الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إذن اتضح أن العرب كانوا أصحاب سبق في مجال التأليف العلمي، وكان لهم سبق أيضا في معرفة الأدوات العلمية، أو أدوات البحث العلمي التي ينبغي أن يستخدمها الباحث حين بحثه.
اتجاهات التأليف عند العرب "اتجاه الاختيارات الأدبية المجرد
"
هناك فرق بين المنهج والأداة: المنهج يأتي نتيجة تطور علمي وفكري وثقافي غير قليل حقيقة، الأمم التي تقدمت فكريًا وثقافيًا وعلميًا هي أفضل الأمم في معرفة المناهج العلمية السديدة، الموصلة إلى النتائج اليقينية التي لا شك فيها، فما موقف العرب من المناهج العلمية حين التأليف؟ هل كانت لهم مناهج حين استخدموا هذه الأدوات التي أشرت إليها؟ أم أن التأليف عندهم جاء تأليفًا انطباعيًا لم يكونوا يعرفوا منهجًا من المناهج؟
التدوين بدأ في فترة مبكرة من حياة العرب، وبدأ التأليف الحقيقي منذ أن بدأ التدوين يظهر في البيئة العربية، فلو رجعنا إلى عصر بني أمية لوجدنا أنه شهد حركة كبيرة في مجال التأليف، ولم تكن هذه الحركة قاصرة على علوم الدين واللغة والأخبار والأنساب فحسب، وإنما كانت لهم إسهاماتهم في مجال العلوم الأخرى كالكيمياء والطبيعة، فقد روي أن يزيد بن معاوية كتب أكثر من كتاب في الكيمياء والعلوم المعملية، ذكر منها ابن النديم كتاب (الحرارات)، وهذا دليل على أن العرب بدءوا يطرقون باب التأليف منذ فترة مبكرة، تواكب بداية التدوين عندهم.
مما يؤكد ذيوع التأليف في عصر بني أمية: اشتهار عدد كبير من العلماء باقتناء المكتبات الخاصة والعامة، من هؤلاء: ابن شهاب الزهري التابعي، وكان من
أكابر الرواة الحفاظ الفقهاء، الوليد بن يزيد أبو عمرو بن العلاء وغيرهم، ومن المكتبات العامة في عصر بني أمية التي احتوت على ألوان شتى من العلوم والفنون، وارتادها طالب العلم مكتبة عبد الحكيم بن عمرو بن عبد الله بن صفوان، ويؤكد اهتمام بني أمية بالتأليف أيضًا وتفوقهم فيه -بجانب هذين- يؤكد هذا امتلاكهم لأهم أداة من أدوات التأليف؛ وهي الكتابة الفنية، وهذه أهم دليل.
كلكم يعرف أن الكتابة الفنية في عهد بني أمية نهضت نهضة واضحة، واشتهر بها عدد من الكتاب مثل: يحيى بن يعمر العدواني وعبد الله الطالبي، وعبد الحميد بن يحيى الكاتب الذي وضع أسس الكتابة الفنية، هذه حقيقة، فكيف ترقى الكتابة إلى هذا المستوى ونقول: إن العرب لم يعرفوا المجال التأليفي؟! هذا لا يصح ولا يجوز، فرُقي الكتابة الفنية على يد عبد الحميد الكاتب -الذي وضع الأسس الفنية لها- لدليل أكيد على أن التأليف العلمي في ذلك العصر كان لا يقل في رقيه عن الكتابة الفنية بأي حال من الأحوال.
فإذا جئنا إلى العصر العباسي وجدنا أن التأليف قد اتسع اتساعًا عظيما جدا، ونشطت الحركة العلمية نشاطا ملحوظًا، وظهرت الترجمة في عهد الرشيد والمأمون بعد أن أقيمت دار الحكمة، وترجم كثير من العلوم والفنون إلى اللغة العربية، كما اتسعت أرجاء الدولة العباسية، وامتدت مراكز الثقافة إلى الأقاليم التابعة لها، يعني لم تعد الثقافة قاصرة على البصرة والكوفة وبغداد، هذه مدن كبيرة مشهورة بالعلم والعلماء والتأليف والكتابة، ولكن اتسعت الأماكن والبلدان التي ظهر فيها كتاب ومؤلفون، امتدت امتدادًا لا حد له أقاليم تابعة، وأخذت هذه الأقاليم تنافس بغداد في التأليف.
