الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الكامل الأحذ وأخوه المضمر (3)
كلا الوزنين مجزوء من الكامل التام. والفرق بينهما ضئيل. والأحذ هو العمدة. وتفعيلاته كما في نظام العروضيين:
متفاعلن متفاعلن فعلن
…
متفاعلن متفاعلن فعلن
وهذه تصير أحيانًا:
مستفعلن مستفعلن فعلن
…
مستفعلن متفاعلن فعلن
أو: "متفاعلن مستفعلن إلخ"، أو شيئًا من هذا القبيل. ولتوضيح هذا الوزن وتثبيت نغمته في أذنك قل:
متقادم متأخر تررم
…
متناول متطاول تررم
يا صاحبي يا صاحبي فعلن
…
في بيتنا في بيتكم فعلن
أوزاننا أوراقنا قرئت
…
ولربما ولربما برعت
وأنشد قول دعبل:
أين الشباب وأية سلكا
…
مستفعلن متفاعلن تركا
لا أين يطلب ضل أم هلكا
…
مستفعلن متفاعلن تركا
لا تعجبي يا سلم من رجل
…
مستفعلن مستفعلن فعلن
ضحك المشيب برأسه فبكى
…
متفاعلن متفاعلن فبكى
بالله قولا كيف يومكما
…
يا صاحبي إذا دمي سفكا
لا تأخذا بظلامتي أحدًا
…
قلبي وطرفي في دمي اشتركا
وهاك مثالا آخر منه، قول ابن أبي ربيعة:
قال الخليط غدًا تصد عنا
…
أو بعده أفلا تشيعنا
أما الرحيل فدون بعد غد
…
فمتى تقول الدار تجمعنا
لتشوقنا هند وقد علمت
…
علمًا بأن البين يفزعنا
عجبًا لموقفنا وموقفها
…
وبسمع تربيها تراجعنا
ومقالها سر ليلة معنا
…
نعهد فإن البين فاجعنا
قلت العيون كثيرة معكم
…
وأظن أن السبر مانعنا
لا بل نزوركم بأرضكم
…
فيطاع قائلكم وشافعنا
قالت أشيء أنت فاعله
…
هذا لعمرك أم تخادعنا
بالله حدث ما تؤمله
…
واصدق فإن الصدق واسعنا
اضرب لنا أجلا نعد له
…
إخلاف موعده تقاطعنا (1)
ومن هذا الوزن قصيدة أبي الطيب (2):
إثلث فإنا أيها الطلل
…
نبكي وترزم تحتنا الإبل
وهي طويلة.
والكامل المضمر يخالف الأحذ في القافية. قوافي الكامل الأحذ الذي استشهدنا له بأبيات دعبل والمخزومي كلها من الطراز (فعلا أو فعلو نحو: هلكا، سفكا لعبا، معنا، فركب، فطرب "إذا كانت القافية مقيدة"). ولكن قوافي النوع المضمر لا بد فيها من سكون قبل حرف الروي إذا كان مطلقًا نحو: فعلا فعلو هلكا سفكا، لعبا، معنا ولا بد فيها من سكون قبل الحرف السابق لحرف الروي إن كان
(1) الأغاني 90: 1 - 91 - قوله لتشوقنا برفع القاف: أي تشوقنا حقا وفي أغاني الدار: "لتشوقنا بالنصب" وهذا لا يستقيم به المعنى. قوله: ويسمع تربيها البيت، يعني: وتراجعنا الكلام وترباها -أي صاحبتاها- تسمعان الحديث. قوله ومقالها سر ليلة إلخ: هذا مشكل، وفي هامش أغاني الدار "نعهد" أي نأخذ عليك العهد والميثاق وهذا يجوز والله أعلم. قوله: بالله حدث ما تؤمله: أي ما تريد أن يفعل لا ماذا أملك كما يتبدر.
(2)
ديوانه: 561.
