المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الاستشهاد به في هذا الصدد أن أبا الطيب استعمله في - المرشد إلى فهم أشعار العرب - جـ ١

[عبد الله الطيب المجذوب]

فهرس الكتاب

- ‌ الجزء الأول: في النظم)

- ‌[تقدمة]

- ‌الإهداء

- ‌تقديم الكتابللأستاذ الكبير الدكتور طه حسين

- ‌شكر واعتراف

- ‌خطبَة الكتاب

- ‌الباب الأولفي النظم

- ‌النظم العربي يقوم على عمادين:

- ‌المبحث الأولعيوب القافية ومحاسنها وأنواعها

- ‌ الإقواء

- ‌الإيطاء

- ‌السناد

- ‌التضمين:

- ‌الردف المشبع:

- ‌لزوم ما لا يلزم

- ‌القوافي المقيدة:

- ‌القوافي الذلل:

- ‌القوافي النفر:

- ‌القوافي الحوش:

- ‌هاءات القوافي:

- ‌حركات الروي:

- ‌تعقيب واستدراك:

- ‌خاتمة عن جودة القوافي:

- ‌المبحث الثانيأوزان الشعر وموسيقاها

- ‌الفصل الأول

- ‌تمهيد:

- ‌النمط الصعب (1)

- ‌الأوزان المضطربة (2):

- ‌الأوزان القصار (3):

- ‌ الخفيف القصير

- ‌الخبب والرجز القصيران والمتقارب المنهوك:

- ‌المتقارب المنهوك:

- ‌خلاصة:

- ‌البحور الشهوانية: (4)

- ‌كلمة عامة:

- ‌مستفعلن مفعو أو مفعول (5)

- ‌بحر المجتث (6)

- ‌الكامل القصير (7)

- ‌مخلع البسيط (8)

- ‌الهزج (9)

- ‌الرمل القصير (10)

- ‌الفصل الثانيالبحور التي بين بين

- ‌المديد المجزوء المعتل (1)

- ‌السريع (2)

- ‌الكامل الأحذ وأخوه المضمر (3)

- ‌الفصل الثالثالبحور الطوال

- ‌(1) المنسرح والخفيف:

- ‌المنسرح

- ‌الخفيف

- ‌همزيات الخفيف

- ‌داليات الخفيف

- ‌ضاديات الخفيف:

- ‌لاميات الخفيف ونونياته:

- ‌الرجز والكامل:

- ‌كلمة عن الرجز

- ‌التعليمي

- ‌كلمة عن الكامل

- ‌كامليات شوقي

- ‌الكامل عند المعاصرين

- ‌3 - المتقارب

- ‌4 - الوافر:

- ‌كلمة عن الوافر:

- ‌وافريات المعاصرين:

- ‌الطويل والبسيط:

- ‌وزن البسيط

- ‌كلمة عامة عن الطويل والبسيط

- ‌كلمة عن البسيط

- ‌خاتمة

الفصل: الاستشهاد به في هذا الصدد أن أبا الطيب استعمله في

الاستشهاد به في هذا الصدد أن أبا الطيب استعمله في مرثيته لأبي شجاع.

الحزن يقلق والتجمل يردع

والدمع بينهما عصي طيع (1)

فلجأ إلى الخطابة والتغني دون التأمل، ولذلك تأتي له بعض الإجادة. ومما نختم به كلامنا في هذا الباب هذه القطعة الرائعة التي اختارها ياقوت من نظم الطغرائي (2):

ولقد أقول لمن يسدد سهمه

نحوي وأسباب المنايا شرع

والموت من لحظات أحور طرفه

دوني وقلبي دونه يتقطع

بالله فتش في فؤادي هل يرى

فيه لغير هوى الأحبة موضع

أهون به لو لم يكن في طيه

سر الحبيب وعهده المستودع

زعموا أن الطغرائي قال هذه الأبيات وهو مشدود وجند السلطان يصوبون نحوه السهام ليقتلوه، وكان السلطان أوصى من يكتب عنه ما يقوله عند الموت، فلما بلغته الأبيات رق له وعفا عنه، فإن صحت هذه الرواية، فإنها والله مما يرق له الحجر (3).

‌كامليات شوقي

الكامل كثير في شعر شوقي، ففي ديوانه الأول منه? ? قصيدة، وأكثر ديوانه الثالث كامليات. وعددهن في الثاني ليس بقليل. ولشوقي في الكامل عدة مذاهب. حين يحاكي به أبا تمام، وحيناً يقلد البحتري. وربما حاكي الشريف أو ابن هانئ.

