الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَكَذَلِكَ قَالَ للَّذي سَمعه يلبى عَن شبْرمَة حج عَن نَفسك ثمَّ حج عَن شبْرمَة
وَلما سَأَلته الْمَرْأَة عَن الطِّفْل الَّذِي مَعهَا فَقَالَت أَلِهَذَا حج قَالَ نعم وَلم يقل إِنَّمَا لَهُ ثَوَاب الْإِنْفَاق بل أخبر أَن لَهُ حجا مَعَ أَنه لم يفعل شَيْئا بل وليه يَنُوب عَنهُ فِي أَفعَال الْمَنَاسِك
ثمَّ إِن النَّائِب عَن الْمَيِّت قد لَا ينْفق شَيْئا فِي حجَّته غير نَفَقَة مقَامه فَمَا الَّذِي يَجْعَل نَفَقَة ثَوَاب نَفَقَة مقَامه للمحجوج عَنهُ وَهُوَ لم ينفقها على الْحَج بل تِلْكَ نَفَقَته أَقَامَ أم سَافر فَهَذَا القَوْل ترده السّنة وَالْقِيَاس وَالله أعلم
فصل فَإِن قيل فَهَل تشترطون فِي وُصُول الثَّوَاب ان يهديه بِلَفْظِهِ أم يَكْفِي
فِي وُصُوله مُجَرّد نيه الْعَامِل أَن يهديها إِلَى الْغَيْر
قيل السّنة لم تشْتَرط التَّلَفُّظ بالإهداء فِي حَدِيث وَاحِد بل أطلق الْفِعْل عَن الْغَيْر كَالصَّوْمِ وَالْحج وَالصَّدَََقَة وَلم يقل لفاعل ذَلِك وَقل اللَّهُمَّ هَذَا عَن فلَان ابْن فلَان وَالله سُبْحَانَهُ يعلم نِيَّة العَبْد وقصده بِعَمَلِهِ فان ذكره جَازَ وَإِن ترك ذكره واكتفي بِالنِّيَّةِ وَالْقَصْد وصل إِلَيْهِ وَلَا يحْتَاج أَن يَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي صَائِم غَدا عَن فلَان ابْن فلَان وَلِهَذَا وَالله أعلم اشْترط من اشْترط نِيَّة الْفِعْل عَن الْغَيْر قبله ليَكُون وَاقعا بِالْقَصْدِ عَن الْمَيِّت
فَأَما إِذا فعله لنَفسِهِ ثمَّ نوى أَن يَجْعَل ثَوَابه للْغَيْر لم يصر الْغَيْر بِمُجَرَّد النِّيَّة كَمَا لَو نوى أَن يهب أَو يعْتق أَو يتَصَدَّق لم يحصل ذَلِك بِمُجَرَّد النِّيَّة
وَبِمَا يُوضح ذَلِك أَنه لَو بنى مَكَانا بنية أَن يَجعله مَسْجِدا أَو مدرسة أَو ساقية وَنَحْو ذَلِك صَار وَقفا بِفِعْلِهِ مَعَ النِّيَّة وَلم يحْتَج إِلَى تلفظ
وَكَذَلِكَ لَو أعْطى الْفَقِير مَالا بنية الزَّكَاة سَقَطت عَنهُ الزَّكَاة وَإِن لم يتَلَفَّظ بهَا
وَكَذَلِكَ لَو أدّى عَن غَيره دينا حَيا كَانَ أَو مَيتا سقط من ذمَّته وَإِن لم يقل هَذَا عَن فلَان
فَإِن قيل فَهَل يتَعَيَّن عَلَيْهِ تَعْلِيق الإهداء بِأَن يَقُول اللَّهُمَّ إِن كنت قبلت هَذَا الْعَمَل وأثبتنى عَلَيْهِ فَاجْعَلْ ثَوَابه لفُلَان أم لَا
قيل لَا يتَعَيَّن ذَلِك لفظا وَلَا قصدا بل لَا فَائِدَة فِي هَذَا الشَّرْط فان الله سُبْحَانَهُ إِنَّمَا يفعل هَذَا سَوَاء شَرطه أَو لم يشرطه فَلَو كَانَ سُبْحَانَهُ يفعل غير هَذَا بِدُونِ الشَّرْط كَانَ فِي الشَّرْط فَائِدَة
