الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث
البحور الطوال
(1) المنسرح والخفيف:
حق هذزين البحرين أن يذكرا مع البحور التي بين بين، إلا أنهما؛ كثر منها مقاطع. أما المنسرح فوزنه:
مستفعلن فاعلون مفتعلن
…
مستفعلن فاعلون مفتعلن
ومثاله من الكلمات:
مجترئ حاكمون مجتزيء
…
مقدم قادمون مستعر
في دارنا، قرب دارنا، دررر
…
في داركم قرب داركم تررو
فتاة جيراننا مخبأة
…
مفتعلن فاعلون مفتعل
ومثاله من النظم قول ابن قيس الرقيات في عبد الملك (1):
ما نقموا من بني أمية إلا
…
أنهم يحلمون إن غضبوا
وأنهم معدن الملوك فلا
…
تصلح إلا عليهم العرب
إن الفنيق الذي أبوه أبو العاصي عليه الوقار والحجب
خليفة الله فوق منبره
…
جفت بذاك الأقلام والكتب
(1) الأغاني 79: 5.
وقد يحدث في عجز المنسرح تغيير إذا جاءت القافية من طراز "تاتا" أو "توتو" أو "تي تي"، كما في قول المتنبي (1):
شامية طالما لهوت بها
…
تبصر في ناظري محياها
فقبلت ناظري تغالطني
…
وإنما قبلت به فاها
حيث التقى خدها وتفاح لبنان وثغري على حمياها
والمنسرح من البحور التي يكثر فيها التنويع والتغيير والتحوير، فيجيء صدره أحيانا:"مفتعلن فاعلون مفتعلن"، وأحيانا:"مستفعلن مفعولون مفتعلن"، وأيحانا "مفتعلن فاعلون مستفعلن"، والأول هو العمدة (2). والأنواع الأخرى تجيء في الشعر، وقد يعيبها من ليس له بصر بأوزانه، كأن تقول:
يارب كأس صرف معتقة
…
ترد سالي الهوى إلى شجنه
وهذه بعد، تفاصيل تجدها كاملة في كتب العروض.
وأما الخفيف فوزنه: "فاعلاتن مستفعلاتن فعولن" مرتين. ومثله من الكلمات:
كاتبات مستبصرات حسان
…
فاتنات مستعبدات قلوبا
ناظرات نا ناظرات عيون
…
عانسات لا آنسان، فعولو
يا صديقي لا يا صديقي أجبني
…
يا حبيبي يا يا حبيب الفؤاد
(1) ديوانه 552.
(2)
زعم شارح ديوان بشار (ص 63) أن لبشار نوعًا انفرد به من المنسرح. وليس في كلام المعلقين على حواشيه ما يدل على أنهم لم يسلموا له هذا الزعم. ومنسرح بشار جار على الوزن العمدة. إذ الوزن الطويل من المنسرح: "مستفعلن مفعولات مستفعلن أو مفتعلن" قليل في الاستعمال.
وهذا الوزن يدخله التحوير والتغيير فيصير:
فعلاتن مستفعلاتن فعولن
…
فاعلاتن متفعلاتن فعولن
ملكات مستحكمات علينا
…
مالكات مهذبات حسان
وأحيانا يقصر آخر جزء من عجز البيت هكذا:
فاعلاتن مستفعلاتن فعولن
…
فاعلاتن مستفعلاتن فاعي (1)
وكأنك قد قلت مترنما: فأاعي مع تسهيل الهمزة الأولى.
تن فعلون تن تن فعولن فعولن
…
فاعلاتن تن تن فعولن عولو
ناضرات مستبشرات ضحوك
…
فاتنات في البيت هر يجري
وموضع الترنم عند الباء من يجري ههنا.
ومثال كل هذا من النظم قول بشار (2):
حييا صاحبي أم العلاء
…
واحذرا طرف عينها الحوراء
(1) هذا النوع من التغيير في بحر الخفيف يسميه العروضيون تشعيثا. وما أحسب أنهم سموه كذلك إلا لأنه يفسد عليهم ما فرضوه من عدم جواز الزحاف في الأوتاد - وهذا التغيير كما لا يخفى زحاف في الوتد "فاعلاتن" إذ وزن الخفيف عند العروضيين:
فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن ×2
وهذا الوزن عندي لا يمثل نغم البحر تمثيلا صحيحا، وما ذكرته لك "فاعلاتن مستفعلاتن فعولن" ×2 - أشبه - لأن الخفيف إذا تأملته بحر منتزع من المتقارب، ووزنه:"فافعلون فعلن فعولن فعولن"×2. فليس فيه شيء مفارق للمتقارب إلا "فعلن"، وبضمك "فعلن" إلى "فعولن" تحصل على مستفعلاتن و"فعلن قريبة من المتقارب لأنها خبب وصيغتها الأصلية "فاعلن"، وقد جاء ابن الرقبات بها في بيت من الخفيف وهو قوله:
أقفرت من آل عبد شمس كداء
…
فكدي فالركمن فالبطحان
(2)
ديوانه 107.
إن في عينها دواء وداء
…
لمحب والداء قبل الدواء
أسقمت ليلة الثلاثاء قلبي
…
وتصدت في السبت لي لشقائي
وغداة الخميس قد فارقتني
…
ثم راحت في الحلة الحمراء
والبيتان الأول والرابع من هذه الأبيات فيهما تقصير الجزء الأخير وتصييره إلى "عولو" بدل "فعلولو" - الحور أعي. الحمر آءي
والتغييرات التي تحدث في عمود وزن الخفيف كثيرة. فبعضها حسن وبعضها مستقبح. فلو جاء شاعر في قصيدة لامية خفيفة من طراز قول المتنبي:
ذي المعالي فليعلون من تعالى
…
هكذا هكذا وإلا فلا لا
بقوله:
ليس منا قط الرضا بالدنية
…
ولكن نقارع الأبطالا
كان هذا بيتًا جيدًا. ويشبهه أن تجيء في قصيدة قافية بقولك:
تبلتك ولم تكن تعرف الحب
…
فذق ما يذوقه العشاق
وهذا أقل اضطرابًا من الأول. ويحتمل نحو:
الملوك من حمير وبني الأصفر
…
بادوا وهل يدوم نعيم
هذا وقد قدمت لك أن كلا البحرين الخفيف والمنسرح، حقهما أن يذكرا مع أنواع الأحذ والسريع. ذلك بأن نغمهما كالمتمم لأنغام أولئك. خذ المنسرح وامتحن نغمته بالنسبة إلى السريع والأحذ، وافعل مثل ذلك بالخفيف. تجد أنه بينما ينحو الأخذ منحى الحوار والهمس، والسريع منحى الخطابة المسجعة والنثر، يجنح المنسرح صوب الرقص والتغني، والخفيف صوب الفخامة. ولهذا القول تفصيل سأوضحه لك: