الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقال أصحاب الجمل:
نحن بني ضبة أصحاب الجمل
…
الموت أحلى عندنا من العسل
نبكي ابن عفان بأطراف الأسل
…
ردوا علينا شيخنا ثم بجل
وقال ابن مطيع في يوم ابن الزبير بالحرم:
أنا الذي فررت يوم الحرة
…
والحر لا يفر إلا مرة
فاليوم أجزى كرة بفرة
…
لا بأس بالكرة بعد الفرة
وقال عمرو بن سالم الخزاعي يخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن قريشًا أخلفوك الموعدا
…
ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيتونا بالوتير هجدا
…
وقتلونا ركعًا وسجدا
فانصر هداك الله نصرًا أعتدا
…
وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا
…
إن سيم خسفًا وجهه تربدا
وقال هاشم بن عتبة في يوم صفين:
أعور يبغي أهل محلا
…
قد عالج الحياة حتى ملا
يتلهم بذي الكعوت تلا
…
لا بد أن يفل أو يفلا
كلمة عن الكامل
بحر الكامل التام ثلاثون مقطعًا، ولكنه لا يجيء تامًا في الغالب. وهو أكثر بحول الشعر جلجلة وحركات. وفيه لون خاص من الموسيقا يجعله -إن أريد به الجد- فخمًا جليلا مع عنصر ترنمي ظاهر، ويجعله إن أريد به إلى الغزل وما بمجراه من أبواب اللين والرقة، حلوًا مع صلصة كصلصة الأجراس، ونوع من الأبهة يمنعه أن يكون نزقًا أو خفيفًا شهوانيًا
وهو بحر كأنما خلق للتغني المحض سواء أأريد به جد أم هزل. ودندنة تفعيلاته من النوع الجهير الواضح الذي يهجم على السامع مع المعنى والعواطف والصور حتى لا يمكن فصله عنها بحال من الأحوال. ولهذا السبب فإن الشعراء المتفلسفين أو المتعمقين في الحكمة وما إلى ذلك من ضروب التأمل، قل أن يصيبوا فيه أو ينجحوا. ذلك بأن الحكمة والتأمل -مهما كانت مناسبتها- يحتاجان إلى هدوء وتؤدة، وفي النظم خاصة يحتاجان لأن يكون نغم الوزن شيئًا منزويًا يصل إلى الذهن من غير ما جلبة ولا تشويش، وكأنه إطار للكلام الموضوع فيه، لا جزء هام من صورته ورسمه.
خذ زينبية صالح بن عبد القدوس المشهورة في الحكم:
صرمت حبالك بعد وصلك زينب
…
والدهر فيه تصرف وتقلب
وفيها من الأمثال نحو قوله:
واحذر مصاحبة اللئيم فإنها
…
تعدي كما يعدي الصحيح الأجرب
ونحو قوله:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
…
ويروغ منك كما يروغ الثعلب
تأمل هذه القصيدة تجد لفظها شريفًا ومعانيها كذلك. ولكنك تجدها مع كل هذا لا تهزك ولا تحركك، كما ينبغي للشعر العظيم أن يفعل. وليس السر في ذلك جفاف حكمها ومواعظها. فهي كلها نصائح غالية، وإنما السبب الرئيسي أن جوها جاد جدًا لا يسمح بالدندنة والجلجلة التي تنشأ عن تفعيلات الكامل.
وقد كان أبو الطيب المتنبي من رجال التأمل والحكم والوثبات العقلية العميقة وقد أدرك بفطرته الصادقة أن البحر الكامل لم يخلقه الله له فتحاماه في الكثير الغالب، على أنه قد تعاطاه في بعض القصائد نحو قوله:
لهوى النفوس سريرة لا تعلم (ديوانه 210)
ونحو قوله:
اليوم عهدكم فأين الموعد (نفسه 42)
ونحو قوله:
جللا كما بي فليك التبريح (نفسه 56)
ونحو قوله:
أمن ازديارك في الدجى الرقباء (نفسه 144)
ونحو قوله:
باد هواك صبرت أم لم تصبرا (نفسه 537)
ونحو قوله:
هذي برزت لنا فهجت رسيسا (نفسه 52)
ونحو قوله:
في الخد أن عزم الخليط رحيلا (نفسه 133)
ونحو قوله:
سرب محاسنه حرمت ذواتها (نفسه 170)
ومن تأمل كاملياته وجد جيادها يغلب عليها مذهب آخر غير مذهب التأمل والحكمة، الذي هو طبيعة المتنبي، مثال ذلك قطعة التوديع في قصيدته "جللا كما بي" فهي غناء غزلي مما قل أن يجيد المتنبي في مثله، ومثال آخر قصيدته:"في الخد أن عزم الخليط رحيلا" فإن إجادته في ناحسة الوصف حيث ذكر مبارزة بدر بن عمار للأسد، وقصيدته "سرب محاسنه حرمت ذواتها" غناء محض، ولو وقعت في ديوان البحتري ما استطاع تبيين انتحالها إلا ناقد فحل، وما كان ليمكنه أن يتحقق من ذلك
إلا بفن التخلص الغالب عليها، وهو قليل عند البحتري وببعض الزلات اللفظية التي لا تصدر إلا عن أبي الطيب نحو قوله:
إني على شغفي بما في خمرها
…
لأعف عما في سراويلاتها
ولا يكاد يشك من يعرف شعر المتنبي أن قصيدته:
أمن ازديارك في الدجى الرقباء
تخالف مذهبه في سائر شعره. وأما الميمية:
لهى النفوس سريرة لا تعلم
فرديئها أكثر من جيدها، وأبيات الحكمة فيها مفردة، وهي من طراز الحكم التي في زينبية صالح بن عبد القدوس.
وشاعر آخر غير المتنبي امتاز بالتأمل والحكمة -أعني أبا العلاء المعري- تعاطى الكامل وأجاد فيه. وهذا لا ينقض حجتنا في أن الكامل ليس ببحر تأمل. ذلك بأن المعري كان حاذقًا في صناعة الشعر، متعدد المواهب. وكاملياته في سقط الزند وهي قليلة نحو:
أودى فليت الحادثات كفاف
من الغناء المحض. وكاملياته في لزوم ما لا يلزم، إما أن يغلب عليها جانب الغناء، وإما أن يغلب عليها جانب الوصف التصويري نحو ميميته (1):
لو كان لي أمر يطاع لم يشن
…
ظهر الطريق يد الحياة منجم
وقفت به الورهاء وهي كأنها
…
عند الوقوف على عرين تهجم
(1) اللزوميات 233: 2.
فيقول ما اسمك واسم أمك إنني
…
بالعلم عما في الغيوب أترجم
يولي بأن الجن تطرق بيته
…
وله يدين فصيحها والأعجم
وشاعر آخر من شعراء الفكر والتأمل تعاطى الكامل وأكثر فيه إكثارًا بينًا مع إجادة في ذلك، أعني أبا تمام الطائي. وأبو تمام أبدًا عقدة من العقد، يخالف الناس في أكثر ما يأتي به، ويأبي مع ذلك إلا أن يجيء سابقًا مجليًا. ومن مخالفاته أنه جعل الكامل ميدانًا لتعمقه وتأمله حتى صار عنده أشد ملاءمة لذلك من سواه من البحور التي يجيء التأمل فيها طبيعيًا مناسبًا لسنخها وجوهر نغمها.
والسر في ذلك أن أبا تمام كان يتغنى أفكاره وتأملاته فلا تفسدها دندنة الكامل بحال من الأحوال. وقد كانت ملكة الرجل في الألفاظ بالغة في القوة وكلفه بها غاية في ذاته. فجمع في نفسه أمرين: حب الألفاظ لذاتها ورونقها الفني، وما يمكن أن يتأتى منها من الأجراس والأنغام، ثم مع ذلك حب المعاني والتأملات والأخيلة الغريبة. وكانت صناعته كلها مبنية على التأليف بين هاتين الناحيتين. ولذلك لاءمه بحر الكامل.
خذ مثلا بائيته في مالك بن طوق:
لو أن دهرًا رد رجع جوابي
…
أو كف من شأويه طول عتابي (1)
وتأمل قوله في استعطاف مالك على قومه:
ورأيت قومك والإساءة منهم
…
جرحى بظفر للزمان وناب
هم صيروا تلك البروق صواعقًا
…
فيهم وذاك العفو سوط عذاب
فأقل أسامة جرمها واغفر لها
…
عنه وهب ما كان للوهاب
(1) ديوانه 16 - 18.
رفدوك في يوم الكلاب وشققوا
…
فيه المزاد بجحفل غلاب
وهم بعين إباغ راشوا للوغى
…
سهميك عند الحرث الحراب
فمضت كهولهم ودبر أمرهم
…
أحداثهم تدبير غير صواب
لا رقة الحضر اللطيف غدتهم
…
وتباعدوا عن فطنة الأعراب
فإذا كشفتهم وجدت لديهم
…
كرم النفوس وقلة الآداب
أسبل عليهم ستر عفوك مفضلا
…
وانفح لهم من نائل بذناب (1)
لك في رسول الله أعظم أسوة
…
وأجلها في سنة وكتاب
أعطى المؤلفة القلوب حقوقهم
…
كملا ورد أخائذ الأحزاب
والجعفريون استقلت ظعنهم
…
عن قومهم وهم نجوم كلاب
حتى إذا أخذ الفراق بقسطه
…
منهم وشط بهم عن الأحباب
ورأوا بلاد الله قد لفظتهم
…
أكنافها رجعوا إلى جواب
فأتوا كريم الخيم مثلك صافحًا
…
عن ذكر أحقاد مضت وضباب (2)
ليس الغبي بسيد في قومه
…
لكن سيد قومه المتغابي
قد ذلك شيطان النفاق وأخفتت
…
بيض السيوف زئير أسد الغاب
فاضمم قواصيهم إليك فإنه
…
لا يزخر الوادي بغير شعاب
والسهم بالريش اللؤام ولن ترى
…
بيتا بلا عمد ولا أطناب
يا مالك استودعتني لك منة
…
تبقى ذخائرها على الأحقاب
يا خاطبًا مدحي إليه بجوده
…
ولقد خطبت قليلة الخطاب
خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى
…
والليل أسود رقعة الجلباب
بكرا تورث في الحياة وتنثني
…
في السلم وهي كثيرة الأسلاب
ويزيدها مر الليالي جدة
…
وتقادم الأيام حسن شباب
(1) جمع ذنوب: وهو دلو الماء، وتستعمل مجازا بمعنى النصب.
(2)
جمع ضب: وهو الحقد.
انظر إلى هذا العبقري كيف يستعرض لك أيام الجاهلية - يوم الكلاب، ويوم عين أباغ وانتصار الحرث الغساني على المناذرة، ثم يوم حنين ومن النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين، ثم قصة جعفر بن كلاب لما خاصموا بني عمهم، ثم بعد هذا تأمل كيف يضرب الحكمة، ثم يختم كلامه بالمدح الفخم والفخر الذي لا يصدر إلا عن ذي عقل ناضج عميق التفكير عالم بما يفتخر به - كل ذلك قد ألف في لفظ رصين مع براعة في المطابقة والتجنيس، واستغلال لكل ما تخبؤه اللغة من جمال وجلال.
وانظر إلى قوله يعتذر إلى أحمد بن أبي دؤاد الإيادي، وكان بلغه أن أبا تمام وقع في معد (1):
أضحت إياد في معد كلها
…
وهم إياد بنائها الممدود
تنميك في قلل المكارم والعلى
…
زهر لزهر أبوة وجدود
إن كنتم عادي ذاك النبع إن
…
نسبوا وفلقة ذلك الجلمود
وشركتموهم دوننا فلأنتم
…
شركاؤنا من دونهم الجود
كعب وحاتم اللذان تقسما
…
خطط العلى من طارف وتليد
هذا الذي خلف السحاب ومات ذا
…
في المجد ميتة خضرم صنديد
إن لا يكن فيها الشهيد فقومه
…
لا يسمحون به بألف شهيد
ما قاسيا في المجد إلا دون ما
…
قاسيته في العدل والتوحيد (2)
فاسمع مقالة زائر لم تشتبه
…
آراؤه عند اشتباه البيد
يستام بعض القول منك بفعله
…
كملا وعفو رضاك بالمجهود
(1) ديوانه 63 - 65، مطلع القصيدة: أرأيت، أي سوالف وخدود.
(2)
يعني الاعتزال.
قف عند هذا البيت قليلا وتخيل أن لو قاله لك معتذر أكنت تملك إلا أن تعفو عنه.
