الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَهَذَا من أحسن الْكَلَام وَهُوَ دَلِيل على معرفَة قَائِله وبصيرته بالأرواح وأحكامها
وَأَنت ترى الرجل يسمع الْعلم وَالْحكمَة وَمَا هُوَ أَنْفَع شَيْء لَهُ ثمَّ يمر بباطل وَلَهو من غناء أَو شُبْهَة أَو زور أَو غَيره فيصغي إِلَيْهِ وَيفتح لَهُ قلبه حَتَّى يتَأَدَّى إِلَيْهِ فيتخبط عَلَيْهِ ذَلِك الَّذِي سَمعه من الْعلم وَالْحكمَة ويلتبس عَلَيْهِ الْحق بِالْبَاطِلِ فَهَكَذَا شَأْن الْأَرْوَاح عِنْد النّوم وَأما بعد الْمُفَارقَة فَإِنَّهَا تعذب بِتِلْكَ الاعتقادات والشه الْبَاطِلَة الَّتِي كَانَت حظها حَال اتصالها بِالْبدنِ وينضاف إِلَى ذَلِك عَذَابهَا بِتِلْكَ الإرادات والشهوات الَّتِي حيل بَينهَا وَبَينهَا وينضاف إِلَى ذَلِك عَذَاب آخر ينشئه الله لَهَا ولبدنها من الْأَعْمَال الَّتِي اشتركت مَعَه فِيهَا وَهَذِه هِيَ الْمَعيشَة الضنك فِي البرزخ والزاد الَّذِي تزَود بِهِ إِلَيْهِ
وَالروح الزكيه العلوية المحقة الَّتِي لَا تحب الْبَاطِل وَلَا تألفه بضد ذَلِك كُله تنعم بِتِلْكَ الاعتقادات الصَّحِيحَة والعلوم والمعارف الَّتِي تلقتها من مشكاة النُّبُوَّة وَتلك الإرادات والهمم الزكية وينشئ الله سُبْحَانَهُ لَهَا من أَعمالهَا نعيما ينعمها بِهِ فِي البرزخ فَتَصِير لَهَا رَوْضَة من رياض الْجنَّة ولتلك حُفْرَة من حفر النَّار
فصل وَأما قَول من قَالَ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ عِنْد الله تَعَالَى وَلم يزدْ على
ذَلِك فانه تأدب مَعَ لفظ الْقُرْآن حَيْثُ يَقُول الله عز وجل {بل أَحيَاء عِنْد رَبهم يرْزقُونَ}
وَقد احْتج أَرْبَاب هَذَا القَوْل بحجج مِنْهَا مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن إِسْحَاق الصغانى حَدثنَا يحيى بن أَبى بكير حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن بن أَبى ذِئْب عَن مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء عَن سعيد بن يسَار عَن أَبى هُرَيْرَة عَن النَّبِي قَالَ إِن الْمَيِّت إِذا خرجت نَفسه يعرج بهَا إِلَى السَّمَاء حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا الله عز وجل وَإِذا كَانَ الرجل السوء يعرج بهَا إِلَى السَّمَاء فانه لَا يفتح لَهَا أَبْوَاب السَّمَاء فترسل من السَّمَاء فَتَصِير إِلَى الْقَبْر
وَهَذَا إِسْنَاد لَا تسْأَل عَن صِحَّته وَهُوَ فِي مُسْنده أَحْمد وَغَيره
وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطيالسى حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن عَاصِم بن بَهْدَلَة عَن أَبى وَائِل عَن مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ تخرج روح الْمُؤمن أطيب من ريح الْمسك فتنطلق بهَا الْمَلَائِكَة من دون السَّمَاء فَيَقُولُونَ مَا هَذَا فَيَقُولُونَ هَذَا فلَان ابْن فلَان كَانَ يعْمل كَيْت وَكَيْت لمحاسن عمله فَيَقُولُونَ مرْحَبًا بكم وَبِه فيقبضونها مِنْهُم فيصعد بهَا من الْبَاب الَّذِي كَأَن يصعد مِنْهُ عمله فتشرق فِي السَّمَوَات وَلها برهَان برهَان كبرهان الشَّمْس حَتَّى يَنْتَهِي إِلَى الْعَرْش وَأما الْكَافِر فَإِذا قبض انْطلق بِرُوحِهِ فَيَقُولُونَ مَا هَذَا فَيَقُولُونَ هَذَا فلَان ابْن فلَان كَانَ يعْمل كَيْت وَكَيْت لمساوى عمله فَيَقُولُونَ لَا مرْحَبًا لَا مرْحَبًا ردُّوهُ فَيرد إِلَى أَسْفَل الأَرْض إِلَى الثرى
