الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عشية لا الفراق أفاء عزمي
…
إلي ولا اللقاء شفي غليلي
والشاهد في الفراق واللقاء، وبينهما طباق، وجناس توازني، وجناس سجعي أيضًا، لمكان القاف. ومن أمثلته أيضًا قول المتنبي:
تمتع من سهادٍ أو رقادٍ
…
ولا تأمل كرى تحت الرجام
هذا، وبعد أن نفرغ من ذكر أنواع الجناس، سنورد أمثلة من كلام الشعراء الفحول تظهر فيها حقيقة ما قدمنا ذكره بصورة واضحة، إن شاء الله.
أصناف الجناس السجعي
قد فطن القارئ من دون ريب إلى أن بعض ما ذكرناه من أنواع الجناس الازدواجي داخلة في باب الجناس السجعي، مثل الازدواجي المرصع، وما يقع فيه تكرار الحروف من أنواع الازدواجي المقسم، والازدواجي السجعي. فإذا استثنينا هذه، فأهم أصناف الجناس هي الآتية:
السجعي الحرفي، وهو تكرار حرفٍ واحدٍ أو حرفين، من دون تعمد إلى أن تتشابه الأصول. وهذا النوع صنفان: الصف الأول: ما أريد فيه إبراز معنى عن طريق التكرار، مثل قول أبي الطيب:
وأمواهٍ تصل بها حصاها
…
صليل الحلي في أيدي الغواني
فالصادات مع ألفات المد واللامات هنا، تنقل صوت صلصلة الماء إلى السامع.
ونحو من هذا قول عنترة:
جادت عليها كل بكرٍ حرةٍ
…
فتركن كل قرارةٍ كالدرهم
فالسامع لا يملك إلا أن يربط بين جرس الراءات وصورة المطر المنهل من
المزنة البكر الحرة. ومن شاهر هطول الأمطار في البلاد الحارة، كيف ينهمر انهمارًا ذا خرير ودوي، أدرك سر هذه الهدير الرائي الذي جاء به عنترة.
هذا، والصنف الثاني من الحرفي، ما أريد فيه زيادة جرس البيت من غير ما تعمدٍ إلى تقوية معنى خاص، له علاقة بصوت الحرف المكرر، وهذا الصنف كثير جدا في الشعر العربي، ومن أمثلته قول الحارث بن حلزة اليشكري:
فرباض القطا فأدوية الشر
…
بب فالشعبتان فالإبلاء
وقول زهير:
إذا لقحت حرب عوان مضرةٌ
…
ضروس تهر الناس أنيابها عصل
قضاعية أو أختها مضرية
…
يحرق في حافاتها الحطب الجزل
تجدهم على ما خيلت هم إزاءها
…
وإن أفسد المال الجماعات والأزل
وهذا من نادر الجناس الحرفي ورصينه، والبيت الأول قد تشتم منه علاقة معنوية قوية بين تكرار حرف الراء والمد والتشديد، وما يلابس الحرب من جلبة وضجيج والحرف الذي جعله الشاعر أساس التجنيس في البيت الأول هو الراء، ورفده بالضاد في "مضرة، وضروس" وبالسين في البيت الأول هو الراء، ورفده بالضاد في "مضرة، وضروس" وبالسين في "ضروس، والناس"، وبالتنوين في قوله "حرب، عوان، مضرة، ضروس"، والتشديد في قوله "مضرة، وتهر" ولا تنس التاء. وفي البيت الثاني خفف الشاعر من التكرار شيئًا، فاكتفي بالضاد في قوله "عصل" من قافية البيت الأول. والشطر الثاني عند فيه الشاعر إلى الحاء والفاء، فكررهما في قوله "يحرق في حافاتها"، وجعل "القاف" من "يحرق" صدى للقاف من "قضاعية". وكلمة "الجزل" وهي القافية، لا تشبه شيئًا من الكلمات التي تقدمت إلا من حيث الموازنة للحطب، وهي موازنة غير تامة. وقد رجع الشاعر صدى جرس الجيم منها في جيمات البيت الثالث:"تجدهم، والجماعات" وكرر
الزاي في موضعين عند قوله: "إزاءها"، "والأزل". ولا أحسبك قد خفي عنك التجانس القوي بين "الجزل، والأزل" كما تكون قد تنبهت إلى قوله: "خيلت" وكأنه صدى لقوله: "أختها"، ولتكرار الضمير "هم".
