المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌كلمة عامة عن الطويل والبسيط - المرشد إلى فهم أشعار العرب - جـ ١

[عبد الله الطيب المجذوب]

فهرس الكتاب

- ‌ الجزء الأول: في النظم)

- ‌[تقدمة]

- ‌الإهداء

- ‌تقديم الكتابللأستاذ الكبير الدكتور طه حسين

- ‌شكر واعتراف

- ‌خطبَة الكتاب

- ‌الباب الأولفي النظم

- ‌النظم العربي يقوم على عمادين:

- ‌المبحث الأولعيوب القافية ومحاسنها وأنواعها

- ‌ الإقواء

- ‌الإيطاء

- ‌السناد

- ‌التضمين:

- ‌الردف المشبع:

- ‌لزوم ما لا يلزم

- ‌القوافي المقيدة:

- ‌القوافي الذلل:

- ‌القوافي النفر:

- ‌القوافي الحوش:

- ‌هاءات القوافي:

- ‌حركات الروي:

- ‌تعقيب واستدراك:

- ‌خاتمة عن جودة القوافي:

- ‌المبحث الثانيأوزان الشعر وموسيقاها

- ‌الفصل الأول

- ‌تمهيد:

- ‌النمط الصعب (1)

- ‌الأوزان المضطربة (2):

- ‌الأوزان القصار (3):

- ‌ الخفيف القصير

- ‌الخبب والرجز القصيران والمتقارب المنهوك:

- ‌المتقارب المنهوك:

- ‌خلاصة:

- ‌البحور الشهوانية: (4)

- ‌كلمة عامة:

- ‌مستفعلن مفعو أو مفعول (5)

- ‌بحر المجتث (6)

- ‌الكامل القصير (7)

- ‌مخلع البسيط (8)

- ‌الهزج (9)

- ‌الرمل القصير (10)

- ‌الفصل الثانيالبحور التي بين بين

- ‌المديد المجزوء المعتل (1)

- ‌السريع (2)

- ‌الكامل الأحذ وأخوه المضمر (3)

- ‌الفصل الثالثالبحور الطوال

- ‌(1) المنسرح والخفيف:

- ‌المنسرح

- ‌الخفيف

- ‌همزيات الخفيف

- ‌داليات الخفيف

- ‌ضاديات الخفيف:

- ‌لاميات الخفيف ونونياته:

- ‌الرجز والكامل:

- ‌كلمة عن الرجز

- ‌التعليمي

- ‌كلمة عن الكامل

- ‌كامليات شوقي

- ‌الكامل عند المعاصرين

- ‌3 - المتقارب

- ‌4 - الوافر:

- ‌كلمة عن الوافر:

- ‌وافريات المعاصرين:

- ‌الطويل والبسيط:

- ‌وزن البسيط

- ‌كلمة عامة عن الطويل والبسيط

- ‌كلمة عن البسيط

- ‌خاتمة

الفصل: ‌كلمة عامة عن الطويل والبسيط

وكقول الأخطل:

مُفترش كافتراش الليث كلكله

لوقعةٍ كائنٍ فيها له جزر

فقوله «مفترش» فيه كالاضطراب. والقدماء لم يكونوا يبالون بمثل هذا. ولكن المتأخرين يتحامونه إلا ما ندر. وكأنما يريدون أن يعوضوا بتصحيح الوزن عما يعوزهم من جودة الأسلوب.

‌كلمة عامة عن الطويل والبسيط

الطويل والبسيط أطولا بحور الشعر العربي، وأعظمها أبهةً وجلالةً، وإليهما يعمد أصحاب الرصانة. وفيهما يفتضح أهل الركاكة والهجنة. وهما في الأوزان العربية بمنزلة السداسي عند الإغريق، والمرسل التام عند الإنجليز. والطويل أفضلهما وأجلهما وهو أرحب صدرًا من البسيط، وأطلق عنانًا، وألطف نغمًا. ذلك بأن أصله متقاربي، وأصل البسيط رجزي، ولا يكاد وزن رجزي يخلو من الجلبة مهما صفا.

ومما يدلك على سعة الطويل، أنه تقبل من الشعر ضروبًا عدة كاد ينفرد بها عن البسيط. مثال ذلك أن الشعراء الغزليين على عهد بني أمية أكثروا من النظم فيه على أنهم أقلوا جدًا من البسيط.

وقد أخذ الطويل من حلاوة الوافر دون انبتاره، ومن رقة الرمل دون لينه المفرط ومن ترسل المتقارب المحض دون خفته وضيقه، وسلم من جلبة الكامل وكزازة الرجز وأفاده الطول أبهةً وجلالةً. فهو البحر المعتدل حقًا. ونغمه من اللطف بحيث يخلص إليك وأنت لا تكاد تشعر به. وتجد دندنته مع الكلام المصوغ فيها بمنزلة

ص: 443

الإطار الجميل من الصورة، يزينها ولا يشغل الناظر عن حسنها شيئًا. والطويل في هذه الناحية يخالف سائر بحور الشعر. خذ قول متمم بن نويرة مثلاً (1).

وعشنا بخير في الحياة وقبلنا

أصاب المنايا رهط كسرى وتبعا

وكنا كندماني جذيمة حقبةً

من الدهر حتى قيل لن يتصدعا

فلما تفارقنا كأني ومالكا

لطول اجتماعٍ لم نبت ليلةً معًا

تقول ابنة العمري مالك بعدما

أراك حديثًا ناعم البال أفرعا

فقلت لها طول الأسى إذ سألتني

ولوعة حزنٍ تترك الوجه أسفعا

وفقد بني أم تداعوا فلم أكن

خلافهم أن أستكين وأضرعا (2)

قعيدك ألا تُسمعيني ملامةً

ولا تنكثي قرح الفؤاد فييجعا (3)

وقصرك إني قد شهدت فلم أجد

بكفي عنهم للمنيةِ مدفعا

أقول وقد لاح السنا في ربابه

وغيث يسح الماء حتى ترفعا (4)

سقى الله أرضًا حلها قبر مالك

ذهاب الغوادي المدجنات فأمرعا (5)

وآثر سيل الواديين بديمةٍ

ترشح وسميًا من النبت خروعًا (6)

فوالله ما أسقي الديار لحبها

ولكني أُسقي الحبيب المودعا (7)

(1) من قصيدته المشهورة المفضلية: لعمري وما دهري بتأبين مالك.

(2)

خلافهم: بعدهم.

(3)

قعيدك- أراد قعيدك الله، وهو بمعنى ناشدتك الله. وحذف اسم الجلالة لكثرة جريان هذا الحلف في كلامهم. واسم الجلالة في قولهم: قعيدك الله، وقعدك الله، يكون منصوبًا.

(4)

الرباب: هو السحاب الأبيض.

(5)

الذهاب: جمع ذهبة بكسر الذال على غير قياس.

(6)

وسميًا من النيت: أي نبتًا جديدًا يسم الأرض. وخروعًا: عنى لينًا، ولم يرد نبات الخروع بعينه.

(7)

أسقى بضم الهمزة (الفعل رباعي) أجود في الدعاء من الفعل الثلاثي «أسقي بفتحها» . والفعلان قد يستعملان، وقد جاءا في قول لبيد:

سقى قومي بني مجدٍ وأسقى

نُميرًا والقبائل من هلال

ص: 444

تحيته مني وإن كان نائيًا

وأمسى ترابًا فوقه الريح بلقعا

ألا تجدك وأنت تقرأ كلام متمم هذا لا تكاد تحس له بوزن، وإنما تشعر بمعناه ولفظه يلجأن إلى قلبك ولوجًا. وما ذلك لأن الشاعر قد أغفل ناحية الموسيقا في نظمه، كلا، ولا لأن البحر نفسه فاتر الموسيقا، فلهذه الأبيات رنةٌ موسيقية قوية. غير أنها مع قوتها كالمنزوية وراء كلام الشاعر ومعاني ألفاظه، لا تزاحمها بالجلبة والطنة إلى سمعك كما تفعل رنة الكامل ورنة الوافر.

وإذ قرأت أبيات متمم، فانظر في أبيات متمم، فانظر في أبيات أوس بن حجر هذه (1):

أيتها النفس أجملي جزعًا

إن الذي تحذرين قد وقعا

إن الذي جمع السماحة والنـ

جدة والحلم والقوى جمعا

الألمعي الذي يظن بك الظنـ

ـن كأن قد رأى وقد سمعا

والمخلف المتلف المرزأ لم

يمتع بضعفٍ ولم يمت طبعا (2)

والحافظ الناس في تحوط إذا

لم يرسلوا تحت عائذٍ ربعا (3)

وعزت الشمال الرياح إذا

بات كمي الفتاة ملتفعا (4)

وشبه الهيدب العباب من الـ

أقوام سقبا ملبسا فرعا (5)

وكانت الكاعب المخبأة الـ

حسناء في زااد أهلها سبعا

(1) القصيدة مفضلية وقالها أوس في رثاء فضالة الأسدي، وهي مشهورة.

(2)

الطبع: شدة الطمع.

(3)

العائذ: الحديثة النتاج. والربع: الصغير من الإبل، المولود في الربيع. وتحوط: اس للسنة الجائرة المجدية، وتسمى قحوط وبها يروى البيت، وهو عندي شاهد من شواهد التصحيف القديم في الكتابة، وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله.

(4)

إذا عزت الشمال الرياح: أي غلبتها، فهو الشتاء لا محالة. وكميع الفتاة: ضجيعها.

(5)

الهيدب العبام: الضخم الأبله من الرجال. يقول: نرى مثل هذا الشخص قد لف نفسه في الثياب واشتمل شملة قبيحة حتى بدا كأنه سقب: أي جمل صغير قد وضع عليه فرع -وهو الجمل الصغير الذي ذبح- كيما ترأمه أم ذلك الفرع فتدر اللبن. واستغنى بفرع عن ذكر الجلد.

ص: 445

أودى فما تنفع الإشاحة من

شيءٍ لمن قد يحاول البدعا

ليبكك الشرب والمدامة والـ

فتيان طرا وطامعٌ طمعا

وذات هدمٍ عارٍ نواشرها

تصمت بالماء تولبا جدعا (1)

والحي إذ حاذر الصباح وإذ

خافوا مغيرًا وسائرا تلعا

وازدحمت حلقتا البطان بأقـ

وام وجاشت نفوسهم فزعا

فقس أبيات أوسٍ هذه إلى جنب أبيات متمم وهي من المنسرح، تجد أن نغمها شديد الوضوح، ظاهر الجلبة، لا ينزوي وراء كلام الشاعر، وإنما يسارع إلى السمع معه. وكأن قصيدة أوس هذه كان أريد منها النوح والتعداد قبل كل شيء. ولا تكاد تحس فيها من العمق ما تحسه في كلام متمم. فكلام متمم مع هدوئه يجرح في أعماق القلب، ويكاد يلذعك منه حر الزفرات والأنات. ولكن كلام أوس مع ما فيه من التفجع لا يبلغ ذلك المبلغ.

ولا تقل لي إن هذا الاختلاف منشؤه اختلاف المعاني والأغراض، وليس ناشئًا من اختلاف بين جوهري الطويل والمنسرح. فلست أدفع أن الشاعرين قد اختلفت أغراضهما وإنما أزعم أن ذلك الغرض الذي أراده متمم ما كان ليظهر إلا في الطويل. وإن الغرض الذي أراده أوس لا يستقيم على الطويل البتة لما فيه من قصد النياحة والتعداد وإظهار اللوعة لا إخفائها، وهي متمكنة فاضحة، كما تجد عند متمم.

ولا أوضح في البرهان على هذا الزعم من أحيلك على ما ذكرته من رثاء لبيد لأربد أخيه في المنسرح، ورثائه له في الكامل، ورثائه له في الطويل، فقد سبق أن ذكرت لك أن مرثيته المنسرحية:

أخشى على أربد الحتوف ولا

أرهب نوء السماك والأسد

(1) الهدم: الثوب القديم. والنواشر عصب ظاهر الكف وعروقها. والتولب: الطفل. والجدع: السيء الغذاء.

ص: 446

نائحة ظاهرة النياحة، وهي تجري من هذا الوجه مجرى عينية أوس، وإن كان النوح فيها أصدق وأحر. ومرثيته الكاملية:

طرب الفؤاد وليته لم يطرب

وعناه ذكرى خلة لم تصقب

صلبة عنيفة، وهي تفارق من هذه الناحية، مذهب النوح وتسلك مسلك المرارة وإظهار الجزع. وتشبهها في هذه الناحية مرثية أبي ذؤيب:

أمن المنون وريبها تتفجع

والدهر ليس بمعتبٍ من يجزع

إلى قوله:

وتجلُّدي للشامتين أُريهم

أني لريب الدهر لا أتضعضع

غير أن مرثية أبي ذؤيب تنتهج بعد ذلك منهجًا فاترًا لا روح فيه. وقد سبق الكلام على ذلك في عرض الحديث عن البحر الكامل.

أما عينية لبيد الطويلة:

بلينا وما تبلى النجوم الطوالع

وتبقى الجبال بعدنا والمصانع

فهي أدخل في باب الرثاء المحض والحزن العميق من كلتا المرثيتين الدالية والبائية. وترى الشاعر فيها يحاول أن يخفي لوعته وجزعه، ويأبي ذلك إلا أن يتضح من أثناء تأملاته البعيدة الغور. ولا تكاد تحس لوزنها إلا انسجامه مع اللفظ والمعاني في لطف وخفاء وهو بذلك يكسب الأداء جلالة وتؤدة تلائم مقام الأسف على فقدان الأخ المرموق.

ألا ترى إلى شاعرٍ واحدٍ وهو لبيد كيف نوع أوزانه حين اختلفت أغراضه، واختار الطويل لأسماها وأرفعها جميعًا وأقيمها من الناحية الفنية وأبلغها في التأثير.

ص: 447

وتجري مجرى عينية لبيد ومتمم في منحاهما الجليل النبيل الموجع، دالية دريد ابن الصمة في أخيه التي مطلعها:

أرث جديد الحبل من أم معبد

وهي مشهورة، ورائيته:

يقولون لي هلا بكيت وقد أرى

مكان البكا لكن بُنيت على الصبر

فقلت أعبد اله أبكي أم الذي

له الجدث الأعلى قتيل أبي بكر

وعبد يغوثٍ تحجل الطير حوله

وعز المصاب حثو قبرٍ إلى قبر

فإما ترينا لا تزال دماؤنا

لدى واترٍ يسعى بها آخر الدهر

فأنا للحم السيف غير نكيرةٍ

ونلحمه حينًا وليس بذي نكر

يُغار علينا واترين فيشتفي

بنا إن أُصبنا أو نغير على وتر

فهذا الكلام بين النبل، بعيد الغور، مفعم بمعاني الوجه تحسه رائثًا.

وفيه من معاني العنف ما يعجز عنه العجل.

ووازن بين كلام طرفة في المعلقة حيث يقول:

يلوم ولا أدري علام يلومني

كما لامني في الحي قرط بن معبد

على غير شيءٍ قلته غير أنني

نشدت فلم أُغفل حمولة معبد

وقربت بالقربى وجدك إنني

متى يك أمر للنكيثة أشهد

وإن أدع للجلّى أكن من حماتها

وإن يأتك الأعداء بالجهد أجهد

بلا حدثٍ أحدثته وكمحدث

هجائي وقذفي بالشكاة ومطردي (1)

فلو كان مولاي امرأ هو غيره

لفرج كربي أو لأنظرني غدي

(1) يعني عوقبت بلا ذنب أذنبته. وقد عوقبت بالهجاء والشكوى والاطراد كأني قد كنت أذنب.

