الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقياس الجودة الفنية عند أصحاب المنهج النفسي، وقيمته
ما مقياس الجودة الفنية عند أصحاب هذا المنهج؟ بمعنى: ما هو الأدب الجيد من وجهة نظر أصحاب المنهج النفسي؟
الحقيقة، أن جودة العمل الأدبي عند أصحاب المنهج النفسي لا ترتبط بجماليات النص الإبداعي ذاته، وما فيه من لفتات ذوقية وشعورية، ونبضات حسية، والتماعات خيالية.
بماذا ترتبط إذا كانت لا ترتبط بهذا؟ هي في الحقيقة ترتبط بما يحمله النص من قيم نفسية، ومدى تأثيره فلي نفس المتلقي. ومن ثم، فهم يختلفون في تحديد الغاية من الأدب، أهي الحس على الأخلاق، والدعوة إلى الفضيلة والاتجاه الحسن والسلوك الحميد، أم أنها تتمثل فيما يؤديه الأدب في المجتمع من خدمات اجتماعية؟
يجيبون عن ذلك: بأنهم لا الأخلاق، ولا الخدمات الاجتماعية هي كل دواعيه وبواعثه، ولكنها على أية حال تمثل عنصرًا واحدًا من مجموعة الدوافع، وليست هي كل الدوافع؛ إذ إن الأدب في الحقيقة تنظيم لعدة دوافع تنظيما نشعر إزائه بنوع من التسامي النفسي، وهذا التسامي هو المقياس الحقيقي لجودة الأدب، وهو أوسع دائرة من أن نعيش في قيم خلقية أو اجتماعية خاصة.
هذه هي المقاييس التي يعتمدون عليها في رؤيتهم، أو في نظرتهم للعمل الأدبي الجيد، وهي خارجة كما ترى عن القيم الفنية الموجودة في النص. هذا هو المنهج النفسي، وهذه هي أسسه.
بعد هذا الذي ذكرناه، ما قيمته في مجال الدراسات الأدبية؟ هل يفيدنا المنهج النفسي في مجال البحث الأدبي؟
مما تقدم يتضح لك: أن المنهج النفسي المعتدل -وأقول: المعتدل- ينظر إلى المنبع الأصلي للعمل الأدبي، أي: النفس -نفس الأديب-، هذا هو المنبع، إذ ينبغي أن تدرس هذه النفس، ويحيط الباحث بشتى جوانبها، وما يصدر عنها.
ولا شك في أن التعرف على نفسية الأديب يكشف لنا عن كثير من الجوانب النفسية في العمل الأدبي، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن نفهم شعر امرئ القيس مثلًا إلا إذا وقفنا على طبيعته النفسية، وما طرأ عليها من تحول، كما أنه لا يمكن فهم شعر الحطيئة إلا إذا فتشنا عن غرائزه، وصفاته النفسية التي جعلته منبوذًا يحترف فن الهجاء، وتشترى منه أعراض الناس بالمال. كل هذا لا يكشف عنه إلا المنهج النفسي، فنحن في أشد الحاجة إلى هذا المنهج؛ للكشف عن مثل هذه القضايا، أو الجوانب، ونحن نبحث في الأدب.
هذا وللمنهج النفسي أيضا في الأغراض الشعرية دور كبير، فالأغراض تتفاوت من شاعر لآخر، كما تتفاوت لدى الشاعر الواحد، فهناك شعراء برعوا في فن الغزل مثلًا، لكنهم لم يبرعوا في فن الوصف، وآخرون برعوا في فن الهجاء، لكنهم لم يجيدوا الشعر الحماسي. هذا موجود على مدار التاريخ الأدبي في جميع العصور، عندنا شعراء مشهورون بالغزل، وشعراء مشهورون بوصف الطبيعة، وشعراء مشهورون بالمدح، هذا على مستوى الشعراء عامة، عندي شاعر واحد يستطيع أن يتغزل، ولا يستطيع أن يصف، أو يستطيع أن يصف، ولا يستطيع أن يتغزل.
نماذج كثيرة: هناك شعراء يتهتمون بالطبيعية يهيمون بها هياما. البحث في هذه القضايا؛ لمعرفة السر في هذا التنوع أو هذا التوجه، يحتاج إلى منهج دقيق، ما الذي يفيدنا؟ ما المنهج الذي يساعدنا على الكشف عن سر هذا التوجه من
الشعراء؟ لا يمكن للمنهج التاريخي أن يتطرق إلى مثل هذه الأشياء، بل لابد من اللجوء إلى المنهج النفسي.
المنهج النفسي هو الذي يكشف عن طبيعة النفس البشرية للشاعر، يعرف حقيقتها، ويدرك المؤثرات التي شكلتها، هو الذي يتفهم غرائز هذه النفس وصفاتها النفسية، ليس غيره. فنحن في أشد الحاجة إلى هذا المنهج عندما نبحث في تلك القضايا.
أيضا مما يؤكد ويوضح قيمة المنهج النفسي في مجال الدراسات الأدبية: أنك إذا نظرت إلى العمل الأدبي وجدت أن له جانبان: جانب شعوري، وجانب تعبيري. جانب شعوري يعني: الجانب النفسي. شعوري أي: نفسي. وجانب تعبيري -كما تعلم في الشكل-: ألفاظ، وأساليب، وصور.
يتشكل الأسلوب الأدبي من خلال المواقف الشعورية التي يعيشها الأديب ويتأثر بها، يعني: الشاعر لا ينفصل أسلوبه عن حسه وشعوره، أو عاطفته، يعني: الجانب التعبيري يتوقف في ترتيبه، وتنسيقه، وشكله، وكل شيء يدخل في بنائه، يتوقف على الجانب الشعوري، ولا يمكن الكشف عن هذا الجانب الشعوري إلا من خلال منهج نفسي واضح. كيف نتعرف على الجانب الشعوري؟ لأن تعرفنا على الجانب الشعوري يساعدنا على التعرف على القيم التعبيرية، ليس هناك منهج يكشف لنا عن الجانب الشعوري إلا المنهج النفسي. أما الكشف عن الخصائص الفنية للتعبير: ألفاظ، وأساليب، وصور، فيتكفل به المنهج الفني.
ومن ناحية أخرى، فإن العمل الأدبي في صميمه استجابة لمؤثر خارجي، وكما تتفاوت تلك الاستجابة قوة وضعفًا، فيحق لنا أن نصفها بالصدق، أو الكذب. هذه