وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفعل. لا يقال كان البيان بقوله: " صلوا كما رأيتموني أصلي " وبقوله: " خذوا عني مناسككم " لا بالفعل لأنا نقول قوله
يدل على أن الفعل بيان لا أن نفسه بيان إذ لم يشتمل على تعريف شيء من أفعال الصلاة والحج. وأيضا مشاهدة فعل الصلاة والحج أدل على معرفة تفاصيلهما من الأخبار فإن الخبر ليس كالمعاينة.
وفيه نظر فإن الفعل لا يحصل به معرفة الفرض من غيره فكان القول أدل على ما يحصل به الامتثال والخروج عن عهدة التكليف.
وقال المانعون يطول زمان الفعل فيلزم تأخر البيان وهو غير جائز.
وأجاب بأن طول الزمان لا يمنع البيان لأن البيان بالقول أيضا قد يطول وأنه لا يمنع ولو سلم أن زمان القول لا يطول لكن لا نسلم تأخر البيان لأن بالشروع في الفعل عقيب الإجمال لا يوجد التأخر ولو سلم تأخره لكنه لتحصيل ما هو أقوى البيانين وهو الفعل وذلك حسن.
وفيه النظر المتقدم ولو سلم أنه ليس بأقواهما لكن لا نسلم امتناع تأخر البيان مطلقا بل تأخره عن وقت الحاجة ولم يوجد هاهنا.
ص - مسألة: إذ ورد بعد المجمل قول وفعل فإن اتفقا وعرف المتقدم فهو البيان والثاني تأكيد. فإن جهل فأحدهما. وقيل يتعين غير الأرجح بالتقديم لأن المرجوح لا يكون تأكيدا.
وأجيب بأن المستقل لا يلزم فيه ذلك.
فإن لم يتفقا كما لو طاف بعد آية الحج طوافين وأمر بطواف واحد فالمختار القول وفعله ندب أو واجب. متقدما أو متأخرا لأن الجمع أولى.
أبو الحسين: المتقدم بيان. ويلزمه نسخ الفعل متقدما مع إمكان الجمع.
ش - إذا ورد بعد المجمل قول وفعل كل منهما صالح لبيان ذلك المجمل فإن اتفقا في البيان وعلم المتقدم منهما كان المتقدم بيانا والثاني تأكيدا له.
وإن لم يعلم فالمختار عند المصنف أن البيان أحدهما لا بعينه والآخر تأكيد له.
وقيل إن كانا متساويين فأحدهما لا بعينه والآخر تأكيد.
وإن لم يتساويا فالمرجوح يقدم بيانا والراجح تأكيد لأن المرجوح إن تأخر يعني فإن البيان قد حصل بغيره والمرجوح لا يقع تأكيدا للراجح.
وأجاب بأنا لا نسلم أن المرجوح مطلقا لا يكون تأكيدا بل المرجوح المستقل يجوز أن يكون تأكيدا.
ولقائل أن يقول كل من الطرفين لا يخلو عن مطالبة بيان وفرق بين المستقل وغيره.
وإن لم يتفقا في البيان كما روي أنه صلى الله عليه وسلم بعد آية الحج أمر في القران بطواف واحد وروي أنه طاف طوافين
قارنا ، فقد اختلف فيه.
والمختار عند المصنف أن البيان هو القول تقدم أو تأخر ويحمل فعله عليه السلام على أنه ندب أو مختص به فإن جعل القول بيانا جمع بين الدليلين وجعل الفعل بيانا يبطل القول والجمع أولى.
وفيه نظر لأن في جعل الفعل بيانا خروجا عن عهدة التكليف بيقين لجواز أن يكون هو البيان في الواقع وجعل القول بيانا ليس كذلك فالأول أولى.
وذهب أبو الحسين إلى أن ما تقدم منهما بيان فإن تقدم الفعل كان الطواف الثاني واجبا وإن تقدم القول كان نفلا.
قال: ويلزم مذهب أبي الحسين نسخ الفعل إذا كان متقدما لوجوب الطوافين ورفع أحدهما بالقول المتأخر مع إمكان الجمع بينهما كما ذكرنا والجمع أولى من النسخ.
