المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

شوقي معروفة. وقد أكثر المعاصرون من هذا البحر حتى أطلق - المرشد إلى فهم أشعار العرب - جـ ١

[عبد الله الطيب المجذوب]

فهرس الكتاب

- ‌ الجزء الأول: في النظم)

- ‌[تقدمة]

- ‌الإهداء

- ‌تقديم الكتابللأستاذ الكبير الدكتور طه حسين

- ‌شكر واعتراف

- ‌خطبَة الكتاب

- ‌الباب الأولفي النظم

- ‌النظم العربي يقوم على عمادين:

- ‌المبحث الأولعيوب القافية ومحاسنها وأنواعها

- ‌ الإقواء

- ‌الإيطاء

- ‌السناد

- ‌التضمين:

- ‌الردف المشبع:

- ‌لزوم ما لا يلزم

- ‌القوافي المقيدة:

- ‌القوافي الذلل:

- ‌القوافي النفر:

- ‌القوافي الحوش:

- ‌هاءات القوافي:

- ‌حركات الروي:

- ‌تعقيب واستدراك:

- ‌خاتمة عن جودة القوافي:

- ‌المبحث الثانيأوزان الشعر وموسيقاها

- ‌الفصل الأول

- ‌تمهيد:

- ‌النمط الصعب (1)

- ‌الأوزان المضطربة (2):

- ‌الأوزان القصار (3):

- ‌ الخفيف القصير

- ‌الخبب والرجز القصيران والمتقارب المنهوك:

- ‌المتقارب المنهوك:

- ‌خلاصة:

- ‌البحور الشهوانية: (4)

- ‌كلمة عامة:

- ‌مستفعلن مفعو أو مفعول (5)

- ‌بحر المجتث (6)

- ‌الكامل القصير (7)

- ‌مخلع البسيط (8)

- ‌الهزج (9)

- ‌الرمل القصير (10)

- ‌الفصل الثانيالبحور التي بين بين

- ‌المديد المجزوء المعتل (1)

- ‌السريع (2)

- ‌الكامل الأحذ وأخوه المضمر (3)

- ‌الفصل الثالثالبحور الطوال

- ‌(1) المنسرح والخفيف:

- ‌المنسرح

- ‌الخفيف

- ‌همزيات الخفيف

- ‌داليات الخفيف

- ‌ضاديات الخفيف:

- ‌لاميات الخفيف ونونياته:

- ‌الرجز والكامل:

- ‌كلمة عن الرجز

- ‌التعليمي

- ‌كلمة عن الكامل

- ‌كامليات شوقي

- ‌الكامل عند المعاصرين

- ‌3 - المتقارب

- ‌4 - الوافر:

- ‌كلمة عن الوافر:

- ‌وافريات المعاصرين:

- ‌الطويل والبسيط:

- ‌وزن البسيط

- ‌كلمة عامة عن الطويل والبسيط

- ‌كلمة عن البسيط

- ‌خاتمة

الفصل: شوقي معروفة. وقد أكثر المعاصرون من هذا البحر حتى أطلق

شوقي معروفة. وقد أكثر المعاصرون من هذا البحر حتى أطلق عليه بعض المتهكمين لقب "بحر الشباب" لكثره ما تنشره الصحف منه.

وقد اختلفت أغراض هذا البحر بين طرفي الغزل والحماسة، والمديح والهجاء والرثاء والفخر، لما قدمناه لك من عراقته في الاستعمال. ومع ذلك فقد كان ذا طابع واحد في جميع هذا، من وضوح النغم واعتداله، بحيث لا يبلغ حد اللين ولا حد العنف ولكن يأخذ من كل بنصيب.

وقوافي الخفيف عظيمة الأثر في طبع أنغامه بطابع خاص. ولهذا فقد جرت قصائد منه منذ عهد بعيد على مذهب المجاراة، بحيث تشتم في المتأخر منها نفسًا من المتقدم. لن نحاول في هذا السفر المختصر أن نستقصي أنواع القصائد الأول التي سارت على نهجها قصائد عدة من بعدها على توالي العصور، ونكتفي بايراد أمثلة قليلة.