هذا مقيدًا نحو: "فركب فلعب فطرب" - هذا على سبيل التمثيل - ولا بد لقوا فيه أن تكون من المتواتر. ومثال وزنه من الكلمات:
متقدم متقادم تررم
…
متقدم متقادم ترم
متناول متداول فعلن
…
متطاول متعاظم عظم
ومثاله من الشعر قول الأحوص (1):
قالت وقلت تحرجي وصلي
…
حبل امرئ كلف بكم صب
واصل إذن بعلي فقلت لها
…
الغدر شيء ليس من ضربي
ثنتان لا أدنو بقربهما
…
عرس الخليل وجارة الجنب
أما الخليل فلست فاجعه
…
والجار أوصاني به ربي
عوجوا كذا نذكر لغانية
…
بعض الحديث مطيكم صحبي
ومثال آخر منه قول ابن أبي ربيعة (2):
علق النوار فؤاده جهلا
…
وصبا فلم تترك له عقلا
وتعرضت لي في المسير فما
…
أمسي الفؤاد يرى لها مثلا
ما نعجة من وحش ذي بقر
…
تغذو بسقط صريمة طفلا
بألذ منها إذ تقول لنا
…
وأردت كشف قناعها: مهلا
دعنا فإنك لا مكارمة
…
تجزي ولست بواصل حبلا
وعليك من تبل الفؤاد وإن
…
أمسى لقلبك ذكره شغلا (3)
(1) الأغاني 4 - 264.
(2)
الأغاني 1 - 159 - الصريمة: الرمل ينتهي إلى الشجر لعل سقط صريمه اسم موضع بعينه.
(3)
قال المحشي على أغاني الدار 1 - 159 - 6 - "كذا في الأصول والديوان ولا يستقيم لها معنى، ولعلها ومن أ. هـ" قلت: جاءه الإشكال من ضبطه "وعليك من تبل" بالبناء للمعلوم. والمعنى يستقيم يجعلها للمجهول ونصب الفؤاد على التمييز مثل "طبت النفس"، و"إن" معناها واضح وهي للنفي على لغة أهل الحجاز كقول الآخر
إن هو مستوليا على أحد
والمعنى لا يستقيم بجعلك "تبل" للمعلوم. وإنما تريد الفتاة أن تقول لابن أبي ربيعة: اتركنا فإنك خائن، لا تواصل من يحبك، فإن كنت لست كذلك فواصل من النساء من تبلت فؤادها، ولا يكاد ذكرها -لغدرك وخيانتك- يخطر على قلبك" -ويرجح هذا المعنى قوله "فدعى العتاب" إذ قد فطن أنها إنما أرادت نفسها.
فأجبتها إن المحب مكلف
…
فدعي العتاب وأحدثي بذلا
ولعلك تكون لاحظت أن البيت الأخير صدره من الوزن الكامل التام هكذا: "متفاعلن مستفعلن متفاعلن". وهذا ضرب من التنويع يحدثه الشعراء كثيرًا في وزن الكامل المضمر. وقد وهم العروضيون فعدوا مثل وزن البيت "فأجبتها .. " شيئًا قائمًا بذاته وعدوه أول أنواع الكامل المجزوء، واستشهدوا عليه بقول الآخر (1):
لمن الديار برامتين فعاقل
…
درست وغير آيها القطر
وليس الأمر كذلك إذ لم ترد من هذا الوزن، في الذي بأيدينا من الأصول، قطعة واحدة كاملة، فضلا عن قصيدة - اللهم إلا القطع التي صنعها ابن عبد ربه بغرض التمثيل، ومثل هذه لا يعتد بها (2). ومما يؤيد قولنا أنه إنما يأتي به الشعراء للتنويع والتغيير ليس إلا، أنك لا تجد منه إلا الأبيات المفردات من ضمن قصائد الكامل المضمر وقطعه كالبيت الأخير من قطعة ابن أبي ربيعة هذه. وكقوله الحديث من قصيدة أخرى (3):
ولقد عصيت ذوي القرابة فيكم
…
طرا وأهل الود والصهر
حتى لقد قالوا وما كذبوا
…
أجننت أم بك داخل السحر
(1) العقد الفريد 4 - 64.
(2)
نفسه 4 - 64. على أن القائل لن يعترض بأن هذا وزن وهم العروضي تتبع الأوزان ودرسها وتصنيفها ولعل هذا الوجه هو الصواب والله أعلم.
(3)
الأغاني 1 - 195.