ولقائل أن يقول النسخ غير متعين لجواز أن يكون من باب العمل بالراجح وترك المرجوح وذلك لأن إمكان الجمع مرجوح بالنسبة إلى الخروج عن عهدة التكليف
بيقين لأنه أحوط فيؤخذ بالفعل ويترك القول احتياطا.
ص - مسألة: المختار أن البيان أقوى. والكرخي يلزم المساواة. أبو الحسين بجواز الأدنى.
لنا: لو كان مرجوحا ألغي الأقوى في العام إذا خصص ، والمطلق إذا قيد. وفي التساوي التحكم.
ش - اختلفوا في وجوب أن يكون البيان أقوى في الدلالة وعدمه.
واختار المصنف الأول.
والتزم الكرخي المساواة بينهما فيها.
وجوز أبو الحسين أن يكون البيان أدنى في الدلالة من المبين.
واحتج المصنف على المذهب المختار بأنه لو كان البيان مرجوحا في الدلالة بالنسبة إلى المبين لزم إلغاء الأقوى بالأضعف في العام إذا خصص ، وفي المطلق إذا قيد ، لأن العام والمطلق إذا ورد عليهما تخصيص وتقييد وكان العام أقوى دلالة من الخاص ، والمطلق من المقيد وجعلا بيانين للعام والمطلق الأقويين لزم ذلك ألبته لكن إلغاء الأقوى بالأضعف باطل هذا ما يتعلق بمذهب أبي الحسين.
وفيه نظر لأن ذلك فرض لا صحة له بالإجماع المركب أما عندنا فلأن العام كالخاص في إفادة القطع وأما عند غيرنا فإن الخاص أولى لكونه نصا والعام ظاهر فكانت الملازمة باطلة.
وقوله: " في التساوي التحكم " يتعلق بمذهب الكرخي ومعناه لو كان البيان
مساوياً للمبين في الدلالة لزم التحكم لأن تقدم أحدهما على الآخر ترجيح من غير مرجح.
وفيه نظر لأنه إذا ثبت عنده أن العام كالخاص في الدلالة ووجدا جميعا بالنسبة إلى حكم واحد فإنه يجعل الخاص بيان تغيير للعام ولا محظور في ذلك.
ص - مسألة: تأخر البيان عن وقت الحاجة ممتنع إلا عند من يجوز تكليف ما لا يطاق. وإلى وقت الحاجة يجوز. والصيرفي والحنابلة ممتنع. والكرخي: ممتنع في غير المجمل. " وأبو الحسين مثله في الأجمالي لا التفصيلي " ، مثل هذا العموم مخصوص والمطلق مقيد والحكم سينسخ. والجبائي ممتنع في غير النسخ.
لنا: (فأن لله خمسه
…
) إلى القربى ، ثم بين أن السلب للقاتل إما عموما وإما برأي الإمام وأن ذوي القربى بنو هاشم دون بني أمية وبني نوفل. ولم ينقل اقتران إجمالي مع أن الأصل عدمه. وأيضا:(أقيمو الصلاة) ثم بين جبريل والرسول. وكذلك الزكاة. وكذلك السرقة. ثم بين أن على تدريج.
وأيضا فإن جبريل قال: (اقرأ) قال ما " أقرأ " وكرر ثلاثا.
ثم قال: (اقرأ باسم ربك).
واعترض بأنه متروك الظاهر لأن الفور يمنع تأخيره والتراخي يفيد جوازه في الزمن الثاني فيمتنع تأخيره.
وأجيب بأن الأمر قبل البيان لا يجب به شيء وذلك كثير.
ش - تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع إلا عند من يجوز تكليف ما لا يطاق.
وأما تأخير البيان من وقت ورود الخطاب إلى وقت الحاجة فقد اختلف فيه.
واختار المصنف الجواز مطلقا ومنعه الصيرفي والحنابلة مطلقا وفصل الكرخي بين المجمل وغيره فمنعه في غير المجمل وهو ما له ظاهر غيره مراد كالعام والمطلق والمنسوخ وجوزه في المجمل وهو ما ليس له ظاهر.
وقال أبو الحسين يجوز تأخيره إلى وقت الحاجة في المجمل وأما في غيره فيمتنع تأخير البيان الإجمالي على الفور في غير المجمل مثل أن يقول وقت الخطاب هذا العموم مخصوص وهذا المطلق مقيد وهذا الحكم منسوخ.
وذهب الجبائي إلى امتناعه في غير النسخ ، وإلى جوازه فيه.