أسري طريدًا للحياء من التي
…
زعموا وليس لرهبة بطريد
كنت الربيع أمامه ووراءه
…
قمر القبائل خالد بن يزيد
وكان أبو تمام استشفع بخالد بن يزيد الشيباني
فالغيث من زهر سحابة رأفة
…
والركن من شيبان طود حديد (1)
وغدًا تبين ما براءة ساحتى
…
لو قد نفضت تهائمي ونجودي
هذا الوليد رأى التثبت بعدما
…
قالوا يزيد بن المهلب مودي (2)
فتزحزح الزور المؤسس عنده
…
وبناء هذا الإفك غير مشيد
وتمكن ابن أبي سعيد من حجا
…
ملك بشكر بني الملوك سعيد
ما خالد لي دون أيوب ولا
…
عبد العزيز ولست دون وليد
نفسي فداؤك أي باب ملمة
…
لم يرم فيه إليك بالإقليد (3)
لمقارف البهتان غير مقارف
…
ومن البعيد الرهط غير بعيد
لما أظلتني غمامك أصبحت
…
تلك الشهود علي وهي شهودي
من بعد ما ظنوا بأن سيكون لي
…
يوم ببغيهم كيوم عبيد
أمنية ما صادفوا شيطانها
…
فيها بعفريت ولا بمريد
نزعوا بسهم قطيعة يهفو به
…
ريش العقوق فكان غير سديد
وإذا أراد الله نشر فضيلة
…
طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت
…
ما كان يعرف طيب عرف العود
(1) الغيث من زهر: هو ابن أبي داؤد. وطود شيبان: هو خالد.
(2)
يعني الوليد بن عبد الملك لما هم أن يقتل يزيد بن المهلب، فتشفع فيه سليمان بن عبد الملك وقرن معه في القيد ابنيه عبد العزيز وأيوب.
(3)
الإقليد: المفتاح.
لولا التخوف للعواقب لم تزل
…
للحاسد النعمى على المحسود
خذها مثقفة القوافي ربها
…
لسوابغ النعماء غير كنود
حذاء تملأ كل أذن حكمة
…
وبلاغة وتدر كل وريد
كالطعنة النجلاء من يد ثائر
…
بأخيه أو كالضربة الأخدود
كالدر والمرجان ألف نظمه
…
بالشذر في عنق الكعاب الرود
كشقيقة البرد المنمنم وشيه
…
في أرض مهرة أو بلاد تزيد
بشرى الغني أبي البنات تتابعت
…
بشراؤه بالفارس المولود
كرقى الأساود والأراقم طالما
…
نزعت حمات سخائم وحقود
تأمل الموازنة بين استشفاعه بخالد بن يزيد، واستشفاع يزيد بن المهلب بسليمان بن عبد الملك وابنيه، ثم ما حلى به كلامه من الإشارة إلى كعب بن مامة وحاتم طي وعبيد بن الأبرص، ثم إغرابه في تشبيه القطيعة بالسهم، وترشيح هذا التشبيه البليغ بالترع وبالريش ثم جعل هذا الريش لا ريشاً من النوع المألوف ولكن ريشاً عاطفياً عقلياً مخلوقاً من العقوق، ثم انظر في أمثاله «وإذا أراد الله» وما أتبعها به من اللفتة؟ ؟ ؟ البارعة في قوله (1):
لولا التخوف للعواقب لم تزل
…
للحاسد النعمى على المحسود
ثم بعد ذلك انظر إلى هذا التغني الرصين العالي من أبي تمام بمدح شعره- هذا التغني المتخير من الألفاظ الجزلة والمحور الرائعة- صورة الطعنة النجلاء من صاحب الثأر-[كأنما كان ينظر أبو تمام في هذا إلى قول قيس بن الخطيم:
طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر
…
لها نفذ لولا الشعاع أضاءها
(1) يقول: للحاسد فضل على المحسود لأنه ينبه على فضائله، ولكن تنبيه هذا صادر عن سوء نية وطوية ولولا سوء نية الحاسد، وما تجره عليه هذه النية الفاسدة من عواقب سيئة كغضب الله مثلاً، لحكمنا أنه صاحب فضل ونعمة على المحسود ولقلنا أن في الحسد لونا من ألوان الفضيلة.
ملكت بها كفي فأنهرت فتقها
…
يرى قائم من خلفها ما وراءها]
وصورة الحلي في عنق الكعاب، وصورة الثوب النادر الموشي المنمنم، ثم بعد هذا صورة الغني أبي البنات يبشر بمولود ذكر بعد طول يأس، ثم تختم كل هذه الصور الرفيعة بمقطع آية في البراعة وهو قوله:
كرقي الأسود والأراقم طالما
…
نزعت حمات سخائم وحقود
وقد كان الغرض الذي قيلت القصيدة من أجله كما قدمنا اعتذاراً يستل سخيمة ابن أبي دؤاد، ويعيده إلى الرضا عن أبي تمام.
كل هذه البدائع التي تعرضها هذه القصيدة الفريدة من صنع الفكر المهذب في الدجى، والملكة اللفظية المتمكنة، مع شهوة للترنم ومعرفة بأصول الأنغام الشعرية.
وخذ مثالاً ثالثاً من كامليات أبي تمام: قصيدته: (1)
الحق أبلج والسيوف عوار
…
فحذار من أسد العرين حذار
فقد قال هذه القصيدة يبرر بها إيقاع المعتصم بالأفشين خيذر بن كاوس الأشروسني وقد كان سيد قواد الخلافة، وحامي حمى الدولة، والذي قهر بابك الخرمي الثائر، الذي كان شوكة في بضيع الدولة العباسية. قال، يتحدث بلسان السلطان، ويذكر أن خيذر بن كاوس كان يسر الكفر ويكيد للدولة المكائد:
جالت بخيذر جولة المقدار
…
فأحله الطغيان دار بوار
كم نعمةٍ لله كانت عنده
…
فكأنها في غربةٍ وإسار
كسيت سبائب لؤمه فتضاءلت
…
كتضاؤل الحسناء في الأطمار
موتورة طلب الإله بثأرها
…
وكفى برب الثأر مدرك ثار
(1) ديوانه 113 - 116.
الموتورة: هي نعمة الله التي كانت عند الأفشين فكفرها. فكفرانه لها جعلها موتورة، فشكته إلى الله، فهب ليدرك بثأرها من ظالمها- تأمل هذا الإغراب الفكري ثم انظر كيف لاءم الشاعر بينه وبين هذا الخرف اللفظي «وكفى برب الثأر مدرك ثار» .
صادي أمير المؤمنين بزبرج
…
في طيه حمة الشجاع الضاري
مكراً بني ركنيه إلا أنه
…
وطد الأساس على شفيرٍ هاري
وفي هذا إشارة لكلام الله في سورة التوبة (1).
حتى إذا ما الله شق غباره
…
عن مستكن الكفر والإصرار
ونحا لهذا الدين شفرته غداً
…
والحق منه قانئ الأظفار
أتسحب أن لو كان المعتصم ملك من أعنة البلاغة ما ملكه سحبان أكان يستطيع أن يدافع عن إيقاعه بالأفشين بأبلغ من دفاع أبي تمام هذا؟
هذا النبي وكان صفوة ربه
…
من بين باد في الأنام وقار
قد خص من أهل النفاق عصابة
…
وهم أشد أذى من الكفار
واختار من سعد لعين بني أبي
…
سرح لوحي الله غير خيار
حتى استضاء بشعلة السور التي
…
كشفت له حجباً عن الأستار
وهنا يشير الشاعر إلى قصة استكتاب النبي لعبد الله بن سعد بن أبي السرح، فجعل هذا يبدل الآيات ويزعم أن محمداً لم يكن يبالي بتبديلها، وقد كان هذا طعناً خطيراً في صدق النبي، إذ معناه أن القرآن ليس بمنزل، وإنما كان يزوقه محمدٌ ويبدل فيه ويغير كما يفعل المؤلفون والكتاب. فلما بلغ النبي ذلك عنه أهدر دمه، ولم ينقذه
(1) قوله تعالى «أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير، أم من اسس بنيانه على شفا جرف هار» الآية 109.
من القتل إلا شفاعة عثمان بن عفان، وكان أخاه من الرضاعة. ثم أسلم بعد ذلك وكان له شأن في الفتوح.
وقول أبي تمام: «حتى استضاء إلخ» مشكل. فهل عنى به أن ابن أبي سرح ظل في ضلاله حتى هداه الله للحق واستضاء بنور القرآن فأسلم وحسن إسلامه، أو عني أن ابن أبي سرح استضاء ببلاغة القرآن، فجعل يحاكي آياته لقريش ويتقول على النبي ما كان يتقول؟ أستبعد هذا الوجه لأنه يشتم منه رائحة الكفر. وما كان الشاعر ليجرؤ على الكفريات بحضرة المعتصم وابن أبي دؤاد. كما أستبعد الوجه الأول، إذ فيه حكم على ابن أبي السرح بأنه حسن إسلامه، وما أحسب المعتصم وابن أبي دؤاد كانا يرتضيان وصف ابن أبي السرح بحسن الإسلام، لما كانا عليه من الاعتزال والميل إلى التشيع وكراهية بني أمية.
ثم قال الشاعر:
والهاشميون استقلت عيرهم
…
من كربلاء بأوثق الأوتار
فشفاهم المختار منه ولم يكن
…
في دينه المختار بالمختار
حتى إذا انكشفت سرائره اغتدوا
…
منه براء الشمع والأبصار
ولما فرغ الشاعر من ضرب هذه الأمثال ليبرر بها أن الخليفة حين قدم الأفشين لم يكن عالماً بحقيقة كفره، دخل في لب الغرض الذي نظم القصيدة من أجله فقال:
ما كان لولا فحش غدرة خيذر
…
ليكون في الإسلام عام فجار
مازال سر الكفر بين ضلوعه
…
حتى اصطلى سر الزناد الواري
ناراً يساور جسمه من حرها
…
لهب كما عصفرت شق إزار
طارت لها شعل يهدم لفحها
…
أركانه هدماً بغير غبار
فصلن منه كل مجمع مفصل
…
وفعلن فاقرة بكل فقار
هذه صورة فظيعة- صورة جسم آدمي يحترق. ولكن «الفنان» الحق لا
يقصر فنه على الأشياء السارة. ولعلك ترى أن أبا تمام قد صبغ الصورة بصبغ قاتم من الحقد ونشوة الانتقام. ولكن هل كان يتحدث إلا بلسان المعتصم والخلافة، لسان السلطان المنتصر السكران بنشوة الانتقام والظفر.
ولم يقف أبو تمام عند وصف الجثة المحترقة وحدها، فقد أتبعها بصورة للنار، وثالثة بين فيها فرح العامة والغوغاء، لما أبصروه من هذه المشاهد الفظيعة، قال:
لله من نار رأيت ضياءها
…
ما كان يرفع مثلها للساري
صلى لها حياً وكان وقودها
…
ميتاً ويدخلها مع الفجار
وكذاك أهل النار في الدنيا هم
…
يوم القيامة جل أهل النار
ما أصدق هذا الكلام فكم ترى الرذيلة والفقر يسيران معاً.
يا مشهداً صدرت بفرحته إلى
…
أمصارها القصوى بنو الأمصار
رمقوا أعالي جذعه فكأنما
…
رمقوا الهلال عشية الإفطار
واستنشقوا منه قتاراً نشره
…
من عنبر ذفر ومسك داري
وتحدثوا عن هلكه كحديث من
…
بالبدو عن متتابع الأمطار
وتباشروا كتباشر الحرمين في
…
قحم السنين بأرخص الأسعار
تأمل الى هذا الغناء الوحشي، ألا تكاد ترى فيه صورة بعض القبائل الهمجية وهي ترقص ثملة حول أجساد ضحاياها؟ - وكأن أبا تمام أحس أن وحشية الثأر والانتقام والشماتة قد بلغت غايتها، فانحدر من هذه القمة المروعة إلى غرض آخر:
كانت شماتة شامت عاراً فقد
…
صارت به تنضو ثياب العار
قد كان بوأه الخليفة جانباً
…
من قلبه حرماً على الأقدار
فسقاه ماء الخفض غير مصردٍ
…
وأنامه في الأمن غير غرار
ورأى به ما لم يكن يومًا رأى
…
عمرو بن شأس قبله بعرار (1)
فإذا ابن كافرة يسر بكفره
…
وجدًا كوجد فرزدق بنوار (2)
وإذا تذكره بكاه كما بكى
…
كعب زمان رثى أبا المغوار (3)
هذه الإشارات إلى عمرو بن شأس والفرزدق وكعب الغنوي ليس المراد فيها التوضيح وضرب المثل، كما في الإشارات التي سبقت في أول القصيدة: وإنما أراد بها أبو تمام أن يريح السامع -من العنف الذي كان سمعه- شيئًا من الإراحة. وهي من هذه الناحية تخدم غرضًا معاكسًا لذلك الذي خدمته الإشارات التي في أول القصيدة، إذ تلك أراد الشاعر أن يهيء بها السامع لما خبأه له من عنف ووحشية من وصف النار والحريق.
