الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من خلال هذا العرض نستطيع القول: إن المنهج النفسي لم يغب عن خاطر العرب القدامى حين تصنيف علومهم، وأنهم بحثوا على أساسه كثيرًا من قضاياهم، وتوصلوا إلى نتائج مثمرة، وإذا كانوا لم يعرفوا المصطلح بلفظه، فقد عرفوه بصفاته. ومن ثم، فإن الفضل يرجع إليهم؛ لسبقهم، وإلى المحدثين؛ لتقنينهم وتنظيمهم، واختيارهم للمصطلح، وضبطهم لأصول المنهج، هذا بالنسبة لمعرفة القدماء بهذا المنهج، وبيان حقيقة المنهج النفسي، وعلاقة النفس بالأدب.
نشأة المنهج النفسي، وتطوره في العصر الحديث
أما عن نشأة هذا المنهج، وتتطوره في العصر الحديث: فالحقيقة، أن المصطلح لم يظهر إلا في عصر النهضة الأوربية بعدما تخطى الأوربيون عقبة الجهل والتخلف في العصور الوسطى، ثم اطلاعهم على الآداب اليونانية والرومانية، وتأثرهم بالتراث العربي، وتطوريهم للنظرية النفسية، بعدما تم لهم ذلك شاع بينهم هذا المصطلح الذي ابتكروه، وقننوا له، ونظروا.
ويعد "كلوريدج" أول من أشار إلى هذا المنهج عندما تحدث في كتابه (سيرة أدبية)، وقد نشر كلوريدح هذا الكتاب عام 1817م. تحدث هذا الرجل عن الشعر والعلم، وفرق بينهما، وبين دور العاطفة في الشعر، وتنبه لنظرية اللاشعور التي يجتاز فيها الشاعر حدود العقل الواعي.
كل ذلك أشار إليه كلوريدج في كتابه (سيرة أدبية). ولم تتضح معالم ذلك المنهج، ويصطبغ بصبغة علمية إلا على يد فرويد عام 1899م، عندما نشر كتابه (تفسير الأحلام)، وتحدث فيه عن الفن والفنان، ورأى أن الإبداع في حقيقته
تعبير عن رغبة مكبوتة، أو قمعت قمعا شديدًا، ووقف أمام عقدة أديب، وعقدة ألكترا كما صورتهما الأساطير القديمة.
ومعنى الرغبة المكبوتة عنده: أن الأديب إذا شعر برغبة جامحة في الشيء ولم ينله، أو يظفر به كبت ذلك الشعور في نفسه، وحبسه بين نبضات الحس، وخوالج النفس، حتى يستجيب له، ويبرزه في قطعة أدبية، فيكون بذلك قد نفس عن نفسه هذا الكبت، وخفف من حدة تلك الرغبة الجموح. وفسر فرويد المواقف الأدبية تبعًا لذلك، واختار مجموعة من الفنانين، وطبق عليهم نظريته تلك، من خلال دراساتهم دراسة نفسية تحليلية، تتبع فيها حياتهم تتبعا دقيقًا، وسجل كل صغيرة وكبيرة.
ولا شك في أن نظرية فرويد قد لاقت قبولا لدى بعض النقاد والدارسين، وصار له أتباع يعملون على نشر آرائه، منهم:"أتورانج" الذي اعتنى بالدراسة النفسية للفنان المبدع، وطبق عقدة أدويب على بعض أعمال شكسبير، وكان يرى "أتورانج" أن الفنان يهرب من الواقع في آثاره من خلال عالمه الخيالي، معبرًا عن انفعالاته في صور تمتع الناس دون أن تتضح فيها عقده ورغباته المكبوتة.
ومن هؤلاء التلامذة: "تشارل أدون، ورنيه، وإدلر". "إدلر" الذي توصل إلى نظرية مركب النقص لدى الأديب، أو الفنان ورأى إدلر أن الأدب تعبير عن مركب النقص هذا، ويقصد بمركب النقص: شعور الإنسان بعيب عضوي، أو غير عضوي، فيحاول إخفاءه، ثم يظل يعاوده ذلك مرارًا حتى يتخلص منه بوسيلة من الوسائل الفنية التي تتاح له. فامرئ القيس مثلا: حينما يلجأ إلى الغزل الفاحش، إنما يعبر عن شعور بمركب النقص لديه. وأبو نواس في غزله وفحشه في بداية حياته، يحاول إخفاء مرضه بالنرجسية. وعمر بن أبي ربيعة في
طلبه للمرأة، يعبر عن عاطفة معكوسة ناتجة عن تعلقه بأمه، ونشأته الناعمة المدللة.