واحتج المصنف على مختاره بأمور:
الأول: قوله - تعالى -: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) أثبت خمس الغنيمة للمذكورين مطلقا وأثبت لذوي القربى عموما نصيبا وكل واحد منهما مما له ظاهر أريد خلافه من غير ذكر بيان إجمالي أو تفصيلي أما الغنيمة فإن ظاهرها الإطلاق ولكن أريد خلافه لأنه بين ذلك أن السلب
للقاتل إما بالعموم المستفاد من قوله عليه السلام: " من قتل قتيلا فله سلبه " وإما برأي الإمام كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله ، وأما ذوي القربى فكذلك ظاهره الإطلاق ثم بين بعد ذلك أن ذوي القربى بنو هاشم دون بني أمية
وبني نوفل فدل على جواز تأخير البيان مطلقا.
قوله: ولم ينقل - جواب عما يقال لم لا يجوز أن يكون البيان الإجمالي مقرونا به وما تأخر يكون البيان التفصيلي. وتقريره أنه لم ينقل اقترانه والأصل عدمه.
الثاني: قوله - تعالى -: (وأقيموا الصلوة) كانت في ابتداء نزولها ظاهرة في مطلق الدعاء مع أن المراد بها ذات الأركان ولم يقترن بها بيان أنه أراد ذات الأركان لا إجمالا ولا تفصيلا ثم بين جبريل عليه السلام للرسول صلى الله عليه وسلم وبين الرسول لأمته وكذلك الزكاة فإنها في ابتداء النزول كانت ظاهرة في النماء مع أن المراد بها القدر المخرج من نصاب كامل حولي ولم يقترن به البيان الإجمالي والتفصيلي ثم بين بعد ذلك أن المراد بها المقدار المخرج من النصاب وكذلك السرقة فإن قوله - تعالى -: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ظاهر في وجوب قطع السارق مطلقا ولم يقترن به بيان أن المراد به المقيد ثم بين بعد ذلك الرسول عليه السلام الذي يجب به القطع.
الثالث: أن جبريل عليه السلام في ابتداء الوحي نزل إلى الرسول عليه السلام وقال: (اقرأ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما أقرأ " وكرر جبريل عليه السلام ثم قال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق) ودلالته على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب لا يخفي فإنه لو لم يجز لما أخره عن المرة الأولى.
وفيه نظر لأنه إنما يتم أن لو كان ما للاستفهام لم لا يجوز أن تكون نافية ويكون معنى قول جبريل أوجد القراءة وهو لا يحتاج إلى بيان ولأنه يجوز أن يكون الأول والثاني قول جبريل خاطبه به تمرينا لسمعه والثالث يكون المرسل هو به ولا تأخير فيه ولأنه لو كان بيانا لدل على جواز تأخيره عن وقت الحاجة فإنه عليه السلام كان محتاجا إلى معرفة ما أمر به من القراءة.
واعترض بأن الأوامر المذكورة متروكة الظاهر فلا يصح التمسك بها اتفاقا وذلك لعدم إمكان إجرائها على ظواهرها لأن إجراءها عليها يجوز تأخير بيانها وهو ممتنع لأن الأمر إما للفور أو للتراخي والأول يمتنع فيه تأخير البيان عم وقت الخطاب لأنه وقت الحاجة. والثاني يفيد جوازه في الوقت الثاني فيمتنع تأخيره عن ذلك الوقت ومعناه أن أمر التراخي يفيد جواز تأخيره إلى الوقت الثاني لا وجوب تأخيره فيجوز الفعل في أول وقت الخطاب وذلك وقت الحاجة إذ ذاك فلا يجوز تأخيره عنه.
وأجاب بأن الأمر قبل البيان لا يجب به شيء فلا يفيد الفور والتراخي. قال: وذلك كثير أي الأمر الذي لم يجب به شيء كثير في العرف كقول الرجل لعبده: افعل مطلقا فإنه لا يجب بمجرد هذا القول على العبد قبل البيان شيء.
وفيه نظر لأن قوله والأمر لا يجب به قبل البيان شيء إما أن يريد به مطلق الأمر أو الأمر الذي ذكر في الصور المذكورة فإن كان الأول ناقضة قوله: وذلك كثير.
فتأمل.