وقال في شيء من العنف كيلا يخيل إليك أنه قد ضعفت منته، أو خارت ملكته أو نسي غرضه:
دلت زخارفه الخليفة أنه
…
ما كل عود ناضر بنضار
يا قابضًا يد آل كاوس عادلا
…
أتبع يمينًا منهم بيسار
ألحق جبينا داميا رملته
…
بقفا وصدرًا خائنًا بصدار
واعلم بأنك إنما تلقيهم
…
في بعض ما حفروا من الآبار
ثم انتقل الشاعر إلى الترويح، ومن بعده إلى عرض صورة المصلوب في غير ما بشاعة ومع تلطف وتعاط للفكاهة:
لو لم يكد للسامري قبيله
…
ما خار عجلهم بغير خوار
(1) عمرو بن شأس كان كلفا بابنه عرار، وكان أسود وكانت زوج عمر وتبغضه، فطلقها عمرو من أجله وقال "أرادت عرارا بالهوان ومن يرد" الأبيات، وهي حماسية مشهورة ثم ندم وتبعتها نفسه.
(2)
وجد الفرزدق بنوار مشهور.
(3)
أبو المغوار هو الذي رثاه كعب بن سعد الغنوي ببائيته المجمهرة المشهورة.
وثمود لو لم يدهنوا في ربهم
…
لم ترم ناقته بسهم قدار (1)
ولقد شفى الأحشاء من برحائها
…
أن صار بابك جار مازيار
ثانيه في كبد السماء ولم يكن
…
لاثنين ثانيًا إذ هما في الغار
بتسهيل همزة إذ. وهذه جراءه من أبي تمام
وكأنما ابتدرا لكيما يطويا
…
عن ناطس خبرًا من الأخبار
سود اللباء كأنما نسجت لهم
…
أيدي السموم مدارعًا من قار
بكروا وأسروا في متون ضوامر
…
قيدت لهم من مربك النجار
لا يبرحون ومن رآهم خالهم
…
أبدًا على سفر من الأسفار
كادوا النبوة والهدى فتقطعت
…
أعناقهم في ذلك المضمار
ثم انتقل أبو تمام بعد ذلك إلى ذكر ولي العهد فأحسن، وبحسبنا هذا القدر من رائيته هذه العصماء.
وأحسب أن القارئ وجد في هذه القصيدة ما ذكرناه آنفًا من أن أبا تمام يفكر ويتعمق ولكنه يتغنى بهذه الأفكار ويترنم بها ترنما 0 فطورًا يحلو لي، وتارة يعبث، وآنًا يمر، وهو في كل ذلك لا يفارق التغني.
ومن عجيب خصائص الكامل أنه من أصلح البحور لإبراز العواطف البسيطة غير المعقدة كالغضب والفرح والفخر والمحض، وما إلى ذلك. ورائية أبي تمام التي ذكرنا، مثال واضح لذلك، فقد أفصح فيها الشاعر عن الشماتة والحقد والانتقام أيما إفصاح.
وقريب من غناء أبي تمام الوحشي في هذه القصدة ما صنعه في لاميته:
(1) قدار بن سالف: عاقر الناقة.
آلت أمور الشرك شر مآل
…
وأقر بعد تخمط وصيال (1)
وقد تحدث فيها عن انتصار الخلاقة على بابك الخرمي.
ولمذهب أبي تمام في القصيدة الرائية نظائر يجدها المتأمل في بعض نتف الأوائل، من ذلك قول باعث بن صريم اليشكري (2):
سائل أسيد هل ثارت بوائل
…
أم هل شفيت النفس من بلبالها
إذا أرسلوني مائحًا لدلائهم
…
فملأتها علقا إلى أسبالها
آليت أثقف منهم ذا لحية
…
أبدًا فتنظر عينه في مالها
وخمار غانية عقدت برأسها
…
أصلا وكان منشرًا بشمالها
وعقيلة يسعى عليها قيم
…
متغطرس أبديت عن خلخالها
ولكن هنا جفوة وقحة لا تجد مثلها في لفظ أبي تمام المهذب.
ومما يقارب مذهب أبي تمام في التغني بالنصر، ويخالفه في هجران الشماتة والقصد إلى النبل دون الشراسة الحيوانية قول عنترة (3):
ومشك سابغة هتكت فروجها
…
بالسيف عن حامي الحقيقة معلم
بطل كأن ثيابه في سرحة
…
يحذى نعال السبت ليس بتوأم
(1) ديوانه 196.
(2)
من شعراء الحماسة. وائل هذا أخوه كان جبيا في أسيد (من بطون تميم) فغدروا به وألقوه في بئر وجعلوا يطوفون حوله ويتغنون: "يا أيها المائح دلوي دونكا" حتى مات. فهذا قول باعث: "إذ أرسلوني مائحا البيت". قوله أثقف: يعني أصادف. وقدر قبله حرفا نفي، لأن القسم كثيرًا ما يحذف معه النفي وقوله "وخمار غانية" يعني رب غانية من قومي كشفت عن رأسها من الفزع، فلما رأتني أكثر على العدو اطمأنت، وعاد إليها حياؤها فلبست خمارها. وقوله "وعقيلة البيت" يعني من غيره قومه. والمعنيان يدوران كثيرًا في شعر العرب.
(3)
من المعلقة.
لما رآني قد نزلت أريده
…
أبدى نواجذه لغير تبسم
عهدي به مد النهار كأنما
…
خضبب البنان ورأسه بالعظلم
فالبيت الأخير كما ترى فيه تحسر لا شماتة.
هذا وقد اتبع البحتري سبيل أبي تمام في قصيدته (1):
أأفاق صب من هوى فأفيقا
فأجاد، على أنه سار فيها على غير المألوف من طريقته ومنهجه.
وحقيقة بحر الكامل كما ذكرنا من قبل غنائية محضة - أعني بغنائية ترنمية موسيقية خالصة الموسيقا. وللشعراء في الأداء بواسطته مذهبان: الفخامة والجزالة - هذا مذهب والرقة واللطف هذا مذهب آخر.
وقد رأيت أمثلة من الفخامة في شعر أبي تمام، ولم يكن له من مصرف عنها إذ كانت طريقته تعتمد على الفكر، والفكر لا يناسبه الترقيق، وإنما تناسبه الصلابة. وليس معنى هذا أن طريقة الفخامة في بحر الكامل لا بد أن يصحبها مذهب فكر، فقد قررنا من قبل أن المذهب الفكري شيء انفرد به أبو تمام. وقد رأيت في مقطوعة باعث بن صريم فخامة لا يساعدها فكر.
وخير مثال للتغني مع الفخامة في البحر الكامل، معلقة لبيد بن ربيعة العامري، فألفاظ الرجل فيها صلبة قوية الأسر، وصفاته بدوية خالصة البداوة، ومشربه مشرب الفتيان ذوي الحماسة والمروة والندى والفتوة، لا تكاد تلمح فيه ضعفًا ولا لينًا. وقد جمع في معلقته مع الصور البارعة والدقة في الوصف (2) حذقًا لا
(1) ديوانه 145: 1.
(2)
لا شك أن وصف لبيد للبقرة الوحشية وغيرها من مظاهر الصحراء بارع للغاية. ولكن لا يفوتن القارئ أن أوصاف الصحاري والكلاب والمها وما إلى ذلك كانت من "كليشيهات" الشعر الجاهلي ولا يكاد لبيد يعدو أن قلد في أكثر أوصافه.
يجاري في استغلال موسيقا الكامل.
ولعلك تذكر أيها القارئ أني قدمت لك أن الكامل ذو ثلاثين مقطعًا تغلب عليها الحركات. ولو التزم شاعر تفعيلاته التامة أوقعه ذلك في الرتابة. وسر الصناعة في الكامل كله يدور على تغليب السكنات على الحركات طورًا، ثم على تغليب الحركات على السكنات طورًا آخر، ثم على الموازنة بينهما أحيانا - ومعنى هذا أن يفتن الشاعر في استعمال الأحرف المتحركة والأحرف المشددة، وأحرف المد والإشباع وأنواع التنوين. وهذا ما فعله لبيد في معلقته. خذ قوله يصف الأطلال:
عفت الديار محلها فمقامها
…
بمنى تأبد غولها فرجامها
فمدافع الريان عري رسمها
…
خلقا كما ضمن الوحي سلامها
رزقت مرابيع النجوم وصابها
…
ودق الرواعد جودها فرهامها
فعلا فروع الأيهقان وأطفلت
…
بالجلهتين ظباؤها ونعامها
والعين ساكنة على أطلائها
…
عوذًا تأجل بالفضاء بهامها
وجلا السيول عن الطلول كأنها زبر تجد متونها أقلامها
تأمل لعبه بالراءات والتشديد في البيت الثاني. ألا تحسبه أراد بذلك أن ينقل إليك طرفًا من صوت خرير الماء وهو يتدفع في مدافع الريان. ثم البيت الثالث، كيف تحس فيه حروف الإشباع - ألا تجد بينها وبين هذا المطر المنهمر حينًا والرذاذ الدائم حينًا، من نسب وقرابة، ثم تأمل الفات المد في البيت الرابع، ألا تحسها تنسجم مع روح الحركة والنمو الذي يمثله لك الشاعر في وصفه لعلو فروع الأيهقان، وإطفال الظباء والنعام على جلهتي الوادي، أي جانبيه الرمليتين؟ ثم ماذا تقول في هذه الصورة الخاطفة المرحة الحية التي يرسمها لك البيت الخامس -الظباء العين تحنو على أطلائها، والبهام تتجمع قطعًا قطعًا وهي تلعب بالفضاء- ولا يفتك موقع التنوين في القسم الأول من كل شطر؟ وكيف أنت وواوات الصدر من البيت السادس ثم الهمزة
التي تتبع الألف بعد الهاء في الشطر الثاني، لقد روي الراوون أن الفرزدق سمع هذا البيت فسجد له إجلالًا وزعم لمن عابه على فعله هذا أنه يعرف سجدات الشعر كما يعرف القراء سجدات القرآن.
ولو ذهب تعدد المقاطع التي في هذه الأبيات لوجدتها تتراوح بين الثلاثين والتسعة والعشرين كما في البيتين. الأول والسادس، والسبعة والعشرين كما في البيت الخامس. ولا أزعم أن الشاعر تعمد كل هذا التنويع، ولكنها ملكته وبراعته ومقدرته. وإنما هو واجب النقد أن يكشف عن أسرار تلك المقدرة كيما يزيد استمتاع المستمتع بها.
وقال لبيد يشبه ناقته بحمار الوحش وأتانه وهما يجدان في طريقهما إلى موارد الماء.
فتنازعا سبطًا تطير ظلاله
…
كدخان مشعلة يشب ضرامها (1)
مشمولة غلثت بنابت عرفج
…
كدخان نار ساطع أسنامها
فمضى وقدمها وكانت عادة
…
منه إذا هي عردت إقدامها
فتوسطا عرض السري وصدعا
…
مسجورة متجاورًا قلامها
محفوفة وسط اليراع يظلها
…
منه مصرع غابة وقيامها
تأمل من ناحية الموسيقا - مكان التنوين والمد. وأما من ناحية البلاغة والتصوير الشعري فهذه الأبيات نسج وحدها. خذ أولا تشبيه الغبار المتطاير من جري الحمار وأتانه بالدخان من نار مشعلة - وانظر كيف كرر الشاعر لك التشبيه ليقره في سمعك وقلبك. ثم انظر إلى قوله: "فتوسطا عرض السرى"، والسري)
(1) السبط: الممتد، وعنى به الغبار المتطاير من جريهما، وشبهه بدخان النار، ولا يخفى ما في قوله "تنازعا" من الجودة.
الوادي- ألا ترى أمامك صورة هذين الحمارين وسط الوادي وقد خاضا عينًا مسجورة ممتلئة فصدعا هدوءها حتى صارت لها نطق تتتابع مستديرة، حلقة بعد حلقة. ثم تأمل صورة العين كيف رسمها لك الشاعر، قلامها المتجاور ذا الأوراق العراض، والقنا الطوال المشرف على جوانبها، الناشر ظله عليها، بعضه ساقط مصرع وبعضه مستقيم قائم.
وقال يشبه ناقته بالبقرة الوحشية أفردت بالقفر في ليلة حالكة الظلام، ذات مطر وبرد، فجعلت تلتمس لنفسها مأوى بين الكثبان المتهايلة، وتبحث عن أصل شجرة أو شيء نحوه لتدس رأسها فيه من قطرات الوابل، وهو يصوب على ظهرها متتابعًا - قال:
باتت وأسبل واكف من ديمة
…
يروى الخمائل دائمًا تسجامها
تجتاف أصلًا قالصًا متنبذا
…
بعجوب أنقاء يميل هيامها
الأصل؛ يعني به أصل شجرة. وعجوب الأنقاء: سفوح الكثبان وأصولها.
يعلو طريقة متنها متواتر
…
في ليلة كفر النجوم غمامها (1)
وتضيء في وجه الظلام منيرة
…
كجمانة البحري سل نظامها
فتوجست رز الأنيس فراعها
…
عن ظهر غيب والأنيس سقامها (2)
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه
…
مولى المخافة خلفها وأمامها
انظر كيف رجح الشاعر كفة التنوين في البيتين الأولين على المد المطلق والحركات كأنما يحكي بذلك حالة الاضطراب والفزع ووجيب القلب الخائف الولهان.
ثم فرغ من كل هذا إلى تشبيه الناقة فأبدع ما شاء وافتن في التغني واستغلال
(1) يعلو فقارها مطر متواتر في ليلة غطى النجوم غمامها.
