الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
شروط المحقق
أشرنا إلى صفات الباحث، والمحقق باحث يتصف بما يتصف به أي باحث، يعني: أضف إلى الشروط التي ذكرتها قبل ذلك في الباحث ما أشير إليه الآن، يظن البعض أن التحقيق عمل سهل وهين، وأنه مجرد نسخ لمخطوط ما مصحوب ببعض التعليقات من هنا أو من هناك، هذا خطأ بيِّن، فالتحقيق ليس بالعمل السهل ولا الهين ولا يعرفه إلا من سلك ضروبه وخاض غماره، فقد يقضي المحقق يوما كاملا في تصحيح كلمة أو إقامة عبارة أو تخريج بيت من الشعر، أو البحث عن علم من الأعلام الواردة في المخطوط، وقد لا يجد في النهاية شيئا من ذلك بعد مشقة وعناء. إن الباحث حين يتخذ من التحقيق مجالا للدرس والبحث فإنه سوف يواجه كثيرا من الصعاب والمشاق، التي لا يقدر على تحملها إلا عالم كفء، ومن هنا فإن ثمت شروط ينبغي أن تتوفر في كل من يصح عزمه، ويختار التحقيق مجالا لدرسه وبحثه:
أولا: سعة الصدر والجَلَد والمثابرة وتجنب العجلة والجزع، فالمحقق قد تنغلق أمامه عبارة محرفة لا يجد لها أثرا فيما بين يديه من مراجع، فيقضي في سبيل ذلك وقتا طويلا، ويسعى جاهدًا لتقويمها، وأنى له ذلك إذا كان لا يتصف بسعة الصدر والتؤدة والتأني. ثانيا: يشترط في الباحث المحقق أن يكون على دراية واسعة بعلم التحقيق، يعرف قواعده وأصوله حتى يكون على بصيرة من أمره في تعليقاته في تخريجاته، ولا يجنح أو يجمح.
ثالث هذه الشروط: أن يكون الباحث المحقق متمكنا من المادة العلمية للنص المراد تحقيقه، أن يكون محيطا بها من شتى جوانبها بحيث يكون خبيرا بها، وبالخط الذي كتبت به، وبالعصر الذي كتبت فيه، فلا يصح أن يحقق الباحث مخطوطا في الشعر مثلا وهو لا يعرف أصول الشعر وطرائقه، أو لا يعرف نوع الخط الذي كتب به، أو العصر الذي سجل فيه.
الشرط الرابع: أن يكون المحقق ذا ثقافة واسعة متنوعة، لا يقتصر في تحصيل المعرفة على المادة العلمية المتخصصة فحسب، وإنما يأخذ من كل علم بطرف، فقد يكون صاحب النص الذي يريد تحقيقه ذا فكر موسوعي شامل، يحتاج في التعامل مع نصه إلى صاحب فكر شامل وثقافة متنوعة، وقد تصادف المحقق معلومة خارج تخصصه، فلا يقف حيالها متحيرا، فلا بأس إذن من الإلمام بعدة ثقافات. وبالإضافة إلى هذه الشروط هناك أخلاقيات ينبغي أن يتصف بها المحقق، أهم هذه الأخلاقيات: الصدق والأمانة والموضوعية، البعد عن الهوى، التحقيق نتاج علمي وخلقي لا يقوى عليه إلا من يتصف بهذه الأخلاق، ومن ثم فالأمانة العلمية تحكم المحقق بتسجيل النص على صورته الحقيقية الموروثة، وليس من الأمانة إطلاقا استبدال كلمة بأخرى بحجة الدلالة أو الدقة أو الرشاقة أو الرقة، أو أي شيء من هذه الحجج، فليس تحقيق النص تحسينا أو تصحيحا، لا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.