وَأما قَوْله اللَّهُمَّ إِن كنت اثبتنى على هَذَا فَاجْعَلْ ثَوَابه لفُلَان فَهُوَ بِنَاء على ان الثَّوَاب يَقع لِلْعَامِلِ ثمَّ ينْتَقل مِنْهُ إِلَى من أهْدى لَهُ وَلَيْسَ كَذَلِك بل إِذا نوى حَال الْفِعْل
انه عَن فلَان وَقع الثَّوَاب أَولا عَن الْمَعْمُول لَهُ كَمَا لَو أعتق عَبده عَن غَيره لَا نقُول ان الْوَلَاء يَقع للْمُعْتق ثمَّ ينْتَقل عَنهُ إِلَى الْمُعْتق عَنهُ فَهَكَذَا هَذَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
فَإِن قيل فَمَا الْأَفْضَل انه يهدى إِلَى الْمَيِّت قيل الْأَفْضَل مَا كَانَ أَنْفَع فِي نَفسه فالعتق عَنهُ وَالصَّدَََقَة أفضل من الصّيام عَنهُ وَأفضل الصَّدَقَة مَا صادفت حَاجَة من الْمُتَصَدّق عَلَيْهِ وَكَانَت دائمة مستمرة وَمِنْه قَول النَّبِي افضل الصَّدَقَة سقى المَاء وَهَذَا فِي مَوضِع يقل فِيهِ المَاء وَيكثر فِيهِ الْعَطش وَإِلَّا فسقى المَاء على الْأَنْهَار والقنى لَا يكون أفضل من إطْعَام الطَّعَام عِنْد الْحَاجة وَكَذَلِكَ الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار لَهُ إِذا كَانَ بِصدق من الدَّاعِي وإخلاص وتضرع فَهُوَ فِي مَوْضِعه افضل من الصَّدَقَة عَنهُ كَالصَّلَاةِ على الْجِنَازَة وَالْوُقُوف للدُّعَاء على قَبره
وَبِالْجُمْلَةِ فأفضل مَا يهدى إِلَى الْمَيِّت الْعتْق وَالصَّدَََقَة وَالِاسْتِغْفَار لَهُ وَالدُّعَاء لَهُ وَالْحج عَنهُ
وَأما قِرَاءَة الْقُرْآن وإهداؤها لَهُ تَطَوّعا بِغَيْر أُجْرَة فَهَذَا يصل إِلَيْهِ كَمَا يصل ثَوَاب الصَّوْم وَالْحج
فَإِن قيل فَهَذَا لم يكن مَعْرُوفا فِي السّلف وَلَا يُمكن نَقله عَن وَاحِد مِنْهُم مَعَ شدَّة حرصهم على الْخَيْر وَلَا أرشدهم النَّبِي وَقد أرشدهم إِلَى الدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار وَالصَّدَََقَة وَالْحج وَالصِّيَام فَلَو كَانَ ثَوَاب الْقِرَاءَة يصل لأرشدهم إِلَيْهِ ولكانوا يَفْعَلُونَهُ
فَالْجَوَاب أَن مورد هَذَا السُّؤَال إِن كَانَ معترفا بوصول ثَوَاب الْحَج وَالصِّيَام وَالدُّعَاء وَالِاسْتِغْفَار
قيل لَهُ مَا هَذِه الخاصية الَّتِي منعت بوصول ثَوَاب الْقُرْآن واقتضت وُصُول ثَوَاب الْقُرْآن واقتضت وُصُول ثَوَاب هَذِه الْأَعْمَال وَهل هَذَا إِلَّا تَفْرِيق بَين المتماثلات وان لم يعْتَرف بوصول تِلْكَ الْأَشْيَاء إِلَى الْمَيِّت فَهُوَ محجوج بِالْكتاب وَالسّنة وَالْإِجْمَاع وقواعد الشَّرْع