وكقول المسيب بن علس:
ولقد رأيت الفاعلين وفعلهم
…
فلذي الرقيبة مالك فضل (1)
كفاه مخلفة ومتلفة
…
وعطاؤه متدفق جزل
وبحر الكامل، الأحذ والمضمر، من أوزان اللين والترقيق، وبحسبك أنه أول وزن صيغ فيه الغناء المتقن بالحجاز. فيما روي صاحب الأغاني، قال (2): "قال ابن الكلبي وأبو غسان وغيرهما:
…
كان عبد الله بن عامر اشترى إماء صناجات وأتى بهن المدينة. فكان لهن يوم في الجمعة يلعبن فيه. وسمع الناس منهن فأخذوا عنهن. ثم قدم فارسي يسمى بنشيط، فغني فأعجب عبد الله بن جعفر به. فقال له سائب خاثر: أنا أصنع لك مثل غناء هذا الفارسي بالعربية. ثم غدا على عبد الله بن جعفر وقد صنع":
لمن الديار رسومها قفر
قال ابن الكلبي: وهو أول صوت غني به في الإسلام من الغناء العربي المتقن الصنعة. أهـ" -قلت- على تقدير التسليم بصحة هذا الخبر، وليس هنا ما يدعو إلى التشكك فيه -ليس اختيار سائب خاثر للأبيات (3):
لمن الديار رسومها قفر
…
لعبت بها الأرواح والقطر
وخلابها من بعد ساكنها
…
حجج مضين ثمان أو عشر
والزعفران على ترائبها
…
شرق به اللبات والنحر
(1) ديوان الأعشى (جابر) 357 - 16 - 7 - 8.
(2)
الأغاني 8 - 321.
(3)
نفسه 8 - 323.
"وهي من الوزن المضمر" من قبيل الاتفاق. فقد كان الرجل موسيقيًا حريصًا على أن يستحدث في العربية نوعًا جديدًا من الغناء. وما إخاله إلا قد استعرض كل ما يعرفه من الشعر الغزلي في سائر البحور، فلم يجد منه ما يستقيم على نوع الغناء الجديد الذي يهم به إلا هذا الوزن المضمر. ولا يقدح في هذا أن المغنين بعده. راضوا جميع أبحر الشعر على الغناء فالمجدد دائمًا يختار أبسط الأشياء وأهونها وما يرى الكلفة فيه يسيرة.
والكامل الأحذ والمضمر يشبهان السريع بنوعيه الثاني والثالث، في أنهما ينفران كل النفور من الأسلوب الفخم الجليل (1)، ويخالف الكامل السريع في أنه ألين منه نغمًا وأظهر دندنة. وقد ذكرنا آنفًا أن السريع الثاني والثالث يصلحان للكلام المذهوب به مذهب الخطب والتكرار حتى ولو كان عبثًا كما في رسالة ابن أبي ربيعة لكلثم، وكما في خطبة الوضاح لصاحبته. فالكامل الأحذ والمضمر يجفوان شيئًا عن
(1) وسوى هذا فإن بين الكامل الأحذ "وسنطلق هذا اللفظ هنا للتخفيف على كلا البحرين الأحذ والأحذ المضمر" والسريع "ثانية وثالثة" شبها في التفعيلات لا يخفى. خذ عجز السريع الثالث من قول ابن الأسلت "مهلا فقد أبلغت أسماعي" فإن هذا كالكامل الأحذ المضمر - والفرق الوحيد أن عجز السريع الثالث لا يجيء فيه "متفاعلن" كما يجيء في عجز الكامل الأحذ. والحقيقة أن الأصلين المنتزع منهما الكامل الأحذ والسريع متشابهان جدًا - فالكامل الأحذ منتزع من بحر الكامل التام والسريع منتزع من الرجز التام - والرجز التام ما هو إلا نتيجة تحوير ضئيل في الكامل التام اسمه الاصطلاحي الإضمار، وطبيعة الرجز حدائية مسترسلة، وطبيعة الكامل ترنمية بجلجلة، فهذا يفسر لنا سر اختلاف ما بين الكامل الأحذ والسريع .. ومما يحسن ذكره هنا أن العرب قد اخترعت بحرًا وسطًا بين الكامل الأحذ والسريع، وهو الذي في ميمية المرقش:
هل بالديار أن تجيب صمم
وفي لامية الأعشى "أقصر فكل طالب سيمل -ديوانه- 189" وقد تحاشاه المتأخرون لأنهم فقدوا السر الذي يرمز إليه وزنه وصار في أسماعهم كأنه نغم مشوش.