(2)
تسمعت صوت الناس بليل فراعها ذلك. -وهذا المعنى متداول كالمبتذل في الشعر الجاهلي.
الألفات تصحبها موسيقا منتشية مرحة:
فبتلك إذ رقص اللوامع باضحا
…
واجتاب أردية السراب إكامها
أقضى اللبانة لا أفرط ريبة
…
أو أن يلوم بحاجة لوامها
وتلك إشارة للناقة. ثم أخذ في الفخر:
أو لم تكن تدري نوار بأنني
…
وصال عقد حبائل جذامها
تراك أمكنة إذا لم أرضها
…
أو يرتبط بعض النفوس حمامها
يعني أو يرتبطني الحمام - هكذا فسره المعري في رسالة الغفران (1).
بل أنت لا تدري كم من ليلة
…
طلق لذيذ لهوها وندامها
قد بت سامرها وغاية تاجر
…
وافيت قد رفعت وعز مدامها (2)
ولقد حميت الخيل تحمل شكتي
…
فرط وشاحي إذ غدوت لجامها (3)
فعلوت مرتقبًا على ذي هبوة
…
حرج إلى أعلامهن قتامها (4)
حتى إذا ألقت يدًا في كافر
…
وأجن عورات الثغور ظلامها (5)
أسهلت وانتصبت كجذع منيفة
…
جرداء يحصر دونها جرامها (6)
(1) رسالة الغفران 107.
(2)
غاية التاجر رايته، وعنى تاجر الخمر.
(3)
الشكة: السلاح، وأراد تحملني في حالة كوني دارعا. والفرط: الفرس السابقة.
(4)
هذا البيت مشكل. - المرتقب: هو الربيئة يصعد تلا ويظل يومه هناك يرقب إن كان بالسهل أعداء وكان لا يرتقب إلا الأمجاد الأنجاد. ذو الهبوة: التل ذو الغبار. حرج: ضيق المسلك صعوده عسر. وموضع الإشكال قوله "إلى أعلامهن قتامها" إذ ليس معاد الضمير ببين، وربما يكون أراد بالأعلام: رؤوس التلال، وأراد بالضمير نفس الأعلام، فأضاف الشيء إلى نفسه أو يعود على الهبوة.
(5)
الضمير في ألقت يعود على الشمس، والكافر: الليل، وأخذ لبيد المعنى من قول ثعلبة بن صعير "ألقت ذكاء يمينها في كافر". وليس ثعلبة بصحابي كما زعم صاحب المفضليات. فالرجل جاهلي قديم، الصحابي غيره.
(6)
عنى بالمنيفة: النخلة.
رفعتها طرد النعام وفوقه
…
حتى إذا سخنت وخف عظامها
قلقت رحالتها وأسبل نحرها
…
وابتل من زبد الحميم حزامها
تأمل موسيقا هذا البيت الأخير، مداته وحركاته، والشدة في قوله:"وابتل" التي كأنما أراد الشاعر أن يؤكد بها رنة كلامه ونغمة. والحاءات المتتابعة التي تكاد تسمع منها أنفاس الفرس-. هذا وأبيك السحر، وصقال الذوق والفكر. هذا وسائر هذه المعلقة رائع باهر ولا سيما من ناحيتي الوزن واللفظ. ولعل أضعف ما فيها أبيات الفخر القبلي التي ختم بها المعلقة من قوله:"إنا إذا التقت المجامع" إلى آخر كلامه. ومن عجب أن هذه الأبيات هي التي يختارها المختارون لطلبة المدارس من دون سائر أبيات القصيدة.
ولعل فيما ذكرناه من معلقة لبيد قدرًا كافيًا يوضح منهجه في الكامل من استعمال الرصانة والقوة والفخامة والشدة.
والطريقة الأخرى، وهي طريقة الرقة واللطافة، والتغني العذب، تجدها من شعراء الجاهلية عند عنترة في معلقته:
هل غادر الشعراء من متردم
فهي تكاد تذوب لطفًا، والتغني فيها مرح سلس منطلق خفيف، حتى لتوشك تظن أن الشاعر يترشف الألفاظ ترشفًا - ونكتفي في الاستشهاد بذكر طرف من ميمته في صفة الروضة - قال:
إذ تستبيك بذي غروب واضح
…
عذب مقبله لذيذ الطعم
وكأن فارة تاجر بقسيمة
…
سبقت عوارضها إليك من الفم
أو روضة أنفا تضمن نبتها
…
غيث قليل الدمن ليس بمعلم
جادت عليها كل بكر حرة
…
فتركن كل قرارة كالدرهم
سحًا وتسكابا فكل عشية
…
يجري عليها الماء لم يتصرم
وخلا الذباب بها فليس ببارح
…
غردًا كفعل الشارب المترنم
هزجًا يحك ذراعه بذراعه
…
قدح المكب على الزناد الأجذم
ومما لاحظته بعد طول استقراء من الاختلاف اللفظي بين طريقتي عنترة ولبيد -لا في شعرهما فحسب- ولكن في شعر من اتبعوهما أيضًا، أن مذهب عنترة يغلب عليه استعمال المصادر الثلاثية من نوع "فَعْل" و"فَعَل"، والصفات الثلاثية من طراز "حسن" و"فرح"، والأفعال التي بمجراها نحو:"ضربا" و"ضربت"، والأسماء التي بمجراها نحو:"نخلة" و"كلم"، وكل ما كان على "فعلة" أو "فَعَل" أو "فَعْل"، وما عليك إلا أن تتأمل أبيات عنترة هذه لتجد مصداق ما أقول. ولا أعني أن أصحاب القوة كلبيد لا يكثرون من نحو هذه الألفاظ ولكنها عند عنترة وأصحابه أكثر.
ومن نظر في شعر جرير والفرزدق من الإسلاميين وجد مصداق ما أقول وما عليه إلا أن يقرأ كلمتي جرير (1):
أهوى أراك برامتين وقودا
…
أم بالجنينة من مدافع أودا
و: حي الغداة برامة الأطلالا
…
رسمًا تحمله أهله فأحالا (2)
وكلمتي الفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا
…
بيتًا دعائمه أعز وأطول (3)
(1) ديوانه 169.
(2)
نفسه 448.
(3)
ديوانه 714: 2.
وقوله:
لا قوم أكرم من تميم إذ غدت
…
عوذ النساء يسقن كالآجال (1)
على أن جريرًا أصدق في مذهب الرقة من الفرزدق في مذهب الفخامة. إذ الفرزدق ميال إلى الهزل والفكاهة. ولولا أن لي هذين الشاعرين عودة في موضع آخر لأكثرت لك من الاختيار منهما أيها القارئ الكريم. على أني لا أملك إلا أن أنشدك هذه الأبيات من الفرزدق، فإنني أستحسنها جدًا:
تبكي المراغة بالرغام على ابنها
…
والناهقات ينحن بالإعوال
قالوا لها احتسبي جريرًا إنه
…
أودى الهزبر به أبو الأشبال
ألقى عليه يديه ذو قومية
…
ورد فدق مجامع الأوصال (2)
قد كنت لو نفع النذير نهيته
…
ألا يكون فريسة الرئبال
إني رأيتك إذ أبقت فلم تئل
…
خيرت نفسك من ثلاث خلال (3)
بين الرجوع إلى وهي فظيعة
…
في فيك مدنية من الآجال (4)
أو بين حي أبي نعامة هاربًا
…
أو اللحاق بطيء الأجبال (5)
ولقد هممت بقتل نفسك خاليا
…
أو الفرار إلى سفين أوال
فالآن يا ركب الجداء هجوتكم
…
بهجائكم ومحاسب الأعمال (6)
وإني لأعجب للفرزدق كيف شبه نفسه بالأسد. وانظر إلى تهويله "ذو قومية""دق مجامع الأوصال" .. ولا عجب، فقد لقي الرجل الأسد وخاف منه
(1) نفسه 725: 2.
(2)
القومية: القامة والجسم، وعنى بذي القومية: الأسد.
(3)
أبق، من باب سمع وضرب وهرب، وتستعمل للعبيد. لم تئل: لم تنج، الماضي وأل.
(4)
في فيك: يعني قولك "تبت ورجعت".
(5)
حي أبي نعامة يعني أبا نعامة الحي، وهو قطري بن الفجاءة ولم يرد بالحي الحلة.
(6)
ركب الجداء، هجاء، والجداء جمع جدي.
خوفًا شديدًا ولا شك أنه كان يصف ذلك الأسد الذي أفزعه في أبياته هذه التي يهول بها على جرير.
وأصدق من الفرزدق في اتباع مذهب الفخامة اللبيدي، عبيد بن حصين الراعي في كلمته المجمهرة:
ما بال دفك بالفراش مذيلا
…
أقذى بعينك أم أردت رحيلا (1)
لما رأت أرقي وطول تلددي
…
ذات العشاء وليلى الموصولا
قالت خليدة ما عراك ولم تكن
…
أبدًا إذا عرت الشئون سئولا
أخليد إن أباك ضاف وساده
…
همان باتا جنبه ودخيلا
وقال في الإبل والورد فأحسن ما شاء:
في مهمه قلقت به هاماتها
…
قلق الفئوس إذا أردن نصولا
يتبعن مائرة اليدين شملة
…
ألقت بمنخرق الرياح سليلا (2)
جاءت بذي رمق لستة أشهر
…
قد مات أو حب الحياة قليلا
لا يتخذن إذا علون مفازة
…
إلا بياض الفرقدين دليلا
حتى وردن لتم خمس بائص
…
جدا تعاوره الرياح وبيلا (3)
سدمًا إذا التمس الدلاء نطافه
…
صادفن مشرفة المتان زحولا (4)
جمعوا أقوى مما تضم رحالهم
…
شتى النجار ترى بهن وصولا
فسقوا صوادي يسمعون عشية
…
للماء في أجوافهن صليلا (5)
(1) دفك: جنبك.
(2)
مائرة اليدين: عنى الناقة المتقدمة. شملة: سريعة.
(3)
الخمخس: ورود الإبل بعد أربع والمبائض: البعيد المرهق الشقة. الجد: البئر.
(4)
السدم: يقال جد سدم: أي بئر قديمة متسخة آجنة الماء. زحول بعيدة الأطراف عن حفرة البئر.
(5)
صوادي: عطاشا.
لا أدفع أن أسلوب الراعي دون أسلوب لبيد في شدة الأسر، ولكنه متأخر عن لبيد بزمان، وإذا قيس كلامه بكلام صاحبيه جرير والفرزدق وجد أشد أسرًا منهما.
على أنه في هذه الأبيات أحسن في الوصف كل الإحسان. ويعجبني بخاصة تشبيه لرؤوس الإبل المعيية بالفئوس تريد النصول، ثم فصاحته في قوله:"حب الحياة قليلا" أي خرج من الرحم حيًا مدة وجيزة من الزمن. ثم يعجبني جدًا وصفه الرائع للبئر المهجورة البعيدة الغور، والحبل المرتجل الذي صاغه ركبان القافلة من عقل بعرانهم ونحو ذلك مما يشدون به أمتعتهم.
ومن خير ما جاء في هذه القصيدة، خطاب الراعي لعبد الملك بن مروان، فهو كلام جليل نبيل في معناه ولفظه، وذلك حيث يقول:
أخليفة الرحمن إنا معشر
…
حنفاء نسجد بكرة وأصيلا
عرب نرى الله في أموالنا
…
حق الزكاة منزلا تنزيلا
إن السعاة عصوك يوم أمرتهم
…
وأتوا دواهي لو علمت وغولا
أخذوا الكرام من العشار غلبة
…
ظلمًا ويكتب للأمير أفيلا (1)
أخذوا العريف فقطعوا حيزومه
…
بالأصبحية قائمًا مغلولا
حتى إذا لم يتركوا لعظامه
…
لحمًا ولا لفؤاده معقولا (2)
جاءوا بكهم وأحدب أسأرت
…
منه السياط يراعة إجفيلا (3)
نسي الأمانة من مخافة لقح
…
شمس تركن بضيعه مجزولا (4)
(1) الأفيل: هو الصغير من الإبل لما يفصل.
(2)
الأصبحية: السياط.
(3)
وأحدب، عني به العريف إذا صار أحدب السياط وتركته جبانا رعديدا يراعة إجفيلا.
(4)
اللقح: السياط. والبضيع: اللحم. والمجزول: المقطع.
أخذوا حمولته وأصبح قاعدًا
…
لا يستطيع عن الديار حويلا
يدعو أمير المؤمنين ودونه
…
خرق تجر به الرياح ذيولا
أخليفة الرحمن إن عشيرتي
…
أمسى سوامهم عزين فلولا (1)
قوم على الإسلام لما يمنعوا
…
ما عونهم ويضيعوا النهليلا
قطعوا اليمامة يطردون كأنهم
…
قوم أصابوا ظالمين قتيلا
وأتاهم يحيى فشد عليهم
…
عقدًا يراه المسلمون ثقيلا (2)
كتبًا تركن غنيهم ذا عيلة
…
بعد الغنى وفقيرهم مهزولا
فتركت قومي يقسمون أمورهم
…
أإليك أم يتربصون قليلا
هذا الكلام من خير ما قيل في الكامل، ومن أنسب ما نظم فيه. وحق الكامل ألا ينظم فيه -فيما عدا التغني المحض- إلا نحو هذا الكلام الذي تكون فيه العاطفة ناصعة واضحة - وأي شيء أوضح من غضبة الراعي هنا، وشكواه من الظلم، ونفوره منه، ومجابهة الخليفة بذم سعاته وفسادهم، وذكر ما يرتكبونه من الجرائم والآثام.