‌همزيات الخفيف

الهمزة طريق منكوب كما زعم المعري، وقد تحدثنا عن هجنتها في باب القوافي ومع هجنتها هذه فقد أكسبها الخفيف دولة واسعة. والسبب في ذلك أن وزن الخفيف كامل الاعتدال. ولذلك يقع التشعيث في آخره فلا يضيره كما في "ثم راحت في الحلة الحمراء". ولو وقع التشعيث في بحر غيره لا ضطرب جدًا. ولعل اعتدال الخفيف هذا جعله يلائم الألف الممدودة [فمدها ينبو في كثير غيره من البحور]. وإنما لاءمها لأنها تصادف تفعيلته الأخيرة المطاطة المرنة فتنسجم وإياها ويخفي نفورها، ولا سيما إن كان المجري رفعًا أو خفضًا، وذلك يجيء بواو أو ياء مشبعة، وهما من سنخ مباين للألف. ولا تنس أن كثيرًا من العرب كانوا يسهلون الهمزة. والتسهيل يصير نحو:"حمراءو" إلى "حمراوو" ونحو "حمراءي" إلى "حمرابي". وأقدم ما عندنا من

ص: 242

الهمزات معلقة الحرث "آذنتنا يبينها أسماء" وهي من رصين النظم، ومن أفصح ما قالته العرب، وفيها إمتاع لأحد له بنغم الخفيف لا يكاد يفوقه شيء إلا مذهب البحتري في السينية والأعشى في معلقته:

ما بكاء الكبير بالأطلال

وسؤالي وما ترد سؤالي

وأعجب لماذا أهملها صاحب جمهرة أشعار العرب.

ولولا أن كلمة الحرث هذه مشهورة ومن مقررات المنهج الثانوي في أكثر البلاد العربية لاستمررت أستشهد لك منها بالأبيات، إذ فيها من اللفظ المرقص المطرب نحو قوله:

بعد عهد لنا ببرقة شما

ء فأدني ديارها الخلصاء (1)

فرياض القطا فأودية الشر

بب فالشعبتان فالإبلاء

تأمل إلى هذه الباءات والشينات كيف جاء بها الشاعر كأنما يضرب على عود أبح. وانظر إلى تكرار التاءات في قوله:

وصتيت من العواتك لا تنسهاه إلا مبيضة رعلاء (2)

(1) برقة شماء: موضع. والبرقة: المكان يكثر فيه الحصى. وشماء بديار ربيعة. والخلصاء في ديار بني تميم، ووهم أبو عبيد البكري (انظر خلصاء من معجم ما استعجم) فحسب أنها من ديار ربيعة، واستشهد ببيت الحارث:"بعد عهد الخ". ولو كان نظر إلى قول ذي الرمة (ومن عجب أنه استشهد به).

له عليهن بالخلصاء مربعه

... فالفودجات فجنبي واحف صخب

لأدرك أن الخلصاء بديار بني تميم. هذا وقد ضبط المحقق "مربعه" بكسر العين جعلها بيانًا للخلصاء، وليس هذا بالصواب، وإن كان يجوز توجيهه، والراجح نصب المربح لأنها اسم زمن بمعنى زمن الربيع. وبعض الناس يروي "مرتعه" بالتاء المثناة وبخفض المرتع، وهذا ليس بشيء.

(2)

الصتيت: الجماعة. العواتك: النساء. رعلاء: بادئة.

ص: 243

وانظر إلى جدله الرائع:

وأتانا من الحوادث والأنباء خطب نعني به ونساء

أن إخواننا الأراقم يغلو

ن علينا في قيلهم إحفاء (1)

يخلطون البريء منا بذي الذنب ولا ينفع الخلي الخلاء

زعموا أن كل من ضرب العير موال لنا وأنا الولاء (2)

عننا باطلًا وظلمًا كما تعتر عن حجرة الربيض الظباء (3)

تأمل اتصال صدور الأبيات بأعجازها، وانظر إلى الجلبة والدندنة في البيت الأخير. وقد أحسن الأستاذ البهبيتي (لولا مبالغته) إذ يقول:"والحرث سيد شعراء الجاهلية جميعًا في القدرة الخارقة على استغلال موسيقا الألفاظ".