(1) ديوانه: 506، أقوى ما في هذه القصيدة الأبيات التي تعرض فيها لذم كافور وموازنة فاتك به، فروح الغضب والحسرة فيها ظاهرة.

(2)

معجم الأدباء 59: 10، وقصة الطغرائي كلها مذكورة هناك.

(3)

وما أشبه أن تكون موضوعة.

ص: 354

وكانت الإجادة تغلب عليه في كل ذلك، إلا أنه ربما مزج أسلوبه باصطناع الحكمة وإرسال الأمثال، وهذا فن لم يكن يحسنه؛ مثال ذلك قوله في قصيدة المختار:

إن الشجاعة أن تموت من الظما

ليس الشجاعة أن تعب الماء

وهذا بيت يكاد لا يكون له معنى، ومثال آخر:

صور العمي شتى وأقبحها إذا

نظرت بغير عيونهن الهام

وماذا إذا نظرن بقلوبهن وعقولهن؟

وهذا مما يؤخذ عليه، إلا أن إحسانه إلى جانبه عظيم جداً. والمأثورات من كاملياته كثيرة. وما يشكر عليه المدرسون أن طلبة المدارس يعرفون عدداً صالحاً منها) (1). ولكنها تتفاوت في الجودة، وهذا أمر قلما ينبه عليه المدرس. وفيها روائع بالغة في الحسن، لو عدت مائتان من كامليات الإسلاميين لم تعد أن تعد فيها (2). من ذلك ميميته في أدرنة عندما أغار عليها البلغار في حرب? ? ? ? ، وانتزعوها من العثمانيين، فهي من أجود شعر شوقي؛ وقافيته في النيل فهي قصيدة فخمة ضخمة من عيون النظم الإسلامي. وكاملياته الأخر دون ذلك على تفاوت بينها. فنونيته في رثاء مصطفى كامل مثلاً من أدناها مرتبة. وهمزيته في المختار، مع إعجاب الناس بها، شيء بين بين. وكذلك كافياته التي حاكى بها ابن هانئ والشريف. وقصدنا هنا تتبع المحاسن لا المساوئ. وبحسبي أن أعرض على القارئ قصيدتيه اللتين تحدثت عنها هنا عرضاً سريعاً. قال في أمر أدرنة:

يا أخت أندلس عليك سلام

هوت الخلافة عنك والإسلام

نزل الهلال من السماء فليتها

طويت وعم العالمين ظلام

(1) كانوا يعرفون، فقد تغيرت الحال.

(2)

ينبغي أن نقول ألفان.

ص: 355

أزرى به وأزاله عن أوجه

قدر يحط البدر وهو تمام

جرحان تمضي الأمتان عليهما

هذا يسيل وذاك لا يلتام (1)

بكما أصيب المسلمون وفيكما

دون اليراع وغيب الصمصام

والضمير يعود على الأندلس وأدرنة:

لم يطو مأتمها وهذا مأتم

لبسوا السواد عليك فيه وقاموا

مقدونيا والمسلمون عشيرة

كيف الخئولة فيك والأعمام

أترينهم هانوا وكان بعزهم

وعلوهم يتخايل الإسلام

قوله: وعلوهم، ضعيف كما ترى:

إذ أنت ناب الليث كل كتيبة

طلعت عليك فريسة وطعام

ثم أسف شوقي بعد هذه الأبيات ومضى يقول كلاماً متوسط الجودة حتى يوشك قارئه أن يمل وييأس. ثم ارتفع فجأة يقول:

أخذ المدائن والقرى بخناقها

جيش من المتحالفين لهام

غطت به الأرض الفضاء وجوهها

ركست مناكبها به الآكام

تمشي المناكر بين أيدي خيله

أني مشى والبغي والإجرام

ويحثه باسم الكتاب أقسة

نشطوا لما هو في الكتاب حرام

ومسيطرون على الممالك سخرت

لهم الشعوب كأنها أنعام

من كل جزار يروم الصدر في

نادي الملوك وجده غنام

وغنام ركيكة كما ترى.

سكينه وبينه وحزامه

والصولجان جميعها آثام

(1) يعني جرح الأندلس وجرح أدرنة - وارتكب ضرورة في يلتام والوجه يلتئم.