ومن شعراء المحدثين الأوائل من ضرب في الكامل الفخم بسهم وافر كمروان ابن أبي حفصة، ومن أخفق كأبي نواس، فقد كان لا يحسن التغني بالألفاظ مرسلة في بساطة أو فخامة. وأبو تمام قد سبق الحديث عنه ومذهبه -إن صحت الموازنة- لبيدي لما يغلب عليه من التفخيم وشدة الأسر، على أني لا أملك إلا أن أكرر هنا أنه انفرد بمذهب وحده.
والبحتري شاعر اللطف والرقة غير مدافع. وإن صح أن يوصف عنترة بأنه رقيق أصحاب المعلقات. فالبحتري رقيق الشعراء المحدثين جميعهم، وأطبعهم
(1) عزين: أي متفرقات فرقًا صغيرة بكسر العين والزاي.
(2)
يحيى: لعله ابن الحكم.
وأسلسهم من غير خروج عن مذهب المتانة في السبك، واتباع المنهج الفصيح في تقعيد الكلام. ولكامله رنين قل أن تجد نظيره عند غيره من الشعراء. نغم رنان تنساب معه الألفاظ انسيابًا. فإذا عنت الصورة الجميلة أو الخاطر الشعري الرائع، وافاك ذلك كالبرق الخاطف حتى تكاد تسأل نفسك: أصدق هذا أم أنا مسحور؟
ولن تجد شاعرًا يفتن كما يفتن البحتري في استغلال الثلاثيات من الكلمات، واستعمال المصادر المنونة، وألفات المد، وحروف الإشباع، كل ذلك في سلاسة وخفة ورشاقة. وما أبدع ما قال عنه ابن الأثير أنه أراد أن يشعر فغنى تأمل قوله في الخيال (1):
لازال محتفل الغمام الباكر
…
يهمي على حجرات أعلى الحاجر
فلرب أطلال هناك محيلة
…
ومحلة قفر ورسم داثر
أبهت لساكنها النوى وتكشفت
…
عن أهلها سنة الزمان الناضر
ولقد تكون بها الأوانسر من مهاً
…
ميل القلوب إلى الصبا وجآذر
أخيال علوة كيف زرت وعندنا
…
أرق يشرد بالخيال الزائر
ومن هنا يبدأ الشعر المحض الخالص:
طيف ألم بنا ونحن بمهمه
…
مرت يشق على الملم الخاطر
أفضى إلى شعث تطير كراهم
…
روحات قود كالقسي ضوامر
حتى إذا نزعوا الدجى وتسربلوا
…
من فضل هلهلة الصباح الغائر
ورموا إلى الشعب الرحال بأعين
…
يكسرن من نظر النعاس الفاتر
أهوى فأسعف بالتحية خلسة
…
والشمس تلمع في جناح الطائر
سرنا وأنت مقيمة لربما
…
كان المقيم علاقة للسائر
(1) ديوانه 41: 1 - 42.
أي ربما كان المقيم -مع إقامته- رفيقًا للسائر ومتصلًا به.
إما انجذبن بنافكم من عبره
…
تثنى إليك لفتة من ناظر
بالله قل لي هل تجد هنا إلا نغمًا صافيًا غير مشوب، ولفظًا يصل صليل الحلي في أيدي الغواني، ألا تجد قوله:"والشمس تلمع في جناح الطائر" يبهر أنفاسك وسط هذا النشيد العذب الراقص؟ أم لا تجد قوله "من فضل هلهلة الصباح الغائر" نشوة مثلت لفظًا؟ (1)
واقرأ معي قوله يمدح إسحق بن إبراهيم بن مصعب، وكان حاجب الخليفة، وسيدًا ذا خطر عظيم في دولة المعتصم والواثق بعده (2):
ورمت بنا سمت العراق أيانق
…
سحم الخدود لغامهن الطحلب
من كل طائرة بخمس خوافق
…
دعج كما ذعر الظليم المهذب (3)
ركبوا الفرات إلى الفرات وأملوا
…
جذلان يبدع في السماح ويغرب
أتخال أن حجرًا لو حرك بمثل هذا القول ما كان يتحرك؟ إني لأحسب أن
(1) نظر أبو العلاء المعري إلى طيفية البحتري هذه في لاميته المشهورة.
مغاني اللوى من شخصك اليوم أطلال
وذلك من قوله:
صحبت كرانا والركاب سفائن
…
كعادك فينا والركائب أجمال
إلى آخر أبياته في الطيف.
(2)
من قصيدته: "عارضنا أصلا فقلنا الربوب" - ديوانه 62: 1.
(3)
عنى بالخوافق الخمس: الكركرة، والأرجل الأربع، وأصل هذا قول العبدي:
كأن مواقع الثفنات منها
…
معرس باكرات الورد جون
والمهذب: المسرع.
إسحق بن مصعب على صلابته طرب لهذا المدح المرقص وأثاب عليه فأجزل. قال أبو عبادة:
في غاية طلبت فقصر دونها
…
من رامها فكأنها ما تطلب
كرمًا يرجى فيه ما لا يرتجى
…
عظمًا ويوهب فيه ما لا يوهب
أعطى فقيل أحاتم أم خالد
…
ووفي فقيل أطلحة أم مصعب
أما حاتم فمعروف، وخالد هو ابن نضلة الأسدي، وكان من السادة الأجواد وطلحة ومصعب من أجداد الممدوح، ولذلك قال:
شيخان قد سفرا لقائم هاشم
…
قبل الخلافة وهي بكر تخطب
نقضا برأيهما الذي سدى به
…
لبني أمية ذو الكلاع وحوشب
وهذان كانا من علية أصحاب معاوية، ومن سادة اليمن، وكلاهما قتل بصفين.
فهما إذا خذل الخليل خليله
…
عضد لملك بني الولي ومنكب
وعلى الأمير أبي الحسين سكينة
…
في الروع يسلكها الهزبر الأغلب
ولحربة الإسلام حين يهزها
…
هول يهال له النفاق ويرعب
ولا إخالك فاتك أيها القارئ مكان الكلمات الثلاثية من موسيقا البحتري، وأنبهك عليها خاصة فيما يلي:
تلك المحمرة الذين تهافتوا
…
فمشرق في غيه ومغرب
والخرمية إذ تجمع منهم
…
بحبال قران الحصى والإثلب
جاشوا فذاك الغور منهم سائل
…
دفعا وذاك النجد منهم معشب
يتسرعون إلى الحتوف كأنها
…
وفر بأرض عدوهم يتنهب
حتى إذا كادت مصابيح الهدى
…
تخبو وكاد ممره يتقضب
ضرب الجبال بمثلها من عزمه
…
غضبان يطعن في الحمام ويضرب
أوفى فظنوا أنه القدر الذي
…
سمعوا به فمصدق ومكذب
ناهضتهم والبارقات كأنها
…
شعل على أيديهم تتلهب
ووقفت مشهور المقام كريمة
…
والبيض تطفو في الغبار وترسب
ما إن ترى إلا توقد كوكب
…
في قونس قد غار فيه كوكب
فمجدل ومرمل وموسد
…
ومضرج ومضمخ ومخضب
سلبوا وأشرقت الدماء عليهم
…
محمرة فكأنهم لم يسلبوا
ولو أنهم ركبوا الكواكب لم يكن
…
لمجدهم من أخذ بأسك مهرب
أنظر إلى هذه الكافات والألفات كيف يقرع بعضها بعضًا كأنها أكؤس شرب.
وشددت عقد خلافتين خلافة
…
من بعد أخرى والخلائف غيب
حين التوت تلك الأمور ورجمت
…
تلك الظنون وماج ذاك الغيهب
وتجمعت بغداد ثم تفرقت
…
شيعًا يشيعها الضلال المصحب
فأخذت بيعتهم لأزكي قائم بالسيف إذ شغبوا عليك وأجلبوا
الله أيدكم وأعلى ذكركم
…
بالنصر يقرأ في السماء ويكتب
ولأنتم عدد الخليفة إن غدا
…
أو راح منها مجلس أو موكب
والسابقون إلى أوائل دعوة
…
يرضى لها رب السماء ويغضب
ومظفرون إذا استقل لواؤهم
…
بالعز أدرك ربه ما يطلب
جد يفوت الريح في طلب العدا
…
سبقًا إذا ونت الجدود الخيب
ما جهزت لمخالف راياتكم
…
إلا تهدم كهفه المستصعب
وإذا توثب خالع في جانب
…
ظلت عليه سيوفكم تتوثب
وإذا تأملت الزمان رأيته
…
دولًا على أيديكم تقلب
وقال في مطلع قصيدة رقيقة (1):
عهد لعلوة باللوى قد أشكلا
…
ما كان أحسن مبتداه وأجملا
أنسى ليالينا هناك وقد خلا
…
من لهونا في ظلها ما قد خلا
عيش غرير لو ملكت لما مضى
…
ردًا إذًا لرددته مستقبلا
لاموا على ليلي الطويل وكلما
…
عادوا بلوم كان ليلي أطولا
اتبع هواك إلى الحبيب فإنه
…
رشد وخل لعاذل أن يعذلا
والله لا أسلو ولو جهد الذي
…
يلحى وما عذر المحب إذا سلا؟
أحيا الرجاء ورد عادية الجوى
…
قول الذي أهوى نعم من بعد لا
ومزاجه كأسي بريقته التي
…
ثلجت فؤاد محبه فتبللا
لا تعجبي لمعشق أن يرعوي
…
عن هجره ولعاشق أن يوصلا
هذا عتب ولكنه حلو لذيذ:
بتناولي قمران وجه مساعدي
…
والبدر إذ وافى التمام وأكملا
لاحت تباشير الخريف وأعرضت
…
قطع الغمام، وشارفت أن تهطلا
فترو من شعبان إن وراءه
…
شهرًا يمانعنا الرحيق السلسلا
وقال رحمه الله يرثى أبا سعيد الثغري:
انظر إلى العلياء كيف تضام
…
ومآتم الأحساب كيف تقام
وضعت سروج أبي سعيد واغتدت
…
أسيافه دون العدو تشام
خبر ثني ركب الركاب ولم يدع
…
للركب وجه ترحل فأقاموا
ورزيئة حمل الخليفة شطرها
…
والمسلمون وشطرها الإسلام
(1) ديوانه 168: 2.
من يعتفي العافي بهمته ومن
…
يحدو إليه المعتم المعتام
أين السجاب الجود والقمر الذي
…
يجلو الدجى والضيغم الضرغام
أين العبوس المشمئز إذا رأى
…
جنفا وأين الأبلج البسام
سكن العلا أودى فهن ثواكل
…
وأبو العفاة ثوى فهم أيتام
لا يهنأ الروم استراحتهم فقد
…
هدأوا بأفواه الدروب وناموا
أمنوا وما أمنوا الردى حتى انطوى
…
في الترب ذاك الكر والإقدام
يا صاحب القبر المقيم بمنزل
…
ما للأنيس بحجرتيه مقام
قبر تكسر فوقه سمر القنا
…
من لوعة وتشقق الأعلام
ملآن من كرم فليس يضره
…
مر السحاب عليه وهو جهام
نستقصر الأكباد وهي قريحة
…
ونذم فيض الدمع وهو سجام
فعليك يا حلف الندى وعلى الندى
…
من ذاهبين تحية وسلام
وبرغم أنفي أن أراك موسدا
…
يد هالك والشامتون نيام
ما كنت أحسب أن عزك يرتقي
…
بالنائبات ولا حماك يرام
قد عدت فيه الحوادث طورها
…
وتجاوزت أقدارها الأيام
فاذهب كما ذهبت بساطع نورها
…
شمس النهار وأعقب الإظلام
فهذه مناحة ليس إلا، ولكنها من النوع الرنان العالي، ولأبي عبادة من الكامل روائع هي من فرائد الشعر العربي بلا أدنى ريب. وليس ما اخترنا له من مفردات كلماته. ولكنها فيما نرى نهجه السهل الممتنع في تعاطي الكامل. ومن أجود ما نظمه البحتري في هذا الوزن وأحلاه قصائده:
رحلوا فأية عبرة لم تسكب
…
أسفًا وأي عزيمة لم تغلب (1)
(1) ديوانه 19: 1.