ص: 448

ولكن مولاي امرؤ هو خانقي

على الشكر والتسال أو أنا مفتدى

وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً

على المرء من وقع الحسام المهند

وكلام أبي تمام في إحدى ميمياته حيث يقول يذكر خروج تغلب على عمرو بن طوق التغلبي:

مالي رأيت ثراكم يبسًا له

مالي أرى أطوادكم تتهدم

ما هذه القربى التي لا تتقى

ما هذه الرحم التي لا تُرحم

حسد العشيرة للعشيرة قرحةً

تلدت وسائلها وجرحٌ أقدم

تلكم قريشٌ لم تكن آراؤها

تهفو ولا أحلامها تتقسم

حتى إذا بُعث النبي محمدٌّ

فيهم غدت شحناؤهم تتضرم

عزبت حلومهم وما من معشر

إلا هم منهم ألبُّ وأحزم

إن تذهبوا عن مالكٍ أو تجهلوا

نعماه فالرحم الضعيفة تعلم

كانت لكم أخلاقه معسولةً

فتركتموها وهي ملحٌ علقم

حتى إذا أجنت لكم داواكم

من دائكم إن الثقاف يقوم

فقسا لتردجروا ومن يك حازمًا

فليقس أحيانًا على من يرحم

وبين قوال العدواني حيث يقول:

عذير الحي من عدوان

كانوا حية الأرض

بغى بعضهم بعضًا

فلم يبقوا على بعض

وفيهم كانت الحكا

م والماضون بالقرض

وفيهم من يجيز النا

س بالسنة والفرض

ومنهم حكمٌ يقضي

فلا ينقض ما يقضي

فهذه الكلمات الثلاث جميعها في موضوع واحد وهو تشقق الرحم، وظلم ذوي القرابة بعضهم بعضًا. ولكن مسالك الشعراء الثلاثة اختلفت بحسب الأغراض التي

ص: 449

أرادوها. فطرفة أراد التظلم، فجاء شعره مرًا محضًا، مفعمًا بمعاني الغيظ، وأبو تمام أراد التبكيت والتوبيخ، فأخرج كلامه مخرج الخطابة والعظة. وذو الإصبع أراد التحسر لحال قومه، فجرى كلامه مجرى الغناء الحزين، على أن فيه نفسًا من التذكير والعظة. ولعلك تحس أن كلامي العدواني وأبي تمام متقاربان متشابهان. وأزعم أن أكبر قسط من التشابه راجع إلى ما بين الهزج والكامل من شبه في خفة الجرس، وكلام طرفة مباينٌ للكلامين كل المباينة. وأكاد أجزم أنه لو أجراه على الكامل ما صلح، لأن روحه روح وجعٍ وألم يسيل مسيل النهر الكثير الماء، وهذا لا يصلح له بالكامل بجرسه الذي يناسب الرقص والترنم والزجر وما إلى ذلك. ولا الهزج يصلح له لأنه بحر خفيف قصير، ولا الرمل ولا الرجز لقرب غورهما وعلو جرسهما. وإنما يصلح له الطويل لامتداد نفسه وخفاء جرسه.

ولأمر ما فضل الشعراء الأولون بحر الطويل على غيره في باب القصص المتصل بماضيهم وأخبارهم وأساطيرهم وملاحم قبائلهم في الأزمان السالفة، فإن حظه من ذلك هو الأوفر بالنسبة إلى غيره من البحور. ومنحى الشعراء فيه يناسب معاني التغني بجلالة الماضي وعنصر القصص والنعت فيه من الطراز الذي يدعو السامع لأن يُصغي ويتفهم قبل أن يهتز ويرقص كما في متقاربيات الأعشى. وشعر السير والأخبار كثيرًا جدًا في العربية، وربما خُيل لبعض الباحثين أن ليس في الاستشهاد به كبير غناء، لأن أكثره متكلف منتحل لا يصلح للاستشهاد. وهذه الحجة -مع فرض التسليم بطرف منها وهو الانتحال- باطلةٌ، لأن القاص المنتحل، كغير المنتحل، يتعمد أصلح البحور لقصصه، ومن غرائب الاتفاق أن يجمع أكثر المنتحلين على اختيار الطويل. أليس في هذا ما يدل على أن الأوائل كانوا يتقصدون هذا البحر دون غيره؟ أم ليس في خفاء جرس هذا البحر واعتداله وطول نفسه ما يعين على القصص؟ على أننا لا نسلم بأن إشعار السير والملاحم والأساطير في جملتها منتحلة.

ص: 450

فالمنتحل منها وإن كثر يمكن تمييزه ونقده. وللنقد العلمي المتقن مقاييس وأمور يُعرف بها الصريح من الهجين، أهمها الأسلوب ثم الرواية الصحيحة. والراجح أن الرواية الصحيحة في باب الشعر كانت تُعوّل على ما سطر في كتب الأولين أكثر مما تعوّل على مجرد الحفظ المتوارث من جيل إلى جيل (1).

وقد كانت العرب تلقى القصص في أشعارها على سبيل التلميح والإشارة، وتفترض أن السامع عالم بالتفاصيل والحوادث- ولا تكاد تشدّ عن هذا المنهج إلا في أوصاف الوحش، فقد كانت لها فيه طريقة واحدة متفق عليها، تجدها في أشعار هذيل وأشعار لبيد والشماخ، وحتى في أشعار الأخطل وذي الرمة والكميت والطرماح من المتأخرين ولا يخالجني شك في أن أوصاف الوحش لم يكن يراد منها في الأصل مجرد الوصل أو مجرد القصص، وإنما كانت لها قيمةٌ رمزية تقليدية اتصلت اتصالاً وثيقًا بمبنى القصيدة القديمة، وربما كان كل ذلك يرجع في أصله الأول إلى مرجع ديني وثني موغل في الأولية.

وسائر قصص العربية الوارد في الشعر تلميح وخطف، مثال ذلك قافية تأبط شرًا التي في أول المفضليات، فالشاعر فيها يفترض أنك كنت معه إذ نجا من بجيلة، وكرائية الحارث بن وعلة الجرميّ، التي يصف فيها فراره يوم الكلاب الأول، وكقصيدة عروة بن الورد الرائية التي يذكر فيها كيف خدع فرهن امرأته، حيث يقول:

(1) هذا باب طويل سنتناوله في جزء آخر من هذا الكتاب إن شاء الله. وبحسبنا أن نذكر هنا أن الأستاذ البهييتي في كتابه القيم (تاريخ الشعر العربي إلى القرن الثالث- 192) قد نبه إلى أهمية المراجع الكتابية في رواية الشعر القديم، واستدل بأدلة كثيرة. هذا ومن الأدلة القوية التي فاتته كثرة ما نجده من اختلاف الروايات في البيت الواحد مما يكون مصدر الاختلاف فيه ناشئًا عن تصحيف كتابي قديم، أو عن خطأ في قراءة نص مخطوط، وهذا سنفصله في موضعه إن شاء الله.

ص: 451

سقوني الخمر ثم تكتفوني

عبداة الله من كذبٍ وزور

والأمثال على ذلك أكثر من أن تحصى. وليكاد المرء يجزم أن الشعر القصصي الذي ينسب إلى الجاهلية ثم يتوفر فيه التفصيل وحبك القصة حبكًا تامًا، لابد أن يكون منتحلاً، مثال ذلك الكلمة المنسوبة إلى الحطيئة:

وطاوى ثلاثٍ عاصب البطن مرملٍ

ببيداء لم يعرف بها ساكنٌ رسما

ولكأن العرب كانت تروي أخبارها منثورة، ثم تذكر بعد ذلك أقوال الشعراء لتثبتها وتقررها وتدونها -فمعرفة القصة تفترض أولاً، ثم يأتي الشعر عليها كالتعليق- وهكذا طبيعة الشعر العربي الجيد كما وصفها أبو عبادة البحتري فأحسن:

والشعر لمحٌ تكفي إشارته

وليس بالهذر طولت خطبه

وكما قال عبد الله بن المعتز:

إن ذا الشعر فيه ضيق نطاقٍ

ليس كل الكلام بما شاء قالا

يُكتفى فيه بالخفي من الوحي

ويحتال قائلوه احتيالا

وهذه الطريقة العربية القديمة أثرها واضحٌ في كتب الإخباريين الإسلاميين وربما كان أثرها عظيمًا في تشجيع المنتحلين على الانتحال ليستدلوا به على صدق أخبارهم.

هذا ولما كان البحر الطويل رحيب الصدر، طويل النفس فإن العرب قد وجدت فيه مجالاً أوسع للتفصيل (في داخل نطاق التلميح والإشارة) مما كانت تجد في غيره من الأوزان. ولهذا فقد كان أصلح من غيره لتسجيل الأخبار والأساطير. وربما اتفق لشاعر فيه أن يذكر أهم معالم القصة كما اتفق لقيس بن العيزارة الهذلي (ديوان

ص: 452

هذيل الأول- أوروبا) في عينيته التي وصف فيها روعته عندما أسرته بنو فهم، قال (1):

غداة تنادوا ثم قاموا وأجمعوا

بقتلي سلكي ليس فيها تنازع

وقالوا: عدو لا هوادة عنده

وهاجٍ لأرحام العشيرة قاطع

فقلت لهم شاءٌ وجاملٌ

فكلكم من ذلك المال شابع

ويأمر بي شعلٌ لأقتل مقتلاً

لعمر الإله بئس ما أنت صانع

إلى أن يقول:

وقال نساءٌ لو قُتلت لساءنا

سواكنٌ ذو الشجو الذي أنا فاجع

رجالٌ ونسوانٌ بأكناف بيشةٍ

إلى حثنٍ تلك العيون الدوامع

وهذه القصيدة مع اشتمالها على تفاصيل مهمة تترك لك جانبًا كبيرًا لتعرفه عن السكري وأشياخه كما في قوله:

فويل أم بزجرٌ شعلٌ على الحصى

ووقر بز ما هنالك ضائع

فهذا البيت لا تدرك معناه إلا إذا كنت قد علمت بدءًا أن تأبط شرًا (شعلاً) كان رجلاً قصيرًا، وكان قد استلب سيف قيس وتقلد به، وجعل يخطر به، وكان السيف أطول من تأبط شرًا، فجعل ينجر على الأرض.

ومثل هذه التفاصيل التي تعطيك المعالم، وتترك بعد ذلك لك جانبًا عظيمًا، لا سيما إن كنت تعرف القصة، فيها ذخيرةٌ واسعة من الفن، وغذاء للعقل المتأمل وقد كانت العرب. بحق ترى في تاريخها وأساطيرها وأخبار وقائعها مادةً للتفكر والتأمل والعظة

(1) أبيات قيس هذه اعتمدنا في روايتها على الحفظ فليرجع إليها.

ص: 453

وكان إيثارها للطويل في هذا المضمار توفيقًا عظيمًا. تأمل مثلاً، قول الأخنس بن شهاب التغلبي (المفضليات):

لكل أناسٍ من معد عمارةٌ

عروضٌ إليها يلجئون وجانب

لكيزٌ لها البحران والسيف كله

وإن يغشها بأسٌ من الهند كارب

تطاير من أعجاز حوش كأنها

جهامٌ أراق ماءه فهو آئب

وبكرٌ لها بر العراق وإن تشأ

يحل دونها من اليمامة حاجب

وصارت تميمٌ بين قف ورملةٍ

لها من جبالٍ منتأى ومذاهب

وكلبٌ لها خبتٌ ورملة عالجٍ

إلى الحرة الرجلاء حيث تحارب

وبهراء حقًا قد علمنا مكانهم

لهم شركٌ حول الرصافة لاحب

وغارت إيادٌ بالسواد ودونها

برازيق عجم تبتغي من تضارب

ونحن أناسٌ لا حجاز بأرضنا

مع الغيث مع ما نلفى ومن هو عازب

فهذا موجز لتاريخ العرب من بني عدنان، ولم يكن القصد منه مجرد تعداد القبائل. وإنما كان يرمي الشاعر ليستثير في ذهن السامع أخبار الأيام والتواريخ. وبيته الأخير وإن كان ينزع منزع الفخر فيه إشارة واضحة إلى أن تغلب قد أُجلوا من ديارهم بعد يوم قضة، فصاروا يتجولون بنواحي الجزيرة. وقد جعل الشاعر من هذا موضعًا للفخر، إذ ذكر أنهم قومٌ لا حجاز بأرضهم، وإنما حجازهم السيوف. وهذا الفخر لا يخفى ما تحته من تحسر على أيام كانت تغلب بتهامة، وكانت فيها شوكة ربيعة.

وقد أحس أبو عبيد البكري بما في هذه الأبيات من قيمة تاريخية، فجعلها خاتمة لفصله الطويل عن أخبار ربيعة في مقدمة كتابه معجم

ص: 454

ما استعجم (1).

وهاك مثالاً آخر من شعر القبلية والملاحم:

قال عمرو بن الخثارم الأنماري يذكر خروج بجيلة وخشعم ابني أنمار إلى السراة وخبر إجلائهم عنها بني ثابر من العرب العاربة (2):

نفينا كأنا ليث دارة جلجل

مدل على أشباله يتهمهم

فما شعروا بالجمع حتى تبينوا

بنية ذات النخل ما يتصرم

شددنا عليهم والسيوف كأنها

بأيماننا غمامة تتبسم

وقاموا لنا دون النساء كأنهم

مصاعيب زهر جللت لم تخطم

ولم ينج إلا كل صعلٍ هزلجٍ

يخفف من أطماره فهو محرم

ونلوي بأنمار ويدعون ثابرًا

على ذي القنا ونحن والله أظلم

حبيبية قسرية أحمسية

إذا بلغوا فرع المكارم تمموا

منحنا حقالاً آخر الدهر قومنا

بجيلة كي يرعوا هنيئًا وينعموا

وكقول ثعلبة بن غيلان يذكر خروج إياد من تهامة (3):

بها قطعت عنا الوذيم نساؤنا

وخرست الأبناء فيها الخوارس

إذا شئت غناني الحمام بأيكةٍ

ولي سواءٌ صوتها والعرانس

تجوب بنا الموماة كل شملةٍ

أذا أعرضت منها القفاز البسابس

(1) رواية الأبيات أعلاه من معجم ما استعجم، وهي في المفضليات الكبير 414 - 417، وقد اختار أبو عبيد ما اختاره من هناك. إلا أن عدد القبائل المذكورة في الأصل أكثر- وإنما اكتفى أبو عبيد بما عرض فيه ذكر ربيعة والقبائل المجاورة لها في المسكن خاصة. وجاء في معجم ما استعجم تحريف في البيت الثاني وروايته هناك «تطاير على» بالتسكين للضرورة (1: 86) والصواب من المفضليات أو السكون له وجه ظاهر.

(2)

معجم ما استعجم 1: 59.

(3)

نفسه 1: 76.

ص: 455

فيا حبذا أعلام بيشة واللوى

ويا حبذا أخشافها والجوارس

أقامت بها جسر بن عمر وأصبحت

إياد بها قد ذل منها المعاطس (1)

تبدل دعمي بدعوى أخيهم

سباسب آلٍ تحتويها الفوارس

والملاحم المتصلة بخروج إياد من الجزيرة وحروبهم مع العجم كثيرة، وروايتها من الدقة والصحة بحيث لا يكاد الشك يتطرق إليها، ولا ريب أن بعضها كان مكتوبًا كخبر لقيط الإيادي. وفيها معين خصب للباحث في عادات الجاهلية وطبائعها، أذكر من ذلك على سبيل المثال خبر قتالهم لكسرى أنو شروان وذبحهم الضحية البشرية قبل بدء المعركة.

وقد اتلأب تحبير القصص الملحمي الشعري في الطويل في صدر الإسلام وعهود بني أمية، ووجد من أيام صفين والجمل، والفتن التي تلتهما معينًا ثرًا يستمد منه. ولا تكاد صفحةٌ من كتاب صفني لنصر بن مزاحم تخلو من بيت طويل. بلى، إن رواة الشعر والأخبار أجمعوا كلهم على أن علي بن أبي طالب لم يصح له من الشعر إلا قوله يمدح صاحب لوائه على ربيعة:

لمن رايةٌ خضراء يخفق ظلها

إذا قلت قدمها حضين تقدما

فقدمها حمراء حتى يرد بها

حياض المنايا تقطر الموت والدما

وهذان البيتان من الطويل، وحضين هذا هو ابن المنذر من سادة ربيعة، وعمر عمرًا طويلاً.

(1) قوله الوذيم: عنى خيوط التمائم. والتخريس: هو صنع الخرس، طعام تطعمه النساء النفساء بحسب ما ذكر المعري، والخوارس: صانعاته. والعرانس: ضرب من الطيور مما لا يستحب تصويته، كما يبدو من شعر الشاعر. والأخشاف: الغزلان. والجوارس: النحل. والمعاطس: الأنوف.

ص: 456

ومن خير ما يروونه من ملاحم صفين قول العبسي يذكر قتله لمحمد بن طلحة السجاد:

وأشعث قوام بآيات ربه

قليل الأذى فيما ترى العين مسلم

يُذكرني حم والرمح دونه

فهلا تلاحم قبل التقدم

ضممت إليه بالسنان ثيابه

فخر صريعًا لليدين وللفم

على غير شيء غير أن ليس تابعًا

عليًّا ومن لا يتبع الحق يندم

وفي هذه الميمية نفسٌ من كلمة جابر بن حنى التغلبي صاحب امرئ القيس التي يقول فيها:

نطيع ملوك الأرض ما قصدوا بنا

وليس علينا قتلهم بمحرم

وقد نظم الخوارج جل شعرهم في الطويل، وما أحسب ذلك إلا لأنهم وجدوا في نغمه الصلاحية للجد الصريح الذي لا تفسده قعقعةٌ ولا جلبة. وقد سلم لهم فيه كلام ملحميّ غايةٌ في الجودة، نحو ميمية قطري المشهورة:

فيا كبدا من غير جوعٍ ولا ظما

ويا كبدا من حب أم حكيم

فلو شهدتني يوم دولاب أبصرت

طعان فتى في الحرب غير ذميم

ونحو كلمة يزيد بن حبناء:

كفى العدل إن العيش ليس بدائم

ولا تعجلي باللوم يا أم عاصم

فإذا عجلت منك الملامة فاسمعي

مقالة معنيّ بحقك عالم

ولا تعذلينا في الهدية إنما

تكون الهدايا من فضول المغانم

ولم يرد أن الهدايا تكون مما يفضل من الغنائم، وإنما أراد أن الهدايا تكون من المغانم التي هي فضول، فأضاف الصفة إلى الموصوف، وهذا مذهب مستقيم في العربية.