وما ذكر أن الأمر المطلق يفيد الفور أو التراخي على الاختلاف المعروف وإن كان الثاني فهو تحكم.
ص - واستدل بقوله تعالى: (أن تذبحوا بقرة) وكانت معينة بدليل تعينها بسؤالهم مؤخرا. وبدليل أنه لم يؤمر بمتجدد. وبدليل المطابقة لما ذبح.
وأجيب بمنع التعيين فلم يتأخر بيان بدليل بقرة وهو ظاهر وبدليل قول ابن عباس لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم. وبدليل: (وما كادوا يفعلون).
واستدل بقوله: (إنكم وما تعبدون) فقال ابن الزبعري: - فقد عبدت الملائكة والمسيح. فنزل: (إن الذين سبقت لهم).
وأجيب بأن ما لما لا يعقل ونزول (إن الذين سبقت) زيادة بيان لجهل المعترض مع كونه خبرا.
واستدل بأنه لو كان ممتنعا لكان لذاته أو لغيره بضرورة أو نظر وهما منتفيان.
وعورض لو كان جائزا إلى آخره.
المانع: بيان الظاهر لو جاز لكان إلى مدة معينة وهو تحكم ولم يقل به. أو إلى الأبد فيلزم المحذور.
وأجيب إلى معينه عند الله وهو وقت التكليف. قالوا: لو جاز لكان مفهما لأنه مخاطب فيستلزمه وظاهره جهالة والباطن متعذر.
وأجيب بجريه في النسخ لظهوره في الدوام. وبأنه يفهم الظاهر مع تجويزه التخصيص عند الحاجة فلا جهالة ولا إحالة.
عبد الجبار تأخير بيان المجمل يخل بفعل العبادة في وقتها للجهل بصفتها بخلاف النسخ.
وأجيب بأن وقتها وقت بيانها. قالوا: لو جاز تأخير بيان المجمل لجاز الخطاب بالمهمل ثم بين مراده.
وأجيب بأنه يفيد أنه مخاطب بأحد مدلولاته فيطيع ويعصي بالعزم بخلاف الآخر.
" وقال " تأخير بيان التخصيص يوجب الشك في كل شخص بخلاف النسخ.
وأجيب بأن ذلك على البدل وفي النسخ يوجب الشك في الجميع فكان أجدر.
ش - أي استدل بعض على جواز تأخير البيان إلى وقت الحاجة بثلاثة أوجه:
الأول: قوله - تعالى -: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) والبقرة غير متعينة بحسب الظاهر لكونها نكرة ، والمراد بها بقرة معينة ولم يقترن بها بيان مطلقا.
والدليل على كونها متعينة أوجه منها: أن الله - تعالى - عينها بعد سؤالهم عن البقرة التي أمروا بذبحها المتأخر عن وقت الخطاب بذبحها ولو لم تكن متعينة لم يكن للسؤال والجواب اللذين اشتملا على الضمائر التي لا تستعمل إلا للمعين كما قال: (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة
…
قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء
…
) إلى غير ذلك معنى.
ومنها أنه لو لم تكن معينة لكان المأمور بها في الآية الثانية متجددة لأنها فيها معينة وفي الأولى غير معينة والمعينة غير غير المعينة لكن الثاني باطل بالاتفاق
ومنها أن المأمور بها لو كانت غير معينة لما طابقت المأمور بها لما ذبح لأن المذبوحة معينة لكنها كانت مطابقة بدلالة حصول المقصود.
وفيه نظر لجواز النسخ والمقصود حصل بالناسخ.
وأجاب المصنف بمنع التعيين بأوجه:
أحدهما: أن البقرة المأمور بها غير معينة لقوله - تعالى -: (أن تذبحوا بقرة) فإنها نكرة وهي غير معينة لا محالة.
وثانيها: قول ابن عباس: " لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم ولكنهم شددوا في السؤال فشدد الله عليهم " ولو كانت معينة لم تجز أي بقرة ذبحوا لجواز أن لا يحصل المأمور به.
وثالتها: أنها لو كانت معينة لما عنفهم الله على طلب البيان لأنه يوجب استحقاق المدح والتالي باطل لقوله: (وما كادوا يفعلون).