كل هذا قد ورد على الشاعر عفوًا سهوًا رهوًا، ولا أظن أن زهيرًا، مع ما عرف به من التنفيح، قد أعتمد أن يجيء بالتجنيس الحرفي في هذا النسق، اعتمادا على أني لا أستبعد أنه قد نظر في هذا الأبيات مرارًا، قبل أن يوردها في هذه الصيغة الأخيرة.
هذا، وقد سبق التنبيه على أن صنفي الجناس الحرفي مما أغفله النقاد القدماء، على كثرة ورودهما في الشعر. ونقاد الإفرنج قد تنبهوا لهما، وعقدوا الفضول. فالنوع الأول بسمونه (1). Onamatapoeic والثاني يجعلونه قسمين، فما كان الاعتماد فيه على حروف السلامة سموه alliteration، وما كان الاعتماد فيه على حروف المد سموه assonance. والقسم الأول المسمى onamatapoic داخل في صنفي جناس حروف السلامة، وجناس حروف المد والعلة، ولتوضيح مقصودنا من حروف السلامة وحروف المد والعلة، نضرب المثلين الآتيين: فمثال التكرار بحروف السلامة قول زهير: "مضرة ضروس تهر"، ومثال التكرار بحروف المد قول المتنبي.
أهل ما بي من الضنى بطا صيد بتصفيف طرةٍ وبجيد
فياء "لي، وصيد، وجيد، وتصفيف، الضنى" كلها حروف مد وعلة. ومما جمع صنفي التكرار بالسلامة والعلة قول البحتري:
ولو أنهم ركبوا الكواكب لم يكن
…
لمجدهم من أخذ بأسك مهرب
(1) الاصطلاحات المذكورة بعد إنجليزية.
فعماد التكرار هنا الكاف وألف المد. ومثله قول المعري يصف محبوبته التي رافقه طيفها في سفره البري والبحري:
صحبت كرانا والركاب سفائن
…
كعادك فينا والركائب أجمال
فعماد التكرار هنا الكاف والألف، وتعينهما الراء، والهمرة المكسورة.
هذا، ونقاد العرب معذورون شيئًا، لإهمالهم أصناف التكرار الحرفي، لأنهم كانوا كلفين بتتبع العويص. وقد بدا لهم هذا النوع من التكرار سهلًا هينًا ميسورًا، بالنسبة لأنواع الجناس الأخرى، من تام وشبيه بالتام، وخطي، وموهم، ومورى أما نقاد الإفرنج فلم يكونوا ليملكوا إلا التنبه له، لأن كثيرًا من الأشعار التي وصلتهم عن أسلافهم، لا تعرف من إقامة الوزن والقافية غير هذا النوع من الجناس. وهنا لا بد من وفقة للرد على الدكتور مندور، الذي اقتبس كلمة حسنة من مقالة للأستاذ دريني خشبة، ثم أتبعها بتجريح وتبكيت، في أسلوب صارخ بالاعتداد والتأكد، ناسيًا أن العلم باب واسع، وأنه فوق كل ذي علم عليم. قال الأستاذ مندور (1):"وهناك مسائل لا يكفي للحديث عنها أن نقرأها في كتاب إنجليزي أو فرنسي، ثم ننقلها إلى قرائنا حسبما نظن أننا قد فهمناها. هذا لا ينبغي. ونأخذ اليوم لتلك المسائل مثلًا من "أوزان الشعر" كما قد تحدث عنها الأستاذ دريني خشبة، فيما يحشد من أحاديث في الرسالة، يريد الأستاذ أن يميز بين العروض الإنجليزي وغيره من الأعاريض الأوروبية، وبين العروض العربي، فيقول: وبحسبنا هنا أن نذكر أن العروض الإنجليزي، بل كل أنواع العروض في اللغات الأوروبية، إنما أساسها التفعيلة the foot وليس أساسها الأبحر، كما في العروض العربي -وهذ قول لا معنى له إطلاقًا، لأن جميع أنواع الشعر الشرقي والغربي على السواء، تتكون من
(1) راجع في الميزان الجديد لدكتور محمد مندور، مصر 1944 (مطبعة لجنة التأليف الخ) ص 175 الخ ورحم الله الدكتور مندورا وغفر له ولنا آمين.
تفاعيل يجتمع بعضها إلى بعض، فتكون الأبحر، والشعر العربي كغيره من الأشعار". أهـ كلام الدكتور مندور.
وأقول بعد: لله در الدكتور مندور، إن كان قد أطلع على جميع أصناف الشعر شرقيها وغربيها، ووجدها تتكون من تفاعيل يضم بعضها إلى بعض، إلى آخر ما قاله. وما كان أغناه عن هذه المكابرة، وهذه الدعوى الطويلة العريضة:
والدعاوى ما لم يقيموا عليها
…
بيناتٍ أبناؤها أدعياء
ولقد ند عن الدكتور مندور ما أراده الأستاذ دريني خشبة، من كلمته الموجزة اللطيفة. فقد أراد أن الشعر العربي يدور حول بحور كاملة، ذات أشطار متساوية، هذه الأشطار مكونة من تفاعيل، بحسب ما هو متواضع عليه في علم العروض. أما الشعر الإنجليزي مثلًا، فعماده التفعيلة الواحدة، يجعلها الشاعر أساسها لوزنه، ويطيل الشطر ويقصره بحسب دواعي صناعته، وأغراض كلامه، وليس في الشعر العربي هذا النوع من التحرر، هذا هو المارد الواضح من كلام الأستاذ دريني خشبة. وهو مقبول سائغ، وإن كان لا يستقصي ولا يدقق، وقد اعتذر الأستاذ دريني عن ذلك، وأرانا أن كلامه هذا من باب الإيماء والإشارة، لا البحث والتدقيق.
وبقي بعد أن ننظر في كلام الدكتور مندور الذي قد ادعى البحث والتدقيق والتحقيق وزعم أن جميع أشعار الدنيا قوامها التفعيلات يضاف بعضها إلى بعض فيحدث البحر؛ وأن العربية ما هي إلا مثل من هذا الخلط "الدنيوي"(1) الشامل العام.
أول ما يقال في نقض هذا الكلام هو ما ذكرته آنفا، من أن التفعيلة في الشعر الإنجليزي مثلًا -وأحدد كلامي فأقول: في بعض الشعر الإنجليزي، وهو بعض
(1) أي الشامل للدنيا.
كثير- تكون هي نفسها العماد، من دون جمعٍ كمي تراعي فيه المساواة، على نحو ما في الأعاريض العربية.
وثانيا: إن معنى التفعيلة foot يباين كثيرًا ما نفهمه نحن من معنى التفعيلة في العربية. وقد ذكر الدكتور مندور في الفصل الذي عقده للأوزان أن من التفعيلات ما هو مقطعي وما هو إرتكازي (وفاته أن يذكر أن منها ما هو مقطعي وما هو إرتكازي) - فالمقطعي الكمي أقرب التفعيلات الأوربية إلى تفعيلات العربية التي تقوم على الأسباب والأوتاد والفواصل أما الارتكازي فلا يشبه تفيعلات العربية في قليلٍ ولا كثير. ولا أدري إن كانت اللغة الصينية تستعمل الارتكازي من الأوزان، ولكنها إن كانت تستعمله، فلا بد أن يكون صنفه مباينا كل المباينة لأصناف الأوزان الارتكازية في اللغات الأوربية، لما تمتاز به اللغة الصينية من ظاهرة الفوارق الجرسية للكلمة الواحدة. هذا ومن له أدنى إلمام باللغة الإنجليزية، يعرف أن الفرق بين الوزن المقطعي والارتكازي عظيم جدا، لأن الازتكاز يساير طريقة الأداء الكلامي، لا الكم المقطعي. وقد فطن النقاد الإفرنج لجمال المزج بين صنفي الوزن المقطعي والارتكاز، وهذا كثيرٌ في اللغة الإنجليزية ولا سيما في أشعار القرن الثامن عشر، وسموا المقابلة بين كم المقطع، وارتكاب الأداء اللساني في الكلمات، بالمقابلة اللفظية أو counterpoint- فإذ نرى الإفرنج أنفسهم قد فطنوا إلى الفرق بين وزنين عندهم، (1) المقطعي الشبيه نوعا، ومع تجوز شديد، بأسبابنا وأوتادنا، (2) والارتكازي، الذي ليس لنامنه كثيرٌ ولا قليل؛ ألا يجدر بنا إذن أن نفطن للفرق العظيم بين الأوزان البحتة في لغات الغرب، وأوزاننا الكمية المقطعية البحرية (نسبه إلى بحور الشعر؟ ).
هذا، وقد ذهب عن الدكتور مندور أيضًا أن سائر الأشعار الجرمانية (1)
(1) لا أعني أشعار الألمان الذين يسكنون ألمانيا، والذي عنيته بقولي "الجرمانية" أمثال الأنجلو سكسونيين فليس لي من معرفة الألمانية أدنى نصيب. وقد ذكرنا موجزًا عن أوزان الشعر الإنجليزي في الجزء الرابع وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
القديمة، [ونستشهد هنا بأشعار الإنجليز القديمة في الذي وصل إلينا من الشعر الأنجلو سكسوني وأشعار القرون الوسطى الملقدة للشعر الإنجليزي القديم، مثل قصيدة لانجلاند الطويلة المسماة piers ploughman](1) تعتمد على الجناس الحرفي بحسب ما حددناه، في إقامة الوزن، وذلك وحده كاف عندها في صناعة الشعر. ولا يمكن أن نتصور شيئًا أبعد عن التفعيلة (سواء، أكانت مقطعية من نوع ما سماه دريني خشبة foot، أم كانت مقطعية ارتكازية) من الشعر الجناسي القديم الذي كان ينظمه الانجلو سكسونيون ونظم فيه لا نجلاند؛ فكيف إذن يكون بعد هذا الشعر عن التفاعيل والأعاريض العربية؟ حتى في صورها المستحدثة الأخيرة، التي نراها في موشحات القدماء، ومسمطات المعاصرين؟ ثم لا تنس أن يعض الشعراء الإفرنج المتأخرين، مثل جرارد ما نلي هو بكنز قد رجعوا إلى طريقة النظم الجناسي، وتابعهم فيه كثير، فأي شيء أبعد عن طريقتنا من طريقتهم؟ وأحيل الدكتور مندورًا على كتاب A hope for poetry وهو كتاب حديث جدًا، لا شك أن مؤلفه Day Lewis أدخل في شروط المعاصرة (والمعاصرة شيء أوربي أمريكي قبل كل شيء)، وأدرب بلغات الغرب ولا سيما الإنجليزية، من الدكتور مندور، وهو يعد من أساطين النقد
(1) شعر لانجلاند في قصيدة piers ploughaman فيه لون مقطعي، إذ الشطر الأول يعتمد على مقطعين أو أكثر. ولكن أساسه الحقيقي هو الحرف المكرر راجع كلام سكيت في مقدمته للنسخة المدرسية من هذه القصيدة. (طبعة أكسفورد xxxvii) وتقول الموسوعة البريطانية الطبعة الثالثة عشرة الجزء الأول والثاني 697 عن الشعر الذي سبق عهد لانجلاند:
But there is an extensive range of teutonic poetry whose whose metrical laws are entieriy based on alli- teration. This، for example، is the principle on which iambic verse is founded، and we have got a nearer interest in it furnishes the key to anglo- saxon and alarge proportion of early en- glsh verse.
يوجد قدر عظيم من الشعر التيوتوني تعتمد قوانين وزنه على أساس من جناس حروف السلامة وهذا على سبيل المثال هو الأساس. الذي قام عليه الشعر الابامبي ويجن أكثر اهتمامايه الآن لأن فيه مفتاح الشعر الانجلوسكسوني وقدر عظيم من الشعر الإنجليزي (ترجمة تقريبية).