ص: 457

ثم إن الشاعر بعد أن اعتذر بأنه لم يغنم مالاً فيهدي منه، أردف ذلك باعتذار آخر ذكر فيه أنه كان مشغولاً بجلاد الأبطال، والدفاع عن حوزة الدين، وأن ذلك لم يُفرغه إلى جمع المغانم من ثياب وعرض زائل، وذلك حيث يقول:

لقد كان في القوم الذين لقيتهم

بسولاف شغل عن بزوز اللطائم

توقد في أيديهم زاعبية

ومرهفة تفري شئون الجماجم

ومما يجري مجرى أشعار الخوارج في ذكر الملاحم، قصائد الشيعة المكتمات، وقد روي لنا الطبري بائية طويلة منها منسوبة إلى أعشى همدان، وفيها من التفصيل القصصي ما يخالف مذاهب العرب، كما أن أسلوبها في جملته لين ضعيف، وقد كانت كثير من أشعار الإسلاميين في الكوفة والعراق تشكو هذا الضعف. وأجود من ملاحم الشيعة تلك الطويليات الروائع المنسوبة إلى عبيد الله بن الحر، وهي أشبه بشعر الخوارج في صلابتها، وتمهل جرسها ودلالتها على الإقدام والبسالة، من ذلك كلمته التي مطلعها:

يقول أمير غادرٌ حقُّ غادر

ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمة

وهذه الكلمات كلها مذكورة في تاريخ الطبري (الجزء الرابع والخامس)

واختار الفرزدق وجرير بحر الطويل لقصائدهما المطولة التي ذكرا فيها ملاحم القبائل، كالميميات، وكحائية جرير في هجو الأخطل، وفائية الفرزدق، واتبعهما في هذا المسلك بشارحين عرض لمدح مروان بن محمد في بائيته التي يقول فيها:

إذا الملك الجبار صعر خده

مشينا إليه بالسيوف نضاربه

وميميته:

أبا جعفرٍ ما طيب عيشٍ بدائم

ولا سالم عما قليل بسالم

ص: 458

على الملك الجبار يقتحم الردى

ويفجؤه في الجحفل المتلاحم

تقسم كسرى رهطه بسيوفهم

وأمسى أبو العباس أحلام نائم

عنى به فيما زعموا الوليد بن يزيد، وكان يكنى بالعباس، وربما يكون قد عني أبا العباس السفاح، ثم لما حوّل القصيدة في هجاء أبي مسلم فسر التفسير الذي ذكره الرواة.

ومروان قد دارت على رأسه الرحا

وكان لما أجرمت نزر الجرائم

وقد ترد الأيام بيضًا وربما

وردن كلوحًا حاسرات العمائم

فرم وزرًا ينجيك يا بن سلامةٍ

فلست بناجٍ من مضيمٍ وضائم

وقد حاول أبو تمام هذا النهج الملحمي في بعض طويلياته كما فعل في كلمته:

على مثلها من أربع وملاعب

أُذيلت مصونات الدموع السواكب

ولكنه كان بطبعه ميالاً إلى الطنطنة والدندنة، والطويل قلما يصلح لذلك، وطويليات أبي تمام في جملتها ليست من بارع شعره- وإن كان قد سلمت له في هذا البحر أبيات في غاية الجودة، كقوله في الشعر:

ولو كان يفنى الشعر أفناه ما قرت

حياضك منه في العصور الذواهب

ولكنه صوب العقول إذا انجلت

سحائب منه أُعقبت بسحائب

وكقوله:

وقد علم الأفشين وهو الذي به

يصان رداء الملك من كل جاذب

بأنك لما اسحنكك الأمر واكتسى

أهابي تسفي في وجوه التجارب

تجللته بالرأي حتى أريته

به ملء عينيه مكان العواقب

وقد كان أبو تمام رحمه الله يجترئ على أمثال «اسحنكك» و «اطلخم» ، مما عده

ص: 459

المتأخرون متنافرًا وحشيًا، لثقته بملكته في العربية وحرصه على مذهب الأوائل في الرصانة.

وقد وُفق البحتري في الطويل أكثر من أبي تمام، وهذا وحده يدل على أنه كان أقوى طبعًا منه، وأقعد في باحة الشعر، وأخصب جنابًا من صاحبه. لأن الطويل ميدان الوصف والملحمة والتأمل والبلاغة الحرة، من غير ما اعتماد على دندنة النغم، وجلبة التفاعيل. وناهيك بعينيته في حرب تغلب:

منى النفس من أسماء لو تستطيعها

بها وجدها من غادةٍ وولوعها

وقد تحدث عنها الدكتور طه حسين بما لا مزيد عليه في كتابه من حديث الشعر والنثر فليرجع إليها هناك.

وقصيدة البحتري في وصف الذئب من روائع الكلام، وفيها قد جلى عن تملكه لعنان الألفاظ أيما تجلية، وما أحسب النابغة لو سمعها كان يستنكف أن تنسب إليه، من حيث رصانتها وقوة طبعها. وهي مشهورة، وقد أوردها أصحاب المنتخب في أدب العرب. والوصف الملحمي فيها بين واضح. ومن روائع البحتري في الطويل قوله في الفتح بين خاقان يصف لقاءه للأسد. قال (1):

وقد جربوا بالأمس منك عزيمةٍ

فضلت بها السيف الحسام المجربا

غداة لقيت الليث والليث مخدر

يُحدد نابًا للقاء ومخلبا

يحصنه من نهر نيزك معقل

منيع تسامى روضه وتأشبا

يرود مغارًا بالظواهر مكثبًا

ويحتل روضًا بالأباطح معشبًا

يُداعب فيه أقحوانًا مفضضًا

يبص وحوذانا على الماء مُذهبا

إذا شاء غادى عانةً أوغدا على

عقائل سربٍ إن تقنص ربربا

(1) ديوانه 1: 56.

ص: 460

يجر إلى أشباله كل شارقٍ عبيطًا مدمى أو رميلاً مخضبًا

ومن يبغ ظلمًا من حريمك ينصرف

إلى تلفٍ أو يُثن خزيان أخيبا

شهدت لقد أنصفته يوم تنبري

له مصلتًا عضبًا من البيض مقضبًا

فلم أر ضرغامين أصدق منكما

عراكًا إذا الهيابة النكس كذبًا

هذا البيت من الضرب الرفيع الذي يعجب به أصحاب الاستعارة. وقد ذكر عبد القاهر في أسراره هذا النوع من تثنية المستعار مع المستعار له كأنهما شيء واحد، وأطنب في مدحه واستشهد عليه بقول الفرزدق:

«أبى أحمد الغيثين صعصعة الذي» إلخ

البيت (1)

هزبرٌ مشى يبغي هزبرًا وأغلبٌ

من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا

وقد احسب ابن الأثير (2) هذا البيت مأخوذًا من كلام بشر بن عوانة «هزبرا أغلبا لاقى هزبرا» ونسى أن بشر بن عوانة من مخترعات الهمذاني، وزمانه بعد زمان البحتري.

أدل بشغبٍ ثم هالته صولةٌ

رآك لها أمضى جنانًا وأشغبا

فأحجم لما لم يجد فيك مطمعا

وأقدم لما لم يجد عنك مهربا

فلم يغنه أن كر نحوك مقبلاً

ولم يُنجه أن حاد عنك منكبا

حملت عليه السف لا عزمك انثنى

ولا يدك ارتدت ولا حده نبا

وكنت متى تجمع يمينك تهتك الضريبة أو لا تبق للسيف مضربا

ألنت لي الأيام من بعد قسوةٍ

وعاتبت لي دهري المسيء فأعتبا

وألبستني النعمى التي غيرت أخي

علي فأمسى نازح الدار أجنبا

(1) أسرار البلاغة، المنار «مصر» 274.

(2)

ابن الأثير المثل السائر 495.

ص: 461

فلا فزت من مر الليالي براحةٍ

إذا أنا لم أصبح بشكرك متعبًا

على أن أفواف القوافي ضوامنٌ

لشكرك ما أبدى دجى الليل كوكبا

ثناءٌ تقصّى الأرض نجدًا وغائرًا

وسارت به الركبان شرقًا ومغربًا

فهذا هو الشعر الصريح الناصع. وقد أخلص أبو عبادة المدح، كما أجاد الوصف، كل ذلك في لفظ نقي مهذب مصقول، وقد وازن ابن الأثير بين كلمته هذه وبين كلمة أبي الطيب المتنبي التي يقول فيها:

أمعفر الليث الهزبر بسوطه

لمن ادخرت الصارم المصقولا

وردٌ إذا ورد البحيرة شاربا

ورد الفرات زئيره والنيلا

متخضبٌ بدم الفوارس لابسٌ

في غيله من لبدتيه غيلا

ما قوبلت عيناه إلا ظنتا

تحت الدجى نار الفريق حلولا

في وحدة الرهبان إلا أنه

لا يعرف التحريم والتحليلا

يطأ الثرى مترفقًا من تيهه

فكأنه آسٍ يجس عليلا

ويرد عفرته إلى يافوخه

حتى تصير لرأسه إكليلا

قصرت مخافته الخطا فكأنما .. ركب الكمي جواده مشكولا

ألقى فريسته وزمجر دونها

وقربت قربًا خاله تطفيلا (1)

فتشابه القربان في إقدامه

وتخالفا في بذلك المأكولا

أسدٌ يرى عضويه فيك كليهما

متنا أزل وساعدًا مفتولا

ما زال يجمع نفسه في زوره

حتى حسبت العرض منه الطولا

ويدق بالصدر الحجار كأنه

يبغي إلى ما في الحضيض سبيلا

وكأنما غرته عين فادنى

لا يبصر الخطب الجليل جليلا

أنف الكريم من الدنية تاركٌ

في عينه العدد الكثير قليلا

(1) الرواية المشهورة: وبربر دونها.

ص: 462

والعار مضاض وليس بخائفٍ

من حتفه من خاف مما قيلا

خذلته قوته وقد كافحته

فاستنصر التسليم والتجديلا

سمع ابن عمته به وبحاله

فمضى يهرول أمس منك مهولا

وأمر مما فر منه فراره

وكقتله ألا يموت قتيلا

تلف الذي اتخذ الجراءة خطةً

وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا

ففضل أبا الطيب قائلاً: «وسأحكم بين هاتين القصيدتين، والذي يشهد به الحق، وتتقيه العصبية أذكره، وهو أن معاني أبي الطيب أكثر عددًا وأسد مقصدًا، ألا ترى أن البحتري قد قصر مجموع قصيدتيه على وصف شجاعة الممدوح في تشبيهه بالأسد مرة، وتفضيله عليه أخرى، ولم يأت سوى ذلك. وأما أبو الطيب فإنه أتى بذلك في بيتٍ واحدٍ وهو قوله:

أمعفر الليث الهزبر بسوطه

لمن ادخرت الصارم المصقولا

ثم إنه تفنن في ذكر الأسد، فوصف صورته وهيأته، ووصف أحواله في انفراده في جنسه وفي هيئة مشيئته واختياله، ووصف خلق بخله مع شجاعته، وشبه الممدوح به في الشجاعة، وفضله عليه بالسخاء. ثم إنه عطف بعد ذلك على ذكر الأنفة والحمية التي بعثت الأسد على قتل نفسه بلقاء الممدوح، وأخرج بذلك في أحسن مخرج وأبرزه في أشرف معنى. وإذا تأمل العارف بهذه الصناعة أبيات الرجلين عرف ببديهة النظر ما أشرت إليه. والبحتري وإن كان أفضل من المتنبي في صوغ الألفاظ وطلاوة السبك، فالمتنبي أفضل منه في الغوص على المعاني» (المثل السائر 495 - 496).

وعندي أن ابن الأثير قد جار في الحكم على أبي عبادة. نعم أبو عبادة لا يعطينا من صورة الأسد في هوله وزمجرته وقضقضته وتمرده ما يعطينا المتنبي. ولكن المتنبي قصر في المدح، وأعطى ممدوحه النصيب الأخس في المبارزة. وقوله: «أمعفر

ص: 463

الليث .. البيت» على جماله لا يخرج عن حد المبالغة، إذ نحن نعلم أن بدرًا لم يقتل الأسد وإنما قتله أعوانه، وحتى إذا صح لبدر أنه جدّل الأسد بضربة من سوطه مفاجئة، فليس في ذكر كبير مدح، فالزرافة وهي أجبن من الصافر (1) ترمح الأسد فتلقيه على الأرض، ثم يثب عليها فيمزّقها إربًا إربًا. وقد صرّح المتنبي بأن الذي خذل الأسد ليس بدرًا الممدوح وإنما هو كثرة الأعداء مع عون القدر، وتلمح ذلك في قوله: «أنف الكريم

البيت». وهذا وقد أربى أبو عبادة على المتنبي بأنه رسم لنا صورة كاملة للأسد وهو ملك في أجمته العاشبة -والأسود تسكن أماكن العشب- وأبرز لنا ألوانها المختلفة ثم ترك لخيالنا أن يتأمل الأسد يخطر بلبدته ولونه الأدهس، مدلاً بقوته وسلطانه. وهذا منهج من القول لا يقوى عليه المتنبي مع ما أوتيه من مقدرة. ثم إن البحتري برّز على المتنبي بصفة المبارزة، وقد أضفى عليها كل ما يستطاع إضفاؤه من الجلالة والرهبة، مع ميل إلى جانب الممدوح وإشادة ببسالته. والمتنبي مال ميلاً بينا إلى جانب الأسد حتى كاد ينسب ميتته إلى القضاء، وذلك قوله «خذلته قوته

البيت» وقد بلغ من ميل المتنبي مع الأسد أنه تمنى له أن لو كان قد اتخذ الفرار خطة فنجا، ثم اعتذر له بأنه آثر الحمية والحفاظ ودرء العار. وكأن المتنبي تصور نفسه في ذلك الأسد، فنسب إليه من الكرامة والشمم ما كان يدعيه لنفسه. وقد افتضح المتنبي بعد فراغه من نعت المعمعة فلم يستطع أن يقول في ممدوحه شيئًا ألا الكفر والمبالغة التي لا طعم لها، نحو قوله:

لو كان علمك باءلاله مقسمًا

في الناس ما بعث الإله رسولا

ولكن البحتري كان كالفرس الجواد، بلغ غاية حضره ثم لم تزل فيه بقيةٌ مصطفاة لممدوحه الكريم يختم بها حر كلامه. على أني لا أبغي أن أتنقص أبا الطيب حقه، فإنه قد أبلغنا صورة مفزعة مرعبة لن نفتأ نعدها على كر الليالي من حسنات

(1) الصافر: النعامة.

ص: 464

الشعر العربي. ولو كان الغرض الذي نظم فيه الشاعران هو مجرد نعت الأسد لكنت فضلت المتنبي بدون شك. ولكن غرض قصيدتها كان المدح أول من كل شيء (1).

ومن إحسان البحتري الذي لا يجاري في الوصف الملحمي، نعته لأسطول المسلمين في أثناء قصيدة مدح بها أحمد بن دينار. قال (2):

غدوت على الميمون صبحًا وإنما

غدا المركب الميمون تحت المظفر

أطل بعطفيه ومر كأنما

تشرف من هادي خصانٍ مشهر

إذا زمجر النوتي فوق علاته

رأيت خطيبًا في ذؤابه منبر

ولا أستحسن عجز هذا البيت على سلامته.

إذا عصفت فيه الجنوب اعتلى له

جناحًا عقابٍ في السماء مهجر

إذا ما اتكا في هبوة الماء خلته

تلفع في أثناء بردٍ محبر

وحولك ركابون للهول عاقروا

كؤوس الردى من دار عين وحسر

تميل المنايا حيث مالت أكفهم

إذا أصلتوا حد الحديد المذكر

إذا رشقوا بالنار لم يك رشقهم

ليقلع إلا عن شواء مقتر

صدمت بهم صهب العثانين دونهم

ضرابٌ كإيقاد اللظى المتسعر

يسوقون أسطولاً كأن سفينه

سحائب صيف من جهامٍ وممطر

وذلك لتفرقها مع كثرتها:

كأن ضجيج بين رماحهم

إذا اختلفت ترجيع عودٍ مجرجر

(1) لابد من القول الآن (1968 م) أن الرأي إليه ابن الأثير. ذلك بأن الشعر لا يقاس قدره بما يراد له من الآراء قبل نظمه وفروغ الشاعر منه، ولكن بما يبلغه من حاق الجودة والشاعرية. وأحسب أن أبا الطيب رحمه الله قد زاد على البحتري زيادة ظاهرة ههنا، والله أعلم. لنا إلى هذه الكلمة عودة إن شاء الله.

(2)

ديوانه 2 - 23 - 24.

ص: 465

وذلك لانتظام الصوت لا لحلاوة النغم.