ص: 356

عيسى سبيلك رحمة ومحبة

في العالمين وعصمة وسلام

ما كنت سفاك الدماء ولا امرأ

هان الضعاف عليه والأيتام

يا حامل الآلام عن هذا الورى

كثرت عليه باسمك الآلام

هذا كلام شريف جداً يزين لفظه معناه. وتشيع فيه غضبة حرة، من ذلك الغضب الذي يعده الغزالي ضرورياً لمن يريد أن يعبد الله بحق، ويعرفه حق معرفته. ثم يقول شوقي بعد فترة:

خلطوا صليبك والخناجر والمدى

كل أداة للأذى وحمام

قوله «كل أداة .. الخ» تهافت بلا ريب. وكذلك قوله «كأنهم أغنام» .

أو ما تراهم ذبحوا جيرانهم

بين البيوت كأنهم أغنام

كم موضع في حجر نعمته غدا

وله على حد السيوف فطام

وصية هتكت خميلة طهرها

وتناثرت عن نوره الأكمام

هذا عندي أشرف وأجود من قول علي بن العباس الرومي في فتيات البصرة المغتصبات حينها أغار عليهن الزنج:

كم فتاة بخاتم الله بكر

فضحوها جهراً بغير اكتتام

وهل الجهر إلا غير الاكتتام؟ ونرجع إلى شوقي:

وأخي ثمانين استبيح وقاره

لم يغن عنه الضعف والأعوام

وجريح حرب ظامئ وأدوه لم

يعطفهم جرح دم وأوام

ومهاجرين تنكرت أوطانهم

ضلوا السبيل من الذهول وهاموا

السيف إن ركبوا الفرار سبيلهم

والنطع إن طلبوا القرار مقام

يتلفتون مودعين ديارهم

واللحظ ماء والديار ضرام

ص: 357

هذا من أحسن الوصف، وهو يلائم روع هذه العصر، (

) خير ملاءمة ولا سيما هذا النعت البارع لمن سماهم شوقي بالمهاجرين ونسميهم نحن الأن باللاجئين. وفي قوله: «يتلفتون مودعين ديارهم» مع الصورة البليغة، هذه المطابقة البارعة التي لو سمعها أبو تمام (

) شوقياً عليها.

ثم خلص شوقي من هذا الوصف الجميل إلى تقريع العثمانيين على تفريطهم في السياسة وإضاعتهم تراث أجدادهم الواسع، وخلط تقريعه هنا بتأمل في التأريخ وهذا فن يتقنه ويجيد فيه. قال:

من عادة التأريخ ملء قضائه

عند وملء كنانتيه سهام

ولا أدري لم جعلها كنانتين:

ما ليس يدفعه المهند مصائما (

) لا الكتب تدفعه ولا الأقلام

إن الألي فتحوا الفتوح جلائلا

دخلوا على الأسد الفياض وناموا

هذا جناه عليكم آباؤكم

صبرا وصفحا فالجناة كرام

ثم أسف بعد ذلك شيئاً، وأوقعه في هذا الإسفاف - فيما أظن حرصه أن يظهر أثر الحضارة الأوربية على ذوقه وتقديره للقيم الخلقية من استهجار السف وما إلى ذلك من التعاليم المنسوبة إلى المسيح، ولا يزال القسس يصدكون بها المسامع صادقين. وكاذبين.

ثم زاد الطين بلة أنه ( .......................... ) وأبي تمام في إرسال الحكم والأمثال كما في قوله:

( .............................. )

وماذا عسى لقائل أن ( .............. )

ص: 358

فبالسيف يؤخذ» وقد قالها المسيح صادقاً فجاءت قوية. ومن أراد أن يقول شيئاً في هذا الباب بعد المسيح فليأت بكلام أقوى من كلامه أو ليعكسه عليه بمثل قوته كما فعل أبو الطيب إذ يقول:

أعلى الممالك ما يبنى على الأسل

ومن حكم شوقي الباردة في هذه القصيدة قوله:

ودوا التفاخر بالتراث وإن غلا

فالمجد كسب والزمان عصام

وإنما أراد «والماجد عصام» ، وحتى لو كان تيسر له ذلك فليس في المعنى من طائل. ومنها قوله:

يحصي الذليل مدى مطالبه ولا

يحصي مدى المستقبل المقدام

وهذا كلام لامنة فيه على تقدير تسليمه. على أن الذليل لو أحصى مطالبه ما كان ليذل. والوجه ما قاله أبو الطيب:

والذي يظهر في الذليل مودة

وأود منه لمن يود الأرقم

إذ الذليل انتهازي (بلغة العصر) كأسوأ ما يكون الانتهازيون، ولا يقعد ليفكر ماذا يطلب من الدنيا.