و:
أخفي هوى لك في الضلوع وأظهر
…
وألام في كمد عليك وأعذر (1)
و:
لو كان يعتب هاجر في واصل
…
أو يستقاد لمغرم من ذاهل (2)
و:
أأفاق صب من هوى فأفيقا
…
أم خان عهدا أم أطاع شقيقا (3)
ويعجبني من هذه الأخيرة قوله في الخلافة:
قد ردها زيد بن حصن بعدما
…
نشروا عليه رداءها المشقوقا
بالنهروان وعاهدوه أمامه
…
ورقًا هناك من الحديد رقيقا
لم يرضها لما اجتلاها صعبة
…
لم ترضه خدنًا لها ورفيقة
لو واصلت أحدًا سوى أصحابها
…
منهم لكان لها أخًا وصديقا
وليرجع إلى هذه القصائد جميعًا وكثير سواها من الكامليات في ديوانه، فإنها من عيون الشعر العربي.
وقد اقتفى نهج البحتري في التغني من المتأخرين جماعة، نذكر منهم على سبيل المثال السري الرفاء، فقد قال من كلمة له يهجو بها الخالديين، وكان ينهمهما بسرقة أشعاره وأشعار غيره من المحسنين، وكان بلغه أنهما يريدان بغداد، فكتب يحذر
(1) نفسه 211: 1.
(2)
نفسه 166: 2.
(3)
نفسه 145: 2.
المفضل بن ثابت الضي منهما (1):
بكرت عليك مغيرة الأعراب
…
فاحفظ ثيابك يا أبا الخطاب
ورد العراق ربيعة بن مكدم
…
وعتيبة بن الحارث بن شهاب
أفعندنا شك بأنهما هما
…
في الفتك لا في صحة الأنساب
جلبا إليك الشعر من أوطانه
…
جلب التجار طرائف الأجلاب
فبدائع الشعراء فيما جهزا
…
مقرونة بغرائب الكتاب
شنا على الآداب أقبح غارة
…
جرحت قلوب محاسن الآداب
لا يسلبان أخا الثراء وإنما
…
يتناهبان نتائج الألباب
إن عز موجود الكلام عليهما
…
فأنا الذي وقف الكلام ببابي
أو يهبطا من ذلة فأنا الذي
…
ضربت على الشرف المطل قبابي
كم حاولا أمدي فطال عليهما
…
أن يدركا إلا مثار ترابي
عجز ولن تقف العبيد إذا جرت
…
يوم الرهان مواقف الأرباب
ولقد حميت الشعر وهو لمعشر
…
ذم سوى الأسماء والألقاب
وضربت عنه المدعين وإنما
…
عن حوزة الآداب كان ضرابي
فغدت نبيط الخالدية تدعي
…
شعري وترفل في حبير ثيابي
قوم إذا قصدوا الملوك لمطلب
…
نقضت عمائمهم على الأبواب
من كل كهل تستطير سباله
…
لونين بين أنامل البواب
مغض على ذل الحجاب يرده
…
دامي الجبين تجهم الحجاب
ومفوهين تعرضا لحرابتي
…
فتعرضت لهما صدور حرابي
نظرا إلى شعر يروق فتربا
…
منه خدود كواعب أتراب
شرباه فاعترفا له بعذوبة
…
ولرب عذب عاد سوط عذاب
(1) يتيمة الدهر 145: 2.
في غارة لم تنثلم فيها الظبى
…
ضربًا ولم تند القنا بخضاب
تركت غرائب منطقي في غربة
…
مسبية لا تهتدي لإياب
جرحى وما ضربت بحد مهند
…
أسرى وما حملت على الأقتاب
لفظ صقلت متونه فكأنه
…
في مشرقات النظم در سحاب
وكأنما أجريت في صفحاته
…
حر اللجين وخالص الزرياب
أغربت في تحبيره فرواته
…
في نزهة منه وفي استغراب
وقطعت فيه شبيبة لم تشتغل
…
عن حسنه بصبا ولا بتصاب
وإذا ترقرق في الصحيفة ماؤه
…
عبق النسيم فذاك ماء شبابي
يصغي اللبيب له فيقسم لبه
…
بين التعجب منه والإعجاب
جد يطير شراره وفكاهة
…
تستعطف الأحباب للأحباب
أعزز علي بأن أرى أشلاءه
…
تدمي بظفر للعدو وناب
أفن رماه بغارة مأفونة
…
باعت ظباء الروم للأعراب (1)
إني أحذر من يقول قصيدة
…
غراء خدني غارة ونهاب
فهذا كلام غاية في الحسن، فيه ما شئت من ظرف وفكاهة، وما شئت من سلاسة وصفاء في الديباجة، على أن السري الرفاء لا يكاد يلحق بطرف من إبداع البحتري في ناحية التغني والإطراب اللفظي.
ومما يعجبني في هذه القصيدة جدًا نعته لشعره، ثم اتباعه هذا النعت الجيد بوصف ما آلت إليه عرائس أفكاره بعد أن هتك الخالديان أستارها وشوها محاسنها بالاختلاس والتعدي.
والحديث عن البحر الكامل لا يجوز أن يختم من غير أن نذكر شيئًا عن
(1) قوله ظباء الروم كأنه تناقض ولو قال إوز الروم كان أشبه إذ تشبيهه المرأة بالغزالة أمر عربي والله أعلم.
محمد بن هانئ الأندلسي والشريف الرضي. أما محمد بن هانئ فكان يكثر منه، وكان يسلك مسلكم الفخامة يخلطه بكثير من الصناعة اللفظية ومحاكاة أهل الترقيق. وقد يخيل لك أن المبالغة أظهر عناصر شعره، وأنه ليس تحت كلامه من طائل سوى الجلبة والرنين، وهذا كان رأي أبي العلاء المعري فيه. ولعمري إن هذا وحده -إن سلمنا ليس لابن هانئ من الإجادة نصيب سواه- ليس مما يحتقر. وبحسبي هنا أن أورد طرفًا من كلمة له رائية اختارها له ياقوت في كتابه إرشاد الأريب (معجم الأدباء). قال يمدح المعز (1):
فتقت لكم ريح الجلاد بعنبر
…
وأمدكم فلق الصباح المسفر
وجنيتم ثمر الوقائع يانعا
…
بالنصر من ورق الحديد الأخضر
وضربتم هام الكماة ورعتم
…
بيض الخدور بكل ليث مخدر
أبني العوالي السمهرية والسيو
…
ف المشرفية والعديد الأكثر
من منكم الملك المطاع كأنه
…
تحت السوابغ تبع في حمير
القائد الخيل العتاق شوازبًا
…
خزرًا إلى لحظ السنان الأخزر (2)
شعث النواصي حشرة آذانها
…
قب الأياطل داميات الأنسر (3)
تنبو سنابكهن عن عفر الثرى
…
فيطأن في خد العزيز الأصعر
ألا تجد لهذا الكلام طنةً ورنة؟ أم لا تسمع فيه أجراسًا تصلصل، ودفوفًا تنقر، وجلبة تكاد تمثل لك رقص الخيل في معرض حربي؟
جيش تقدمه الليوث وفوقه
…
كالغيل من قصب الوشيج الأسمر
(1) معجم الأدباء 93: 19.
(2)
شوازب: ضمر. خزر جمع أخزر وهو الناظر بمؤخر عينه. والتخازر في النظر ضرب من الكبرياء واحتقار الغير، ولذلك جعل لحظ السنان أخزر.
(3)
حشرة الآذان: دقاقها. قب الأياطل: ضامرات البطون. الأنسر في الحوافر.
وكأنما سلب القشاعم
…
مما يشق من الغبار الأكدر
وكأنما شملت قناه ببارق
…
متألق أو عارض مثعنجر (1)
تمتد ألسنة الصواعق فوقه
…
عن ظلتي مزن عليه كنهور (2)
ويقوده الليث الغضنفر معلما
…
في كل شئن اللبدتين غضنفر
في فتية صدأ الدروع عبيرهم
…
وخلوقهم علق النجيع الأحمر (3)
لا يأكل السرحان شلو طعينهم
…
مما عليه من القنا المتكسر (4)
أنسوا بهجران الأنيس كأنهم
…
في عبقري البيد جنة عبقر
قوم يبيت على الحشايا غيرهم
…
ومبيتهم فوق الجياد الضمر
وتظل تسبح في الدماء قبابهم
…
فكأنهن سفائن في أبحر
من كل أهرت كالح ذي لبدة
…
أو كل أبيض واضح ذي مغفر (5)
لي منهم سيف إذا جردته
…
يومًا ضربت به رقاب الأعصر
وفتكت بالزمن المدجج فتكة البراض يوم هجائه ابن المنذر (6)
صعب إذا نوب الزمان استصعبت
…
متنمر للحادث المتنمر
فإذا عفا لم تلق غير مملك
…
وإذا سطا لم تلق غير مظفر
فهذا كلام مرقص. ولفظ ابن هانئ فخم فيه جنوح إلى اللبيدية. غير أن إنشاده ينظر من بعد ومن قرب إلى البحتري، فتراه يكثر من التقسيم والثلاثيات،
(1) العراض المثعنجر: المطر الشديد.
(2)
الكنهور: المتراكم من السحاب.
(3)
الخلوق: نوع من الطيب.
(4)
السرحان: الذئب.
(5)
العجز: تفسر للصدر. والأهرت: هو السبع.
(6)
البراض: هو قاتل عروة الرحال، وبسببه قامت حرب الفجار، وما أدري من عنى بابن المنذر، ولعله أراد الرحال، فقد كان من المناذرة بمنزلة الابن.
ويستكثر من رد بعض كلمات الصدر على العجز، ثم هو يستعمل الطباق على مذهب أبي تمام. وكل ذلك تجده يتدفق منه طبعًا وبلا تكلف. وقد كان الرجل رحمه الله من الموهوبين ولا أمتري أنه لو كانت تقدمت به السن لصار ذا شأن عظيم.
ومذهب الشريف الرضي واضح الفخامة تغلب عليه صيغة الخطابة. وكاملياته الجياد كثيرة نحو:
لمن الحدوج تهزهن الأينق
…
والركب يطفو في السراب ويغرق
وهو مشهورة. ونخص من كاملياته بالذكر هنا، قصيدته في رثاء الصاحب بن عباد (385 هـ) وأبي إسحق الصابي (384 هـ) فقد أجاد فيهما ولا سيما الثانية. وله فيهما طريقة فذة أظنه بناها على نهج البحتري في كلمته:
أرأيت للعلياء كيف تضام ومواسم الأحساب كيف تقام وقد قلده في هذه الطريقه أبو العلاء المعرى في كلمته:
أودى فليت الحادثات كفاف
…
مال المسيف وعنبر المستاف
وأظن أبا العلاء فعل ذلك تأدبًا مع الشريف لا تعمدًا لمحاكاته. وهذا حين نبدأ في الاختيار من كلام الشريف. قال يرثي الصاحب بن عباد (1):
أكذا المنون تقطر الأبطالا
…
أكذا الزمان يضعضع الأجيالا
أكذا تصاب الأسد وهي مدلة
…
تحمي الشبول وتمنع الأغيالا
أكذا تغاض الزاخرات وقد طغت
…
لججًا وأوردت الظماء زلالا
يا طالب المعروف حلق نجمه
…
حط الحمول وعطل الأجمالا
وأقم على يأس فقد ذهب الذي
…
كان الأنام على نداه عيالا (2)
(1) يتيمة الدهر 283: 3.
(2)
قال التوحيدي: "كان الصاحب يعطي كثيرًا قليلا". والفضل ما شهدت به الأعداء ولا سيما عدو سليط اللسان كالتوحيدي - انظر ترجمة الصاحب في معجم الأدباء.
من كان يقري الجهل علمًا ثاقبًا
…
والنقص فضلا والرجاء نوالا
ويجبن الشجعان دون لقائه
…
يوم الوغى ويشجع السؤالا
خلع الردى ذاك الرداء نفاسة
…
عنا وقلص ذلك السربالا
خبر تمخض بالأجنة ذكره
…
قبل اليقين وأسلف البلبالا
حتى إذا جلى الظنون يقينه
…
صدع القلوب وأسقط الأحمالا
هذان البيتان لم نخترهما لجودتهما ولكن لما فيهما من الإغارة الجريئة على قول المتنبي:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر
…
فزعت منه بآمالي إلى الكذب
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا
…
شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي
وفضل المتنبي ظاهر، على ما يشين كلام الشريف من التزيد والمبالغة، ولكنه أحسن حين قال:
الشك أبرد للحشى في مثله
…
يا ليت شكى فيه دام وطالا
جبل تسنمت البلاد هضابه
…
حتى إذا ملأ الأقالم زالا (1)
يا طود كيف وأنت عادي الذرى
…
ألقى بجانبك الردى زلزالا
ما كنت أول كوكب ترك الدنى
…
وسما إلى نظرائه فتعالى
لا رزء أعظم من مصابك إنه
…
وصل الدموع وقطع الأوصالا
يا آمر الأقدار كيف أطعتها
…
أو ما وقاك جلالك الآجالا
هلا أقالتك الليالي عثرة
…
يا من إذا عثر الزمان أقالا
وأرى الليالي طارحات حبالها
…
تستوهق الأعيان والأرذالا
صلى عليك الله من متوسد
…
بعد المهاد جنادلًا ورمالا
(1) لا تعجبني كلمة الأقالم هنا.