تقارب من زحفيهم فكأنما

تؤلف من أعناق وحشٍ منفر

فمارت حتى أجلت الحرب عن طلى

مقطعةٍ منهم وهامٍ مطير

على حين لا نقعٌ تطرحه الصبا

ولا أرض تلفى للصريع المقطر (1)

وهذا البيت الأخير من التفاتات البحتري البارعة، ومن سهله الممتنع.

وقد أتيح للطويل بعد البحتري شاعرٌ آخر بلغ به غايات بعيدة في صفات الملاحم وذلك هو أبو الطيب، وشعره في هذا الباب من الكلم البواقي. وقد أنصفه الدكتور طه حسين حق الإنصاف في معراض كلامه عن سيفياته، فلا أجد من طائل في تطويل الكلام بذكر اختيارات منها. وأبو فراس الحمداني قد أحسن في رومياته، إلا أنها أدخل في باب التحسر منها في باب الملاحم، ونعته لمشاهد الحرب وللوقائع فيها ليس بكثير، ولا يبلغ فيه إحسان أبي الطيب.

(1) رائية البحتري هذه تنظر نظرًا شديدًا إلى لامية جرير التي مطلعها «شغفت بعهد ذكرته المنازل» [ديوانه 439] وهي في الحجاج وذكر فيها أسطوله فقال:

سلكت لأهل البر برا فنلتهم

وفي اليم يأتم السفين الجوافل

ترى كل مرزابٍ تضمن بهوها

ثمانين ألفًا زايلتها المنازل

جفول ترى المسمار فيها كأنه

إذا اهتز جذع من سميحة ذابل

تخال جبال الثلج لما ترفعت

أجلتها والكيد فيهن كامل

ومن هنا أخذ البحتري قوله:

يسوقون أسطولاً كأن سفينه

سحائب صيف من جهام وممطر

والله تعالى أعلم.

ص: 466

وقد سلك أحمد شوقي قري المتقدمين في نظمه ملاحم العثمانيين في بائيته المطولة:

بسيفك يعلو الحق والحق أغلب

ولكنه رغم صحة ذوقه في اختياره لما اختاره لها من أغراض، لم يوفق في الأداء وما ذلك إلا لأنه لم يكن من رجال الطويل. ولم يتح له الإحسان في أكثر ما نظمه فيه. وإنك لتحس وأنت تقرأ بائيته هذه أن شويًا قد تاه في يهماء لم يكن من خبرائها، وأطاف بربوع ليس يها ميه، ووقع في كثير من الهجنة والركاكة مما كان أخلق به أن ينزه قلمه عنه. ولكن الرجل رحمه الله كان كثيرًا ما يخطئ في تقدير ملكته ولا سيما في باب استعراض الوقائع ونعتها وسردها.

هذا ولا يذهبن بك ما ذكرناه عن الطويل إلى أن هذا البحر اختص بشعر الملاحم دون سواها. فكل ما أوردناه إنما هو للدلالة على أن خفاء الجرس في هذا البحر جعله أكثر الأوزان صلاحية للأوصاف الملحمية الوثيقة الصلة بتراث الماضي وتاريخه.

وحقيقة الطويل أنه بحر الجلالة والنبالة والجد، ولو قلنا إنه بحر العمق لاستغنينا بهذه الكلمة عن غيرها، لأن العمق لا يمكن أن يتصور بدون جد، وبدون نبل وجلالة. وما يتعمق المتعمق إلا وهو جاد، أيًا كان ما تعمق فيه. ولهذا فإنك لا تجد قصائد الطويل الغرر إلا منحوًا بها نحو الفخامة والأبهة من حيث شرف اللفظ وهدوء النفس، واستثارة الخيال، وتخير المعاني. خذ على سبيل المثال قول النابغة الذبياني يتبرأ ما قُذف به عند النعمان (مختارات الشعر الجاهلي 204).

أتاني أبيت اللعن أنك لمتني

وتلك التي تستك منها المسامع

لعمري وما عمري علي بهين

لقد نطقت بطلاً على الأقارع

أتاك امرؤ مستبطنٌ لي بغضة

له من عدو مثل ذلك شافع

ص: 467

يعني له ناصرٌ وشافع على مثل حاله من استبطان البغضاء لي.

أتاك بقول هلهل النسج كاذب

ولم يأت بالحق الذي هو ناصع

أتاك بقولٍ لم أكن لأقوله

لو كبلت في ساعدي الجوامع

خلفت فلم أترك لنفسك ريبةً

وهل يأثمن ذو إمة وهو طائع

أي ذو دين وخلق ومروءة. وقوله وهو طائع، يعني من دون إكراه.

بمصطحباتٍ من لصاف وثبرةٍ

يزرن إلالا سيرهن التدافع

عليهن شعثٌ عامدون لحجهم

فهن كأطراف الحني خواضع

لكلفتني ذنب امرئٍ وتركته

كذي العر يكوى غيره وهو راتع

فإن كنت لاذو الضغن عني مكذبٌ

ولا حلفي على البراءة نافع

ولا أنا مأمونٌ بشيءٍ أقوله

وأنت بأمرٍ لا محالة واقع

فإنك كالليل الذي هو مدركي

وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

فهذا كلام لا تخفى أبهته ورواؤه وجلالته: والمقام الذي قيل فيه، والغرض الذي من أجله صنع، كل ذلك يستدعي مثل هذا النفس النبيل.

وهاك مثالاً آخر من شعر امرئ القيس يصف رحلته إلى قيصر:

سما لك شوقٌ بعدما كان أقصرا

وحلت سليمي بطن قو فعرعرا

كنانيةٌ بانت وفي الصدر ودها

مجاورةٌ غسان والحي يعمرا

ولعمري إني لأعجب للعرب الأقدمين لا يكادون يشببون بامرأة إلا أن تكون من قبيلة معادية. هذا امرؤ القيس كما ترى يشيب بامرأة من كنانة وقد كانوا أعداءه لقرابتهم لبني أسد بن خزيمة الذين قتلوا حجرًا. وهذا لبيد يشبب بامرأة من مرة، وقد كان بين عارم وبني ذبيان ما كان يوم الرقم. وهذا عنترة يزعم أنه يقتل رهط

ص: 468

محبوبته. وهذا عامر بن الطفيل يشبب بأسماء الفزارية، وهذا الحارث بن حلزة يُسكن حبيبته الخلصاء في ديار بني تميم حيث يقول:

بعد عهدٍ لنا ببرقة شما

ء فأدنى ديارها الخلصاء

ولم يكن بين تميم وبكر إلا السيف.

وقد وهم الدكتور طه حسين في حديث الأربعاء شيئًا، فحسب أن التشبيب بنساء الأعداء أمرٌ ابتدعه شعراء المسلمين، وسماه الغزل الهجائي؛ وقال في أثناء الحديث عنه إنه فنٌّ «شديد الخطر» على الناقد من حيث إنه «يلبس عليك أمر الشاعر، ويجعل حكمك على عاطفته عسيرًا جدًا. فأنت لا تكاد تتبين اجاد هو في غزله أم لاعب، أمادح هو صاحبته لأنه يحبها أم لأنه يكره أهلها. وأنت مضطر أن تنظر إلى هذا الغزل من حيث هو فنّ مجرد من النفسية الصادقة للشاعر ومن عواطفه الحقيقية» (حديث الأربعاء 1: 247). وأشهد لقد نزل الدكتور طه حسين هنا على حكم المنطق والفكر بحسب مقدمات القضايا التي أوردها، مع أنه كان يحس بذوقه وسلامة طبعه صدق العاطفة في كثير من هذا الشعر المتغزل فيه بنساء الأعداء، ويدلك على ذلك اعترافه بأنه «مضطر إلى أن يُنظر إلى هذا الغزل إلى آخر ما قاله» .

وأحسب أن الدكتور طه لو كان تنبه إلى أن هذا المنهج من التغزل في نساء الأعداء ليس بإسلامي الأصل، وأنه جاهليّ موغلٌ في القدم، وثيق الصلة بتراث العرب وحضارتهم، ما كان حكم عليه بأنه فرنٌ مجرد صفر من العاطفة. وكيف يكون خاليًا من العاطفة ما يستمد أصله من جوهر حياة الناس وأسها. ولا شك أن شأن السر في تغزل العرب بناء أعدائهم هو أنهم كانوا يرون هؤلاء النساء في المرابع والمراتع، فيقعن من قلوبهم، ثم يعزمون بعد تفرق الأحياء على الغارة ليستبوهن ويستصفوهن لأنفسهم، وهذا يوضحه نحو قول عنترة:

ص: 469

علقتها عرضًا وأقتل أهلها

زعمًا لعمر أبيك ليس بمزعم

وما تمنع الرجل بغضته لرهط امرأةٍ أن يتعشقها ويقتل أهلها ليظفر بها. بل الغالب في الرجال -حتى في حالات المصاهرة المعتادة- ألا يكون بينهم وبين أصهارهم كبير حب. كما أن النساء لا يكون بينهن وبين أحماتهن إلا العداوة.

هذا، والحديث ذو شجون ونرجع بعد إلى ما كنا فيه من ذكر رائية امرئ القيس:

بعيني ظعن الحي لما تحملوا

لدى جانب الأفلاج في جنب تيمرا

فشبهتهم في الآل لما تكمشوا

حدائق دومٍ أو سفينًا مقيرا (1)

أو المكرعات من نخيل ابن يامنٍ

دوين الصفا اللائي يلين المشقرا

عنى بالمكرعات: النخيل الباسقات اللائي نبتن على حافة الماء وكرعن منه وروين. ثم أخذ بعد هذا في صفة النخيل فأجاد وأمتع. وتأمل هذه الصورة التي يرسمها لك، من موضع النخيل وراء الصخور التي تلي قصر المشقر، حيث كان يقيم عامل كسرى على البحرين، ومن سموقهن، وحملهن للبسر الأحمر، وتحدب أصحابهن عليهن من بني الربداء بأطراف القنا، يمنعونهن بذلك من الطامعين، قال:

سوامق جبارٍ أثيثٍ فروعه

وعالين قنوانًا من البسر أحمرا (2)

ولا أنبهك إلى جمال عطف الفعل في قوله «وعالين» على ما سبقه من قوله «أو المكرعات» .

حمته بنو الربداء من آل يامنٍ

بأسيافها حتى أقر وأوقرا

(1) الدوم: ضرب من الشجر شبيه بالنخل، يكثر بجزيرة العرب وبأرض السودان.

(2)

الجبار: ما طال من النخل.

ص: 470

وأرضى بني الربداء واعتم زهوه

وأكمامه حتى إذا ما تصهرا (1)

والتمر الجيد اللحيم يصفر أول أمره أو يحمر، ثم يصير منصفًا ومجزعًا ثم يشمله اللين ويتهصر وحينئذٍ يحين قطاعه:

أطافت به جيلان عند قطاعه

تردد فيه العين حتى تحيرا (2)

فهذه صورة تامة للنخل في الواحات المخصبة، لو رسمها لك فنان بألوان الزيت ما عد ما ذكره امرؤ القيس، ولما يتركه امرؤ القيس لخيالك من سبح، أروع بكثير مما يرقمه لك الفنان بريشته.

وأخذ امرؤ القيس بعد هذا في صفة وادي الساجوم وقد تتابعت فيه الظعن، وعليهن الرقم والهوادج الموشاة.

كأن دُمى سقفٍ على ظهر مرمرٍ

كسا مزبد الساجوم وشيا مصورا

وأحسب أن امرأ القيس يشير هنا إلى الدمى التي كان رآها بكنائس الشام وأديرته. وقد أحسن كل الإحسان في قوله «مزبد الساجوم» إذ هذا ينقل إليك صورة الوادي وقد طما عليه السراب، والأحداج تطفو فيه وتغرق، وكأنهن الصور على سقف المرمر لما ينسجمن في هيئة زخرفية مع أكناف الوادي وعساقيله.

غرائر في كن وصونٍ ونعمةٍ

يحلين ياقوتًا وشذرًا مفقرا

وريح سنا في حقةٍ حميريةٍ

تخص بمفروكٍ من المسك أذفرا

وبانًا وألويًا من الهند ذاكيًا

ورندًا ولبني والكباء المقترا

فهذا وصف لا يصدر مثله إلا عن ملك أو ربيب نعمة. وبأمثاله تدرك ما كانت

(1) الزهو: هو البسر.

(2)

وجيلان: هم جباة كسرى، يرسلهم عامل المشقر ليعشروا ثمار تميم والقبائل البحرانية ومن باليمامة.

ص: 471

عليه اليمن من صخب وخفض في الجاهلية إذ منها ومن الهند كانت تجيء هذه الكماليات الأرستقراطية التي يذكرها امرؤ القيس.

ثم أخذ الشاعر في صفة اليسير والرحلة فقال:

تذكرت أهلي الصالحين وقد أتت

على خملي خوص الركاب وأوجرا

فلما بدا حوران والآل دونه

نظرت فلم تنظر بعينك منظرا

تقطع أسباب اللبانة والهوى

عشية جاوزنا حماة وشيزرا

بسيرٍ يضج العود منه يمنه

أخو الجهد لا يلوي على من تعذرا

عنى بذلك نفسه.

ولم ينسني ما قد لقيت ظعائنًا

وخملاً لها كالقر يوما مخدرا (1)

كأثلٍ من الأعراض من دون بيشةٍ

ودون الغمير عامدات لغضورا

وهذا ديار بني أسدٍ ومرتادهم. ويعجبني من امرئ القيس تقطيع كلامه بالذكريات هكذا، وموافاتك بهذه المناظر الرائعة في لفظ مفعم بما كان يعتلج في صدره من حنين.

ثم أخذ في وصف الناقة في لفظ رصين حتى انتهى إلى ذكر نفسه وحروبه، فقال -والضمير راجع إلى الناقة-:

عليها فتى لم تحمل الأرض مثله

أبر بميثاقٍ وأوفى وأصبرا

هو المنزل الآلاف من جو ناعطٍ

بني أسدٍ حزنًا من الأرض أوعرا

وفسر الصعيدي هذا البيت فقال: الحزن: الوعر من الأرض، وأوعر صفة مؤكدة يعني أنه قهر الآلاف من بني أسد حتى هاجروا من السهل إلى الوعر (2).

(1) القر: الهودج.

(2)

مختارات الثمر الجاهلي 44 - 4، والقصيدة هناك.

ص: 472

وهذا التفسير مضطرب. ورواية البكري للبيت في معجم ما استعجم توضح معناه وهي:

هو المنزل الآلاف من جو ناعطٍ

بني أسدٍ قفا من الحزن أوعرا

أي هو الذي جاء بالآلاف من كندة واليمن من جو ناعط، يا بني أسد، فأنزلهم في أرض الحزن ذات القفاف، ليغزوكم بهم. والحزن في ديار تميم، وتميم كانوا من أحلاف امرئ القيس، وذلك قوله:

تميم بن مر وأشياعها

وكندة حولي جميعًا صبر

وناعط: جبل باليمن. والجو: الوادي. والقف: الصلب من الأرض.

ثم قال امرؤ القيس بعد هذا:

ولو شاء كان الغزو من أرض حمير

ولكنه عمدًا إلى الروم أنفرا

فهذا يفسر ذلك- عنى أنه لم يترك الاستنصار بقومه من اليمن لتخاذلهم عنه، فقد غزا بهم من قبل، وإنما تعمد أن يستنفر الروم ليردع بذلك العرم ويكون له حديث باقٍ بينهم.

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه

وأيقن أنا لاحقان بقيصرا

فقلت له لا تبك عينك إنما

نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا

وإني زعيمٌ إن رجعت مملكا

بسير ترى منه الفرانق أزورا (1)

على لا حبٍ لا يُهتدى بمناره

إذا سافه العود النباطئ جرجرا (2)

والرواية المشهورة (الديافي) وجرسها أجود. وهذا البيت مما يعجب أهل

(1) الفرانق: الأسد.

(2)

اللاحب: الطريق المستقيم.

ص: 473

اللغة لأن الشاعر أثبت فيه المنار لينفيه. وقد استشهد به أصحاب الحديث في تفسير قولهم «كان مجلس رسول الله لا تنثى فلتاته» أي لم تكن فيه فلتات فتنثى.