هذا ورأس الهمزيات التي جوريت بها معلقة الحرث في الإسلام (4). طويلة ابن قيس الرقيات:

أقفرت من آل عبد شمس كداء

فكدي فالركن فالبطحاء

وهي من القصائد المدرسيات المشهورة. وقد تخير منها أصحاب "كتاب المنتخب من أدب العرب" قطعة صالحة. وقد أثنى عليها الدكتور طه حسين في كتابه

(1) الأراقم: بنو تغلب. إحفاء: استقصاء وضرر، وأصله من إحفاء الشعر.

(2)

العير: اختلف في تفسيره. والمعنى: زعموا أن كل من ارتكب جريرة فهو منا. وقيل العير: الملك. وقيل هو حمار الوحش.

(3)

عننا باطلا: اعتراضا باطلا. نعتر: تذبح. الربيض: الشياء أو الضائن. وهذا كله من قبيل التهكم. وأصله أن العرب كانت يذبح اسمها العتيرة يضحى بها المرء إذا نذر أنه سيذبح من شياهه إذا بلغت كذا. وكان العرب إذا أراد تحليل نذره بدون أن يخسر شاه عمد إلى ظبي فرماه وضحى به عن شياهه.

(4)

لأبي زبيدة الطائي حمزية جاري بها الحارث. ذكرها صاحب الشعر والشعراء في ترجمته لا أدري إن كانت إسلامية أو جاهلية ــ راجع ص: 263.

ص: 244

حديث الأربعاء ثناء حسنًا، فأحسب (1) وهي بلا ريب من عيون الشعر العربي. وقد مزجت بين صلابة الأسر والرقة وصدق العاطفة وحرارتها. خذ منها على سبيل المثال:

حبذا العيش حين أهلي جميع

لم تفرق قلوبها الأهواء

قبل أن تطمع القبائل في ملك قريش وتشمت الأعداء (2)

إن تودع من البلاد قريش

لا يكن بعدهم لحي بقاء

كيف نومي على الفراش ولما

تشمل الشام غارة شعواء

تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي

عن براها العقيلة العذراء

إنما مصعب شهاب من الله تجلى عن نوره الظلماء

ملكه ملك قوة ليس فيه

جبرت ترى ولا كبرياء

وهذا الكلام ثمد من بحر. وقد كان عبد الملك بن مروان من نقدة الكلام وصاغته، كما كان من أغير الناس وأحرصهم على ملك وتفرد بالسلطان. فلما بلغته هذه القصيدة مع نظائر لها دونها، أهدر دم ابن قبس الرقيات، ولم ينج الشاعر إلا بشفاعة ابن جعفر وقصيدته هو البائية:

عاد له من كثير الطرب

فعينه بالدموع تنسكب

وهي من جيد الشعر. ومع جودتها فإن عبد الملك لم يرضها لأنه رآها دون الهمزية (3) وقد تبع بشار طريق ابن قيس في همزيته المرفوعة (4):

علليني يا عبد أنت الشفاء

(1) حديث الأربعاء: 253. فأحسب فعل ماض رباعي أي فكفى.

(2)

هل غنى مقتل عثمان فقد كان عثمانيًا؟

(3)

الأغاني 5: 79.

(4)

ديوانه: 115.

