الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السنة، وكان فى عشيرة من قومه، فصحب علىّ داعى اليمن عامر بن عبد الله الزواحى (1) ـ أحد دعاة الدولة الفاطمية ـ ومال إلى مذهب التشيع، وتضلع من علوم الشيعة حتى صار إماما فيه، ثم ثار سنة تسع وعشرين وأربعمائة بستين رجلا أصحاب عشاير، فصار فى عشرين ألف ضارب سيف من يومه.
ودعا للإمام المستنصر بالله أبى تميم معد بن الظاهر بن الحاكم ـ أحد الخلفاء الفاطمية بالقاهرة ـ وملك اليمن كله، سهله وجبله، ووعره وبره وبحره، وخطب بنفسه، وكانت قاعدة ملكه صنعاء.
وحجّ سنة خمس وخمسين وأربعمائة، وملك مكة فى سادس ذى الحجة منها، ونشر بها العدل، وأكثر فيها من الإحسان، ومنع المفسدين، وأمّن الناس أمنا لم يعهدوه قبله، ورخصت بها الأسعار لكثرة ما جلب إليها بأمره، فأحبّه الناس حبّا زائدا، وكسى الكعبة الديباج الأبيض ـ وهو كان شعار الدولة الفاطمية ـ وأقام بها دعوتهم. ثم حجّ فى سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة، فلما نزل ظاهر المهجم قتل فى ثانى عشر ذى الحجة بيد سعيد الأحول بن نجاح (2)، والله سبحانه وتعالى أعلم.
* * *
وملك بعد ثم حجّ الملك العادل نور الدين محمود
(3)
ابن أتابك عماد الدين زنكى بن أبى سعيد قسيم الدولة آق سنقر ـ المعروف بالحاجب ـ بن عبد الله.
كان جده آق مملوكا تركيا للسلطان ملكشاه بن ألب أرسلان السلجوقى، وترقى إلى أن استنابه تاج الدولة تتش بن أرسلان فى حلب لما ملكها فى سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، فعصى عليه وحاربه، فقتل فى جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وأربعمائة،
(1) الزواحى: نسبة إلى الزواح، وهى قرية من أعمال مخلاف حراز ثم من أعمال النجم فى أوائل اليمن. انظر معجم البلدان 3/ 155.
(2)
انظر: (غاية الأمانى فى أخبار القطر اليمانى 253 ـ 272، بهجة الزمن 63، أنباء الزمن فى تاريخ اليمن ـ خ ـ حوادث سنة 481 هـ، المخلاف السليمانى 1/ 116، 1232، الأعلام 3/ 103).
(3)
انظر: (كتاب الروضتين 1/ 227 ـ 229، ابن الأثير 11/ 151، ابن خلدون 5/ 253، ابن الوردى 2/ 83 ابن خلكان 2/ 87، مرآة الزمان 8/ 302، مفرج الكروب 1/ 103، الأعلام 7/ 170).
وصار ابنه عماد الدين زنكى من الأمراء ببغداد، ثم ولى الموصل سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، وأخذ الرّها، وقتل فى جعبر (1) فى ربيع الآخر فى سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وهو على فراشه.
وولد نور الدين محمود فى سابع عشر شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة، فقام بعد قتل أبيه وأخذ قلعة حلب، وجدّ فى قتال الفرنج ـ وبيدهم حينئذ من الرّها إلى السوادة من حدود أرض مصر، وافتتح عدة حصون، وأظهر بحلب مذهب أهل السنة ـ وكان أهلها من الرافضة ـ وأبطل الأذان «بحى على خير العمل» وأنشأ بها المدارس على مذاهب الأئمة الأربعة.
ثم ملك دمشق بعد ما أشرف الفرنج على أخذها، وضبط أمورها، وأنشا بها المدارس والمساجد والبيمارستان، وعمّرها، وأبطل المكوس كلها، ومنع المنكرات بأسرها وعاقب عليها، واستنقذ من الفرنج عدة معاقل، وبنى فى أكثر ممالكه دار العدل، وأحضر بها القضاة والفقهاء وجلس فيها بنفسه لإزالة المظالم.
وبالغ فى الإحسان لأهل مكة والمدينة، وبعث العساكر لحفظ المدينة النبوية، وأقطع أمير مكة إقطاعا، وأقطع أمراء العربان إقطاعات لحفظ الحاج فيما بين دمشق والحجاز، وأكمل سور المدينة النبوية، واستخرج لها العين، فدعى له بالحرمين على منبريهما.
وبعث الأمير أسد الدين شيركوه (2) بالغز إلى مصر، واستنقذ القاهرة من الفرنج بعد ما حاصرها مرّى ـ لعنه الله ـ بعساكر الفرنج أياما، ولم يبق إلا أن يملكها، فلما استولى شيركوه على القاهرة دعا لنور الدين على منابر القاهرة ومصر.
ومات فى حادى عشر شوال سنة تسع وستين وخمسمائة بدمشق بعد ما حجّ فى سنة ست وخمسين وخمسمائة، وأكثر من فعل الخير بالحرمين الشريفين، وبالغ فى الإحسان إليهم رحمه الله تعالى.
* * *
(1) جعبر: قلعة على الفرات بين بالس والرقة قرب صفين. انظر: معجم البلدان (3/ 142).
(2)
انظر: (مورد اللطافة 23 ـ 24، ابن خلكان 1/ 227، ابن عساكر 6/ 308، ابن خلدون 5/ 282، ابن الأثير 11/ 128، أعلام النبلاء 4/ 258، مفرج الكرب 1/ 148، الأعلام 3/ 183).