الخطابة ويستقيم فيهما الحوار الظريف، والوصف المجيء به على أسلوب القصص والخطاب الرقيق في معرض التذكر والغرام والعظات. ودونك أمثلة توضح هذا. خذ رائية زهير:
لمن الديار بقنة الحجر (1)
وزهير كان من أصحاب التجويد والتفخيم، ووازن بينها وبين رائية المسيب بن علس:
أصرمت حبل الوصل من فتر (2)
واحكم أي الشاعرين لاءمه هذا الوزن الكامل المضمر وانسجم مع ألفاظه.
قال زهير في قطعة النسيب:
لمن الديار بقنة الحجر
…
أقوين من حجج ومن شهر
لعب الزمان بها وغيرها
…
بعدي سوافي المور والقطر (3)
قفرًا بمندفع النحائت من
…
ضفوى أولات الضال والسدر
وهذا كلام لا ماء فيه، ولا يشبه مذهب زهير في النسيب، وهو مذهب متأنق رشيق يأخذ بأطراف النفس. ولأمر ما زعم القدماء أن هذه الأبيات مما وضعه حماد علي زهير (4). وكأنما اشتموا منها نفس التكلف. وليس عيبها من حيث أنها تكرار للمألوف المعروف من وصف الأطلال الجاهلية، فلو كان الأمر كذلك لعيبت جميع
(1) مختارات الشعر الجاهلي 302.
(2)
ديوان الأعشى الكبير 351.
(3)
المور: التراب.
(4)
راجع الأدب الجاهلي.
المطالع الجاهلية - وإنما عيبها أن هذا الوصف لا يصاحبه الروح الشجي الذي أبدًا يصحب المطالع النسبية.
ثم تأمل مدح زهير:
دع ذا وعد القول في هرم
…
خير البداة وسيد الحضر
ولو كان البحر طويلا لكان مكان "دع ذا" مقبولا. ولكن البحر ليس بطويل. ومجيء مثل هذه الكلمة التي تناسب الأبحر الطوال فيه ناب للغاية.
تالله قد علمت سراة بني
…
ذبيان عام الحبس والإصر
أن نعم معترك الجياع إذا
…
خب السفير وسابيء الخمر (1)
ولنعم حشو الدرع أنت إذا
…
دعيت نزال ولج في الذعر
وهذا سرقة من المسيب بن علس:
حامي الذمار على محافظة
…
الجلى أمين مغيب الصدر
حدب على المولى الضريك إذا
…
نابت عليه نوائب الدهر
ومرهق النيران يحمد في اللأ
…
واء غير ملعن القدر
وإذا برزت له برزت إلى
…
صافي الخليقة طيب الخبر
متصرف للمجد معترف
…
للنائبات يراح للذكر
جلد يحث على الجميع إذا
…
كره الظنون جوامع الأمر
فلأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري ولأنت أشجع حين تتجه الأبطال من ليث أبي أجر
(1) قوله "عام الحبس إلخ" يعني المجاعة لأن الناس يحبسون فيه دوابهم فلا يرعون. خب السفير أي تساقط الورق وهذا يكون في الشتاء، والسفير لا تزال تستعمل في السودان. قوله: سابئ الخمر: يعني شاربها.
ورد عراض الساعدين حديد الناب بني ضراغم غثر
يصطاد أحدان الرجال فما
…
تنفك أجريه على ذخر
والستر دون الفاحشات ولا
…
يلقاك دون الخير من ستر (1)
وهذا بيت القصيد غير مدافع لما فيه من اليسر والسهولة ولما فارق فيه زهير طريقته الفخمة:
أثني عليك بما علمت وما
…
سلفت في النجدات والذكر
لو كنت من شيء سوى بشر
…
كنت المنور ليلة البدر
وهذا البيت الأخير ليس له (2).