ص: 245

فلم يصنع شيئًا لأنه تكلف في غزلها وتعمل. وجاراه أيضًا في همزيته المخفوضة المجرى (وليس اختلاف المجرى مما يؤبه له في المجاراة)، فقال:

حييا صاحبي أم العلاء

واحذر طرف عينها الحوراء

وأطال في نسيب هذه الكلمة وتشبه بابن أبي ربيعة وليس التقليد كالأصل، ثم خلص إلى وصف الفلاة والناقة تبعًا للقدماء، وما أخلى نفسه من نظر إلى الحرث صاحب المعلقة قال:

وفلاة زوراء تلقى بها العين رفاضًا يمشين مشي النساء (1)

من بلاد الخافي تغول بالركب فضاء موصولة بفضاء

قد تجشمتها وللجندب الجون نداء في الصبح أو كالنداء

حين قال اليعفور وارتكض الآ

ل بريعانه ارتكاض النهاء (2)

ولا إخال القاريء يخالفني في أن هذا كلام خال من الماء، ظاهر التكلف، وفيه تحايل على القوافي كقوله "أو كالنداء" و"موصولة بفضاء"، ثم انتقل إلى المدح فقال:

ما لكي تنشق عن وجهه الحر

ب كما انشقت الدجى عن ضياء

أيها السائلي عن الحزم والنجدة والبأس والندى والوفاء

إن تلك الخلال عند ابن سلم

ومزيدًا من مثلها في الغناء

كخراج السماء سيب يديه

لقريب ونازح الدار ناء (3)

حرم الله أن ترى كابن سلم

عقبة الخير مطعم الفقراء

(1) العين: الغزلان. رفاضا: جماعات.

(2)

الآل: السراب. الريعان: أول الشيء. النهاء: جمع نهي بفتح النون أو كسرها، وهو الغدير.

(3)

خراج السماء: يعني المطر.

ص: 246

يسقط الطير حيث يلتقط الحب وتغشى منازل الكرماء

ليس يعطيك للرجاء ولا الخو

ف ولكن يلذ طعم العطاء

أريحي له يد تمطر النيل وأخرى سم على الأعداء

قد كساني خزا وأخدمني الحو

ر وخلى بنيتي في الحلاء

فجزى الله عن أخيك ابن سلم

حين قل المعروف خير الجزاء

صنعتني يداه حتى كأني

ذو ثراء من سر أهل الثراء

لا أبالي صفح اللئيم ولا تجري دموعي على الخئون الصفاء

؟ ؟ ؟ اني امرأ أبر على البخل بكف محمودة بيضاء (1)

يسري الحمد بالثنا ويرى الذ

م فظيعًا كالحية الرقشاء

ملك يفرع المنابر بالفضل ويسقي الدماء يوم الدماء (2)

قائم باللواء يدفع بالمو

ت رجالًا عن حرمة الخلفاء

فعلى عقبة السلام مقيما

وإذا سار تحت ظل اللواء

وهذا كلام شاكر لاريب. وقد رق بشار به رقة لا تجدها في مقدمته النسبية، ورصن رصانة أفاده إياها قوة طبعه ومعرفته بكلام العرب، ومقدمته على الابتكار والتصرف كقوله "خراج السماء"، وكقوله "صنعتني يداه" وكقوله "لا أبالي صفح اللئيم" وكقوله "يفرع المنابر بالفضل" وهذا كله در عزيز وجوهر نادر وإحسان لا يدفع.

وقد جاء البحتري بهمزيات وسط، منها همزية مفتوحة في أبي سعيد الثغري، ولا شر من الهمزة المفتوحة، على أنه أحسن في قوله منها (3):

(1) أبر على البخل: زاد عليه.

(2)

يفرع: يرتقي.

(3)

ديوانه - أول قصيدة.