وَقَالَ الملكي بن إِبْرَاهِيم عَن دَاوُد بن يزِيد الأودى قَالَ أرَاهُ عَن عَامر الشّعبِيّ عَن حُذَيْفَة ابْن الْيَمَان أَنه قَالَ الْأَرْوَاح مَوْقُوفَة عِنْد الرَّحْمَن عز وجل تنْتَظر موعده حَتَّى ينْفخ فِيهَا
وَذكر سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن مَنْصُور بن صَفِيَّة عَن أمه أَنه دخل ابْن عمر الْمَسْجِد بعد قتل ابْن الزبير وَهُوَ مصلوب فَأتى أَسمَاء يعزيها فَقَالَ لَهَا عَلَيْك بتقوى الله وَالصَّبْر فان هَذِه الجثث لَيست بِشَيْء وَإِنَّمَا الْأَرْوَاح عِنْد الله فَقَالَت وَمَا يَمْنعنِي من الصَّبْر وَقد أهْدى رَأس يحيى ابْن زَكَرِيَّا إِلَى بغى من بَغَايَا بنى إِسْرَائِيل
وَذكر جرير عَن الْأَعْمَش عَن شمر بن عَطِيَّة عَن هِلَال بن يسَاف قَالَ كُنَّا جُلُوسًا إِلَى كَعْب وَالربيع بن خَيْثَم وخَالِد بن عرْعرة فِي أنَاس فجَاء ابْن عَبَّاس فَقَالَ هَذَا ابْن عَم نَبِيكُم قَالَ فأوسع لَهُ فَجَلَسَ فَقَالَ يَا كَعْب كل مَا فِي الْقُرْآن قد عرفت غير أَرْبَعَة أَشْيَاء فَأَخْبرنِي عَنْهُن مَا سِجِّين وَمَا عليون وَمَا سِدْرَة المنتهي وَمَا قَول الله لإدريس {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا} قَالَ أما عليون فالسماء السَّابِعَة فِيهَا أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ وَأما سِجِّين فالأرض السَّابِعَة السُّفْلى وأرواح الْكفَّار تَحت جَسَد إِبْلِيس وَأما قَول الله سُبْحَانَهُ لإدريس {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانا عليا} فَأوحى الله إِلَيْهِ أَنى رَافع لَك كل يَوْم مثل أَعمال بنى آدم وكلم صديقا لَهُ من الْمَلَائِكَة أَن يكلم لَهُ ملك الْمَوْت فيؤخره حَتَّى يزْدَاد عملا فَحَمله بَين جناحيه فعرج بِهِ حَتَّى إِذا كَانَ فِي السَّمَاء الرَّابِعَة لقِيه ملك الْمَوْت فَكَلمهُ فِي حَاجته فَقَالَ وَأَيْنَ هُوَ قَالَ هُوَ ذَا بَين جناحي قَالَ فالعجب أَنى أمرت أَن أَقبض روحه فِي السَّمَاء الرَّابِعَة فَقبض روحه وَأما سِدْرَة المنتهي فَإِنَّهَا سِدْرَة على رُؤُوس حَملَة الْعَرْش يَنْتَهِي إِلَيْهَا علم الْخَلَائق ثمَّ لَيْسَ لأحد وَرَاءَهَا علم فَلذَلِك سميت سِدْرَة المنتهي
قَالَ ابْن مَنْدَه وَرَوَاهُ وهب بن جرير عَن أَبِيه وَرَوَاهُ يَعْقُوب القمى عَن شمر وَرَوَاهُ خَالِد بن عبد الله عَن الْعَوام بن حَوْشَب عَن الْقَاسِم بن عَوْف عَن الرّبيع بن خَيْثَم قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْد كَعْب فَذكره
وَذكر يعلى بن عبيد عَن الْأَجْلَح عَن الضَّحَّاك قَالَ إِذا قبض روح العَبْد الْمُؤمن عرج بِهِ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا فَينْطَلق مَعَه المقربون إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة ثمَّ الثَّالِثَة ثمَّ الرَّابِعَة ثمَّ الْخَامِسَة ثمَّ السَّادِسَة ثمَّ السَّابِعَة حَتَّى يَنْتَهِي بِهِ إِلَى سِدْرَة المنتهي قلت للضحاك لم سميت سِدْرَة المنتهي إِلَيْهَا كل شَيْء من أَمر الله عز وجل لَا يعدوها فَيَقُول ربى عَبدك فلَان وَهُوَ أعلم بِهِ مِنْهُم فيبعث الله إِلَيْهِ بصك مختوم يُؤمنهُ من الْعَذَاب وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى كلا إِن كتاب الْأَبْرَار لفي عليين وَمَا أَدْرَاك مَا علييون كتاب مرقوم يشهده المقربون وَهَذَا القَوْل لَا يُنَافِي قَول من قَالَ