الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد، فقام إليه على بن أبى طالب رضى الله عنه، ومفتاح الكعبة فى يده، فقال: يا رسول الله: اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أين عثمان بن طلحة؟ فدعى له، فقال: هاك مفتاحك يا عثمان، إن اليوم يوم بر ووفاء. وأمر النبى صلى الله عليه وسلم بلالا أن يؤذن.
وكان أبو سفيان بن حرب، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام جلوسا بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيد: أن لا يكون سمع هذا، فيسمع منه ما يغيظه.
وقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه بحق لاتبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عنى هذه الحصا. فخرج عليهم النبى صلى الله عليه وسلم فقال: قد علمت الذى قلتم، ثم ذكر ذلك لهم، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا، فنقول: أخبرك.
ولما طاف النبى صلى الله عليه وسلم يوم الفتح على راحلته كان حول البيت أصنام مشددة بالرصاص، فجعل النبى صلى الله عليه وسلم يشير بقضيب فى يده إلى الأصنام، ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. فما أشار إلى صنم منها فى وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار لقفاه إلا وقع لوجهه حتى ما بقى منها صنم إلا وقع. فقال يميم بن أسد الخزاعى:
وفى الأصنام معتبر وعلم
…
لمن يرجو الثواب أو العقاب
وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشر ليلة يقصر الصلاة، وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة.
وخبر فتح مكة أكثر مما ذكرناه، وما ذكرناه ملخص مختصر مما ذكره أبو إسحاق فى سيرته، بعضه بالمعنى وكثير منه باللفظ.
وأما الفوائد المتعلقة بخبر فتح مكة:
فإن بعضها يخالف ما ذكره ابن إسحاق وابن هشام من خبر الفتح، وبعضها يوضح بعض ما أبهماه فى ذلك.
فمنها: أنا الفاكهى، قال: الوتير: ماء بأسفل مكة، فى المشرق عن يمين ملكان على ستة أميال منها.
وهذا بيّن الوتير أكثر مما فى كلام ابن إسحاق.
ومنها: أن ابن أبى عقبة ذكر فى مقارنة ما يقتضى أن إغارة بنى كنانة على خزاعة التى هى سبب فتح مكة، كانت بعرفة.
وهذا يخالف ما ذكره ابن إسحاق.
ومنها: أن الحافظ عبد الغنى بن سعيد المصرى، ذكر فى مبهماته حديثا فيه:«أن النبى صلى الله عليه وسلم، بعث عليا، وعمر بن الخطاب رضى الله عنهما لإحضار كتاب حاطب» .
وهذا يخالف ما ذكره ابن إسحاق.
ومنها: أن فى البخارى: «أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث لإحضار كتاب حاطب، أبا مرثد مع على والزبير» .
وفى رواية فيه: المقداد، بدل أبى مرثد ـ وكلام ابن إسحاق لا يفهم شيئا من هذا.
ومنها: أن الحافظ ابن عبد الغنى ذكر ما يقتضى: أن حاملة كتاب حاطب: أم سارة مولاة لقريش، وكلام ابن إسحاق يقتضى: أنها سارة.
وذكر مغلطاى أنها: أم سارة كنود المرينة، والله أعلم.
ومنها: إن السهيلى ذكر شيئا فى بيان ما كتبه حاطب؛ لأنه قال: وقد قيل: إنه كان فى الكتاب: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه إليكم بجيش كالليل يسير كالسيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله عليكم، فإنه منجز له ما وعده» .
وفى تفسير ابن سلام: أنه كان فى الكتاب الذى كتبه حاطب: أن محمدا قد نفر، إما إليكم وإما إلى غيركم، فعليكم الحذر. انتهى.
وكلام ابن إسحاق: ليس فيه شيء من هذا.
ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضى أن النبى صلى الله عليه وسلم صام حتى بلغ الكديد بين عسفان وأمج.
وروى الفاكهى عن ابن عباس رضى الله عنهما: أنه صام حتى بلغ عسفان.
وروى حديثا عن جابر رضى الله عنه: أنه صام حتى بلغ كراع العميم.
وهذان الخبران مخالفان لما ذكره ابن إسحاق.