إذن ظاهرة التأليف عند العرب لا يمكن إنكارها، الأدلة قائمة على أنها موجودة لدى العرب منذ أن بدأ التدوين يظهر، أو منذ أن اعتمد العرب على التدوين، في العصر الأموي ظهر التدوين وظهر معه بعض الكتب المؤلفة، ثم زادت الحركة في نهاية العصر الأموي، ثم اتسعت اتساعًا لا حد له، ونشطت نشاطا عظيمًا ملحوظًا في العصر العباسي، وكثير من المصادر تشهد بذلك.
أما عن المناهج صحيح كانت لهم كتب، ونحن نتساءل هل كانت لديهم مناهج حين كتبوا هذه الكتب أم أنها كانت مجرد انطباعات شخصية صبوا فيها أفكارهم دون اتباع منهج أو دون الالتزام بمنهج؟ حقيقة يمكن أن نطلق عليها مناهج انطباعية بمعنى أنهم قد اكتشفوا طريقهم بأنفسهم.
ليس معنى أنها مناهج انطباعية أننا لا يمكننا أن ندرجها تحت أي منهج من المناهج العلمية المتبعة، لا أقصد هذا، هي مناهج انطباعية صحيح ناتجة عن انطباع، لكن انطباع فكر راق، انطباع نفس واثقة وثابة نحو التقدم العلمي والرقي، انطباع علماء أجلاء كانوا في غاية الحرص على تعليم الأجيال أصول البحث العلمي، فليس معنى قولي: إنها مناهج انطباعية يعني لا ترقى إلى مستوى المناهج العلمية الحديثة، وإنما اكتشفوها بأنفسهم، ومهدوا الطريق لمن جاء بعدهم من خلال هذه المناهج وتوصلوا إلى ذلك عن طريق ذكائهم وخبرتهم وثقافتهم وعلمهم الذي ليس له حدود.
لا يمكننا أن نقول: إنهم جميعًا اتبعوا منهجًا واحدًا، ولكن اختلفت اتجاهات هؤلاء العلماء وتعددت مناهجهم تبعًا لتعدد ثقافتهم واختلاف بيئتهم وغاياتهم، والموضوع الذي يكتبون فيه، كل عالم من هؤلاء العلماء كان يعيش في بيئة تختلف عن بيئة العالم الآخر، أو حتى إن كان يعيش في نفس البيئة، فكان يكتب
في موضوع يختلف عن الموضوع الذي يكتب فيه العالم الآخر، كان يملك لونًا من الثقافة يختلف عن ثقافة الآخر كانت لديه أو أمامه غاية أو لديه رؤية يود الوصول إليها من خلال هذه الكتابات وهكذا الاتجاهات تعددت، وتعددت المناهج تبعًا لتعدد هذه الاتجاهات والثقافات واختلاف البيئات.
من خلال الاطلاع -الحقيقة- على المصادر الأدبية التي ورثناها عن العرب، والتي تمثل الثروة العربية الكبرى التي ينبغي أن نحافظ عليها من خلال الاطلاع على هذه المصادر يمكن إرجاعها إلى عدة اتجاهات بارزة نلخصها في التالي:
الاتجاه الأول: اتجاه يسمى اتجاه الاختيارات الأدبية المجردة. الاتجاه الثاني: يسمى اتجاه الطبقات والتراجم. الاتجاه الثالث: يسمى اتجاه الدراسة الأدبية والنقدية. الاتجاه الرابع: اتجاه يسمى اتجاه الموسوعات العلمية.