فهذه قصيدة زهير كاملة. وقبل أن أذكر لك شيئًا عن رائية المسيب بن علس، أريدك لتقرأ معي هذه الأبيات من مدحة أخرى لزهير في هرم، لترى فرق ما بين أسلوبيه في البسيط الذي يلائمه كلامه الفخم، والكامل المضمر الذي لا يلائمه. قال:
(1) قوله على محافظة الجلى، يعني المحافظة في الجلى، حدب: أي عطوف. قوله غير ملعن القدر: أي يمدح الناس قدره لاتساعها وخصبها. قوله: حوب، يعني الإثم. الظنون بفتح الظاء: الضعيف السيء الظن قوله فلأنت تفري، يعني: أنك بدأت شيئًا تممته. والفري: هو شق الجلد لصناعته. والخلق تقديره وتخطيطه قبل الشق. قوله "أبي أجر" يعني "أبي شبال". يصطاد أحدان إلخ: يعين يعترض السبيل لا يمر به أحد إلا قتله، وهذا كقول المتنخل:
أحمى الصريمة أحدان الرجال له
…
صيد، ومجترئ بالليل هماس
وأحدان الرجال شجعانهم.
(2)
هذا البيت مروي للمسيب بن علس، ومن عجيب الأمر أن ابن قتيبة نسب إلى خلف الأحمر أنه فضل زهيرًا بهذا البيت على ابنه كعب (الشعر والشعراء 88) ثم إن بن قتيبة نفسه روى هذا البيت في ترجمة المسيب وعده من محاسنه (نفسه 130).
بل اذكرن خير قيس كلها حسبا
…
وخيرها نائلا وخيرها خلقا
- وازن بين هذا وبين قوله: "دع ذا، البيت"-
القائد الخيل منكوبًا دوابرها
…
قدأ حكمت حكمات القد والأبقا
غزت سمانا فآبت ضمرًا خدجا
…
من بعد ما جنبوها بدنا عققا
حتى يؤوب بها عوجًا معطلة
…
تشكو الدوابر والأنساء والصفقا
يطلب أو امرأين قدما حسنًا
…
نالا الملوك وبذا هذه السوقا
هو الجواد فان يلحق بشأوهما
…
على تكاليفه فمثله لحقا
أو يسبقاه على ما كان من مهل
…
فمثل ما قدما من صالح سبقا
أغر أبيض فياض يفكك عن
…
أيدي العناة وعن أعناقها الربقا
وذاك أحزمهم رأيا إذا نبأ
…
من الحوادث غادى الناس أو طرقا
وليس مانع ذي قربى وذي رحم
…
يومًا ولا معدمًا من خابط ورقا
إن تلق يومًا على علاته هرمًا
…
تلق السماحة منه والندى خلقا
ليث بعشر يصطاد الرجال إذا
…
ما كذب الليث عن أقرانه صدقا
يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا
…
ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
هذا وليس كمن يعيا بخطته
…
وسط الندي إذا ما ناطق نطقا (1)
(1) محتارات الشعر الجاهلي 287 - قوله منكوبا دوابرها: مقروحة حوافرها. أحكمت إلخ جعلت لها حكمات، وهي كالأزمة واحدتها حكمة، مصنوعة من القد وهو الجلد، ومن الأبق وهو ضرب من القنب بدنا عققا، يعني أن هذه الخيل خرجت إلى الغزو سمانا وبعضها حبالى. والعقوق: الحبلى من الخيل، وعادت ضامرات مهزولات بعد الغزو. وقد نظر أبو ذؤيب الهذلي إلى معنى زهير هذا في عينيته فأخذه وأساء الأخذ وذلك قوله في الفرس:"فهي تثوخ فيها الأصبع - (المفضليات) " وهذا من أردأ ما قيل في وصف الخيل المحاربة. قوله على ما كان من مهل، يعني على ما كان من طول تجاربهما وتقدمهما في مكارم الأخلاق، والمهل تأتي بمعنى التجربة، وقوله: ولا معدمًا من خابط إلخ، يعني: ولا مخيبا رجاء مستجد يطلب نواله ومن زائدة للاستغراق، وكنى بخبط الورق عن السؤال والاستجداء.