على كل مقصوص الذنابي معاودٍ

بريد السرى بالليل من خيل بربرا

أقب كسرحان الغضى متمطرٍ

ترى الماء من أعطافه قد تحدرا (1)

إذا زعته من جانبيه كليهما

مشى الهيدبي في دفه ثم فرفرا (2)

وصف في هذه الأبيات خيل البريد المقصوصة الأذناب، المعودة على سير الليل في طرق لواحب إذا سلكتها الإبل أنكرتها وحنت إلى أهلها. ويعجبني وصف الشاعر لحصان البريد كيف ينشط عندما يزجر ويمشي مشية فيها عجرفية، ثم قال:

لقد أنكرتني بعلبك وأهلها

ولابن جريجٍ في قرى حمص أنكرا

نشيم بروق المزن أين مصابه

ولا شيء يشفي منك يا ابنة عفزرا

من القاصرات الطرف لودب محولٌ

من الذر فوق الإتب منها لأثرا

تأمل إلى هذا الاستطراد الرائع من ذكر الرحلة إلى ذكر أيام لذاته اللائي انقضين، وانظر إلى هذا النعت المطرب الدقيق لابنة عفزر، ذات البشر المصون الذي يؤثر فيه الذر على ثوب الحرير الهفهاف الملامسه. وهذا الوصف يذكرني ما زعموه من جمال «ماريا ستوارت» أن بشرتها كانت من الصفاء والرقة بحيث كان مجالسها يرى مستن الراح في حلقها حين تشرب. ثم انظر في الأبيات التي تلي، فما أحسبك تجد مثلها في صدق الحنين:

له الويل إن أمسى ولا أم هاشم

قريبٌ ولا البسباسة ابنة يشكرا

أرى أم عمرٍ دمعها قد تحدرا

بكاءً على عمروٍ وما كان أصبرا

(1) الأقب: الضامر. والسرحان: الذئب. والمتمطر: السريع.

(2)

زعته: وجهته في السير.

ص: 474

ألا ترى إلى دقة حس هذا الرجل، كيف لما ذكر حبائيه البسباسة وأم هاشم وابنة عفزر ذكر عمرو بن قميثة، وأن له نساءً وراءه أقوى صلةً، وأحق بواجب الذكر وأدعى ذكرهن إلى اللوعة المحرقة من هؤلاء، منهن أمه التي تركها وراءه ويمم شقة بعيدة لا يدري ماذا يكون مصيرها؟

إذا نحن سرنا خمس عشرة حجةً

وراء الحساء من مدافع قيصرا

إذا قلت هذا صاحبٌ قد رضيته

وقرت به العينان بدلت آخرا

كذلك جدي ما أُصاحب صاحبًا

من الناس إلا خانني وتغيرا

وإني ليحيرني مجيء هذا البيت الأخير والذي قبله في موضعيهما هذا بعد ذكر الشاعر لعمرو خليله. أترى أن عمرًا هذا لم يكن من أخلائه القدماء وأنه تبدله من آخر كان أدنى إلى قلبه وآثر مكانه عنده؟ أم ترى أن امرأ القيس جعل يحس جفوة من عمرو ويحتجن عليه هنات، ويترقب يومًا تنقطع فيه عرى المودة؟ ومهما يكن من شيء فهذان البيتان يشيران إلى أمر قويّ الصلة برحلة امرئ القيس، داخل في صميم العلاقة التي كانت بينه وبين رفقائه في السير.

وكنا أُناسًا قبل غزوة قرملٍ

ورثنا الغنى والمجد أكبر أكبرا

وما جبنت خيلي ولكن تذكرت

مرابطها من بربعيص وميسرا

وقد عيب هذا على امرئ القيس، فقيل إن تذكر خيله لمراتعها وهي في غمرة الحرب لهو الجبن بعينه. وهذا نقد صائب في بابه. ولكن القائلين به نسوا أن الشاعر نظم هذه الأبيات وهو مغتربٌ ملتاع، فأورد هذا الاعتذار لهزيمته، لا يريد محض الاعتذار، وإنما أراد أن يمثل به جانبًا مما كان يثور بفؤاده من نزاع إلى موطنه.

ألا رب يومٍ صالحٍ قد شهدته

بتاذف ذات التل من فوق طرطرا

ولا مثل يومٍ في قداران ظلته

كأني وأصحابي على قرن أعفرا

ص: 475

لضيقه وعُسره.

ونشرب حتى نحسب الخيل حولنا

نقادًا وحتى نحسب الجون أشقرا

وهذا آخر القصيدة بحسب الرواية. وكلام امرئ القيس أبدًا ينتهي وأنت في حاجة إلى المزيد منه. وهذه القصيدة من أروع ما جاء في تصوير الغُربة واضطراب عاطفة المسافر وقد كساها الشاعر من تدبيجها بالذكريات وأسماء المواضع جوًا حزينًا جليلاً يملك على الشامع أنحاء لبه.

هذا، وإذ نحن بصدد الحديث عن امرئ القيس، فقد كان لهذا الشاعر فضل عظيم على من بعده في أنه طول الغزل في بحر الطويل، وفصل في أحاديث النساء، وأقاصيص الصبا والفتك. وقد كان مُغرى كلفًا بالغواني. ومع ذلك فقد كان مُفركًا (1) لديهن. ولعل هذا العيب فيه يفسر لنا ما نجده في شعره من تقص لأسرار الحب، وكشف عما ينبغي أن يخبأ منها وفخر في ذلك وتزويد، ويشبهه في هذه الناحية من أدباء العصر الإنجليز الكاتب د. هـ. لورنس. وامرؤ القيس أعف وأنبل منه على كل حال. وقد أبن هذا الكاتب معاصروه بالاعوجاج والضعف الجنسي. وربما كان ذلك صوابًا، لأنك تقرأ كلامه فتحس فيه روحًا من الشر وفقدان المروءة، على أنك تقرأ وصفًا أكثر تفصيلاً من وصفه في كتاب ألف ليلة وليلة وبعض قصص شوسر، فلا تجد فيه ما ينفر، ولا تحس فيه إلا العبث.

ولما كان الطويل بحر جد وعمق فإن مُجرد العبث الغزلي لا يكاد يستقيم فيه ولذلك آثر عمر وأضرابه الأوزان القصار لعبثهم ومزاحهم. وإنما يصلح فيه الغزل إذا مازجته نفحة من جد وعمق، كالذي تجده عند امرئ القيس من الاهتمام بإحياء الذكريات أكثر من العمد إلى مجرد قصها عليك. وطريقته هذه تمتاز بالتمهل والتأمل

(1) مفركًا: مكروهًا، مبغضًا.

ص: 476

والتهالك، ولا تكاد تخلو من أسى خفي يشعر بأن الرجل لم يبلغ من حد المتعة كل ما يزعمه. خذ على سبيل المثال قوله في اللامية:

ألا زعمت بسباسة اليوم أنني

كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي (1)

وهذا البيت وحده ينث بما تحته، وقد روى الرواة «السر» مكان اللهو ولم يرضوا بتركها غامضة، ففسروها تفسيرًا فيه تهمة بينه لامرئ القيس.

كذبت لقد أصبي على المرء عرسه

وأمنع عرسي أن يُزن بها الخالي

ويا رب يوم قد لهوت وليلة

بآنسة كأنها خط تمثال

يضيء الفراش وجهها لضجيعها

كمصباح زيت في قناديل ذُبال

كأن على لباتها جمر مُصطل

أصاب غضى جزلاً وكُف بأجزال

وهذا البيت بارع ماهر كما ترى. ولا أجد تشبيهًا للبة الفتاة ذات النحر المورد أجود من تشبيهه بالنار المتوهجة، كما في هذا البيت:

ومثلك بيضاء العوارض طفلة

لعوب تُنسيني إذا قمت سربالي

تأمل قوله «بيضاء العوارض» - وهي الأسنان. وأي ثغر أحلى من ذلك الذي صفت ثناياه وبرقت. ولقد كان العرب مفتونين بذكر الثغور الواضحة حتى إنهم لا يكادون يستفتحون ذكر النساء بغيره. ولا تجد مثل ذلك في شعر الفرنجة، وإنما يذكر الإفرنج القبل والنفس من دون تعرض للأسنان. وما ذلك إلا لأن الغالب على سكان البلاد الباردة تنكت الأسنان وسقمها دون صفائها وبياضها.

إذا ما الضجيع ابتزها من ثيابها

تميل عليه هونة غير مجبال

كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه

بما احتسبا من لين مس وتسهال

تنورتها من أذرعات وأهلها

بيثرب أدنى دارها نظر عال

(1) مختار الشعر الجاهلي 36.

ص: 477

أي بعد.

نظرت إليها والنجوم كأنها

مصابيح رُهبان تُشب لقفال

سموت إليها بعد أن نام أهلها

سمو جباب الماء حالاً على حال

فقالت سباك الله إنك فاضحي

ألست ترى السمار والناس أحوالي

فقلت يمين الله أبرح قاعدًا

ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي

حلفت لها بالله حلفة فاجر

لناموا فما إن من حديث ولا صال

فلما تنازعنا الحديث وأسهلت

هصرت بغصن ذي شماريخ ميال

وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا

ورضت فذلت صعبة أي إذلال

فأصبحت معشوقًا وأصبح بعلها

عليه القتام سيئ الظن والبال

يغط غطيط البكر شد خناقه

ليقتلني والمرء ليس بقتال

أيقتلني والمشرفي مضاجعي

ومسنونة زرق كأنياب أغوال

وليس بذي رمح فيطعنني به

وليس بذي سقف وليس بنبال

أيقتلني أني شغفت فؤادها

كما شغف المهنوءة الرجل الطالي (1)

وهذا تشبيه بليغ للغاية.

وقد علمت سلمى وإن كان بعلها

بأن الفتى يهذي وليس بفعال

وماذا عليه أن ذكرت أوانسا

كغزلان رمل في محاريب أقيال (2)

وأحسبه أراد في هذا البيت تشبيه الحسان بالصور التي على المحاريب، وهذا أجود عندي من تشبيههن بالغزلان الحية.

(1) المهنوءة: الناقة الجرباء يوضع الهناء، وهو القطران، على مواضع الألم منها فتجد لذلك لذة، وتبغم له بغامًا.

(2)

الأقيال: الملوك.

ص: 478

وبيت عذارى يوم دجن ولجته

يطفن بجباء المرافق مكسال (1)

سباط البنان والعرانين والقنا

لطاف الخصور في تمام وإكمال (2)

نواعم يُتبعن الهوى سُبل الردى

يقلن لأهل الحلم ضل بتضلال

صرفت الهوى عنهن من خشية الردى

ولست بمقلي الخلال ولا قال

ولعل في هذا البيت الأخير ما يُصحح رواية من روى أن امرأ القيس كان يتعشق امرأة أبيه. إذ لو أن معشوقته كانت امرأة رجل آخر كائنًا من كان، فإن في الاعتذار بخشية الردى ضعفًا لا يلائم مذهبه، وقد كان قدم الفخر بأنه يتسور على العقائل ولا يخشى بأس رجالهن لاعتصامه بسيفه ونبله.

كأني لم أركب جوادًا للذة

ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال

ولم أسأب الزق الروي ولم أقل

لخيلي كُري كرة بعد إجفال (3)

ثم أخذ امرؤ القيس بعد ذلك في ذكر الصيد في أبيات معروفة لدى الطلاب المدارس الثانوية لأنها في المنتخب وما بمجراه من كتب الاختيار. ثم ختم كلمته بقوله:

فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة

كفاني ولم أطلب قليل من المال

ولكنما أسعى لمجد مُؤثل

وقد يُدرك المجد المُؤثل أمثالي

وما المرء ما دامت حُشاشة نفسه

بُمدرك أطراف الخطوب ولا آل (4)

وعندي أن هذه القصيدة أجود كثيرًا من «قفا نبك» ، وفيها روح الملك

(1) جباء المرافق لاكتنازها فلا تتبين رؤوس العظام من مرافقها.

(2)

القنا: عنى القامات.

(3)

سباء الخمر: شراؤها وكانت غالية، يتفاخر كرام العرب ببذلها.

(4)

من ألا يألو: إذا قصر.

ص: 479

تشتملها من أولها إلى آخرها. وغزلها على ما فيه من رقة، بين فيه عنصر العُمق والتأمل (1).

هذا ومذهب ابن أبي ربيعة في الغزل يشابه مذهب امرئ القيس من ناحية واحدة، وهي القصص، ويخالفه من عدة نواح: منها أن ابن أبي ربيعة كان محببًا لدى النساء، محبًا لهن، فارغًا للهو وتقري الجمال كل الفراغ، وكان شعره رُقى يرقيهن بها، ولطائف يتلطف بإهدائها إليهن، ولم تكن سبيله في وصف الغراميات سبيل امرئ القيس من إحياء الذكريات- نعم قد كان أكثر شعره استعراضًا لحوادث مضت، ولكنه كان يُراد به التسجيل والإمتاع. والقصص لذاته لا استثارة ماض من لهو حدث أو متوهم وإسباغ ثوب من سحر الذكرى وأسى الحنين وتحرق الحرمان عليه، وذلك ما يفعله امرؤ القيس. وبحسبك أن تقرأ لابن أبي ربيعة قوله (2):

فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت

مصابيح شبت بالعشاء وأنؤر

وغاب قُمير كنت أرجو غيوبه

وروح رُعيان ونوم سمر

ونفضت عني العين أقبلت مشية الـ

ـحباب ورُكني خيفة القوم أزور

فحييت إذ فاجأتها فتولهت

وكادت بمكنون التحية تجهر

وقالت وعضت بالبنان فضحتني

وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر

أريتك إذ هنا عليك ألم تخف

رقيبًا وحولي من عدوك حُضر

فوالله ما أدري أتعجيل حاجة

سرت بك أم قد نام من كنت تحذر

وفي هذا البيت مما يعجب النحويين رد ضمير المؤنث في قوله «سرت بك» إلى المذكر «تعجيل» لإضافته إلى «حاجة» وهي مؤنث. وقد ذكر سيبويه هذا الضرب

(1) هي جيدة ولكن المعلقة أجود بعد التأمل والله أعلم.

(2)

الكامل 1: 385.

ص: 480

من الكلام في أوائل كتابه وأشار إلى ما لا يحسن منه. ومثاله في قبح ذلك «جاءت عبد أمك» .

وإذا شئت ألا تتابع النحويين على زيفهم جعلت «سرت بك» صفة للحاجة واستمررت في القصيدة:

فقلت لها بل قادني الشوق والهوى

إليك وما عين من الناس تنظر

ولعل هذا الكلام يبدو لك شديد الشبه بمقالة امرئ القيس. ولكن ثم فرقًا دقيقًا آمل أن تكون تنبهت له، وهو أن امرأ القيس ادعى لحبيبته كذبًا أن الناس قد ناموا وذلك قوله «حلفت لها بالله حلفة فاجر» - وفي ذلك حرص شديد على أن يستخر لك باستمتاعه ولذته. ومثل هذا الحرص لا تكاد تطمئن إليه النفس إلا وهي محجمة. أما ابن أبي ربيعة، فقد أعلمك بدءًا أن الناس قد ناموا، وأن الليل قد هدأ وهجع، فصار احتجاج الفتاة على الشاعر نوعًا من الدلال واصطناع الجزع، بينما هو في حالة امرئ القيس حقيقة لم تكن الفتاة لتطمئن إلى لذة وهي عالمة بها. ومن هنا ترى أن المتعة التي يصفها لك ابن أبي ربيعة صافية لا يشوبها كدر، بينما التي يصفها امرؤ القيس محفوفة بالمكاره، ليس أقلها خوف الفتاة واضطرابها.

فيا لك من ليل تقاصر طوله

وما كان ليلي قبل ذلك يقصر

وهذا الإجمال عندي أصدق في وصف الاستمتاع من تفصيل امرئ القيس:

ويا لك من ملهى هناك ومجلس

لنا لم يُكدره علينا مكدر

وعجز هذا البيت قد أصاب فيه كبد ما كنا بصدده من الموازنة.

يُمج ذكي المسك منها مُفلج

رقيق الحواشي ذو غروب مُؤشر

يرف إذا يُفتر عنه كأنه

حصى برد أو أقحوان منور

ص: 481

ألم أقل لك أن العرب لا تنفك تغني بحُسن الثغر ما دامت في الدنيا عروبة؟

وترنو بعينيها إلي كما رنا

إلى ربرب وسط الخميلة جُؤذر

فلما تقضي الليل إلا أقلة

وكادت توالي نجمه تتغور

أشارت بأن الحي قد حان منهم

هبوب ولكن موعد لك عزور

وفي هذا إشارة خفية إلى أنها قد لذها منه ما لذة منها، وامرؤ القيس لا يذكر شيئًا شبيهًا بذلك، لأنه إنما كان همه نفسه.

فما راعني إلا مُناد برحلة

وقد لاح مفتوق من الصبح أشقر

فلما رأت من قد تثور منهم

وأيقاظهم قالت أشر كيف تأمر

فقلت أباديهم فإما أفوتهم

وإما ينال السيف ثأرًا فيثأر

وأين هذا من كلام امرئ القيس بسيفه ومسنونته الزرق وثقته بأنه لن يقتل؟

فقالت أتحقيقًا لما قال كاشح

علينا وتصديقًا لما كان يُؤثر

فإن كان ما لا بد منه فغيره

من الأمر أدنى للخفاء وأستر

أقص على أختي بدء حديثنا

ومالي من أن تعلما متأخر

لعلهما أن تبغيا لك مخرجًا

وأن ت ترحبا سربًا بما كنت أحصر

أي أضيق وأحرج به.