الثاني: قوله - تعالى -: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)، فإنه عام وعمومه غير مراد وقد أخر بيانه الذي هو المخصص وأنه لما نزلت هذه الآية قال ابن الزبعري: لأخصمن محمدا. فلما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أليس عبدت الملائكة والمسيح. فتوقف الرسول - عليه
السلام - في الجواب. ثم نزل قوله - تعالى -: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) فخصصت به الآية الأولى.
وأجاب بأن الآية الأولى غير متناولة للملائكة والمسيح لأن ما لما لا يعقل فلا تحتاج إلى بيان.
وقوله - تعالى -: - (إن الذين سبقت) نزلت لدفع تعنتهم.
وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لابن الزبعري: " ما أجهلك بلغة قومك. ما لما لا يعقل ".
وفيه نظر لأنه يستلزم خروج فرعون ونمرود لأنهم عقلاء ولا يقال لما لم " يعلموا " بمقتضى العقل جعلا من غير العقلاء لأن ذلك خطابة ، والمقام مقام استدلال والاعتماد على ما نقل من ابن الزبعري من الآحاد كما أشار إليه بقوله: مع كونه خبرا فلا يعول عليه في المسألة العلمية.
الثالث: إن تأخير البيان لو امتنع كان امتناعه لذاته أو لغيره وعلى كل حال إما أن يعلم ذلك بضرورة أو بنظر والكل منتف.
أجاب عنه بالمعارضة بأنه لو جاز فجوازه إما أن يعلم الضرورة أو بالنظر وكل ذلك منتف.
وفيه نظر لأن الترديد إن كان في الجواز فليس بصحيح لأنه لا يكون إلا لذاته وإن كان في النظر والضرورة فقوله وهما منتفيان يصيره لأنه لا يكون الجواز ثابتا فينتفي المدعى من الأصل.
واحتج مانع تأخير البيان عن وقت الخطاب فيما له ظاهر أريد خلافه بوجهين:
الأول: أنه لو جاز لكان إما إلى مدة معينة أو إلى الأبد والأول تحكم لأن الغرض من الخطاب الإفهام ونسبته إلى جميع الأزمان سواء فتعيين زمان تحكم ولم يقل به أحد.
والثاني: باطل لأنه يستلزم جواز تأخيره أبدا أن لا يتمكن المكلف من معرفته فكان تكليف ما ليس في الوسع.
وأجاب باختيار أنه جائز إلى مدة معينة عند الله وهو وقت التكليف ولا يلزم التحكم لأن نسبة البيان والإفهام إلى وقت التكليف أولى.
وفي كلامه تسامح لأن التكليف بالخطاب ، والكلام في جواز التأخير عن وقت الخطاب ، وكان الواجب أن يقول وقت الحاجة.
الثاني: أنه لو جاز لكان الشارع مفهما بخطابه لأن الخطاب يستلزم الإفهام تحاشيا عن وصمه اللاغية وليس كذلك لأنه إن كان مفهما للظاهر كان تجهيلا للمكلف لأنه غير مراد وإن كان مفهما لغير الظاهر فلا طريق إلى إفهامه لأنه لم يبين بعد وإفهام ما لا طريق إلي متعذر.
وأجاب بالنقض الإجمالي والتفصيلي.
أما الإجمالي فلأن هذا الدليل يجري في النسخ لأن المنسوخ ظاهر في الدوام ولم يكن النسخ مذكورا معه وجواز تأخيره عن وقت الخطاب ثابت بالاتفاق.
وأما التفصيلي فلأنا لا نسلم أنه إذا أريد إفهام الظاهر يلزم تجهيل المكلف وإنما لزم إذا أريد الظاهر على سبيل القطع وليس كذلك بل مع تجويز التخصيص عند الحاجة وحينئذ لا يلزم التجهيل لعدم القطع ولا الإحالة من جهة التعذر لأنه أريد إفهام الظاهر.
ولقائل أن يقول تجويز التخصيص ليس من ظاهره فدخل في الإحالة من جهة التعذر.
واحتج عبد الجبار على امتناع تأخير بيان المجمل دون النسخ بأن تأخيره يخل بفعل العبادة في وقتها لأن صفتها مجهولة بدون البيان والإتيان بها مع الجهل بصفتها غير ممكن بخلاف تأخير الناسخ فإنه لا يخل بذلك لأن صفتها مبينة.