ومنها قوله:

ومن البهائم مشبع ومدلل

ومن الحرير شكيمة ولجام

والقضيتان إن صح تواصلهما ليستا بشيء. على أن أخراهما لا تنبني على الأولى ولا تترتب عليها بحال. إذ كثير من الأكلب المدللة التي تباهى بها السيدات لا تفضل -لو جاز لها أن تختار- أن تفر إلى الغابة.

ص: 359

وأما قوله: «ومن الحرير شكيمة ولجام» فهو معنى كرره في شعره كقوله:

«والقيد لو كان الجمان الخ» -والمتنبي أصدق منه في هذا الباب، وأدق تفكيراً وأعرف بالناس إذ يقول:

من يهن يسهل الهوان عليه

ما لجرح بميت إيلام

ولا أعرف سبباً لدخول «اللجام» في بيت شوقي إلا ضرورة القافية .. فلن تجد عاقلاً -مهما يبلغ به حب البذخ- يتخذ لدوابه شكما من الحرير.

هذا ولكن شوقياً قد جلى عن نفسه إذ يقول يخاطب العثمانيين:

وقف الزمان بكم كموقف طارق

اليأس خلف والرجاء أمام

هذي البقية لو حرصتم دولة

صال الرشيد بها وطال هشام

ثم أخذ بعد ذلك في مضمار هو فارس حلبته. وجعل يرفع من همم الأتراك بمدح ما أبداه جنودهم الباسلون من تفاني في الدفاع، وإخلاص في الجهاد:

شرفاً أدرنة هكذا يقف الحمى

للغاصبين وتثبت الأقدام

وترد بالدم بقعة أخذت به

ويموت دون عرينه الضرغام

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

صبرا أدرنه كل ملك زائل

يوما ويبقى المالك العلام

خفت الأذان فما عليك موحد

يسعى ولا الجمع الحسان تقام

وخبت مساجد نوراً جامعاً

تمشي إليه الأسد والآرام

عني الرجال والنساء، ولا يخفى ما في هذا من التكلف، لأن النور لا يناسب الأسد ولا الآرام. ولكن مثل هذا قد يغتفر.

يدرجن في حرم الصلاة قوانتا

بيض الإزار كأنهن حمام

ص: 360

وإفراد الإزار قبيح، ولعله لو قال:«بيضاً يزفن» لكان ذلك وجهاً .. ألا أنه يخرج به إلى الغزل كما ترى.

وقت قبور الفاتحين وفض عن

حفر الخلائف جندل ورجام

في ذمة التأريخ خمسة أشهر

طالت عليك فكل يوم عام

السيف عار والوباء مسلط

والسيل خوف والثلوج ركام

فسر «السيل خوف» فقال: أي «مخيف» وهذا قد يوجه في اللغة ولكنه متكلف.

والجوع فتاك وفيك صحابة

لو لم يجوعوا في الجهاد لصاموا

ضنوا بعرضك أن يباع ويشترى

عرض الحرائر ليس فيه سوام

بعت العدو بكل شبر مهجة

وكذا يباع الملك حين يرام

ما زال بينك في الحصار وبينه

شم الحصون ومثلهن عظام

هذا أخذه من قول أبي الطيب:

بيني وبين أبي علي ممثله

شم الجبال ومثله رجاء

والشبه في الصياغة ظاهر: (رجع الحديث)

حتى حواك مقابراً وحويته

جثثاً فلا عبن ولا استذمام

وهذا عندي بيت القصيد.

وميمية شوقي هذه من شعره الذي يمثل اتجاهه الفكري والعاطفي خير تمثيل. فالرجل كان إنساني العاطفة عامة، وكان شديد الحدب على الإسلام والمسلمين كما ذكرنا من قبل.