فهذا هو المدح الجيد والكلام النبيل. ولا يكاد يلحق مدح الرائية بغباره، وليس فيه رنته وقوته وجرسه. ولا تحسبن أن زهيرصا قصر في الأداء في رائيته.
- فقد ذكر شجاعة الممدوح وكرمه ومروءته في لفظ جيد هناك. ولكن الوزن خانه فجاء كلامه فاترًا لا رونق فيه:
والآن تأمل معي شيئًا من رائية المسيب. قال في مطلعها النسيبي يشبه حبيبته:
كجمانة البحري جاء بها
…
غواصها من لجة البحر
صلب الفؤاد رئيس أربعة
…
متخالفي الألوان والنجر
فتنازعوا حتى إذا اجتمعوا
…
ألقوا إليه مقالد الأمر
وعلت بهم سجحاء خادمة
…
تهوي بهم في لجة البحر (1)
انظر إلى هذا القصص والاسترسال من غير ما مبالاة بالإيطاء وتحكيك اللفظ وتجويد الاستعارة كما يفعل زهير. وما أشك أن بعد هذا البيت في وصف السفينة أبياتًا أخر ضيعتها الرواية. وعليها وعلى نظائرها اعتمد الأعشى في وصفه للفرات وسفائنه - ثم على هذا جميعًا اعتمد بشار في بائيته "سلم على الدار بذي تنضب"(2) التي وصف فيها ركوب البحر والسفينة فأطال، وعن بشار أخذ مسلم بن الوليد في رائيته التي يقول فيها (3):
وملتطم الأمواج يرمي عبابه
…
بجرجرة الآذي للعبر فالعبر
(1) قوله فعلت بهم سجحاء: عنى بها السفينة. خادمة: أي عاملة مجدة في السير - وانظر إلى لطف هذه اللغة كيف سمت السفينة جارية وخادمة.
(2)
ديوان بشار - 145.
(3)
من قصيدته التي مطلعها: "أديري على الكأس ساقية الخمر".
ثم أكثر الشعراء من هذا الفن، فتعاطاه البحتري والمتنبي وأبو العلاء جميعًا (1) ولنعد إلى كلمة المسيب ونتبعه وهو يصف رحلة الغواصين:
حتى إذا ساءت ظنونهم
…
ومضى بهم شهر إلى شهر
ألفى مراسيه بتهلكة
…
ثبتت مراسيها فما تجري
فانصب أسقف رأسه لبد
…
نزعت رباعيتاه للصبر (2)
أشفى يمج الزيت ملتمس
…
ظمآن ملتهب من الفقر
قتلت أباه فقال أتبعه
…
أو استفيد رغيبة الدهر
نصف النهار الماء غامره
…
ورفيقه بالغيب لا يدري
وبحسب المؤرخ الأدبي أن يظفر بمثال واحد من طراز هذا الوصف ليثبت أن العب لم يكونوا جاهلين بالبحر، ولم يكن شعرهم خاليًا من نعته، فكيف وسوى كلام المسيب هذا بأيدينا أمثلة وأمثلة من شعر الأعشى والبحرانيين والهذليين وغيرهم. هذا، وبعد أن فرغ الشاعر من صفة الغواص وأوصلنا إلى الساعة الحرجة التي يدخل فيها اليأس على قلوب الملاحين المنتظرين إياب رفيقهم، سارع إلى إعطائنا صورة أخرى - صورة الفوز والظفر والمساومة بين مالك اللؤلؤة الحريص وتاجرها المغالي:
فأصاب منيته فجاء بها
…
صدفية كمضيئة الجمر
يعطى بها ثمنًا ويمنعها
…
ويقول صاحبه ألا تشري (3)
(1) البحتري في رائيته التي يقول فيها "إذا زمجر النوتي" ديوانه 2 - 23 والمتنبي في قصيدته: "عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم"، والمعري في قصيدته "لا وضع للرحل إلا بعد إيضاع".