وأجاب بأن وقت العبادة هو وقت بيانها لا وقت الأمر بها ، وصفة العبادة معلومة وقت البيان فلا يلزم الإخلال.
واعلم أن مذهب عبد الجبار ليس بمذكور في تحرير المذاهب وإنما المذكور ثمة مذهب الجبائي لكن لما كان مذهبه موافقا لمذهبه ذكره تنبيها.
وقال المانعون جواز تأخير بيان المجمل: لو جاز تأخير بيان المجمل لجاز الخطاب بالمهمل ثم يبين المخاطب مراده من المهم لأن المجمل لا يفهم منه شيء كالمهمل فجواز الخطاب به يوجب جواز الخطاب بالمهمل والثاني باطل بالاتفاق.
وفيه نظر لأن ما له مراد تبين لا يكون مهملا ولو ترك ذلك بطل قياسه فتأمل.
وأجاب بالفرق بأن المجمل يفيد لأنه يخاطب بأحد مدلولاته وإن لم يفد المراد
بعينه فحينئذ يطيع المكلف بالعزم ويعصي على الترك بخلاف المهمل فإنه لا يفيد شيئا أصلا.
وفرق أيضا عبد الجبار بين امتناع تأخير بيان التخصيص وجواز تأخير بيان النسخ أن تأخير بيان التخصيص يوجب الشك في كل شخص من الأشخاص المندرجة تحت العام أنه مراد منه أو لا بخلاف تأخير بيان النسخ فإن العمل بالمنسوخ قبل ورود البيان لا يشك فيه.
وأجاب بأن جواز تأخير بيان التخصيص يوجب الشك في كل واحد منهم على سبيل البدل لا على الجمع لأن التخصيص إخراج البعض ، وجواز تأخير البيان في النسخ يوجب الشك في جميع الأشخاص فكان جواز تأخير بيان التخصيص أجدر.
ولقائل أن يقول لا نسلم أن جواز تأخير النسخ يوجب ذلك إذ لا يلزم أن كل نسخ يكون بالنسبة إلى الكل بل قد يكون بعضا على البدل فكان الاحتجاج والجواب فاسدا.
ص - مسألة: المختار على المنع جواز تأخير إسماع المخصص الموجود. لنا: أنه أقرب من تأخير العدم.
وأيضا فإن فاطمة سمعت: (يوصيكم) ولم تسمع: " نحن معاشر الأنبياء " وسمعوا: (اقتلوا المشركين) ولم يسمع الأكثر " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " إلا بعد حين
ش - المانعون من جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة اختلفوا في جواز تأخير اسماع المخصص الموجود. والمختار جوازه لوجهين:
أحدهما: أن المخصص الموجود وقت الخطاب أقرب من مخصص لم يوجد فيه لإمكان سماعه قبل سماع العام بأن يسمع الشارع غير ذلك المكلف قبل اسماعه فيعرف منه أو بعد سماع العام بالاستكشاف بخلاف مخصص لم يوجد وإذا كان أقرب جاز تأخيره لأن جواز الأبعد يقتضي جواز الأقرب.
الثاني: أنه واقع والوقوع دليل الجواز وذلك لأن فاطمة رضي الله عنها سمعت: (يوصيكم الله في أولدكم) ولم تسمع " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " وهو مخصص للآية.
وسمعت الصحابة رضي الله عنهم قوله - تعالى -: (فاقتلوا المشركين) ولم يسمع أكثرهم الحديث المخصص للمجوس وهو قوله عليه السلام: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " إلا بعد زمان.
ص - مسألة: المختار على المنع جواز تأخيره صلى الله عليه وسلم تبليغ الحكم إلى وقت الحاجة ، للقطع بأنه لا يلزم منه محال. ولعل فيه مصلحة
قالوا: (بلغ ما أنزل إليك).
أجيب بعد كونه للوجوب والفور أنه للقرآن.
ش - وكذلك المانعون من ذلك اختلفوا في جواز تأخير الرسول صلى الله عليه وسلم تبليغ الحكم الذي أوحي إليه وقت الحاجة.
والمختار جوازه واحتج عليه بأنا نقطع أن فرض ذلك لا يستلزم محالا لأنه ليس بمستحيل لذاته ولا لغيره لأن الأصل عدمه وكل ما كان كذلك فهو جائز.
وأيضا يجوز أن يكون في التأخير مصلحة لا نعلمها ويؤخر الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك.