لو نظرنا إلى هذه الاتجاهات المتعددة لوجدنا أن كل مؤلف في تلك الاتجاهات يسلك منهجًا قد يتفق وقد يختلف مع غيره حتى في الاتجاه الواحد، يعني مثلا لو أخذنا الاختيارات الأدبية المجردة ووجدنا أن أكثر من عالم قد كتب فيها كتابًا أو أكثر فمن الممكن أن تتفق المناهج المتبعة في الاتجاه الواحد، ومن الممكن أن تتعدد المناهج بتعدد العلماء واختلاف ثقافاتهم وغاياتهم.
الاتجاه الأول: الذي يسمى الاختيارات الأدبية المجردة. ما معنى الاختيارات الأدبية المجردة وما المقصود بها؟ الاختيارات الأدبية المجردة عبارة عن مجموعة من المختارات الشعرية التي انتقاها جامعوها من التراث الشعري القديم واعتمدوا في هذا الاختيار على ذوقهم الخاص، لماذا لجئوا إلى هذا المنهج أو إلى هذا الاتجاه؟ لماذا فكروا في جمع هذا التراث؟
الحقيقة أننا لو نظرنا إلى الغاية عند هؤلاء العلماء لوجدنا أن غايتهم نبيلة، فكانوا يجمعون هذه الأشعار ويودون حفظها أو يدعون إلى حفظها ويسجلونها أو يدونونها في كتب بقصد حفظها من الضياع.
وهناك سبب آخر كانوا يقصدون من خلال ذلك تربية الملكة الأدبية والفنية لدى المتذوقين والمتعلمين هذه المختارات التي دونها هؤلاء العلماء في كتب أكيد سيأتي زمن -كالزمن الذي نحن فيه الآن، وقد سبقنا إلى هذا كثير في الأزمنة المتقدمة- ويطلعون على هذه النماذج، فيتذوقونها ويتعلمون منها من خلال الخبرة والممارسة والمران والتدريب.
كانت هذه المختارات في الحقيقة مجالا خصبًا لكثير من الدراسات النقدية والأدبية التي استطاع أصحابها الوصول إلى مجموعة من المقاييس النقدية لازلنا نتدارسها إلى الآن ولو أخذنا مثلا كتاب (المفضليات) أو (الأصمعيات) أو المعلقات لوجدنا أن هناك كثيرا من الدراسات التي قامت حول هذه الأشعار التي دونت في هذه الكتب، ولم تكن هذه الدراسات مجرد نظرات عابرة بالعكس، وإنما كانت نظرات متعمقة، وكانت الغاية منها هي استنباط واستنتاج المقاييس الفنية لدى المبدعين، ولدى الذين قاموا على اختيار هذه النماذج التعرف على أذواقهم، والتعرف على الملكة الفنية التي كان يتصف بها هؤلاء المبدعون آنذاك في العصور المتقدمة.
هذا الاتجاه -اتجاه الاختيارات الأدبية المجردة- ظهر في مرحلة مبكرة من مراحل التأليف عند العرب، ويمكن أن نعده أول اتجاه يظهر أو المرحلة الأولى من مراحل التأليف، وصرف أصحابه جل عنايتهم نحو الشعر خاصة لماذا؟ لأن الشعر له مكانة عظيمة لدى العرب ولأن الشعر له رواة، فمن المؤلفين من شغل نفسه بجمع نماذج من الشعر لشعراء مختلفين في العصر، بعض العلماء الذين كتبوا في هذا الاتجاه كان يختار مثلا شاعرا من الجاهلية، وشاعرا من صدر الإسلام وشاعرا من العصر
الأموي، ومنهم من كان يختار شعراء من العصر الجاهلي فقط، ومنهم من كان يختار شعراء من صدر الإسلام فقط، وهكذا.