(2)
آسقف: فيه انحناء - رأسه لبد: متبلد الشعر. -"نزعت رباعيتاه للصبر" هذا وصف يستدعي النظر فربما كان بين نزع بعض الزنوج لثناياهم، وبين هذه العادة العربية القديمة صلة - قوله "نصف النهار": هذا من شواهد النحويين في باب الجملة الحالية، وانظره في الخزانة 31 - 210 والقصيدة منسوبة هناك للأعشى وهي أشبه بالمسيب لأن وصفها وصف بصير لا ضرير.
(3)
ألا تبيع - هذا معنى لا تشري.
وترى الصراري يسجدون لها
…
ويضمها بيديه للنحر (1)
فبتلك شبه المالكية إذ
…
طلعت ببهجتها من الخدر
هذا مثال من قسم النسيب في رائية المسبب. ولا يخفى على القارئ أنه من أجود ما قيل في الشعر العربي، وأحلاه لفظًا، -والآن نلتفت إلى قسم المدح- ونترك وصف الناقة وتتمة النسيب وما إلى ذلك، قال:
أنت الرئيس إذا هم نزلوا
…
وتواجهوا كالأسد والنمر
لو كنت أجود بالعطاء من الر
…
يان لما جاد بالقطر
ولأنت أشجع من أسامة إذ
…
يقع الصراخ ولج في الذعر
ولأنت أبين حين تنطق من
…
لقمان لما عي بالأمر
ولأنت أحيى من مخبأة
…
عذراء تقطن جانب الكسر (2)
فهذا خطاب سهل مباشر، كأنما كان الشاعر يتغنى به تغنيًا. فقل لي بالله أين هذا الكلام المنساب في كلا شطري نسيبه ومدحه من كلام زهير؟ مع أن زهيرًا لم يأل جهدًا؟ ! ألا تحس أن المسيب قد وفق في اختيار الوزن أكثر من زهير، وأن هذا البحر المدندن، الغنائي، أشبه بما قصد إليه الشاعر الربعي من ترنم، مما قصد إليه الشاعر المزني من تفخيم؟
وفي شعر ابن أبي ربيعة والعرجي والأحوص وغزلي الحجاز تجد كل ما ذكرناه لهذا البحر من صفات الحوار والرقة والقصص السهل والصلاحية للتغني. وقد
(1) الصراري: الملاحون.
(2)
قوله: أجود بالعطاء من الريان، فالريان عنى هنا به السحاب. وقوله لما عي بالأمر، يعني أن لقمان لا يعي بأمره، فإذا وقع أمر يجوز أن يكون لقمان فيه عييا فإنك لا تعيا به، أو أن لقمان لما ضاق بالأمر ذرعا جعل يستعين بالبيان ليجد منه مخرجا. وقوله الكسر: عني به كسر البيت وخدر الفتاة ومخبأها.
أعرض عنه الفرزدق وجرير والأغطل والقطامي وجماعة من الشعراء الفحول في العراق وغيره من متأثري المنهج الجزل الفخم - وما ذلك إلا لأنه كان لا يلائم طبائع نظمهم. وشاع بين طبقات المولدين الأولى، وقل عند أبي تمام والبحتري ولم يقل المتنبي منه إلا كلمة واحدة:
اثلث فإنا أيها الطلل (1)
وذلك بعد أن لان طبعه عند عضد الدولة.
والكامل الأحذ المضمر من الأوزان التي نفقت سوقها عند المعاصرين. وهو في زعمي لا يلائم مذاهب الغموض والتعميق والاستعارات على الطريقة الإفرنجية، الغالبة على النظم الحديث، لأنه بحر وسط غير كثير المقاطع والأنغام، ورقة اللفظة وخفته أهم فيه من حشد الصور العقلية والمعاني المتكلفة. وأسلوب القصص والحوار أوقع فيه من إلقاء الكلام على طريقة الخطابة كما في قول الدكتور إبراهيم ناجي:
يا غلة المتلهف الصادي
…
يا آيتي وقصيدتي الكبرى
زادي لقاؤك جل من زاد
…
يحيا الورى وأعيش بالذكرى
فهذه خطبة لا يصلح لها الكامل المضمر، وإنما نولك أن تضع كلامك فيه على طريقة العرجي مثلا:
عوجي علي فسلمي جبر
…
فيم الصدود وأنتم سفر
ما نلتقي إلا ثلاث منى
…
حتى يفرق بيننا النفر (2)
الحول بعد الحول يجمعنا
…
ما الدهر إلا الحول والشهر
(1) ديوانه 561.