ص: 361

وهذا حين نبدأ في الحديث عن قافيته التي عنوانها «أيها النيل» وهي من حر شعره، وقد قدم لها بكلمة نثرية في ديوانه الثاني ووجهها إلى الأستاذ مرجليوث أستاذ اللغة العربية بأكسفورد. وأنا أشك جدا إن كان الأستاذ مرجليوث فهم هذه القصيدة كما ينبغي أن يفهم الشعر، فالرجل كان لا يكاد يسيغ العربية إلا بعد أن يترجمها إلى الإنجليزية، ومع ذلك فقد كانت دعواه فيها طويلة عريضة. وكم يود مترجم شوقي ومؤرخه والمولع بشعره أن لو كان بعث بهذه القصيدة إلى «بيفان» أستاذ اللغة بكمبردج أو «كارلوس ليال» شارح المفضليات، فهذان كانا يفهمان العربية شعرها ونثرها، وتعجبهما أوزانها وصيغها. ويقدران على تمييز الجزل من الشخت، والصقيل من المخشوب.

ومقدمة شوقي النثرية ليست بجيدة، فالرجل كان قصير الباع في النثر، وكم من شاعر ليس بناثر. ولا تكاد تبين لنا هذه المقدمة شيئاً من الدوافع التي حدت الشاعر إلى نظم هذه القافية الفخمة -على أن فيها جملاً يلمح منها نور شوقي كقوله:«وهذه أيها الأستاذ الكريم كلمة قيلت والهموم سارية، والأقدار بالمخاوف جارية، والدماء والدموع متبارية، وذئاب البشر يقتتلون على الفانية» (الشوقيات 2 - 770).

قال رحمه الله يخاطب النيل:

من أي عهد في القرى تتدفق

وبأي كف في المدائن تغدق

ومن السماء نزلت أم فجرت من

عليا الجنان جداولاً تترقرق

وبأي نول أنت ناسج بردة

للضفتين جديدها لا يخلق

أي لا يبلى.

تسود ديباجاً إذا فارقتها

فإذا حضرت اخضوضر الإستبرق

ص: 362

في كل آونة ثبت صبغة

عجبا وأنت الصانع المتأنق

أنت الدهور عليك مهدك مترع

وحياضك الشرق الشهية دفق

تسقي وتطعم لا إناؤك ضائق

بالواردين ولا خوانك ينفق

أي ينفد ما عليه، أخذه من نفوق الدابة، أي موتها.

والماء تسكبه فيسبك عسجداً

والأرض تغرقها فيحيا المغرق

أخلقت راووق الدهور ولم تزل

بك حمأة كالمسك لا تتروق

دين الأوائل فيك دين مروءة

لم لا يؤله من يقوت ويرزق

لو أن مخلوقاً يؤله لم تكن

لسواك مرتبة الألوهة تخلق

هذا كلام في جملته حسن، وألفاظه قوية (عدا قوله «فإذا حضرت» ففيه ضعف) وفي بعض أبياته جلجلة لا تخفى كقوله:«وحياضك الشرق الشهية دفق» فهذا نهج لبيدي أو كاللبيدي.

وقد خلص شوقي من وصف النيل وصفاً عاماً إلى ذكر تأريخه. وقد أجاد هنا وأبدع ووفق غاية التوفيق. ولعلك تذكر أيها القارئ الكريم أنا تحدثنا إليك عن إخفاقه في عرضه التأريخي من قصيدته الهمزية:

همت الفلك واحتواها الماء

وقد ذكرنا هناك أن أسلو به تعليمي لا حياة فيه. وشوقي في هذه القصيدة القافية - بخلاف حاله في الهمزية - حي النفس، قوي الشعر، بعيد إلا ما ندر عن جمود التعليم وجفافه. والسبب في ذلك عندي أنه هنا ينظر بعين الإنسانية الرحيبة الأفق العريضة الأرجاء لا بعين الوطنية الضيقة كما فعل في الهمزية. وشوقي كما قد قلت غير مرة في هذا السفر، ليس بشاعر وطنية، ولا شاعر مذهب، ولا عصيبة، ولكنه رجل عامر القلب مرهف الإحساس، واسع الاطلاع، محب للإنسانية،