وربط "إدلر" تفوق المبدع بمقدار إحساسه بهذا الشعور، أي: شعور الإحساس بمركب النقص عنده، فكلما كان الإحساس بمركب النقص قويًّا كلما كان الأديب ممتعا، ولعلك تلاحظ من خلال حديثنا السابق: أن الأدب عن فرويد وإدلر ما هو إلا تعبير عن ذات الأديب، وإن جعله الأول تعبيرا عن رغبات مكبوتة، والثاني: تعبيرا عن مركب النقص لديه، لكنه في النهاية تعبير عن ذات الأديب.
ومن تلاميذ فرويد المنشقين عليه "يونج"، حيث ذهب إلى أن الرغبة المكبوتة عند الأديب، والتي قال بها فرويد لا تفسر لنا الإبداع، وإنما تفسر شخصية المبدع. ونقل "يونج" البحث من دائرة اللاشعور الفردي الذي نادى به فرويد إلى اللاشعور الجماعي، حين رأى أن الأدب ليس تعبيرا عن ذات الأديب، ولكنه تعبير عن أساطير الأولين المختزنة في ماضي الإنسان منذ زمن بعيد.
من خلال هذا العرض نستطيع أن نقول: إن أعلام هذا المنهج هم: "فرويد، وإدلر، وينوج"، وإن تباينت وجهات نظرهم في تفسير معنى الأدب، لكنها في النهاية لا تخرج عن دائرة النفس الإنسانية، وما يعتريها من أحوال، ويطرأ عليها من تغير.
بهذا وضع هؤلاء العلماء الثلاثة أصول ذلك المنهج؛ فذاع وانتشر في الغرب، ثم انتقل إلى البيئة العربية من خلال قنوات الاتصال المتعددة بين العرب والغرب، وأغرى بعض الباحثين في الأدب العربي، وجذب انتباههم، وخاصة بعد تقدم
الدراسات النفسية، وتعدد مدارسها للسعي من أجل معرفة النفس الإنسانية، وما تنطوي عليه من الغرائز، ولما كان الأدب تعبيرًا عن هذه النفس الإنسانية، وتصويرا لما يدور فيها من مشاعر وانفعالات، كان من الطبيعي أن يستعين علماء الأدب، ومؤرخوه بالدراسات النفسية في مجال البحث الأدبي. وحاولوا استخدام نظريات علماء النفس، وتطبيق تجاربهم على الأدب إبداعًا وتأريخًا، بل قام علماء النفس أنفسهم بتوجيه انتباههم نحو الأدب، يجرون عليه تجاربهم من أجل الوصول إلى تفسير لهذه الأعمال الأدبية من وجهة نظر نفسية؛ وللكشف عن أسرار العبقرية في الإبداع الفني.
وبذلك أصبح للمنهج النفسي حضور قوي في مجال البحث الأدبي في عالمنا العربي المعاصر، وبدأ الباحثون يؤلفون الكتب التي يؤصلون فيها لهذا المنهج، ويضعون قواعده لدراسة الأدب، ومن أهم المؤلفات في هذا المجال: كتاب (الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة) للدكتور مصطفى سويف، ثم كتاب (من الوجهة النفسية في دارسة الأدب ونقده) للدكتور محمد خلف الله أحمد، ثم كتاب (درسات في علم النفس الأدبي) دكتور حامد عبد القادر، ثم كتاب (التفسير النفسي للأدب) للدكتور عز الدين إسماعيل، وغير ذلك من كتب كثيرة، وأبحاث متعددة تؤكد صيرورة هذا المنهج ضمن مناهج البحث الأدبي، كما اعتمد عليه كثير من الباحثين والدارسين، في مقدمتهم عباس محمود العقاد في كتابه (ابن الرومي حياته من شعره)، وكتاب (أبو نواس الحسن بن هانئ)، وكذا الدكتور طه حسين في بعض كتبه ككتاب (مع أبي العلاء في سجنه)، وكتاب (صوت أبي العلاء)، وغير ذلك كثير من الكتب.