وَأما السَّبَب الَّذِي لأَجله يظْهر ذَلِك فِي السّلف فَهُوَ أَنهم لم يكن لَهُم أوقاف على من يقْرَأ ويهدى إِلَى الْمَوْتَى وَلَا كَانُوا يعْرفُونَ ذَلِك الْبَتَّةَ وَلَا كَانُوا يقصدون الْقَبْر للْقِرَاءَة عِنْده كَمَا يَفْعَله النَّاس الْيَوْم وَلَا كَانَ أحدهم يشْهد من حَضَره من النَّاس على أَن ثَوَاب هَذِه الْقِرَاءَة لفُلَان الْمَيِّت بل وَلَا ثَوَاب هَذِه الصَّدَقَة وَالصَّوْم
ثمَّ يُقَال لهَذَا الْقَائِل لَو كلفت أَن تنقل عَن وَاحِد من السّلف أَنه قَالَ اللَّهُمَّ ثَوَاب هَذَا الصَّوْم لفُلَان لعجزت فَإِن الْقَوْم كَانُوا أحرص شَيْء على كتمان أَعمال الْبر فَلم يَكُونُوا ليشهدوا على الله بإيصال ثَوَابهَا إِلَى أمواتهم
فَإِن قيل فَرَسُول الله أرشدهم إِلَى الصَّوْم وَالصَّدَََقَة وَالْحج دون الْقِرَاءَة
قيل هُوَ يبتدئهم بذلك بل خرج ذَلِك مِنْهُ مخرج الْجَواب لَهُم فَهَذَا سَأَلَهُ عَن الْحَج عَن ميته فَإِذن لَهُ وَهَذَا سَأَلَهُ عَن الصّيام عَنهُ فَإِذن لَهُ وَهَذَا سَأَلَهُ عَن الصَّدَقَة فَإِذن لَهُ وَلم يمنعهُم مِمَّا سوى ذَلِك
وَأي فرق بَين وُصُول ثَوَاب الصَّوْم الَّذِي هُوَ مُجَرّد نِيَّة وإمساك بَين وُصُول ثَوَاب الْقِرَاءَة وَالذكر
وَالْقَائِل أَن أحدا من السّلف لم يفعل ذَلِك قَائِل مَالا علم لَهُ بِهِ فَإِن هَذِه شَهَادَة على نفي مَا لم يعمله فَمَا يدريه أَن السّلف كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِك وَلَا يشْهدُونَ من حضرهم عَلَيْهِ بل يَكْفِي اطلَاع علام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لَا سِيمَا والتلفظ بنية الإهداء لَا يشْتَرط كَمَا تقدم
وسر الْمَسْأَلَة أَن الثَّوَاب ملك الْعَامِل فَإِذا تبرع بِهِ وأهداه إِلَى أَخِيه الْمُسلم أوصله الله إِلَيْهِ فَمَا الَّذِي خص من هَذَا ثَوَاب قِرَاءَة الْقُرْآن وَحجر على العَبْد أَن يوصله إِلَى أَخِيه وَهَذَا عمل سَائِر النَّاس حَتَّى المنكرين فِي سَائِر الإعصار والأمصار من غير نَكِير من الْعلمَاء
فَإِن قيل فَمَا تَقولُونَ فِي الإهداء إِلَى رَسُول الله قيل من الْفُقَهَاء الْمُتَأَخِّرين من استحبه وَمِنْهُم من لم يستحبه وَرَآهُ بِدعَة فان الصَّحَابَة لم يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ وَأَن النَّبِي لَهُ أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أَن ينقص من أجر الْعَامِل شَيْء لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي دلّ أمته على كل خير وأرشدهم ودعاهم إِلَيْهِ وَمن دَعَا إِلَى هدى فَلهُ من الْأجر مثل أجور من تبعه من غير أَن ينقص من أُجُورهم شَيْء وكل هدى وَعلم فَإِنَّمَا نالته أمته على يَده فَلهُ مثل أجر من اتبعهُ أهداه إِلَيْهِ أول لم يهده وَالله أعلم