ص: 247

يتعثرن بالرؤوس وبالأعـ

ـضاء سكرًا لما شربن الدماء

وإنما حسن هذا لخلو القصيدة مما هو أحسن منه. وقد جاء ابن الرومي بهمزيتين إحداهما مفتوحة المجرى والأخرى مخفوضته، طويلتين جدًا، ولا يطاول طولهما إلا ما فيهما من الإملال والثرثرة. أما المفتوحة فهي قوله:

أيها القاسم القسيم رواء

وأما المخفوضة فهي:

يا أخي أين ريع ذاك الإخاء

وكلتاهما في أول ديوانه المرتب على الحروف. وأولاهما غاية من الاضطراب والثرثرة. والثانية فيها قطعة حسنة في وصف الشطرنج. وقد أوردها أصحاب المنتخب في المختارات المدرسية، والدكتور طه حسين في كتابه "من حديث الشعر والنثر". وكلتا القصيدتين خاليتان من الرنة والجلجلة التي لا بد منها للخفيف كما يصل إلى القلوب. ولأمر ما زعم الدكتور طه حسين أن مذهب ابن الرومي أشبه بمذاهب الكتاب منه بمذاهب الشعراء.

ونسبة ابن رشيق إلى الطبع وقرنه بأبي الطيب ولذلك وجه بعيد، جد بعيد وفي ديوان المتنبي همزية مخفوضة على روي ابن الرومي وبحره قالها في كافور وهي من بارد شعره، وقل فيه البرود، وأحسن ما فيها قوله (1):

وفؤادي من الملوك وإن كا

ن لساني يرى من الشعراء

وقد جاء المعري بهمزية مرفوعة طويلة في اللزوميات (2) أغرب فيها ما شاء ولم

(1) ديوانه 444.

(2)

اللزوميات 1: 40.

ص: 248

يحسن إلا في أبيات معدودة. وكأن بشارًا كان خاتمة أصحاب الهمزيات الجياد من الشعراء المحدثين المعروفين، ومن أجل هذا زعم المعري أن الهمزة طريق منكوب غير أن عجز فحول المحدثين أن يجيدوا في هذا المضمار إجادة الحرث اليشكري وابن قيس الرقيات وبشار، لم يقف الشعراء كلهم عن المحاولة ولا سيما المتأخرون منهم، فقد أكثروا من الهمزة في الخفيف، ونجم من بينهم الإمام شرف الدين أبو عبد الله محمد ابن سعيد البوصيري (المتوفي سنة 694 هـ) فنظم مطولته في مدح النبي (1) صلى الله عليه وسلم:

كيف ترقى رقيك الأنبياء

يا سماء ماطاولتها سماء

فجاء بها سليمة النظم في جملتها، حسنة اللفظ، وأبدع في مواضع منها إبداعًا بينًا كقوله يصف مولد النبي صلى الله عليه وسلم:

ليلة المولد الذي كان للدين سرور بيومه وإزدهاء

وتوالت بشرى الهواتف أن قد

ولد المصطفى وتم الهناء

مولد كان منه في طالع الكفر وبال عليهم ووباء

فهنيئًا به لآمنة الفضل الذي شرفت به حواء

ومنها في مبدأ أمر النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته:

ثم قام النبي يدعو إلى الله وللكفر نجدة وإباء

أممًا أشربت قلوبهم الكفر، فداء الضلال فيهم عياء

رب إن الهدى هداك وآيا

تك نور تهدي به من تشاء

قد رأينا ما ليس يعقل قد ألهم ما ليس يلهم العقلاء

إذ أبى الفيل ما أتى صاحب الفيل وما ينفع الذكي الذكاء

والجمادات أفصحت بالذي أخرس عنه لأحمد الفصحاء

(1) متن الهمزية (طبعة المكتبة التجارية لمصطفى محمد)

ص: 249

ويح قوم جفوا نبيًا بأرض

ألفته ضبابها والظباء

أخرجوه منها وآواه غار

وحمته حمامة ورقاء

وكفته بنسجها عنكبوت

ما كفته الحمامة الحصداء (1)

وهذا كلام أقل ما يقال عنه أنه رصين. وانظر إلى قوله يصف المعراج:

فصف الليلة التي كان للمختار فيها على البراق استواء

وترقى به إلى قاب قوسين وتلك السيادة القعساء

رتب تسقط الأماني حسري

دونها ما وراءهن وراء

ثم وافى يحدث الناس شكرًا

إذ أتته من ربه النعماء

وتحدى فارتاب كل مريب

أو يبقى مع السيول الغثاء

وهو يدعو إلى الإله وإن شق عليه كفر به وازدراء

ويدل الورى على الله بالتو

حيد وهو المحجة البيضاء

فبما رحمة من الله لانت

صخرة من إبائهم صماء

ومن خير ما جاء في هذه الهمزية الجليلة قول البوصيري وهو يجادل النصارى وغيرهم من أصحاب الملل:

ما أتى بالعقيدتين كتاب

واعتقاد لا نص فيه ادعاء (2)

والدعاوى ما لم تقيموا عليها

بينات أبناؤها أدعياء

ليت شعري ذكر الثلاثة والوا

حد نقص في عدكم أم نماء

كيف وحدتم إلهًا نفى التو

حيد عنه الآباء والأبناء

أإله مركب ما سمعنا

بإله لذاته أجزاء

(1) أراد بالحصداء هنا: الصناع، وهذا تأويل بعيد منه اضطرته إليه ضرورة القافية.

(2)

العقيدتان: اليهودية، والنصرانية، والمعنى أن كل عقيدة لم يرد فيها نص فهي دعوى باطلة لا يجوز قبول مثلها.

ص: 250

ألكل منهم نصيب من الملك، فهلا تميز الأنصباء

أتراهم لحاجة واضطرار

خلطوهم وما بغى الخلطاء (1)

أهو الراكب الحمار فيا عجز إله يمسه الإعياء (2) أم جميع على الحمار لقد جل حمار بجمعهم مشاء

أم سواهم هو الإله فما نسبة عيسي ليه والانتماء (3)

أم أردتم بها الصفات فلم خصت ثلاث بوصفه وثناء (4)

أم هو ابن الله ما شاركته

في معاني النبوة الأنبياء (5)

قتلته اليهود فيما زعمتم

ولأمواتكم به أحياء

إن قولا أطلقتموه على الله، تعالى ذكرًا، لقول هراء

فهذا جدل قوي كما ترى، وفيه مشابه من جدل الحرث بن حلزة في المعلقة، وأرجح أن البوصيري نظر إلى ذلك في صناعته، ومما لا ريب فيه أن همزية البوصيري هذه من جليل النظم، وهي تفصح بحجة الإسلام، كما تفصح قصيدة دانتي بحجة المسيحيا (6).

وقد أعجب المتصوفة وغيرهم من الصالحين بهذه القصيدة حتى جعلوها من

(1) أي إذا جاز لهم ما يجوز للبشر من المشاركة والمخالطة، فيجوز في حقهم البغي والخصام، قال تعالى وإن كثيرًا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض (صاد).

(2)

إشارة إلى أنه روي أن عيسى عليه السلام كان يركب حمارًا. فإن كان عنصره إلهيًا كله كما تزعم اليعاقبة فكيف يصح أن يحمله حمار وأن يمسه التعب.

(3)

قطع همزة الانتماء ثم سهلها.

(4)

يعني إن كانت الناسوتية واللاهوتية مجرد صفات فلم اشترطتم عددًا يعينه؟

(5)

هذا على القلب. أي ما شارك هو الأنبياء في معاني النبوة، أو ما شاركوه في معاني النبوة بتقديم الباء، على النون وهذا بعيد فنبينا لم نزعم أنه ابن لله ولكنه صلى الله عليه وسلم عبد من عباده.

(6)

قد رجحنا فيما يلي في آخر هذا الكتاب نظر دانتي إلى البوصيري وابن أبي الخصال وشعراء المديح، النبوي.

ص: 251

ضمن الأوراد وأكثر الشعراء المداح من مجاراتها حتى نظم الشيخ يوسف النبهاني من المتأخرين، قصيدة طويلة بلغ بها ألف بيت على هذا الروي.