كسف البلى الهلال المجتلى
…
وأجر ذاك المقول الجوالا (1)
قد كنت آمل أن أراك فأجتني
…
فضلًا إذا غيري جنى إفضالا
وأفيد سمعك منطقي وفضائلي
…
وتفيدني أيامك الإقبالا
وأعد منك لريب دهري جنة
…
تثني جنود خطوبه أفلالا
فطواك دهرك طي غير صيانة
…
وأعاد أعلام العلا أغفالا
ودالية الشريف في الصابي أجود بكثير من لاميته في الصاحب. والسبب في ذلك بين فقد كان الشاعر يرثي في الصاحب فضله ومروءته واتساع داره لأهل الأدب ورعايته لهم من غير ما معرفة له، كما تدلنا على ذلك أبياته الأخيرة. أما الصابي فقد رثاه بعد معرفة وحب فجاءت كلمته فيه صرخة قلب جريح ودمعة طرف قريح. قال مستهلًا بالاستفهام كما فعل في اللامية (ولا بد من التنبيه هنا على أن اللامية متأخرة عن الدالية في النظم، وموت الصاحب كان بعد موت الصابي)(2):
أعلمت من حملوا على الأعواد
…
أرأيت كيف خبا ضياء النادي
جبل هوى لو خر في البحر اغتدى
…
من وقعه متتابع الأزباد
ما كنت؟ ؟ ؟ قبل دفنك في الثرى
…
أن الثرى يعلو على الأطواد
هذا البيت ضعيف وهو مسلوخ من قول أبي الطيب (3):
ما كنت أعلم قبل دفنك في الثرى
…
أن الكواكب في التراب تغور
رجع الحديث:
(1) أجر أخذه من قول عمرو بن معدي كرب "ولكن الرماح أجرت" أي منعتنا المقال بانهزامها وأصل الجر والاجرار شق لسان الفصيل كيلا يرضع.
(2)
يتيمة الدهر 306: 2.
(3)
ديوانه.
بعدًا ليومك في الزمان فإنه
…
أقذى العيون وفت في الأعضاد
لا ينفد الدمع الذي يبكى له
…
إن القلوب له من الأمداد
كيف انمحى ذاك الجناب وعطلت
…
تلك الفجاج وضل ذاك الهادي
هذا التقسيم ينظر من بعد إلى تقسيم البحتري:
حين التوت تلك الأمور ورجمت
…
تلك الظنون وماج ذاك الغيهب
رجع:
طاحت بتلك المكرمات طوائح
…
وعدت على ذاك الجلال عواد
قالوا أطاع وقيد في شطن الردى
…
أيدي المنون ملكت أي قيا (1)
هذا أبو إسحق يغلق رهنه
…
هل ذائد أو مانع أو فادي
لو كنت تفدي لافتدتك فوارس
…
مطروا بعارض كل يوم طراد
وإذا تألق بارق لوقيعة
…
والخيل تفحص بالرجال بداد
سلوا الدروع من العياب وأقبلوا
…
يتحدثون على القنا المياد (2)
لكن رماك مجبن الشجعان عنه
…
إقدامهم ومضعضع الأنجاد
والدهر تدخل نافذات سهامه
…
مأوى الصلال ومربض الآساد
ألقى الجران على عنطنط حمير
…
فمضى ومد يدًا لأحمر عاد (3)
أعزز علي بأن أراك وقد خلت
…
من جانبيك مجالس العواد
أعزز علي بأن أراك بمنزل
…
متشابه الأمجاد والأوغاد
أعزز علي بأن يفارق ناظري
…
لمعان ذاك الكوكب الوقاد
في عصبة جنبوا إلى آجالهم
…
والدهر يعجلهم عن الإرواد (4)
(1) الشطن: الحبل. لعل الرواية الصحيحة "أيد" بفتح الدال والإفراد.
(2)
لعل "يتحدثون" تصحيف، وصوابها "يتحدبون" بالباء: أي يتعطفون.
(3)
أحمر عاد: أراد به أحمر ثمود. وعنطنط حمير: أظنه ذان نواس والعنطنط: الطويل.
(4)
جنبوا: أي ربطوا إلى جنب آجالهم كما تربط الخيل إلى جنب الإبل. الإرواد: الإبطاء.
ضربوا بمدرجة الفناء قبابهم
…
من غير أطناب ولا أعماد
ركب أناخوا لا يرجى منهم
…
قصد لإتهام ولا إنجاد
كرهوا النزول فأنزلتهم وقعة
…
للدهر نازلة بكل مقاد
فتهافتوا عن رحل كل مذلل
…
وتطارحوا عن سرج كل جواد (1)
بادون في صور الجميع وإنهم
…
متفردون تفرد الآحاد
هذا الكلام حسن جدًا في نعت الموتى، ورنة الحزن فيه جلية واضحة.
مما يطيل الهم أن أمامنا
…
طول الطريق وقلة الأزواد
عمري لقد أغمدت منك مهندا في الترب كان ممزق الأغماد
قد كنت أهوى أن أشاطرك الردى
…
لكن أراد الله غير مرادي
ولقد كبا طرف الرقاد بناظري
…
منذ افتقدت فلا لعًا لرقادي
ثكلتك أرض لم تلد لك ثانيًا
…
أني ومثلك معوز الميلاد
من للبلاغة والفصاحة إن همى
…
ذاك الغمام وعب ذاك الوادي
من للملوك يحز في أعناقها
…
بظبا من القول البليغ حداد
أما الدموع عليك غير بخيلة
…
والقلب بالسلوان غير جواد (2)
سودت ما بين الفضاء وناظري
…
وغسلت من عيني كل سواد
ري الخدود من المدامع شاهد
…
أن القلوب من الغليل صواد
يا ليت أني ما اقتنيتك صاحبًا
…
كم قنية جلبت أسى لفؤادي
لا تطلبي يا نفس خلا بعده
…
فلمثله أعيا على المقتاد
ما مطعم الدنيا بحلو بعده
…
أبدًا ولا ماء الحيا ببراد (3)
(1) عن رحل كل جمل مذلل: أي مخيس مؤدب.
(2)
الوجه: أما الدموع عليك فغير بخيلة، ولكن الوزن لم يمكنه من الفاء.
(3)
يعني ببارد.
إلا تكن من إخوتي وعشيرتي
…
فلأنت أعلقهم يدًا بودادي (1)
ضاقت علي الأرض بعدك كلها
…
ووجدت أضيقها علي بلادي
لك في الحشى قبر وإن لم تأوه
…
ومن الدموع روائح وغوادي
فاذهب كما ذهب الربيع وإثره
…
باق بكل مهابط ونجاد
وهذا البيت ينظر إلى قول البحتري:
فاذهب كما ذهبت بساطع نورها
…
شمس النهار وأعقب الإظلام
ولو تتبعت نظائره مما أخذه الشريف من البحتري وجدتها كثيرا كهذا البيت الذي نختم به اختيارنا:
وسقاك فضلك إنه أروى حيا
…
من رائح متعرض أو غاد
فهذا من قول البحتري:
قبر تكسر فوقه صم القنا
…
من لوعة وتشقق الأعلام
ملآن من كرم فليس يضره
…
مر السحاب عليه وهو جهام
وقصيدنا الشريف اللامية والدالية كلاهما من النوع النائح من الرثاء. وهذا يناسب الكامل جدًا. وإذا تأملتهما لم تجد فيهما ما يجنح إلى التأمل والتعمق والتدقيق،
(1) بعد هذا البيت:
أو لا تكن عالي الأصول فقد وفى
…
عظم الجدود بسؤدد الأجداد
وقد حذفنا هذا البيت لسوء أدبه - فقد كان الشريف لا يكاد ينسى أنه من أحفاد النبي صلى الله عليه وسلم ومما عابوا به أحد الأشراف قول الشاعر:
له حق وليس عليه حق ومهما قال فالحسن الجميل
وقد كان الرسول يرى حقوقا عليه لغيره وهو الرسول
وإنما هو تعداد للمآثر مع المبالغة في التفجع. على أن الشريف في اللامية ينوح بصوت الرجل الفحل لا بصوت الرقة الناعم. وفي الدالية تجد نغمة الأسى أقوى عنده.
ومن عجيب أمر الكامل أن الرثاء قل أن يصلح فيه إن لم يكن نوحًا وتفجعًا. وتصديقا لما أقوله وتأييدًا له أضرب لك مثلًا، عينية أبي ذؤيب الهذلي التي مطلعها:"أمن المنون وريبها تتوجع"(1) فقد بدأها الشاعر متوجعًا متألمًا حزينًا في قوله:
قالت أميمة ما لجسمك شاحبا
…
منذ ابتذلت ومثل مالك ينفع (2)
أما لجنبك لا يلائم مضجعا
…
إلا أقض عليك ذاك المضجع
فأجبتها أما لجسمي إنه
…
أودى بني من البلاد فودعوا
أودى بني فأعقبوني غصة
…
بعد الرقاد وعبرة لا تقلع
سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم
…
فتخرموا ولكل جنب مصرع (3)
فغبرت بعدهم بعيش ناصب
…
وإخال أني لاحق مستتبع (4)
ولقد حرصت بأن أدافع عنهم
…
فإذا المنية أقبلت لا تدفع
وإذا المنية أنشبت أظفارها
…
ألفيت كل تميمة لا تنفع
فالعين بعدهم كأن حداقها
…
سملت بشوك فهي عور تدمع
(1) آخر المفضليات، ص 849.
(2)
قوله: شاحبًا: أي مهزولا، والفعل من باب المنع. ذكره أبو زيد الأنصاري وانظر المادة في الأساس. وقوله: منذ ابتذلت، هذا التعبير يبدو مشكلًا؛ والعرب تقول: لا أراك تتكلم منذ اليوم، تعني من أول هذا اليوم، ومنذ تفيد ابتداء الزمن. ومنذ ابتذلت، معناها: من حين ابتذالك وارتدائك رث الثياب حزنا على بنيك، فقد جعل الشحوب كما ترى ملازما للحداد. والله أعلم.
(3)
هوي: هواي، وهذه لغة هذيل. تخرموا بالبناء للمجهول: هلكوا.
(4)
إذا هنا فجائية ليست شرطية، وفي البيت بعده شرطية. وأقول بعد، عسى أن تكون في كليهما شرطية والله أعلم.
حتى كأني للحوادث مروة
…
بصفا المشقر كل يوم تقرع (1)
وتجلدي للشامتين أريهم
…
أني لريب الدهر لا أتضعضع
والنفس راغبة إذا رغبتها
…
وإذا ترد إلى قليل تقنع
ولا أدري ما مناسبة هذا البيت الأخير لما قبله. ولعله ضاعت قبله أبيات توصل إليه. وأبيات الرثاء هذه في جملتها قوية جدًا. والعاطفة التي فيها من نوع واضح شديد لا يحتاج إلى تفسير. ويصل إلى قلب السامع بلا واسطة. وهي في بابها أقوى من كلام الشريف وكلام البحتري، والصدق فيها أظهر، كما أنها أدخل في طبيعة بحر الكامل لجمعها بين طرفي الغناء، والعنف في الإفصاح بما يختلج في الصدر من لذع الألم وحرقة الحزن. ولو قد اكتفى بها أبو ذؤيب لكان قد أصاب حق الإصابة لأنه قد أبلغ بها السامع كل ما أراد أن يقوله، ولكنه لم يكتف وطلب أن يتأمل ويتعمق على منهج شعراء هذيل في الرثاء من ذكر هلاك الأوابد والنسور والوعول وما إلى ذلك من مظاهر الطبيعة. وهاته سبيل تزل بالسالك في بحر الكامل. وقد قرأت في بعض الكتب أن عمر بن الخطاب أنشد أبيات أبي ذؤيب التي ذكرناها فاستحسنها جدًا. ثم لما أنشد أبياته التي بعدها من قوله:"والدهر لا يبقى على حدثانه جون السراة البيت الخ" قال رضي الله عنه: "سلا أبو ذؤيب". وهذا لعمري نقد مصيب. فالرجل قد أخطأ من جهتين: من جهة أنه عمد إلى التأمل في بحر يصلح للبكاء والغضب والحزن والمرح والتغني، ومن جهة أنه أهمل طريقة كلامه وفارق سننه وغرضه الأساسي إلى أغراض أخر، وليس هذا النقد مبنيًا على مسألة التمسك بوحدة القصيدة. فلست ممن يقولون ذلك (2). وإنما تحس وأنت تقرأ كلام أبي ذؤيب أن نفسه خفت، وانه نسي
(1) المشقر: قيل سوق بالطائف، وزعم ابن الأنباري أنه مسجد، وهذا بعيد. وروي المشرق بضم الميم وفتح الراء المشددة: يعني التشريق. والوجه أن المشقر سوق بالطائف، لأن أبا رغال والذي يرجمه الناس أصله من الطائف. ولم يعن الشاعر المشقر بالذي بالبحرين.
