الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعنصر الجمال في الكل والتفصيل، مرئيًا كان موضوعًا أو مسموعًا، يدور على الانسجام. فما الانسجام؟
حقيقة الانسجام:
الكل هو كالشكل، والتفصيل هو كالصبغة، والانسجام يقع في الكل وفي التفصيل وبين الاثنين معًا، وبذلك يتم الجمال. أما الانسجام في الشكل، وخير لنا هنا أن نستعمل المرئيات، لأن التعبير عنها أوضح- فيتجلى في أمرين: وحدة الشكل في مجموعه، واختلافه في تفصيلاته. خذ مثلا "مسجدًا"، وحدته تتجلي في كله معًا.
واختلاف تفصيلاته يتجلى في أن الطول منه غير العرض، والباب غير الشباك، والمئذنة غير السقف ومن الباب والشباك والمئذنة والطول والعرض، ومن كون هذه جميعًا منضوية تحت وحدة، يتكون شكل الجامع. فالذي يلائم بين هذه الأجزاء المتباينة، حتى إنك تراها متباينة، ثم في نفس الوقت تراها منضوية تحت وحدة واحدة، هو الانسجام.
والتفصيل فرع من الشكل، وهو لون الشكل وصبغته، مثل كون الجامع مبنيًا من آجر أحمر، أو من حجر، وكون شبابيكه من زجاج أبيض أو ملون، وكون أطرافه فيها زركشة، وغير ذلك من الدقائق، التي هي بدورها متباينة، ثم هي في نفس الوقت متحدة مع شكل الجامع، ومنضوية تحته انضواء كاملا. والذي مكنها من ذلك، عامل الانسجام.
وعلى هذا، فيمكن تعريف الانسجام بأنه: هو العنصر الذي يجمع بين الوحدة والتباين حتى يصير الشكل واحدًا، ثم لا يغفل حاسة الادراك بعد، عن التنبه في نفس الوقت إلى أجزائه المتباينة مع الشكل، كان الجمال وإذا طبقت هذا الحد على المسموعات صدق، وذلك بأن يكون للنغمات "كل واحد"، وتكون بعد
فيها تفاصيل متعددة متباينة، والسمع يدركها متباينة، ثم هو بعد ذلك يجمع بينها وبين كل النغمة، ويدرك جميع ذلك كأنه كل واحد.
هذا، ولعلك تتساءل: كيف أمكن لعامل الانسجام أن يوحد بين المتباينات من تفاصيل الشي، ويجعلها مع الشيء نفسه "كلا" واحدًا؟ وأجيب عن هذا بدءًا بالتنبيه على ألا يفهم من الانسجام وتسميتنا إياه عاملا، أنه شيء منفصل، يضاف إلى المتباينات فيجمعها، كما يضاف الوسيط إلى بعض المواد، فيحدث من جراء إضافته التفاعل الكيماوي. كلا. فالانسجام هو سر ينبعث من نفس طبيعة الوحدة والتباين. ونقيضه الاضطراب والتشويش. وعن التشويش والاضطراب يكون القبح.
ويكون الانسجام من توازن أجزاء الكل الواحد. وهذا التوازن ينشأ من أمرين: (1) تكرار وحدة الكل- وأعني بالوحدة هنا الجزي الأساسي. (2) وتنويع هذه الوحدة. ألا ترى إلى المرئيات الجميلة، إنما تكون كلها عبارة عن خطوط تتوازي وتتقاطع، ودوائر تتكرر في نظام خاص، وزخارف إنما هي مكونة من
خطوط ودوائر وما إلى ذلك، قد كررت ونوعت. فالوحدة إما الخط، وإما الدائرة، وإما شيء من نوعهما. والتكرار هو إعادتك للوحدة التي بدأت بها على نظام مخصوص والتنويع هو أن تستبدل الوحدة بعد فترة، بوحدة أخري مباينة لها شيئًا يسيرًا وتعيد هذا النسق فيما بعد. ويكون الحاصل وحدة زخرفية قوام الوحدة فيها هو التكرار. وقوام الانسجام فيها هو التنويع، وانطواؤه في سجل التكرار.
والحق أن التكرار من أعمق ظواهر الحياة. أليس الليل والنهار يتكرران؟
أليس النفس يتكرر؟ أليس خفق القلب ودورة الدم، كل ذلك يتكرر؟ والتنويع يمنع الرتابة، خذ مثلا على ذلك هذا الحرف: تن واجعله بمثابة الوحدة. لو كررت تن تن