ولو قد وقف أمر الهمزيات عند هذا الحد لكان للناقد عن الإفاضة فيه مندوحة ومستماز إذ قل من المداح من أجاد إجادة البوصيري أو كاد يدنو من غباره. ولكن أبي شيطان الشعر الجموح إلا أن يغوي أحمد شوقيًا فيركبه مركب الحرث وابن قيس الرقيات بعد أن صار كودنا. وقد كان لشوقي من عظيم الثقة بنفسه ما اغراه بأنه عسى أن يعيد إلى همزيات الخفيف رونقها القديم - فاصطنع أسلوب البوصيري في التطويل والتفصيل، ونهج نهج الحرث في الفخر، والعنجهية القبلية. والجدل الذي لا يراد به رفع راية الإسلام، وإنما تمجيد الفراعنة ومدح بناة الأهرام والإشادة بالوطنية المصرية القديمة، فقال كلمته الطويلة المعروفة (1):

همت الفلك واحتواها الماء

وحداها بمن تقل الرجاء

وقد كان شوقي رحمه الله مولعًا بالتاريخ، حريصًا على نظمه. وقد كان غاب عنه أن أوميروس وأضرابه من قدماء الملحميين لم يكونوا علماء، وإنما كانوا رواة أخبار وخرافات وذوي إنشاد وتغن، فحسب أن ما أوتيه هو من مقدرة في النظم مع معرفة بالتاريخ وتأثر بتفصيله وإجماله، يكفي لإبراز ملحمة عظيمة كتلك الملحميات الأول- وهذا ما لا يكون ولا يمكن أن يكون، لأن من أهم العناصر اللازمة للملحمة، العقيدة الدينية القوية، ومهما يبلغ إيمان شوقي بوطنه وتعصبه لتاريخه، فإنه ما كان ليبلغ عمق اعتقاد أوميروس في خرافاته وآلهته، كلا ولا عمق اعتقاد دانتي في نصرانيته أو ملتون في بيورتانيته - أقول هذا على تقدير التسليم بأن شوقيًا لم يكن له من دين إلا حب مصر والتعصب لها، مع أن الحقيقة التي لا يمكن دفعها أنه كان

(1) أولى الشوقيات. ج 1.

ص: 252

مسلمًا صادق العقيدة، وأن غرامه بمصر كان طرفًا من غرام أبرع وأوسع هو غرامه بلغة العرب ومدنيتهم وبالإسلام كما تجلى في أيام الرشيد وهشام. وكما كان يوده أن يتجلى في دولة بني عثمان.

والقاريء لهذه الهمزية الطويلة من شعر شوقي يؤسفه حقًا أن هذا الشاعر الفذ قد أفسد فنه بالأسلوب التأريخي التعليمي كما في قوله:

لا رعك التاريخ يا يوم قمبيز ولا ططنت بك الأنباء

وهذا فاتحة لدرس تأريخي بعده، وكقوله:

طلبة للعباد كانت لإسكندر في نيلها اليد البيضاء

وكقوله:

سجدت مصر في الزمان لإيزيس الندى من لها اليد البيضاء

وخاطب إيزيس بقوله:

لك آبيس والمجتب أوزيرس وابناه كلهم أولياء

مثلث للعيون ذاتك والتمثيل يدني من لا له إدناء

وادعاك اليونان من بعد مصر

وتلاهم في حبك القدماء

فإذا قيل ما مفاخر مصر

قيل منها إيزيسها الغراء

رحم الله شوقيًا ما كان أغناه عن هذا العناء، وهل عدا هنا أن نظم كلامًا كان وجهه أن يورد نثرًا، لا فنيًا، ولكن علميًا جافًا كنثر علماء الأنثروبولوجيا وتطور الأديان؟ وهل ترى، لو كانت إيزيس هذه قاعدة نحوية، وآبيس وأوزيريس متفرعات لها، أن شوقيًا كان يزيد على مثل قول ابن مالك:

مبتدأ زيد وعاذر خبر

إن قلت زيد عاذر من اعتذر

ص: 253

وأول مبتدأ والثاني

فاعل اغنى في: أسار ذان؟

وانظر إلى قوله "والتمثيل يدني من لاله إدناه" أليس أجدر بهذا القول قس لاهوتي ملكاني يناظر إمبراطور القسطنطينية "ليو"؟