ص: 363

عطوف عليها، قوام بمثلها العليا، مع إيمان بالله، وصدق عقيدة في الإسلام. هذه الأشياء جميعها تجعله من أبعد الناس عن الوطنية الضيقة العطن، المحصورة الآمال والمقاصد. وإذ نظر إلى التأريخ في همزيته من حيث إنه تأريخ مصر، وسلك في عرضه مسلك الوطني المتعصب، وهو مسلك ليس من أدلائه ولا رادته، وقع بالضرورة في الجفاف والجمود. ولكنه في هذه القافية نطق بلسان الإنساني الترحيب الصدر، الذي يتخذ من التأريخ إما مجالاً للتفكير والتأمل، وإما مستورداً لعظات وعبر يترنم بها ويتغنى، ثم هو قد أضاف إلى ذلك أسلوب الشاعر الحريص على جودة اللفظ ورنته وموسيقاه ولا سيما في بحر الكامل المجلجل، بحسبك أن تنظر في قوله:

أين الفراعنة الألى استذرى بهم

عيسى ويوسف والكليم المصعق

الموردون الناس منهل حكمة

أفضى إليه الأنبياء ليستقوا

الرافعون إلى الضحا آباءهم

فالشمس أصلهم الوضيء المعرق

وكأنما بين البلى وقبورهم

عهد على أن لا مساس وموثق

تأمل هذه الأبيات وإحكام صنعتها، ثم انظر إلى البيت الرابع ووازن بينه وبين قوله هو في نفس المعنى:

وما بال الطعام يكاد يقدي

كما تركته أيدي الصانعينا

أي الكلامين أسمى، وأفعل بالقلب، وأجدر أن يكرمه الناقد؟ ثم قال:

بلغوا الحقيقة من حياة علمها

حجب مكثفة وسر مغلق

وتبينوا معنى الوجود فلم يروا

دون الخلود سعادة تتحقق

يبنون للدنيا كما تبني لهم

خرباً غراب البين فيها ينعق

فقصورهم كوخ وبيت بداوة

وقبورهم صرح أشم وجوسق

رفعوا لها من جندل وصفائح

عمداً فكانت حائطاً لا ينتق

ص: 364

تتشايع الداران فيه فما بدا

دنيا ومالم يبد أخرى تصدق

للموت سر تحته وجداره

سور على السر الخفي وخندق

وكأن منزلهم بأعماق السرى

بين المحلة والمحلة فندق

موفورة تحت الثرى أزوادهم

رحب بهم بين الكهوف المطبق

فهذا كما ترى وصف وتأمل وتفكر، وتصحبه فصاحة مبينة، وكلم جزلة، مع إحسان في الطباق والتقسيم، وتنويع بين الإكثار من التنوين في بيت، ومن المد في آخر ثم استعمال السكون الظاهر والتشديد في بيت ثالث، مثال ذلك البيت «فقصورهم الخ» فكثرة التنوينات تغلب عليه، وأما البيت «تتشايع الداران» فالمد غالب عليه مطرد [على أن قوله «لم يبد» ناب فيه شيء]. وأما قوله «للموت سر» ففيه لعب الفظي واضح. وإن كان قد سرق الصورة الخيالية من قول ذي الرمة:

وصحراء يودي بين أسقاطها الندى

عليها من الظلماء جل وخندق

وقد اتبع شوقي ثلاثة مذاهب في الأبيات التي ذكرناها وفي غيرها مما سنذكره إن شاء الله: مذهب لبيد في تقوية اللفظ مع الوصف الدقيق، ومذهب أبي تمام في التأمل والتغني معاً، ومذهب البحتري في تصوير الجامد وإحيائه. وقد فارق لبيداً من حيث إنه دونه في شدة الأسر وجلجلة اللفظ ورنين المد والتنوين والتشديد وحروف الإشباع، كما قد فارق أبا تمام من حيث أنه لم يكثر من اللعب اللفظي والإغراب المعنوي وإن كان لم يخل منه كقوله:«تتشايع الداران .. البيت» ، وقد أحسن في مجاراة البحتري في وصف المباني وتأملها، وإن كان قصر عنه في حسن التغني، والإتيان باللفتات الشعرية الخاطفة، مع السلاسة والتدفع. ومن خير ما جارى به البحتري قوله:

ولمن هياكل قد علا الباني بها

بين الثريا والثرى تتنسق

منها المشيد كالبروج وبعضها

كالطود مضطجع أشم منطق

ص: 365

أي له نطاق، وهو الشقة من الثياب تجعلها الجارية إزاراً، فيكسو نصفاً ويترك نصفاً. وشوقي ينظر في هذا المعنى إلى البحتري حيث يقول:

تلفت من عليا دمشق ودوننا

للبنان هضب كالغمام المعلق

كأن الباب البيض والشمس طلقة

تضاحكها أنصاف بيض مفلق

«رجع الحديث»

جدد كأول عهدها وحيالها

تتقادم الأرض الفضاء وتعتق

من كل ثقل كاهل الدنيا به

تعب ووجه الأرض عنه ضيق

ولا يخفى ما في هذا البيت من النظر إلى أبي تمام، وكذلك الذي بعده:

عال على باع البلى لا يهتدي

ما يعتلى منه وما يتسلق

متمكن كالطود أصلاً في الثرى

والفرع في حرم السماء محلق

ويعجبني قوله: «حرم السماء» ، ثم جاء بعد هذا بيت «تمامي» (1) آية في البراعة:

هي من بناء الظلم إلا أنه

يبيض وجه الظلم منه ويشرق

لم يرهق الأمم الملوك بمثلها

فخراً لهم يبقى وذكراً يعبق

فتنت بشطيك العباد فلم يزل

قاص يحجهما ودان يرمق

وتضوعت مسك الدهور كأنما

في كل ناحية بخور يحرق (2)

وتقابلت فيها على السرر الدمى

مسترديات الذين لا تتفنق (3)

عطلت وكان مكانهن من العلى

بلقيس تقبس من حلاه وتسرق

(1) تمامي: نسبة إلى أبي تمام، ووجه النسب أبوي، ولكن المعنى لا يظهر.

(2)

الشطر الثاني من هذا البيت ضعيف.

(3)

تتفق: تتنعم.

ص: 366

وعلا عليهن التراب ولم يكن

يزكو بهن سوى العبير ويلبق

واستعمال «يلق» هكذا لا يقدر عليه إلا وذوق وملكة، ومعناها «يوافق» و «يلائم» كما فسرها شوقي، وأصله من اللباقة أي الظرف، فكأنك إذا قلت لبق هذا الثوب بتلك الحسناء، أردت أنه «ظريف» عليها. (رجع).

حجراتها موطوءة وستورها

مهتوكة بيد البلى تتخرق

وآخر هذا البيت ضعيف ولكن يغفر له ما بعده:

أودي بزينتها الرمان وحليها

والحسن باق، والشباب الريق

لو رد فرعون الغداة لراعه

أن الغرانيق العلى لا تنطق

وفي هذا إشارة إلى خبر الغرانيق الذي ذكره الطبري في تأريخه. وصاحب الكشاف يثبته ولا ينفيه، ولا يرى في ذلك ما ينافي عصمة النبوة (1).

(1) قال جار الله محمود بن عمر الزمخشري (الكشاف 37: 3) في تفسيره الآية: «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته» من سورة الحج: «السبب في نزول هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أعرض عنه قومه وشاقوه وخالفه عشيرته ولم يشايعوه على ما جاء به تمنى لفرط ضجره من إعراضهم، ولحرصه وتهالكه على إسلامهم ألا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقة إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم، فاستمر به ما نتمناه حتى نزلت عليه سورة النجم وهو في نادي قومة، وذلك التمني في نفسه، فأخذ يقرؤها فلما بلغ قوله «ومناة الثالثة الأخرى» ألقى الشيطان في أمنيته» التي تمناها، أي وسوس إليه بما شيعها به، فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط إلى أن قال:«تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي» ، وروي «الغرانقة» ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبه، وقيل نبهه جبريل عليه السلام أو تكلم الشيطان بذلك فأسمعه الناس، فلما سجد في آخرها، سجد معه جميع من في النادي وطابت نفوسهم، وكان تمكين الشيطان من ذلك محنة من الله وابتلاء زاد المنافقون به شكاً وظلمة، والمؤمنون به نوراً وإيقاناً إلى آخر كلام الزمخشري ا. هـ». هذا، وقد أنكر الدكتور هيكل قصة الغرانيق في كتابه «حياة محمد» ، وحججه كلها حدسية، ولا يطمئن إليها القلب. وكلام الزمخشري هنا قوي جداً. وفتنة الأنبياء لا تنافي العصمة، إذ الله يبتليهم بأشد مما يبتلى به سائر خلقه، وقد سلط عليهم الشيطان والضعف البشري كليهما، كل ذلك محنة منه وبلاء، ثم هو بعد ذلك يثبتهم على الحق بما يقدف في قلوبهم من نور الإيمان. ومما يقوي كلام الزمخشري هذا أن في القرآن آيات عتابية كثيرة تؤيده، منها قوله تعالى، في شبيه من غرض هذه الآية:(سورة الإسراء)«وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لا تخذوك خليلاً. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلاً. إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيراً» . صدق الله العظيم، هكذا يكون تأديب المهيمن جل شأنه لأنبيائه ومرسلية.