فقامت كئيبًا ليس في وجهها دم

من الحزن تُذري عبرة تتحدر

فقالت لأختيها أعينًا علي فتى

أتى زائرًا والأمر للأمر يُقدر

فأقبلتا فارتاعتا ثم قالتا

أقلي عليك الهم فالخطب أيسر

يقوم فيمشي بيننا مُتنكرًا

فلا سرنا يفشو ولا هو يظهر

فكان مجني دون من كنت أتقي

ثلاث شخوص كاعبان ومُعصر

ص: 482

فلما أجزنا ساحة الحي قلن لي

ألم تتق الأعداء والليل مُقمر

وقُلن أهذا دأيك الدهر سادرًا

أما تستحي أو ترعوي أو تُفكر

وهذا كلام يكتفي بنفسه عن الشرح والتعليق. ولعلك تقول: أليس أولى بهذا الكلام أن لو كان جاء به صاحبه في غير الطويل، لخلوه مما كنت ذكرته من الجد، وهذا لهو كله. وجوابي على ذلك أن هذا الكلام على عبثه جاد. وقد كان ابن أبي ربيعة رجل هوى وغرام. وله في تصوير غرامه مذاهب. فمن ذلك أن يورده على سبيل التظرف والملح، وعندئذ يختار له القصار من البحور. ومن ذلك أن يشيد به، ويفخمه، ويظهره مظهر الجليل من الأعمال، ويحتفل له احتفال زهير لصلح عبس وذبيان. وعندئذ يعمد إلى الطويل، ويتخير له ما يلائمه من جزالة اللفظ ورصانته، وهذا ما فعله في الرائية التي اخترنا منها ما اخترناه، وما فعله في عينيته:

ألم تسأل الأطلال والمُتربعا

ببطن حُليات دوارس بلقعا

وفي هذه العينية من الاحتفال للغزل ومواعد الغرام ما لا تكاد تجده في شعر آخر. ومذهب الشاعر بعد في كلا القصيدتين العينية والرائية، مذهب «ارستقراطية» وعز وخفض، وكذلك مذهبه في اللامية:

جرى ناصح بالود بيني وبينها

فقربني يوم الحصاب إلى قتلي (1)

(1) هذه القصيدة من جيد شعر عمر (انظر ديوانه، تحقيق الأستاذ محمد محيي الدين، مصر 1952 ص 336) وفيها بيت مشكل هو قوله:

فطارت بحد من فؤادي ونازعت

قريبتها حبل الصفاء إلى حبلي

هكذا روايته في دواوينه المطبوعة، وبعضها يروي (قارنت) مكان (نازعت). وفسر الأستاذ محمد محي الدين (قريبتها) بأنها مؤنث (قريب) أي إحدى قريباتها. وهذا كله وهم وتصحيف في الرواية على الأرجح والصواب ما رواه أبو عبيد البكري في شرح الأمالي: وملخص شرحه له: الحد: هو الغرب، وهو الطرف، والعرب تطلق الجزء على الكل. فطارت بحد من فؤادي- طارت بفؤادي. ونازعت قرينتها بالنون، أي نازعت نفسها، فنفسها تلين لها وتوزعها بالوصل والعطف، وعزمها يأمرها بخلاف ذلك. وقوله «حبل الصفاء» عنى به «في شأن ربط حبل الصفاء ونوطه بي» .

ص: 483

وكل هذه الطويليات التي ذكرتها تباين مذهب ابن أبي ربيعة في قصائده التي من البحور القصار، إذ هذه الطوال تنضح باللذة والمتعة والانتشاء: إنما هي رُقى كان يخادع بها النساء. والمزح المحض والشيطنة أغلب وأظهر فيها من حاق القصص. وقد أساء ابن أبي ربيعة في اختياره الطويل لكلمته:

وناهدة الثديين قلت لها اتكي

على الرمل من جبانة لم تُوسد

فقالت على اسم الله أمرك طاعة

وإن كنت قد كُلفت ما لم أعود

فلما دنا الإصباح قالت فضحتني

فقم غير مطرود وإن شئت فازدد

فهذا كلام خال من رونق القصص، واتساع الخيال، كما أنه منحو فيه منحى العبث والسطحية. ولعل عمر لم يقله إلا قصد التظرف، ولعل ما يشير إليه به من حادثة لم يقع. ولو جاء بهذا الكلام في المنسرح لكان له وجه، ولكنه ناب جدًا عن الطويل. وفيه مع ذلك من سوء التأتي ما فيه، فقوله:«قلت لها اتكي» قبيح جدًا وقوله: «فقلت على اسم الله» ، لا يناسب المقام، ويشعر بتبذلها. وعروة بن الورد يقول:

يعاف وصال ذات البذل قلبي

ويتبع المُمنعة النوارا

وما لها تسمى الله كأنها مُقدمة على طعام؟ أم لعل ابن أبي ربيعة أراد أن يتفقه؟ فقد زعم الغزالي أن بعض الفقهاء كانوا يكبرون في مثل هذه المواقف حتى يسمع تكبيراتهم من في الدار من خدم وحشم.

ولو قد كان ابن أبي ربيعة سلك وزنًا خفيفًا كما فعل الأعشي في قوله:

ص: 484

فدخلت إذ نام الرقيب فبت دون ثيابها

حتى إذا ما استرسلت من شدة للعابها

قسمتها قسمين كل مسود يُرمى بها

كالحقة الصفراء صاك عبيرها بملابها

لكان قد قارب.

ولعلك تقول: إنك لتلوم ابن أبي ربيعة على مذهب سلكه قبله سُحيم العبد في يانيته المشهورة:

عميرة ودع إن تجهزت غاديا

كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا

وهذه كلمة طويلة فيها من الرفث ضروب وضروب، ومع ذلك فقد أجمع النقاد على استحسانها. فما بال الطويل قبلها وصلح لها، ولم يصلح لدالية عُمر وهي من نفس الطراز؟ ومثل هذا القول يُغفل جانبًا من يائية سُحيم، على غاية عظيمة من الأهمية وهو أن سُحيمًا كان لا يقصد إلى محض الغزل، وذكر الاستمتاع، وكان لا يقصد إلى الظرف والملح والعبث مثل ابن أبي ربيعة في خفافه، وفي نحو داليته التي قدمتها، وإنما كان ينحو منحى شبيهًا بامرئ القيس مع خلاف يسير، ووجه الشبه أن الشاعرين كانا لا يُهمهما غير أنفسهما، الأول من حيث إنه كان ملكًا يغتصب لذته ويفخر بها مع ضعف كان فيه بحسب ما ذكرناه، والثاني كان عبدًا حاقدًا على سادته، يُعد الظفر بالعقائل الحرائر مجدًا ونصرًا، ويبالغ في تصوير استمتاعه مدفوعًا بدافع خفي من طلب النكاية بمن سموه عبدًا. تأمل قوله:

ألكني إليها عمرك الله يا فتى

بآية ما جاءت إلينا تهاديًا

فبتنا وسادانا إلى علجانة

وحقف تهاداه الرياح تهاديا (1)

وهبت شمال آخر الليل قرة

ولا ستر إلا ثوبها وردائيًا

(1) العلجانة: ضرب من الشجر. والخقف: قوز الرمل.

ص: 485

أُفرجها فرج القباء وأتقي

بها القطر والشفان من عن شماليًا (1)

هذه رواية أبي عبيد في شرح الأمالي:

تُوسدني كفًا وتثني بمعصم

علي وتحنو رجلها من ورائيًا

ورواية الخزانة: «وتحوي رجلها» .

فما زال ثوبي طيبًا من ثيابها

إلى الحول حتى أنهج البرد باليًا

وقد زعموا أن عمر بن الخطاب لما سمع هذا الكلام قال لسحيم: «إنك مقتول» وكأنه غار منه. وقد كان آخر أمره كما تنبأ له عمر وإن كان في خبر مقتله اختلاف واضطراب. ولو نظرت في الأبيات التي قدمناها لك من يائيته أحسست فيها ما زعمناه في فخر ونار في الفؤاد منشؤها الشعور بالنقص. انظر إلى قوله: «أفرجها فرج القباء» ألا تجد فيه روحًا من التشفي؟ وقد يُعزز هذا لك أنه لما اقتيد ليقتل لقيته إحدى من كان بينه وبينهن أمور ثم فسدت مودتهما، فضحكت منه، فقال لها:

فإن تضحكي مني فيا رب ليلة

تركتك فيها كالقباء المُفرج

وفي قوله: «وأتقي بها القطر والشفان» ما يُوضح لك روح التشفي الذي فيه تمام التوضيح، ولو كان حرًا سليم دواعي الصدر من طلب الانتقام من الأحرار بهتك نسائهم وفضيحتهن والفتك بهن، لكان قد قال:«وتتقي بي القر والشفان» ولجعل نفسه وقاية لها، ولم يفتخر باتخاذها حشية وغطاء، بل لكان قد أعرض عن مثل هذا القول، واكتفى بالتلميح من التصريح. وقل مثل ذلك في بيته:«تُوسدني كفًا إلخ» ، فهذا قريب من قري (د. هـ. لورنس)، وفيه من الشر ما فيه.

ويمثل لك نفس الحسحاس أصدق تمثيل بيتان قالهما قبل أن يقتل:

(1) الشفان: الريح الباردة.

ص: 486

شدوا وثاق العبد لا يغلبكم

إن الحياة من الممات قريب

فقلد تحدر من جبين فتاتكم

عرق على جنب الفراش وطيب

ولعل قوله: «وطيب» يغفر له كل ما في هذين البيتين من حقد دفين، ويُشعر بأن الرجل ما زالت فيه بقية صالحة من الخير، وأنه مع اتخاذه المتعة وسيلة للانتقام، فإنها كانت تجد جانبًا من صدره مفعمًا بالأريحية.

ويائيته من أجود الشعر لفظًا، وأنصعه معنى، وأدقه تصويرًا، وأفشاه بأسرار ما كانت تنطوي عليه نفسه، وإن نقم عليه الناقد أمثال قوله «وتتقي بي القطر» و «أفرجها» فإنه لا يملك إلا أن يُحس المدح لمثل قوله:«ألكني إليها عمرك الله يا فتى» ، ولمثل قوله «فما زال بُردي طيبًا من ثيابها». ويعجبني جدًا قوله في اليائية:

تريك غداة البين كفًا ومعصمًا

ووجهًا كدينار الأحبة صافيًا

وما أدري ما فضل دينار الأحبة على غيره، وإنما هو جنون الشعراء، ولعله عنى بدينار الأحبة، ذلك الذي يهبه له من يمقه من المُجدين، فقد كان الرجل أسيفًا لا يستنكف من العطاء، وكان شاعرًا ينتظر الجدوى، وكان في الناس من يعطف عليه لجودة شعره ورقة حاله:

فما بيضة بات الظليم يحفها

ويرفع عنها جُؤجؤًا متجافيًا

ويجعلها بين الجناح ودفه

ويُفرشها وحفا من الزف وافيًا

بأحسن منها يوم قالت أراحل

مع الركب أم ثاو لدينا لياليا

ويعجبني قوله:

كأن الصبيريات يوم لقيننا

ظباء حنت أعناقها للمكانس

وهن بنات القوم إن يشعروا بنا

يكن في ثُبات القوم إحدى الدهارس

ص: 487

وكم قد شققنا من رداء مُنير

على طفلة ممكورة غير عانس

إذا شق برد شق بالبرد مثله

دواليك حتى كُلنا غير لابس

ومما رواه له صاحب الأغاني، وذكر أنه قُتل به:

وماشية مشي القطاة اتبعتها

من الستر تخشى أهلها أن تكلما

فقالت صه يا ويح غيرك إنني

سمعت حديثًا بينهم يقطر الدما

فنفضت ثوبيها ونظرت حولها

ولم أخش هذا الليل أن يتصرما

أُعفي بآثار الثياب مبيتها

وألقف رضًا من وقوف تحطما

وتلمح نشوة الظفر الذي تشوبه شوائب اللوم في قوله: «فنفضت ثوبيها» ، ولا يملك حر ممن قيل في عقيلته أو كريمته مثل هذا إلا أن تأكل الغيرة قلبه.

هذا وللغزليين العذريين ومن بمجراهم مذهب آخر في الطويل غير مذهب عمر وامرئ القيس، وسُحيم، وهو أيضًا ملائم حق الملاءمة اللنغم المتلطف الرائث في تفعيلات هذا البحر، ومُفعم بمعاني الجد والعمق التي تصلح له، وذلك مذهب جميل في الدالية واللامية. وكلاهما من المأثور المعروف. (وفي اللامية بيت مشكل وهو قوله:

ثلاثة أبيات فيبت أحبه

وبيتان ليسا من هواي ولا شكلي

وربما سقطت في الرواية أبيات قبله، ولم أستطع بعد أن أكشف عن خبيء معناه، ولا أدري ما كنه هذين البيتين اللذين كان ينفر منهما الشاعر).

ومذاهب الشعراء الأعفة قريب من مذهب جميل. وفيها جميعها غناء ينضح بالأسى من الحرمان. وهاك قول يزيد بن الطثرية (الحماسة):

عُقلية أما ملاث إزارها

فدعص وأما خصرها فبتيل

تقيظ أكناف الحمى ويُظلها

بنعمان من وادي الأراك مقيل

فياخلة النفس التي ليس دونها

لنا من أخلاء الصفاء خليل

ص: 488

ويا من كتمنا حُبه لم يُطع به

عدو ولم يؤمن عليه دخيل

فديتك أعدائي كثير وشقتي

بعيد وأنصاري لديك قليل

وكنت إذا ما جئت جئت بعلة

فأفنيت علاتي فكيف أقول

وكقول أبي حية النميري:

رمتني وستر الله بيني وبينها

عشية آرام الكناس رميم

رميم التي قالت لجارات بيتها

ضمنت لكم أن لا يزال يهيم

ألا رب يوم لو رمتني رميتها

ولكني عهدي بالنضال قديم

فهذا كله كلام صاف ناصع. وأبو حية النميري أقوى وأحر وأفحل قولاً من يزيد. وأمثلة هذا الشعر كثيرة في ديوان الحماسة، وفيما اختاره صاحب لأغاني من كلام قيس بن ذريح. وكلام أبي حية خاصة من أجود ما جاء في هذا الباب وأصدقه لهجة، وأحلاه بداوة، وأنقاه من الشوائب.

وقد عقد الدكتور طه حسين للغزل العذري وما بمجراه فصولاً طوالاً في كتابه حديث الأربعاء، وأنصف شعراء الغزل، ونبه على محاسنهم بما لا مزيد عليه. غير أنه بخس كثير عزة شيئًا من حقه. لا بل كثيرًا من حقه. قال في آخر فصله عنه (حديث الأربعاء 1: 285 - 286): «أختم الحديث بهذه الأبيات التي تكاد تكون وحدها كل ما بقي من غزل كثير، وأنا أرى فيها من جودة اللفظ ورصانة الأسلوب شيئًا كثيرًا، ولكنها خالية خلوًا تامًا من صدق اللهجة وحرارة العاطفة:

خليلي هذا رسم عزة فاعقلا

قلوصيكما ثم أبكيا حيث حلت

إلى آخر ما اختاره من القصيدة».

وما أحسب الدكتور طه حسين إلا قد وجد فيما اختاره من تائية كثير هذه،

ص: 489

متعة فنية أكثر من مجرد الرصانة اللفظية- متعة فنية مصدرها لون عاطفي ما، لا يضيره أن يكون خاليًا من نوع الحرارة التي عند العُذريين.

نعم، لا يستطيع أحد أن يرد بحق ما يزعمه الدكتور من أن التائية في جملتها خالية من حرارة الوجد، وفاقدة لمثل الصدق الذي عند جميل، وأنها ذات طابع فكري، وأن الجهد والصناعة تغلبان عليها. ولكنها مع ذلك ذات نفس شعري يصحبه لون من عاطفة، كما قدمت، يرتفع بها عن مجرد التفيهق والصناعة.

وقد أضرب الدكتور طه عن ذكر لامية كثير الطويلة: «قفا ودعا ليلى أجد رحيلي» (1)، وعن ذكر كثير من النتف الغزلية الصالحة التي نظمها هذا الشاعر نحو قوله:

وما زلت من ليلي لدن طر شاربي

إلى اليوم أُخفي حُبها وأُداجن

وأحمل في ليلى لقوم ضغينة

وتحمل في ليلى علي الضغائن

ونحو قوله:

وكنت إذا ما زرت ليلى بُخفية

أرى الأرض تُطوى لي ويدنو بعيدها

من الخفرات البيض ود جليسها

إذا ما انقضت أحدوثة لو تُعيدها

ونحو قوله:

رهبان مكة والذين عهدتهم

يبكون من حذر العذاب رُقودًا

لو يسمعون كما سمعت حديثها

خروا لعزة رُكعًا وسجودًا

وقوله:

عشية سُعدى لو تبدت لراهب

بدومة تجر دونه وحجيج

قلى دينه واهتاج للشوق إنها

على الشوق إخوان العزاء هيوج

(1) لكثير عزة ديوان كامل قد طبع تحت إشراف مستشرق فرنسي، وهو نادر الوجود.

