الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
محاولة الكشف عن الشخصية الأدبية، وبيان منزلتها الفنية، والدور الفني الذي قامت به من خلال النتاج الفني الذي أبدعته تلك الشخصيات.
أما الاتجاه الثاني: فيمثله كتابان هما: (الفن ومذاهبه في الشعر العربي)، ثم كتاب (الفن ومذاهبه في النثر العربي)، والكتابان للدكتور شوقي ضيف -يرحمه الله-، فقد حاول تصنيف الأدباء منذ العصر الجاهلي حتى العصر الحديث إلى مجموعات، أو مذاهب فنية متميزة، كان لها دور في الحركة الأدبية والنقدية خلال عصورها المختلفة، وحصرها المؤلف في ثلاثة مذاهب: مذهب الصنعة، ومذهب التصنيع، ومذهب التصنع.
وقد التزم المؤلف بالمنهج الجمالي حيث تحرك في الإطارين اللذين أشرت إليهما. وقف أولا عند الأعمال الأدبية التي أنتجها أعلام هذا الأدب؛ ليكشف عما فيها من قيم جمالية، وخصائص فنية، ثم صنف هؤلاء الأعلام وفقًا لهذه المذاهب الفنية الثلاثة التي رآها تمثل حركة أدبنا العربي.
رؤية العربي لفكرة الجمال الأدبي
بعد هذا العرض السريع لنظرية الفلسفة الجمالية وقيمتها في مجال البحث الأدبي بقيت كلمة لا بد منها:
لا جدال في أن الجمال الأدبي يستحق بحثا ودراسة دقيقة مستوعبة لا شك في هذا؛ لأنه الغاية التي يريدها الأديب الناجح في ابتكاراته الفنية، وهو في الوقت نفسه الغاية التي يوجه لها الناقد الحصيف كل دراساته؛ فالمبدع يريد أن يضع كل جمال في إبداعه، والناقد يريد أن يظفر بالقيم الجمالية حتى يسجلها في بحوثه النقدية المقنعة. ولهذا بذل النقاد قصارى جهدهم في التعرف على كل ما يضفي
على النماذج الأدبية جمالا، ويهبها روعة وفتنة، بحثوا طريقة تناول الأدباء أجزاء المعنى الواحد، وتنوعت دراساتهم عن الأسلوب الذي يحتوي المعنى، ويفصح عنه، وامتدت دراساتهم إلى الأدباء أنفسهم، والمؤثرات التي أثرت فيهم، كل هذا جيد، ولكن المتأمل في نظرية الفلسفة الجمالية التي سبق عرضها يلاحظ شيئين:
أولا: أنها أخذت طابعًا غربيًّا، وكأن العرب لا علم لهم بها.
ثانيًا: أن دراسات الغرب، ومن لف لفهم من العرب في الغالب أخذت طابعًا فلسفيًّا، فهي دراسات فلسفية، قدمت للمتلقي جانبا من المعرفة، لكنها لم تقدم له شيئا عن الجمال الأدبي؛ ولذلك أردت أن نتعرف على رؤية العربي لفكرة الجمال الأدبي، وماذا قدموا في هذا المجال.
الحقيقة، أن رؤية العرب لفكرة الجمال الأدبي كانت أكثر عمقا وموضوعية؛ لأن العرب لم يذهبوا إلى الأخذ بنظرية الجمال المطلق، أو المثالي المجرد في أدبهم ذلك الجمال الذي يدرك بالعقل دون التماسه في العمل الأدبي نفسه.
العرب لم يهتموا بهذا، لم يهتموا بنظرية الجمال المطلق، وهم يبحثون في الفن الأدبي، وقد ظهرت عندهم بعض الاتجاهات الجمالية التي تربط الجمال بالفضائل والوعظ، كما عند ابن قتيبة في كتابه (الشعر والشعراء) مثلًا، أو تربطه بالفكر الإغريقي كما عند قدامة بن جعفر مثلًا، لكنها لم تلبث طويلًا في الذوق العربي العام في تقويم جمال الأدب.
وكان عبد القاهر الجرجاني حامل اللواء في هذا المجال؛ فقد اتجه إلى أن فكرة الجمال الأدبي تكمن في الإنتاج الأدبي نفسه، ونفى كونها فكرة مجردة تقوم على النظريات والافتراضات، فمظاهر الجمال لدى عبد القاهر إنما هو نتاج مواهب فنية ذات كفاءة عالية في صياغة المعاني، وإفراغها في أسلوب مطابق في نظامه،
وترتيبه لذلك النسق الذي ترتبت عليه المعاني، كما تصور الفكر أجزاءها، وهي في دور التكوين.
عملية تخلق الجمال الأدبي عند عبد القاهر ليست عملية سهلة، وإنما هي عملية في غاية الدقة، تمر بمراحل أو أطوار:
الطور الأول: النظام والترتيب.
الطور الثاني: تحديد قسمات هذا الوليد الجديد، وتعهده حتى يصير محل إعجاب وإغراب، وهذا التحديد لا يكون إلا من خلال مجموعة من المزايا في اللفظ، والأسلوب، ونوعا من العلاقات بين الجمل، تملأ النفس بجمال إشعاعها، فإذا نثر الخيال وشيه على الأسلوب، وأشاع فيه النماء والحركة باستعارة تقع موقعها مثلًا، أو تشبيه يحدث أثره في النفس، فذلك هو الجمال الذي يملك الألباب، ويسري بالروح في معارج المتعة والرضا.
وخلاصة القول، أن الجمال الأدبي كامن في الأدب ذاته، يحتويه الأسلوب، ويستشفه الذوق الفني المرهف حين تصنعه الموهبة الفنية، وتدركه أذواق النقاد ذوي المواهب، وأن وعاء الجمال هو على التحديد مادة اللغة، وبراعة استعمالها. وعلى هذا، فإن للجمال الأدبي وجودًا ثابتًا حددته العبقريات الأدبية العملاقة.
إنه يتمثل في القدرة الفائقة التي يلائم بها الأديب ملائمة كاملة بين شعوره بالفكرة، وبين إحساسه اللغوي، فإذا امتزج كل منهما بالآخر تخلق منهما كائن جديد، له مزايا الفكر والإحساس جميعًا. وما يزال الأديب يخلع على هذا الوليد مطارق خياله، ووشي براعته؛ حتى يتم له الجمال كما يريده صانعه. هذا مضمون النظرية العربية كما رآها نقادنا في القديم، وهي -كما ترى- نظرية واقعية موضوعية في تعاملها مع النص الأدبي، أو العمل الأدبي، وهي تبحث عن فكرة الجمال فيه.
والسلام عليكم رحمة الله وبركاته.