وفي سورة فصلت: «وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون» . ومن الكفار شياطين هم للنبي صلى الله عليه وسلم أعداء فكلمة الغرانيق العلى من لغوهم وفتنتهم ولعل هذا الوجه أقوى الوجوه ذكره عياض في الشفاء وبه نقول والله أعلم.

ص: 367

ثم أخذ شوقي بعد هذا في وصف رائع لمشهد الضحية التي كان يقدمها الأوائل للنيل، وضف لو كان ظفر به السير جيمز فرييزر ما أشك أنه كان يترجمه ويستشهد به في كتابه «الغصن الذهبي» بمعرض الحديث عن المراسيم الدينية القديمة في مصر:

ونجيبة بين الطفولة والصبا

عذراء تشربها القلوب وتعلق

كان الزفاف إليك غاية حظها

والحظ إن بلغ النهاية موبق

لاقيت أعراساً ولاقت مأتماً

كالشيخ ينعم بالفتاة وتزهق

هذا التشبيه يدلك على دقة إحساس شوقي. وربما كان يشير به إلى حادث خاص من هذه الحوادث الكثيرة في الشرق، من زفاف الأبكار الخرد إلى القاسين من الشيوخ. ولا أبرع من تصور النيل بصورة شيخ من أولئك الشيوخ ذوي العيون الطامحة والقلوب النزاعة القاسية:

في كل عام درة تلقى بلا

ثمن إليك وحرة لا تصدق

حول تسائل فيه كل نجيبة

سبقت إليك متى يحول فتلحق

والمجد عند الغانيات رغيبة

يبغي كما يبغى الجمال ويعشق

لا أشك أن كلام شوقي هذا كان ينطبق على حوادث كثيرة. ولكن يخيل لي أن الكثرة الكاثرة من الفتيات المصريات لم يكن يتمنين أن يزففن إلى النيل مهما كان في ذلك من الشرف، شأنهن في ذلك شأن أصحاب الشعور الحمر من شبان المصريين

ص: 368

القدماء، ما أحسبهم إلا كانوا يفزعون من أن يضحي بهم لآلهة القمح كل عام، وإن كانوا يؤلهون قبيل التضحية ويشرفون غاية التشريف. (رجع)

إن زوجوك بهن فهي عقيدة

ومن العقيدة ما يلب ويحمق

ما أجمل الإيمان لولا ضله .. في كل دين بالهداية تلصق

هذا كلام جدير أن يصدر مثله من رجل عالي الفكر والثقافة كشوقي، لم يخل من نزعات الشك بين حين وآخر على حسن العقيدة.

زفت إلى ملك الملوك يحثها

دين ويدفعها هوى وتشوق

ولربما حسدت عليك مكانها

ترب تمسح بالعروس وتحدق

مجلوة في الفلك يحدو فلكها

بالشاطئين مزغرد ومصفق

في مهرجان هزت الدنيا به

أعطافها واختال فيه المشرق

فرعون تحت لوائه، وبناته

يجري به على السفين الزورق

حتى إذا بلغت مواكبها المدى

وجرى لغايته القضاء الأسبق

وكسا سماء المهرجان جلالة

سيف المنية وهو صلت يبرق

وتلفتت في اليم كل سفينة

وانثال بالوادي الجموع وحدقوا

ألقت إليك بنفسها ونفيسها

وأتتك شيقة حواها شيق

بهذه الأبيات وحدها يستحق شوقي بعض الخلود. وكثيراً ما أقرأ كلام من ينتقدونه، ثم أذكر هذه الأبيات فأعجب أشد العجب، ثم يحضرني قول ابن الوردي رحمه الله:

ليس يخلو المرء من ضد ولو

طلب العزلة في رأس جبل

ونكتفي بهذا القدر من قافية شوقي، وهي على طولها جوهرة من جواهر العربية في هذا الزمان ولولا أن ديوان شوقي في الأيدي، ولا تكاد تخلو بلدة عربية منه، لأوردتها كاملة

ص: 369