واحتج المانعون بقوله تعالى: (يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك) وهو يقتضي وجوب التبليغ على الفور.
وأجاب بأنا لا نسلم أن الأمر يقتضي الوجوب والفور. ولئن سلم ذلك فلا نسلم أن المراد به الأحكام بل القرآن.
وفيه نظر لأن في تبليغ القرآن تبليغ الأحكام إلا إذا خص بما ليس فيه حكم ولا دليل عليه.
واعلم أن الشارحين قالوا في هذه المسألة والتي قبلها إن المراد بقوله والمختار هو مختار المصنف. وفيه نظر لأنه لم يكن من مانعي جواز التأخير والمسألتان من فروع ذلك.
ص - مسألة: المختار على التجويز جواز بعض دون بعض.
لنا: أن المشركين بين فيه الذمي ، ثم العبد ، ثم المرأة بتدريج.
وآية الميراث " بين صلى الله عليه وسلم والقاتل والكافر " بتدرج.
قالوا: يوهم الوجوب في الباقي وهو تجهيل.
قلنا: إذا جاز إبهام الجميع فبعضه أولى.
ش - القائلون بجواز تأخير البيان عن وقت الخطاب اختلفوا في جواز تأخير بعض البيانات عنه دون بعض آخر ومختار المصنف الجواز ودليله الوقوع فإن قوله - تعالى -: (فاقتلوا المشركين) عام فبين النبي صلى الله عليه وسلم إخراج الذمي ثم العبد
ثم المرأة على التدريج.
وإن آية الميراث وهو قوله - تعالى -: (يوصيكم الله) عامة ثم بين صلى الله عليه وسلم إخراج نفسه بقوله: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث " الحديث ثم إخراج القاتل ثم الكافر بتدريج.
وقال المانعون جواز ذلك يوهم وجوب استعمال اللفظ في الباقي وهو تجهيل للمكلف. وأجاب بأن العام بدون ذكر المخصص يوهم وجوب استعمال اللفظ في الجميع وهو جائز وإذا جاز إبهام الجميع فإبهام البعض أولى.
وفيه نظر لأن صورة النزاع تشتمل على إبهام التجهيل بعد زوال إيهام التجهيل المشترك بينهما وبين الصورة التي استدل بها وبه تبطل الدلالة فتأمل.
ص - مسألة: يمنع العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص إجماعا.
والأكثر: يكفي بحث يغلب انتفاؤه.
القاضي: لا بد من القطع من انتفائه وكذلك كل دليل مع معارضه.
لنا: لو اشترط لبطل العمل بالأكثر.
قالوا: ما كثر البحث فيه ، تفيد العادة القطع وإلا فبحث المجتهد يفيده لأنه لو أريد لا طلع عليه.
ومنعا. وأسند بأنه قد يجد ما يرجع به.
ش - ادعي إجماع الأصوليين على امتناع العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص لعدم حصول الظن بوجوب العمل قبله فإن اعتقاد إمكان وجود المخصص مانع عن حصوله.
واختلفوا في كيفية البحث فقال الأكثر يكفي البحث بحيث يغلب على الظن انتفاء المخصص وكذا البحث عن معارض كل دليل.
وقال القاضي: لا بد من البحث الموجب للقطع بانتفاء المخصص والمعارض.
واحتج للأكثر بأنه لو شرط القطع لبطل العمل بأكثر العمومات المعمول بها لأن الاستقراء دل على أن أكثرها ما لا يقطع العقل بانتفاء مخصصه بل غايته عدم الوجدان بعد البحث وذلك لا يفيد القطع بعدمه.
وكذلك بحث المجتهد يفيد لأنه لو أريد بالعموم الخصوص لاطلع عليه حين البحث لاستحالة أن لا ينصب الله عليه دليلا وأن لا يبلغ إلى المكلف وإلا لكان نصب الدليل عبثا.
ولقائل أن يقول سلمنا أن ذلك ممكن لكن لا يلزم أن يكون شرطا وإلا لزم المحذور المذكور.
وأجاب بأنا لا نسلم أن كثرة بحث العلماء أو بحث المجتهد يفيد القطع وأشار إلى ذلك بقوله: ومنعا. وسند المنع أن المجتهد قد يجد من المخصصات ما يرجع به