وانظر إلى قوله:

هرمت دولة القياصر والدو

لات كالناس داؤهن الفناء

ليس تغني عنها البلاد ولا مال الأقاليم إن أتاها النداء

نال روما ما نال من قبل آثينا وسيمته ثيبة العصماء

سنة الله في الممالك من قبل ومن بعد ما لنعمى بقاء

أشهد أن نفس شوقي في سردة لتأريخ هؤلاء القدماء، إغريقهم ورومانيهم وفرعونيهم بارد خال من العاطفة، مسيطرة عليه قبضة الفكر وعصا النظم وسوطه. ولقد كان رحمه الله أصدق عاطفة وأحر نفسًا، حين نظم تأريخ الإسلام في بحر الرجز المزدوج (1) وهو من أضعف البحور. وأورد لك على سبيل المثال قوله هناك:

يا يوم صفين بمن قضاكا

هل أنصف الجمعان إذ خاضاكا

فيك انتهى بالفتنة التراقي

واصطدم الشام بالعراق

ونفدت بقية من صحب

تلقت الطعن بصدر رحب

بنو القنا أبوة الأسنة

أهل الكتاب نصراء السنة

وفت لهم بدر وهم أهله

وخنتهم مشيخة أجله

ما كان ضر نصراء البيعة

لو صبروا على الوغى سويعة

غادرهم بسحره معاوية

كأنهم أعجاز نخل خاوية

ألقى القنا وشرع المصاحفا

ينشد بالله الخميس الزاحفا

(1) طبع هذا التاريخ المنظوم باسم "ملوك العرب لأحمد شوقي".

ص: 254

لا يرفع المصحف كالدفوف

والسلم لا تذكر في الصفوف

انظر إليه هنا كيف حمي وتشيع، وفي الهمزية كيف برد وتعثر. وقد أتي شوقي من جهة عقله وثقافته وبيئته، فقد كان يحسب الإشادة بتأريخ مصر عن طريق النظم دينًا عليه واجبًا قضاؤه، وفرضًا لازمًا

أداؤه. وقد أعماه هذا الضلال والتمذهب الفكري عما في خويصة نفسه من حب مصر المسلمة حامية الإسلام. لا الوثنية بانية الأهرام، وهمزيته الطويلة هذه شاهد عدل على أن الشاعر إذا جرى على غير طبيعته زل وانكب، وما لقى ما أحب. إذ ليس فيها على طولها إلا رتابة تتبع رتابة، وقواف مفتعلة افتعالًا كأنما اقتنصها صاحبها من القاموس، وعنت شبيه بالعنت الذي في لا مية الأفعال، ولا تجد فيها مما يستحق الاستحسان إلا نتفا كقوله في أولها:

لجة عند لجة عند أخرى

كهضاب ماجت بها البيداء

نازلات في سيرها صاعدات

كالهوادي يهزهن الحداء (1)

رب إن شئت فالفضاء مضيق

وإذا شيئت فالمضيق فضاء

فاجعل البحر عصمة وابعث الرحمة فيها الرياح والأنواء

أنت أنس لنا إذا بعد الأنس وأنت الحياء إذ لا حياء

يتولى البحار مهما ادلهمت

منك في كل جانب لألاء

وإذا ما علت فذاك قيام

وإذا ما رغت فذاك دعاء

فإذا راعها جلالك خرت

هيبة فهي والبساط سواء (2)

وهذا كأنما قاله وهو خائف من هيجان البحر وغطامطه المتلاطم، وكأنما لجأ إلى الله- كما لجأ البوصيري عند مرضه - ليستنقذه من دوار البحر وسقمه.

(1) الهوادي: الأعناق: شبه اللجج بأعناق الإبل في الصحراء، وهذا عكس لكلام كثير:"وسالت بأعناق المطي الأباطح".

(2)

البساط: الأرض المبسوطة.

ص: 255