ص: 490

وإن كانت التائية تشكو شيئًا من جفاف فاللامية لا تشكو شيئًا من ذلك. بل هي من أملأ الشعر بمعاني الغرام.

ولست بمنكر ما ذكره الدكتور طه حسين في مقدمات كلامه عن كثير عزة من أنه كان دميمًا، وأن عشقه لم يكن كعشق جميل، وأنه يكذب فيه كما ذكر الرواة ولكني أقول: إن هؤلاء الرواة لم يستندوا فيما زعموه من كذب كثير على استقراء شعره، وإنما اعتمدوا على الأخبار المنقولة. وهذه الأخبار المنقولة كانت تلقى بلا تأريخ ولا ضبط. فهم يقولون: كان كثير يكذب في حبه، ولا يذكرون إن كان ظهر هذا الكذب منه وهو شيخ، أو ظهر منه وهو شاب. ومن يدري فلعل هذه الأخبار التي يروونها عن كذب كثير تمثل أول مبدأ العلاقة بينه وبين عزة، فقد كان حينئذ راوية لجميل، ومتتلمذًا له، ومحاكيًا، شأنه في ذلك شأن أكثر التلاميذ. ولا يستبعد أن يكون كثير رغب في عزة طلبًا لأن تكون له صاحبة كما لأستاذه صاحبة، وكما للشعراء الآخرين صواحب. كما لا يُستبعد أن تكون عزة أيضًا قد كانت تتوق إلى أن يكون لها شاعر يشبب بها، ويذكر محاسنها، كما لبثينة وغيرها من المذكورات، شعراء يشببون بهن، والزهو في النساء، والتطلع إلى الشهرة، والرغبة في المدح، أمر شائع لا يحتاج إلى دليل. ومن يدري فربما كانت عزة هذه غير جميلة، وإنما كان لها وجه كسائر وجوه النساء، يذوي زهره إذا لفحته سمائم ما بعد العشرين من السنين؟

كل هذا جائز. وكله يوافق ما ذكره الرواة من أخبار كثير. ولكن ألا يجوز أيضًا أن يكون عزة مالت إلى كثير بعد أن شبب بها وأطنب وأجاد في مدحها، وأن يكون كثير أحس بميل إليها لما وجدها تستحسن ثناءه وتظهر له ارتياحًا كالشكر على ما قاله؟

وربما كانت التائية من أوائل ما تكلفه كثير في مدح عزة، وعلى هذا فلا غرابة أن نجدها كالخالية من الحرارة، ولكن فيها لونًا عاطفيًا خاصًا، هو فيما أزعم طلب

ص: 491

الزلفى والقربى. وقد تقول هذا هو التعليق بعينه، ولا أدفع ذلك، ولكني أزعم أنه كان تملقًا ذا باعث قوى من طموح كثير وزهوه، ورغبته في الظفر بما اشتهر به أستاذه من العشق.

وجواز أن تكون العلاقة بين كثير وعزة قد تطورت إلى حب أكيد ليس بافتراض بعيد. فالرغبة في الحب كثيرًا ما تولد الحب. وادعاء الغرام كثيرًا ما يعقبه الغرام. وقديمًا قالوا: لا تمارضوا فتمرضوا فتموتوا. والمدح مهما كان يُلين قلب الممدوح. وقد كان بشار يُدرك حقيقة ذلك حين قال:

عُسر النساء إلى مُياسرة

والصعب يمكن بعدما جمحا

وقد بين أبو حامد الغزالي كيف يصير التكلف طبعًا خير تبيين في كتابه الإحياء، حينما تعرض للحديث عن علاج الحسد والبغضاء، وذلك حيث يقول، (والضمير موجه إلى الحاسد): «وأما العمل النافع فيه هو أن يحكم الحسد، فكل ما يتقاضاه الحسد من قول وفعل فينبغي أن يكلف نفسه نقيضه، فإن بعثه الحسد على القدح في محسوده، كلف لسانه المدح له والثناء عليه، وإن حمله على التكبر عليه، ألزم نفسه التواضع له والاعتذار إليه. وإن بعثه على كف الإنعام عليه، ألزم نفسه الزيادة والإنعام عليه. فمهما فعل ذلك عن تكلف وعرفه المحسود، طاب قلبه وأحبه. ومهما ظفر حبه، عاد الحاسد فأحبه، وتولد من ذلك الموافقة التي تقطع مادة الحسد، لأن التواضع والثناء والمدح وإظهار السرور بالنعمة يستجلب قلب المُنعم عليه ويسترقه ويستعطفه ويحمله على مقابلة ذلك بالإحسان. ثم ذلك الإحسان يعود إلى الأول فيطيب قلبه ويصير ما تكلفه أولاً طبعًا أخرًا. ولا يصدنه عن ذلك قول الشيطان له: لو تواضعت وأثنيت عليه، حملك العدو على العجز أو على النفاق أو الخوف، وأن ذلك مذلة ومهانة. وذلك من خدع الشيطان ومكايده. بل المجاملة تكلفًا كانت أو طبعًا تكسر سورة العداوة من الجانبين، وتُقل مرغوبها، وتُعود القلوب

ص: 492

التآلف، وبذلك تستريح القلوب من ألم الحسد وغم التباغض. فهذه أدوية الحسد، وهي نافعة جدًا، إلا أنها مرة على القلوب جدًا. ولكن النفع في الدواء المر. فمن لم يصبر على مرارة الدواء لم ينل حلاوة الشفاء. وإنما تهون مرارة هذا الدواء. أعني التواضع للأعداء، والتقرب إليهم بالمدح والثناء، بقوة العلم بالمعاني التي ذكرناها، وقوة الرغبة في ثواب الرضا بقضاء الله» (الإحياء طبعة لجنة نشر الثقافة الإسلامية مصر 1357 هـ، 9 - 149 - 150).

فالغزالي كما ترى يدعي أن تكلف الوداد يمحو الحسد والبغضاء، ويحل المقة والمحبة مكانهما، فكيف إذا كانت القلوب خالية من حسد وبغض، وكان دافعها في التكلف هو طلب الحسب ليس إلا. وقد تكلف كثير حب بني مروان رغبة في عطائهم فأخلص فيهم القول، فجزوه بما يستحقه من محبة وتقريب مع علمهم بتشيعه. ولا أحد في هذا الباب أصدق من قول كثير نفسه لعبد الملك بن مروان:

وما زالت رُقاك تسل ضغني

وتُخرج من مكانها ضبابي

ويرقيني لك الراقون حتى

أجابت حية تحت اللصاب

فهذا كلام صادق لا مرية في صدقه. وليس بغريب أن يكون نحو منه جرى بين الشاعر وصاحبته عزة، اللهم إلا أن تحتج بأن كثيرًا كان أشد رغبة في المال، وفي رضا الخلفاء منه في العشق والنساء. ومهما أصبت في هذه الحجة فلن تستطيع نفي الرجولة عن كثير بحال من الأحوال، ولن تستطيع أن تنفي أن الرجال مهما اختلفوا فإن أفئدتهم لن تخلو من نزاع إلى النساء.

ولامية كثير كما قدمنا من أملأ الشعر بمعاني الغرام. وفيها من صدق العاطفة ما لا يمكن دفعه. وأسلوبها فيه طابع كثير من طلب التجويد وإعمال الفكر. وحق له أن

ص: 493

يفعل ذلك، فالرجل لم يصل إلى الغرام إلا بعد جهد وتكلف: ويعجبني من هذه القصيدة قوله في مطلعها (1):

ألا حييا ليلى أجد رحيلي

وآذن أصحابي غدًا بقفول

أريد لأنسى ذكرها فكأنما

تمثل لي ليلى بكل سبيل

ويعجبني قوله في آخرها:

وقالوا نأت فاختر من الصبر والبكا

فقلت البكا أشفى إذن لغليلي

توليت محزونًا وقلت لصاحبي

أقاتلتي ليلى بغير قتيل

لقد أكثر الواشون فينا وفيكم

ومال بنا الواشون كل مميل

وما زلت من ليلى لدن طر شاربي

إلى اليوم كالمقصى بكل سبيل

ومن إحسانه الذي لا يدفع في هذه القصيدة قوله:

لقد كذب الواشون ما بُحت عندهم

بليلى ولا أرسلتهم برسيل

فإن جاءك الواشون عني بكذبة

فروها ولم يأتوا لها بحويل

فلا تعجلي يا ليل أن تتفهمي

بنصح أتى الواشون أم بحبول (2)

فإن طبت نفسًا بالعطاء فأجز لي

وخير العطايا ليل كل جزيل

وإلا فإجمال إلي فإنني

أحب من الأخلاق كل جميل

وإن تبذلي لي منك يومًا مودة

فقدمًا تخذت القرض عند بذول

وإن تبخلي يا ليل عني فإنني

تُوكلني نفسي بكل بخيل

ولست براض من خليل بنائل

قليل ولا أرضى له بقليل

وليس خليلي بالملول ولا الذي

إذا غبت عنه باعني بخليل

(1) الأمالي (الدار) 2: 62 - 65.

(2)

الحبول: الدواهي.

ص: 494

ولكن خلي من يُديم وصاله

ويحفظ سري عند كل دخيل

ولم أر من ليلى نوالا أعده

ألا ربما طالبت غير مُنيل

يلومك في ليلى وعقلك عندها

رجال ولم تذهب لهم بعقول

يقولون ودع عنك ليلى ولاتهم

بقاطعة الأقلاان ذات حليل

فما نقعت نفسي بما أمروا به

ولا عجت من أقوالهم بفتيل (1)

فهذا الكلام صادق اللهجة، وفيه مع ذلك انكسار وتذلل يناسب مذهب كثير في الغرام وأنت ترى فيه إعمال الروية والفكر. والبيتان الأخيران فيهما لوعة لاذعة، وحر يلفح. فإن كان كثير قالها كاذبًا- وهذا بعيد- فقد علمه تكلف الغرام كيف يُصيب صفة الغرام.

والأبيات التالية (من هذه القصيدة) من جيد الغزل وناصعه:

تذكرت أسرابًا لعزة كالمها

حُبين بليط ناعم وقبول (2)

وكنت إذا لاقيتهن كأنني

مخالطة عقلي سلاف شمول

تأطرن حتى قلت لسن بوارحا

رجاء الأماني أن يقلن مقيلي

انظر إلى قوله: «رجاء الأماني» ألا تحس فيه دقة وإفصاحًا بما يجول في الصدر أحيانًا من هواجس وُمنى:

فأبدين لي من بينهن تجهمًا

وأخلفن ظني إذ ظننت وقيلي

فلأيًا بلأي ما قضين لبانة

من الدار واستقللن بعد طويل

فقلت وأسررت الندامة ليتني

وكنت امرأ أغتس كل عذول

سلكت سبيل الرائحات عشية

مخارم نصع أو سلكن سبيلي

(1) طبعة الدار «عجت» بضم العين، والصواب كسرها. عاج بالدواء يعيج به: انتقع.

(2)

الليط: اللون والبشرة.

ص: 495

فأسعدت نفسًا بالهوى قبل أن أرى

عوادي منأى بيننا وشغول

ندمت على ما فاتني يوم بنتم

فيا حسرتا أن لا يرين عويلي

كفى حزنًا للعين أن رد طرفها

لعزة عير آذنت برحيل

ولا يخفى على القارئ أن صوت الحرمان في كلام كثير أقوى من صوت المنالة، وأسفه عليه أشد من صبره. وجلي أن كثيرًا لم يكن في أصل نفسه عُذري المزاج، ولكن شهوانيه وإنما حمله على العذرية دمامته وقماءته وزهوه وكبرياؤه، فاصطلى بنار من الغليل يلمحها المرء في كل بيت من أبياته هذه. وما كان أصدقه عن نفسه إذ يقول:

تمتع بها ما ساعفتك ولا يكن

عليك شجًا في الحلق حين تبين

وإن هي أعطتك الليان فإنها

لآخر من خلانها ستلين

ألا إنما ليلى عصا خيزرانة

إذا غمزوها بالأكف تلين

وقد جسر بشار فنقد البيت الثالث من هذه الأبيات، وزعم أن كثيرًا لو جعل محبوبته «عصا من زُبد» لكان قد أساء. ثم قال: هلا قال كما قلت:

إذا قامت لحاجتها تثنت

كأن عظامها من خيزران

وهذا تدليس من بشار، إذ لم يكن قصد كثير أن يصف عظام محبوبته كما هو واضح من السياق.

هذا، ولم نعد أن ذكرنا لك من أصناف الشعر الصالحة للطويل ما يجري مجرى الحماسة والنسب والمدح والعتاب والاعتذار. وإن كنا قد أجملنا أول الأمر أن هذا البحر صالح لكل ما فيه جد وعمق. ومما هو عميق جدًا، وجاد حقًا، ويستقيم على الطويل كل الاستقامة، شعر الفكاهة، الخالص لها. وقد يتراءى للمرء أن الفكاهة لا جد ولا عُمق فيها. ولكن هذا ليس بصحيح. فالفكاهة أنواع، منها ما يصدر عن

ص: 496

سرعة الخاطر، ومنها ما يصدر عن التورية والطباق والطباق اللفظي والتلاعب بالأفكار، ومنها ما يصدر عن التهكم والسخرية. وأعمقها جميعًا الفكاهة الخالصة، ثم السخرية الخفية المدخل التي يكون موضوعها أمرًا عامًا، لا شخصًا بعينه فإن ذلك يحصر دائرتها ويدخلها في دائرة الحقد، ويبعدها عن العمق، ويقلل من قيمتها، ويضعف من قوتها. ومن الشعراء الذين عُرفوا بالفكاهة والدعابة والسخرية وكان الطويل مسلكًا مهيعًا لهم، أبو مكية الفرزدق بن غالب. وقد كان هذا الرجل مع دعابته ذا جد وشكيمة وكان شديد التعصب لقومه، شديد النقمة على الولاة، نقادة لأحوال عصره السياسية هجاء مُقذعًا في الهجاء. ولعل الإقذاع في الهجاء كان أضعف ملكاته على إكثاره منه كما أن الفكاهة مع الكبرياء القبلية والشعور بالعزة كانت أعظم دوافعه، وأجود ما ينظم فيه. ومن دقة حسه، وصدقه، وسعة أفقه، أنه لم يكن يقصر موضوع فكاهته على نقد غيره من الناس أو تصويرهم، وإنما كان يتناول نفسه فلا يألو: خذ مثلاً قوله يصف إحدى لياليه الفاجرة بالمدينة: (259 - 261).

فما زلت حتى أصعدتني حبالها

إليها وليلي قد تخامص آخره

ولا أحسب شعر بن أبي ربيعة على إكثاره في الغزل ولقاء الفتيات قد جاء فيه ذكر الحبال

فلما اجنمعنا في العلالي بيننا

ذكي أتى من أهل دارين تاجره

نقعت غليل النفس إلا لبانة

أبت من فؤادي، لم ترمها ضمائره

ولكن الفرزدق لا يكتفي بهذا، فهو لم يعف لتقوى أو حياء أو مروة كما قد يتبادر إلى ذهنك لو سمعت هذا البيت وحده مفردًا، أو كان الشاعر أنهى كلامه عنده. وإنما عف لأسباب أخر ليس فيها من دوافع العفة شيء، وهو لا يريد أن يخفيها عنك، وإن هبط ذلك بقدره في عينك، وهذا منه غاية في الصدق:

ص: 497

فلم أر منزولاً به بعد هجعة

ألذ قرى لولا الذي قد نحاذره

أحاذر بوابين قد وكلا بها

وأحمر من ساج تئط مسامره

فقلت لها كيف النزول فإنني

أرى الليل قد ولى وصوت طائره

فقالت أقاليد الرتاجين عنده

وطهمان بالأبواب كيف تُساوره

أبا لسيف أم كيف التسني لموثق

عليه رقيب دائب الليل ساهره

وازن هذا الكلام بما أوردته لك من رائية ابن أبي ربيعة ولامية امرئ القيس- ذانك يُهونان الأمر على صاحبتيهما، الأول يحلف لها أن المكان خال، ويثبت جأشها بما يدعيه من صدق القتال أوان الجد، والثاني يجعلها هي المتولهة الخائفة ثم يظهر أمامها الرجولة قائلاً إنه سيبادي الأعداء فأما نجا وإما قتل. ولكن الفرزدق لا يزعم شيئًا من هذا، بل يؤكد لك أنه كان في غمرة الخوف حينما كان في غمرة الوصال. وأن خوفه قد حال بينه وبين كامل الاستمتاع، فقد كان يحاذر البوابين، وكان في الوقت نفسه يفكر في الفرار، فيروعه الباب الساجي الضخم، ويهول الفرزدق أمر هذا الباب حتى ينقل لك صوت أطيطه ومنظر مساميره المرعبة في جملة واحدة «تئط مسامره» وأنت تعلم أن المسامير لم تكن تئط وإلا لكان الباب ركيكًا، وإنما كان يئط هو كله عند انفتاحه وانسداده- وسياق الكلام يشعر أن الفرزدق لم ير الباب إلا مُوصدًا، لأنه صعد بسلم من حبال، فذكره لأطيطه ولصوت مساميره، كل ذلك من صنع الخيال الخائف المرتعد.