(2)
الأغاني 1 - 408، وقوله: وأنتم سفر: قريبا تسافرين. وثلاث مني: ليالي الحج. النفر: انقضاء الحج.
(عنى شهر الحج)، فانظر إلى رقة هذا الكلام، وتأمل كيف أورده الشاعر مورد المناجاة والهمس لا الخطابة والصياح. وأزيدك إيضاحًا: وازن بين قوله: "ما نلتقي إلخ"، وقوله في الجيمية:
نلبث حولا كاملا كله
…
لا نلتقي إلا على منهج
في الحج إن حجت وماذا منى
…
وأهله إن هي لم تحجج
فالمعنى كما ترى واحد. إلا أن نفس السريع في الجيمية خطابي، بينما نفس الكامل في الرائية نفس مناجاة وتلطف.
وأنشد معي هذه الأبيات للنواسي من الكامل المضمر:
كان الشباب مطية الجهل
…
ومحسن الضحكات والهزل
كان الفصيح إذا نطقت به
…
وخرجت أخطر صيت النعل
كان المشفع في مآربه
…
عند الفتاة ومدرك النيل
والباعثي والناس قد رقدوا
…
حتى أكون خليفة البعل
فالآن صرت إلى مقاربة
…
وحططت عن ظهر الصبا رحلي
والكأس أهواها وإن رزأت
…
بلغ المعاش وقللت فضلي
صفراء مجدها مرازبها
…
جلت عن النظراء والمثل
ذخرت لآدم قبل خلقته
…
فتقدمته بخطوة القبل
فأتاك شيء لا تلامسه
…
إلا بحسن غريزة العقل
حتى إذا سكنت جوامحها
…
كتبت بمثل أكارع النمل (1)
(1) الشعر والشعراء 797. قال ابن قتيبة ما فحواه: أنه يرجح "كان الشباب مظنة الجهل" بالظاء المعجمة والنون وكسر الظاء، وكأن أبا نواس أخذه من قول النابغة "فإن مظنة الجهل شباب" وهذا وجه وأرجح عندي ما تواترت به الرواية "كان الشباب مطية الجهل" بالطاء المهملة، ويدلك على صواب هذا الرأي قوله "وحططت عن ظهر الصبا رحلي" وقوله: فالآن صرت إلى مقاربة عني بها مقاربة الخطا في المشي من الضعف والشيخوخة. مرازبها: الأعاجم الكرام الذين يسبأونها - قوله جلت عن النظراء والمثل: نظر فيه إلى كلام المعتزلة عن الله. قوله: كتبت بمثل أكارع النمل: عنى أن أثر الخمر في الجسم مثل دبيب النمل على الرمل والمعنى قديم. أو كأن نملا يدب في العظام.
خطين من شتى ومختلف
…
غفل عن الإعجام والشكل
فاعذر أخاك فإنه رجل
…
مرنت مسامعه على العذل
ولا ينكر إلا مكابر أن هذا الكلام مناجاة وتلطف في الحديث. وبحسبك أنه بدأه بتذكر حزين، واختتمه باعتذار المتواضع المقر وجعل فيما بين ذلك يتحدث لك عن أسلوب حياته الماجن بطريقة أشبه شيء بوسوسة إبليس في الصدور.
وقد جارى أبو نواس في هذه اللامية قصيدة امرئ القيس التي مطلعها (1):
حي الحمول بجانب العزل
وفيها من روح الهمس ما لا يخفى، وقد عبثت بها الرواية حتى ضاع أكثرها فيما أرى ولم يبق منها إلا أضغاث - يدل على ذلك كثرة التصريع فيها وعدم تساوق المعاني.
هذا وبحسبنا ما قدمناه من أمثلة للدلالة على أن الكامل الأحذ والمضمر كليهما بحرا رقة وحوار وقصص سهل رقيق، ولا يصلحان للتفخيم والكلام الضخم.
(1) مختارات الشعر الجاهلي 103.