فمثلا عندنا المفضل الضبي وعندنا الأصمعي صرفوا عنايتهم إلى اختيار مجموعة من الأعصر المختلفة، والبيئات المختلفة، والاتجاهات الفنية المختلفة، لما نقرأ كتاب (الأصمعيات) نجد فيه مجموعة من الاختيارات المجردة لا تندرج كلها تحت فن أدبي واحد أو اتجاه فني واحد أو بيئة واحدة أو عصر واحد، وإنما تنوعت كل هذه الأشياء، وكذلك فعل المفضل الضبي في (المفضليات)، ومنهم من صرف جل عنايته نحو قبيلة بعينها، فيجمع شعرها بأي طريقة من الطرق، فرأينا مثلا السكري اهتم بجمع شعر قبيلة بني هذيل، ومنهم من اتجه نحو مجموعة من القصائد، كانت تتصف بصفة لا تتصف بها قصائد غيرها وعدها أفضل من غيرها وجمعها في ديوان كما صنع حماد الراوية عندما جمع المعلقات من مصادرها الأصلية.
ومنهم من نظر إلى أبواب الشعر، هو يختار مجموعة من القصائد لا يشرحها، ولا يدرسها ولا يعلق عليها، وأحيانًا كان يذكر القصيدة دون قال الشاعر فقط لا غير، ليس له هدف ولا غاية إلا جمع وتسجيل وتدوين هذه المختارات الشعرية، فبعضهم كان ينظر إلى الغرض الشعري، وكان يجمع مجموعة من الأشعار، ويختار هذا الفن ويجعله عنوانا لكتابه كما وجدنا مثلا الحماسات، حماسة أبي تمام وحماسة البحتري وهكذا، ومع اختلاف طريقة كل واحد منهم إلا أنها جميعًا تندرج تحت اتجاه واحد يطلق عليه اتجاه الاختيارات الأدبية المجردة.
وتعد هذه المختارات في الحقيقة مصدرًا مهمًا من مصادر الشعر العربي لابد لكل باحث في هذا المجال من الرجوع إليها، وليس الشعر العربي فحسب ولكن تعد مصدرًا من مصادر الدراسات الأدبية، فكل دارس للأدب، وكل دارس للشعر ينبغي له أن ينظر في هذه جيدا ويتأملها ولا تفوته، والحقيقة تتميز هذه المختارات
بميزة ربما لا تتميز بها غيرها من المؤلفات تتميز بصحة نسبة الأشعار الواردة بها إلى أصحابها، عندنا بعض المصادر فيها أشعار منسوبة نسبة خاطئة وأشعار منسوبة نسبة صحيحة، إلا هذه المصادر التي تندرج تحت هذا الاتجاه.
يعني من يرجع إليها يرجع إليها وهو في غاية الاطمئنان من نسبة كل بيت إلى صاحبه؛ لأنها كانت تقوم على الرواية الصحيحة، كل مؤلف من المؤلفين الذين اتجهوا إلى هذا الاتجاه كان لا يجمع أو لا يدون كل الروايات التي تصل، أبدًا، فقد تجمعت لديهم أشعار كثيرة جدا لا حصر لها ولكنهم كانوا يخضعون هذه الأشعار للتدقيق والتمحيص من قبل جامعيها، فإذا شكوا في واحد من الرواة كانوا لا يأخذون عنه، إذا اختلفت الروايات كانوا يرفضون تسجيل هذه الروايات، ولم يأخذوا إلا ما صح لديهم، بناء على المقاييس التي أشرنا إليها قبل ذلك وهي مقاييس علمية لا شك فيها.
ومن أشهر هذه المختارات التي تندرج تحت هذا الاتجاه المعلقات التي جمعها حماد الراوية، (المفضليات) التي جمعها المفضل الضبي، (الأصمعيات) التي جمعها الأصمعي، (جمهرة أشعار العرب) لأبي زيد القرشي، (الحماسات) وهي كثيرة، (مختارات ابن الشجري).
والمنهج يظهر في الدراسة أكثر ما يظهر في مجرد الجمع أو تسجيل النموذج، ومن ثم فإن المناهج لم تتضح في هذا الاتجاه وضوحها في الاتجاهات التالية، يعني لو أحببنا أن نكشف على المنهج الذي اتبعه أو سلكه المفضل الضبي مثلا أو حماد الراوية في جمعه، لا نجد منهجًا بمعنى كلمة منهج، رجل راقته بعض الأشعار، ذوقه رضي عن مجموعة من الأشعار فجمعه في هذا الكتاب؛ لغاية هو يريدها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.