(2)
على معنى أن تكون الوحدة مبنية على موضوع واحد كما يقع في المقالات وفي كثير من أشعار الفرنجة. ولنا في وحدة القصيدة العربية رأي مبسوط في مواضع تلي إن شاء الله.
الحزن، وجعل يقلد غيره من الشعراء الذين وصفوا الحمر وما إليها. والتقليد لا يحمد عليه أحد (1).
وإن عجبي ليطول من متأدبة هذا العصر، يغلون في مدح هذه القصيدة حتى إن بعضهم ليسميها "سمفونية أبي ذؤيب"، وربما يسميها بعضهم "سوناتة" أبي ذؤيب إعجابًا بها. ولو قد وقف هذا الإعجاب على قسمها الحزين الباكي الذي في أولها، لكان له وجه، ولكنهم يعممون إعجابهم فيشملون به القصيدة كلها.
ولا أكاد أمتري في أن كثيرًا منهم إنما يفعل هذا لا مخلصًا في إعجابه، ولكن ليظهر أنه ملم بطرف من الآداب القديمة، وقدير على الاستمتاع بجيدها ومتنخلها، وهذا نوع من التدليس لا يسعني إلا التحذير منه. على أني أعترف أن بعضهم ربما كان أضله اختيار قدامة لأبيات منها مبدوءة بالفاء. فعل ذلك قدامة في كتابه نقد الشعر. وزعم أن الأبيات متتابعة في النسق الذي أورده، وأشاد ببراعة الشاعر في استعمال الفاء، هكذا من غير ما تكلف. وقد نظرت في القصيدة كما هي في المفضليات، فلم أجد الفاءات تتابع في نسق واحد إلا في أبيات ثلاثة هي قوله:
فوردن والعيوق مقعد رابئ الضرباء فوق النظم لا يتتلع
فشرعن في حجرات عذب بارد
…
حصب البطاح تغيب فيه الأكرع (2)
فشربن ثم سمعن حسًا دونه
…
شرف الحجاب وريب قرع يقرع
وهي أبيات حسنة اللفظ جيدة الموسيقا إلا أنها خارجة عن روح القصيدة وأثر التقليد الأعمى واضح فيها (3). ولو قد صحت لقائل دعواه من توالي الفاءات في أبيات أكثر مما عدنا، لكانت حجتنا عليه بأن كلام الشاعر خارج عن روح الحزن الذي بدأ
(1) لعل أبا ذؤيب قد أصاب من جهة التأمل وانظر مقالنا في أخريات هذا الكتاب إن شاء الله.
(2)
فوردن: يعني الحمر. مقعد رابئ الضرباء: أي قريب من النظم، وهو الجوزاء. ورابئ الضرباء هو رقيب الميسر، والضرباء جمع ضريب، وقد شرحها أحد المفسرين المحدثين بأنها دويبة فتأمل. والحجرات النواحي.
(3)
لا تقول بهذا الآن وما خلا ذلك القول من بعض طيش الشباب.
به الشاعر ومن أجله نظم ولم يزل في أثناء القصيدة يذكر السامع أنه محتفظ به، حجة قوية (1).
وقد قرأت عينية أبي ذؤيب مرارًا مع قوم ممن يفهمون شعر العرب فوجدتهم جميعًا يحطون معي. ولتكميل حجتي أمامك أيها القارئ الكريم أعرض عليك ما آخذه عليها، موجزًا في لك ما استطعت:
تذكر أني قلت لك إني أنعي على أبي ذؤيب فيها تقليده الأعمى لشعراء هذيل في وصف هلاك الأوابد وما بمجراها. وهذا أسلوب تجده عند صخر الغي وغيره. ومن آيات التقليد عند أبي ذؤيب - (ومع التقليد الصناعة) - استكراهه لكثير من التعابير، مثال ذلك قوله:
حتى إذا جرزت مياه رزونه
…
وبأي حين ملاوة تتقطع
ذكر الورود بها وشاقي أمره
…
شؤم وأقبل حينه يتتبع (2)
المعنى كثير مطروق في الشعر الجاهلي. يعطش الحمار ويتذكر الماء. وبالماء كما قال ربيعة بن مقروم الضبي (3):
وبالماء قيس أبو عامر
…
يؤملها ساعة أو تصوما
(1) هذا لا يناقض قولنا إننا لا نقول بمذهب الوحدة الموضوعية في القصيدة. ذلك بأننا نجد جياد القصائد مما خلفته لنا العرب تتناول أغراضًا مختلفة. وشرطنا الذي نمسك به أن تكون في القصيدة وحدة روحية عاطفية. فقد يصوغ الشاعر قصيدته صياغة حزينة، ولا يمنعه ذلك من وصف الطبيعة وغيرها، ويكون روح الحزن مع باديا في كل غرض يطرقه.
(2)
جرزت: غارت. والرزون: أماكن في الجبل يكون فيها الماء، المفرد رزن بكسر الراء وضمها والجمع رزون ورزان. وبأي حين الخ معناه: ويا لك من حين ينقطع فيه الماء! - قوله شاقي أمره فاعله من الشقاء- هكذا فسره الأنباري.
(3)
المفضليات: 358.
أي تكف عن الجري وتقف وتشرب ..
المعنى مطروق، فانظر إلى أبي ذؤيب كيف تعمل في صياغته. نفدت بضاعته عند قوله «رزونه» . فأقحم «فبأي حين ملاوة تتقطع» ، فأضاف الملاوة إلى الحين، وإضافة الشيء إلى نفسه مذهب جائز عند الجاهلين، ولكن لا في كل حالة ولا في كل تعبير، والغالب فيه أن يكون المضاف كلمة أقل في الاستعمال من المضاف إليه نحو «حسام السيف». ولو كان أبو ذؤيب قال:«ملاوة حين» لكان لها وجه، ولكنه عكس. وحتى مع التسليم بأن كلامه هذا قد جاء على وجهه، فأي فائدة في قوله «وبأي حين الخ» ، وما معنى التعجب هنا؟
وانظر إلى قوله:
فافتنهن من السواء وماؤه
…
بشر وعانده طريق مهيع (1)
ما معنى عانده هنا، والوجه عارضه. وإنما أراد المبالغة، لأنه سمع أن الحمر تتنكب الطرق المهايع فحسب أنه إن لاقتها طريق مهيع فإنها تنغص عليها وتعاندها
…
فانظر إلى هذا التكلف.
وانظر إلى قوله:
فنكرنه وننفرن وامترست به
…
سطعاء هادية وهاد جرشع (2)
كل ما أراد أن يقوله: لازمته أتانه ذات العنق الطويل، «السطعاء» ، في حال كونه مادا عنقه الطويل، ومخلصاً في الجري، فعطف الهادي الجرشع (وهو عنق الحمار) على السطعاء الهادية وهي الحمارة. وليس هذا بنهج بليغ.
(1) افتنهن: ساقهن فنونا .. وماؤه: الضمير يعود على الحمار: أي الماء الذي يريده ببثر وهو موضع. والسواء سرارة الوادي: أي تجنب بها ماء الوادي خشية القناص قاصداً بئراً حيث يظن أن لا قانص.
(2)
أي سمعن صوتاً فأنكرنه، فولي الحمار هارباً مع أتنه.
وانظر إلى قوله يصف قرني الثور وهو ينازل الكلاب:
فكأن سفودين لما يقترا
…
عجلاً له بشواء شرب ينزع (1)
قوله لما يقترا: يعني به أنه لم يشتو بهما فيقترا، أي فيكون لهما قتار، وهو رائحة اللحم. وكل ما أراده هو تشبيه قرني الثور بالسفودين. وهذه سرقة فاضحة من النابغة حيث يقول:
كأنه مارقاً من جنب صفحته
…
سفود شرب نسوه عند مفتأد
وقول النابغة: «نسوه عند مفتأد» (والمفتأد: مكان الاشتراء) بليغ جداً، فانه يدل على أن القرن خرج ملطخاً بدم الجوف وفرثه، متسخاً كأنه سفود ترك في محل اشتواء فتراكم عليه الوسخ والصدأ.
وانظر إلى قوله:
فرمى لينقذ فرها فهوى له
…
سهم فأنفذ طرتيه المنزع
والمنزع هو السهم. فانظر إلى هذا العمل، ووجه القول «فهوى له سهم فأنفذ طرتيه» وإنما جاء بالمنزع للقافية.
وقوله في وصف الفرس:
قصر الصبوح لها فشرج لحمها
…
بالني فهي تثوخ فيها الإصبع
غاية في التقصير، وقال الأصمعي:«هذا من أخبث ما نعت به الخيل، لأن هذه لو عدت ساعة لانقطعت لكثرة شحمها، وإنما توصف الخيل بصلابة اللحم» (2)
(1) أي فكأن سفودين عجلاً لهذا الثور بشواء.
(2)
المفضليات الكبير 878 - 7.
قلت: ولو شاء الأصمعي لزاد أن أبا ذؤيب إنما أورده هذا المورد الكدر غرامه بالسرقة .. فقد سمع زهير يقول في خيل هرم بن سنان:
منها الشنون ومنها الزاهق الزهم (1)
وكل هذه صفات تدل على السمن. ولكنه لم يدرك أن زهيراً أراد أن الخيل تقاد سمينة أول الغزو، فاذا سارت وهي مجنوبة أياماً ضمرت، وكان سيرها في حالة التجنيب ضرباً من الرياضة لها، حتى إذا وردت ساحة الحرب كانت كما يبغي صاحبها. وزهير ينعت الخيل في حالة البدء بالسمن، وينعتها في حالة الأوبة بالهزال وبأنها «تشكو الدوابر والأنساء والصفقا» وهذا وصف عليم.
ومن تكلف أبي ذؤيب البغيض قوله:
تأبى بدرتها إذا ما استغضبت
…
إلا الحميم فإنه يتبضع
وأراد بهذا أن يدل على شبه عرقها بلون اللبن، فكأنه قال: لا لبن لها إلا العرق. وأقحم قوله: «استغضبت» إقحاماً. وأتعب الشراح حتى تأول بعضهم له التأويلات الحسنة، فزعم أن الدرة كثرة العرق، وأن أبا ذؤيب عنى أنها «إذا حميت في الجري وحمي عليها لم تدر بعرق كثير، ولكنها تبتل وذلك أجود لها» . (2)
(1) مختارات الشعر الجاهلي 299 - 7 - أوله: «القائد الخيل منكوباً دوابرها» - أي يرجعها وقد أكل السير مآخير حوافرها، وكانت أول السفر منها الشنون المعتدل الحلق. والزاهق: أي السمين. والزهم: الكثير اللحم والشحم، وقد وضح هذا المعنى في القافية (287 - 5 - 7) حيث يقول:
القائد الخيل منكوباً دوابرها
…
قد أحكمت حكمات القد والأبقا
غزت سماناً فأبت ضمراً خدجاً
…
من بعد ما جنبوها بدناً عققاً
حتى يثوب بها عوجاً معطلة
…
تشكو الدوابر والأنساء والصفقا
جمع صفاق: وهو الجلدة التي تلي البطن.
(2)
المفضليات 879 - 17 - هنا قول ابن الأعرابي، وكان القدماء عنده لا يزلون.
ولو ذهبنا نتتبع ما حاكي فيه أبو ذؤيب شعراء هذيل خاصة وأخطأ، أطلنا عليك أيها القارئ، فبحسبنا هذا القدر. على أني أظلم أبا ذؤيب إن لم أمدح وصفه للمبارزة بين الفارسين في آخر القصيدة في قوله:
فتناديا وتواقفت خيلاهما
…
وكلاهما بطل اللقاء مخدع
متحاميين المجد كل واثق
…
ببلائه واليوم يوم أشنع
وعليها مسرودتان قضاهما
…
داود أو صنع السوابغ تبع
وكلاهما في كفه يزنية
…
فيها سنان كالمنارة أصلع
وكلاهما متوشح ذا رونق
…
عضباً إذا تم الضريبة يقطع
فتخالسا نفسيهما بنوافذ
…
كنوافذ العبط التي لا ترقع
وكلاهما قد عاش عيشة ماجد
…
وجنى العلاء لو أن شيئاً ينفع
فهذا وصف ملحمي رائع، ويلائم روح الحزن التي استهل بها كلامه. ولعل أحد أبنائه كان قد مات هذه الميتة الجليلة. وكم يود القارئ أن لو كان أبو ذؤيب اتبع المذهب الملحمي وأطال فيه بعد أن فرغ من التفجع، فانه أنسب للوزن الذي سلكه وأدخل على النفوس (1).
وقد تنبه السيد الحميري إلى ما في بحر الكامل من الصلاحية للوصف الملحمي، فأكثر من ذلك ما شاء في قصيدته المذهبة البائية، وسنعرض لها إن شاء الله.
وخلاصة كلامنا عن بحر الكامل أنه ذو نغم مجلجل رنان، يصلح لكل ما هو عنيف من الكلام كما يصلح للترنم الخالص، والتغني ولا يسوغ فيه التأمل والتعمق بحال من الأحوال إلا على طريقة أبي تمام الذي كان يتغنى أفكاره. ومما يحسن
(1) أم ليس وصف الثور والحمار ملحمي السنخ؟ .