ثم لم يكتف الفرزدق بهذا، فجعل نفسه الجازع المتوله لا المرأة، وصور المرأة بصور الذي يريد أن يسخر به، فهو يناشدها أن تنتبه إلى طلوع الفجر، وهي تروعه بذكر البواب، وأن لا سبيل إلى الفرار إلا عن طريقه، وأن لديه مفاتيح الرتاجين وأن لديه كلبًا ضخمًا رابضًا اسمه «طهمان» ينبهه من غفوته، ويساور من يهم بتخطي الباب خارجًا أو داخلاً. ثم تبالغ المرأة في تخويف الفرزدق فتقترح عليه

ص: 498

أن يستعمل السيف للخلاص. وذلك بالنسبة إليه داهية الدواهي وقاصمة الظهر. فماذا كان جوابه؟

فقلت ابتغي من غير ذاك محالة

وللأمر هيئات تُصاب مصادره

وهذا الكلام أولى به المرأة من الفرزدق. وفي رائية عمر تجد أن أختي الخليلة هما اللتان قالتا هذا الكلام:

لعل الذي أصعدتني أن يردني

إلى الأرض إن لم يقدر الحين قادره

فجاءت بأسباب طوال وأشرفت

قسيمة ذي زور مخوف تراتره (1)

أخذت بأطراف الحبال وإنما

على الله من عوص الأمور مياسره

فقلت اقعدا إن القيام مزلة

وشدا معًا بالحبل إني مخاطره

ولا حاجة بي إلى أن أنبهك إلى ما في هذا الكلام من الفكاهة والصور المضحكة والتصوير البارع للاضطراب والمخافة.

وإذا قلت قد نلت البلاط تذبذبت

حبالي في نيق مخوف مخاصرة (2)

ولو قد قال «مخاطره» لاستقام الكلام، ولكن الفرزدق أراد لأن يشعرك أنه لم يكن خائفًا فحسب، وإنما كان خصرًا مقرورًا، لا سيما وقد خرج من مكان دفيء.

مُنيف ترى العقبان تُقصر دونه

ودُون كُبيدات السماء مناظره

فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا

أحي يُرجى أم قتيل نُحاذره

ولكن الفرزدق لم تعجبه هذه الفكاهة، إذ أنه لم يأمن بعد، وما يدريه فربما يبصره البوابان في حباله فيهجمان عليه؟

(1) شبه زوجها بالأسد، فجعل له زورًا أي صدرًا. وتراتره: وثباته.

(2)

النيق: بكسر النون وإشباعها، ناحية الجبل. شبه جانب القصر به. والمخاصر: أماكن الخصر، والخصر: البرد، وفي المخاصر نفس من المصدر الميمي مع أنها جمع.

ص: 499

فقلت ارفعا الأسباب لا يشعروا بنا

ووليت في أعجاز ليل أبادره

هما دلتاني من ثمانين قامة

كما انقض باز أقتم الريش كاسره

فأصبحت في القوم الجلوس وأصبحت

مُغلقة دوني عليها دساكره (1)

وكأن الفرزدق يحمد الله على أن حاله ليست حالها- إذ كان يرى في الأبواب والحجرات العالية خطرًا عظيمًا، وداعيًا للرعب، حتى وإن لم تكن ريبة.

وقال من أخرى وذكر خوفه زيادًا أيام فر من البصرة واستجار بسعيد بن العاصي في المدنية (ديوانه 180):

إذا شئت غناني من العاج قاصف

على معصم ريان لم يتخدد

لبيضاء من أهل المدينة لم تعش

ببؤس ولم تتبع حمولة مُجحد

والمجحد: الفقير.

نعمت بها ليل التمام فلم يكد

يُروي استقائي هامة الحائم الصدي

وقامت تُخشيني زيادًا وأجفلت

حوالي في برد رقيق ومُجسد

فقلت ذريني من زياد فإنني

أرى الموت وقافًا على كل مرصد

وهذه الأبيات يفسدها التعليق، على أني أجد قوله:«قامت تخشيني زيادًا وأجفلت إلى آخر ما قال» في الذروة من البلاغة وحسن التصوير. ولا يخفى على القارئ أن خوف الفرزدق من زياد- على أنه لا يطنب في تصويره، إطنابه في الرائية- كان عميقًا جدًا ألا تراه يقرن ذكر الرجل بالموت، ويستعجل اللذات قبل لقائه؟

ومما يدخل في هذا الباب -من جهة الفكاهة لا تصوير الخوف- قوله يذكر رجلاً من بلعنبر كان دليلاً عبد الله بن عامر بن كُريز أمير البصرة، وكان

(1) دساكره، أي بيوته وحجراته.

ص: 500

الفرزدق في الركب، وضل بهم الدليل في الصحراء فعطشوا، وجعلوا يتصافنون الماء، بأن يضعوا في الإداوة حجرًا يتخذونه مقياسًا لما يشربه الشارب فلا يزيد عليه. فذكر الفرزدق أن هذا العنبري جاء بحجر ضخم كالأثفية ليكون حظه من الماء عظيمًا، ثم إنه جعل يستزيد الفرزدق فيزيده حتى أوشك أن يكون له شأن كشأن كعب بن مامة وزعم بعض الرواة أن الفرزدق ضن بنفسه ولم يعطه شيئًا من الماء، قال يهجو العنبري في ضلاله (ديوانه 842):

ما نحن إن جارت صدور ركابنا

بأول من غرت هداية عاصم

وكان اسم العنبري عاصمًا:

أراد طريق العنصلين فياسرت

به العيس في نائي الصوى مُتشائم

أي أراد طريق اليمامة فأخطأه وسلك طريقًا نائي الصوى أي العلامات قاصدًا حقه الشام مع أن الرشاد والهداية قصد اليمن.

وكيف يضل العنبري ببلدة

بها قُطعت عنه سيور التمائم

فإن أمرأ ضل البلاد التي بها

تغبر ثديي أمه غير حازم

رأى الليل ذا غول عليه ولم تكن

تُكلفه المعزى عظام المجاشم

ثم أخذ الفرزدق في وصف العطش وأمر المصافنة:

ونحن بذي الأرطى يقيس ظماءنا

لنا بالحصى شربًا صحيح المقاسم

فلما تصافنا الأدواة أجهشت

إلي غضون العنبري الجراضم

وجاء بجلمود له مثل رأسه

ليسقى عليه الماء بين الصرائم

أي الرمال جمع صريمة.

فضاق عن الأثفية القعب إذرمى

بها عنبري مُفطر غير صائم

ص: 501

وليت شعري ألم يكن ليضيق القعب بالأثفية إن رمى بها غير عنبري؟

ولما رأيت العنبري كأنه

على الكفل خرآن الضباع القشاعم

وإني لأجد هذا التشبيه مضحكًا جدًا، وصادقًا في التصوير مع ما يشوبه من إقذاع.

شددت له أزري وخضخضت نُطفة

لصديان يُرمى رأسه بالسمائم

صدى الجوف يهوي مسمعاه قد التظى

عليه لظى يوم من القيظ جاحم

وقلت له ارفع جلد عينيك إنما

حياتك في الدنيا وجيف الرواسم

أي دع طلب الماء، واجتهد في السير، فإن تكبير الحجر لن ينجيك إذا لم نسرع.

عشية خمس القوم إذ كان منهم

بقايا الأداوي كالنفوس الكرائم

فآثرته لما رأيت الذي به

على القوم أخشى لاحقات الملاوم

حفاظًا ولو أن الإداوة تُشترى

غلت فوق أثمان عظام المغارم

على ساعة لو كان في القوم حاتم

على جوده ضنت به نفس حاتم

ويرويه النحاة: «قد ضن بالماء حاتم» بجر حاتم ويجعلونها بدلاً أو بيانًا للضمير في «جوده» ، وإن صحت هذه الرواية فإنها لا يستغرب مثلها من الفرزدق، فقد كان الرجل يتعمد إغاظة النحويين، وقصته مع ابن أبي إسحاق وعنبسة بن معدان الفيل مشهورة.

وكنا أصحاب ابن مامة إذ سقى

أخا النمر العطشان يوم الضجاعم

إذا قال كعب قد رويت ابن قاسط

يقول له زدني بلال الحلاقم

فكنت ككعب غير أن منيتي

تأخر عني يومها بالأخارم

ومن كلام الفرزدق الذي يمزج فيه الفكاهة بالجد الكالح قوله في زياد بن أبيه

ص: 502

وقد كان زياد كلم قومًا أن يُزينوا للفرزدق الرجوع إلى البصرة، ويخبرون أن زيادًا قد رق له، وأنه سيعطيه ويكرمه ويعفو عنه، فقال الفرزدق يذكر ذلك:

دعاني زياد للعطاء ولم أكن

لآتية ما ساق ذو حسب وفرا

وإني لأخشى أن يكون عطاؤه

أداهم سودًا أو مُحدرجة سُمرا

عنى الحبس والقيد. ولا يخفى ما في البيتين من تهكم وسخرية:

وعند زياد لو يريد عطاءهم

أناس كثير قد يرى بهم فقرًا

قعود لدى الأبواب طلاب حاجة

عوان من الحاجات أو حاجة بكرًا

وهذان البيتان من الهجاء اللاذع، والنقد العنيف، ولعلك تذكر أيها القارئ أن زيادًا كان يفتخر بأنه لا يكذب على المنبر، وأنه قال في خطبته البتراء:«إن كذبة المنبر بلقاء مشهورة» ، ثم جاء في خطبته أنه لا يحتجب عن طالب حاجة ولو جاء طارقًا بليل. فأي هجاء أوجع من أن ينقض الفرزدق عليه مقالته هذه ويتهمه بالكذب.

وفي البيت الأخير نكتة نحوية، وهي العطف على الموضع في قوله:«أو حاجة بكرًا» إذ هي معطوفة على «حاجة» ، وموضع حاجة نصب.

هذا وللفرزدق في الطويل من ضروب الهزل والجد روائع لا نستطيع أن نستوعبها في هذا المقام الضيق. وبحسبنا أن ننبه القارئ إلى موضعها من الأغاني في الجزء التاسع عشر، وإلى ديوانه، فهو كنز لا تفنى ذخائره. ومما يحسن ذكره في هذا الموضع أن الفرزدق قد بلغ من ولعه بالفكاهة أنه لم يكتف بنظم المقطوعات فيها، وسرد القصص المضحكة في عرض القصائد، بل تجاوز ذلك إلى أن افتتح بها بعض قصائده الطوال، وجعلها في الموضع الذي يجعل فيه غيره من الشعراء ذكر الأطلال والنسيب وصفه الخمر وما شاكل ذلك. وعندي أن هذا قد كان تجديدًا عظيمًا من

ص: 503

الفرزدق لا يكاد يضارعه فيه أحد ممن جاء بعده أو مضى قبله. وصفة الأصالة فيه واضحة بينه. وقد رأيت مثالاً لذلك في الأبيات الميمية التي ذكرناها.

وأبلغ من الأبيات الميمية أبياته النونية في الذئب (1):

وأطلس عسال وما كان صاحبًا

دعوت بناري موهنًا فأتاني

فلما دنا قلت إدن دونك إنني

وإياك في زادي لمُشتركان

فبت أسوي الزاد بيني وبينه

على ضوء نار مرة ودخان

فقلت له لما تكشر ضاحكًا

وقائم سيفي من يدي بمكان

تعش فإن عاهدتني لا تخونني

نكن مثل من يا ذئب يصطحبان

وأنت امرؤ يا ذئب والغدر كنتما

أخيين مكانا أرضعا بلبان

ولو غيرنا نبهت تلتمس القرى

رماك بسهم أو شباة سنان

وكل رفيقي كل رحل وإن هما

تعاطى القنا قوماهما أخوان

وخوف الفرزدق ظاهر في هذه الأبيات، وهو لا يحاول أن يدسه عنك، بل يؤكده بهذا الملق الظريف الذي يخاطب به الذئب.

وقصة هذه الأبيات كما حدثت تختلف شيئًا عما ذكره الفرزدق في أبياته، ومن الإنصاف له أن نقول: إنه هو الذي رواها كما وقعت، فقد كان مسافرًا في ركب، وكان قد سلخ شاة فأعجلهم المسير فعلقها على بعير، حتى إذا جاء الفجر وعرس الركب، وناموا، جاء ذئب إلى المسلوخة فجعل ينتهشها ونفر الإبل وأحس به الفرزدق، فأخذ يرمي له بالعضو من الشاة بعد العضو حتى أسفر الصبح وانقشع الذئب.

هذا، وقد استهل الفرزدق بهذه الأبيات الفكهة الحلوة كلمة من قصائده

(1) الديوان 869 - 872.

ص: 504

الضخمة ذكر فيها حادثًا من أعظم حوادث الإسلام وأجلها خطرًا، وهو مقتل قتيبة بن مسلم، وكان ضلع الفرزدق عليه، لأنه كان يتعصب لتميم، وكان الذي تولى قتل قتيبة وكيع بن أبي الأسود الغداني من رجالات تميم.

ومن عجيب أمر الفرزدق في هذه النونية أنه بعد أن استهلها بخير الذئب أخذ في النسيب، ولم يكن نسيبه شيئًا صناعيًا كأكثر هذا النسيب الذي نجده في القصائد الطوال، وإنما كان شكوى حقيقية من إنسان حقيقي كان به مُغرمًا، وذلك الإنسان هو زوجه النوار، ويكاد المرء يقرأ في وصف الفرزدق للذئب، بعد أن يطلع على أبيات النسيب شيئًا من الرمزية. ألا يجوز أن يكون الفرزدق قد تمثل شبهًا قويًا بين ذلك الذئب الذي رآه، وهاته المرأة التي لا تني توبخه على فجوره وإقذاعه وتطلب منه أن يخلي سراحها؟ أم لا يجوز أن الفرزدق كان يخاطب امرأته في الحقيقة ممثلاً لها في صورة ذئب.

وربما تتبين شيئًا من صدق مزعمي هذا حين أورد لك أبيات النسيب. وهي قوله:

فهل يرجعن الله نفسًا تشعبت

على أثر الغادين كل مكان

فأصبحت لا أدري أأتبع ظاعنا

أم الشوق مني للمقيم دعاني

وما منهما إلا تولى بشقة

من القلب فالعينان تبتدران

ولو سُئلت عني النوار وقومها

إذن لم توار الناجذ الشفتان

أنظر إلى الشبه بين شطر هذا البيت، وبين قوله:«فقلت له لما تكشر ضاحكًا» .

لعمري لقد رققتني قبل رقتي

وأظهرت في الشيب قبل زماني

وأمصحت عرضي في الحياة وشنته

وأوقدت لي نارًا بكل مكان

فلولا عقابيل الفؤاد التي به

إذن خرجت ثنتان تبتدران

ص: 505

يعني طلقتين.

ولكن نسيت لا يزال يشلني

إليك كأني مغلق برهان

ولا يخفى ما في هذا الكلام من العاطفة والقوة. وهذا ما يجعلني أرجح أن أبيات الذئب كانت نوعًا من التمهيد والتوطئة له.

وبعد، فقد ذكرنا لك من الأنواع الشعرية التي وردت في الطويل ضروبًا كثيرة. فلعل ذلك يوضح ما ذكرناه بدءًا من أن هذا البحر خفي الدندنة، واسع النفس، رائث النغم، جليل نبيل في جوهره، يتقبل العميق الجاد من الكلام بأوسع ما للعمق والجد من معان.

هذا، ومن حسن الجد أن المعاصرين يعرفون له هذه الخصائص، إلا أن الإقدام عليه قد قل منذ أن طبع الأستاذ عباس محمود العقاد ديوانه الأول. ومن الإنصاف لهذا المعاصر الفذ أن نذكر أن أجود شعره قد جاء في الطويل، ونحيل القارئ الكريم على ديوانه، (وهو عزيز الوجود) ليقرأ فيه كلمته:

أبعدًا نُرجي أم نرجي تلاقيًا

كلا البعد والقربى يُهيج ما بيا

إذا أنا أحمدت اللقاء فإنني

لأحمد حينًا للفراق أياديًا

فيا من لنا في كل يوم بفرقة

تُجدد ليلات الوداع كما هيا

ليال يبيح الدل فيها زمامه

ويُرخص فيها الشوق ما كان غاليًا

ويا ليلتي لما أنست بقربه

وقد ملأ البدر المنير الأعاليا

تطلع لا يثني عن البدر طرفه

فقلت حياء ما أرى أم تغاضيا (1)

بنا أنت من بدر وددت لو أنه

على الأفق يبدو أينما كنت ثاويًا

غدًا ننظر البدر المضوئ فوقنا

وحيدين من دارين لم تتلاقيا

(1) ما زائدة: أي أحياء أرى أم تغاضيا.

ص: 506