ومنها: أن كلام ابن إسحاق يقتضى أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل مكة يوم فتحها من أذاخر.
وذكر ابن عقبة ما يقتضى أنه دخلها من ثنية كداء بأعلى مكة.
وذكر الفاكهى عن ابن عمر رضى الله عنهما ما يوافق ذلك.
ومنها: أن ابن عقبة قال: وقتل من بنى بكر قريبا من عشرين، ومن هذيل: ثلاث، أو أربعة، وانهزموا وقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد.
وقال ابن سعد: قيل أربعة وعشرون رجلا من قريش، وأربعة من هذيل.
وروى الفاكهى خبرا فيه: فاندفع خالد فقتل سبعين رجلا بمكة.
وجميع هذه الأقوال يخالف ما ذكره ابن إسحاق من: أن المقتولين من المشركين قريب من اثنى عشر، أو ثلاثة عشر. والله أعلم.
ومنها: أن ما ذكره ابن إسحاق يقتضى: أن الكعبة فتحت للنبى صلى الله عليه وسلم يوم الفتح.
وفى صحيح مسلم ـ رحمه الله تعالى ـ ما يقتضى أن النبى صلى الله عليه وسلم فتحها بنفسه يوم الفتح.
ومنها: أن ما ذكره ابن إسحاق يقتضى أن على بن أبى طالب سأل النبى صلى الله عليه وسلم أن يجمع لبنى هاشم الحجابة مع السقاية.
وذكر الأزرقى عن الواقدى ما يقتضى: أن العباس بن عبد المطلب هو الذى سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ذلك.
ومنها: أن ابن هشام ذكر أن أبا سفيان، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام، كانوا جلوسا بفناء الكعبة لما أذن بلال، وأن النبى صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وأخبرهم بقولهم.
وذكر الفاكهى خبرا يقتضى: أنهم كانوا جلوسا فى الحجر، وأن النبى صلى الله عليه وسلم استدعاهم إلى الصفا وأخبرهم بقولهم: إلا أن الخبر الذى ذكره الفاكهى ليس فيه ذكر الحارث بن هشام. وفيه ذكر سهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية مع عتاب بن أسيد، وأبى سفيان. ولا يصح ما فيه من: أن صفوان كان معهم لفراره إلى جدة فى يوم الفتح.
وفى الأزرقى ما يقتضى: أن عتاب بن أسيد لم يكن معهم، وإنما كان معهم أخوه خالد بن أسيد مع الحارث، وأبى سفيان، وسهيل، والحكم بن أبى العاص، والله أعلم.
ومنها: أن ابن عقبة ذكر أنه كان مع النبى صلى الله عليه وسلم فى فتح مكة اثنى عشر ألفا، على ما قيل. ونقل ذلك مغلطاى عن الحاكم جزما.
وما ذكره ابن إسحاق يقتضى: أنهم عشرة آلاف. والله أعلم.
ومنها: أنه اختلف فى مدة إقامة النبى صلى الله عليه وسلم بعد فتحها. ففى البخارى: وأقام بها خمس عشرة ليلة.
وفى رواية: تسع عشرة.
وفى أبى داود: سبع عشرة.
وفى الأكمل: أصحها بضع عشرة يصلى ركعتين. انتهى. نقل هذه الروايات مغلطاى هكذا.
والذى ذكره ابن إسحاق خمس عشرة ليلة، وذلك يخالف هذه الروايات، إلا الأولى التى فى البخارى.
ورأيت فى ذلك غير ما سبق؛ لأن الفاكهى روى بسنده عن أنس رضى الله عنه، قال: أقمنا بمكة عشرا، يعنى زمان الفتح. انتهى.
وقد أتينا فيما يتعلق بخبر الفتح الذى ذكره ابن إسحاق وابن هشام بفوائد أكثر من هذا فى أصله، ومثل ذلك لا يوجد مجموعا فى كتاب، ويتعلق به مسائل كثيرة من الفقة واللغة والعربية، تركنا ذكرها لكونها غير مقصودة بالذكر فى هذا التأليف، وخيفة من الطويل. ونسأل الله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل.
* * *