الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والعيب الأساسي في كلام على بن عيسى الرماني، ومن اتبعوا مذهبه، أنهم بنو الجناس على المناسبة بحسب الأصل. فاشترطوا التشابه في الأصل، من دون أن يكون الأصل واحدًا. هذا وقد أعماهم اشتراطهم، كما قد قدمنا، عن أن يفطنوا لأمثال:
أتسلى عن الحظوظ وآسي
…
لمحل من آل ساسان درس
مما تشابهت فيه الحروف دون الأصول. وقد كان مذهب النقاد الأوائل من القدماء، أسلم من مذهب الرماني والعسكري وابن رشيق، إذ كانوا يعدون كل ما وقع فيه التشابه جناسًا، أو عطفًا، على حد تعبيرهم. قال ابن رشيق: "ولم تكن القدماء تعرف هذا اللقب -التجنيس-؛ يدلل على ذلك ما حكي عن رؤية بن العجاج وأبيه، وذلك أنه قال له يومًا: أنا أشعر منك. قال: وكيف تكون أشعر مني، وأنا علمتك عطف الزجر؟ قال: عاصم يا عاصم لو اعتصم. قال: يا أبت
…
اهـ" (1). ولا يخفى على القارئ ما بين عاصم واعتصم من مناسبة الاشتقاق. وليت ابن رشيق وأصحابه أقلوا شيئًا من التقيد بأسلوب الجدال النظري، وبنوا آراءهم على ما يجدونه في كلام الشعراء، وإذن لكان ذلك قد أغناهم عن تعسف كثير.
أصناف الجناس الازدواجي
قد قدمنا في الجناس الازدواجي أنه عبارة عن توازن بين الكلمات، ومثلنا بنحو:"قلب، ورعد، وثابت، ونافس، ومواقيت، وأباريق" ونحو ذلك مما يقع فيه التشابه في أزمان الكلمات وأوزانها. وذكرنا أن الناظمين كثيرًا ما يمزجون بينه وبين السجعي، كما جاء في قول البحتري:"جوب في جنب أرعن جلس". ونريد هنا أن ننبه على أصناف منه كثيرة الورود في مناهج الشعراء:
(1) نفسه- راجع فضل الجناس 1: 289 - 300، والصناعتين 321 فيما بعد.
1 -
أولًا: الازدواجي المحض، ومثاله قول المعري:
الموقدي نار القرى الآصال وال
…
أسحار بالأهضام والأشعاف
وقوله:
وقدورهم مثل الهضاب رواكدًا
…
وجفانهم كر حيبة الأفياف
فالآصال والأسحار والأهضام والأشعاف، كلها من زنة واحدة، من ناحيتي الصرف والعروض، وهذا إن شئت سميته التوازن الكامل، لأن الأهضام والأشعاف كلاهما من وزن "الأفعال"، ولو جاء معهما "الأركوب، والأسلوب" لوازناهما في العروض فقط.
وقوله: "قدورهم، وجفانهم" متوازنان توازنًا عروضيًا لا صرفيًا، وإن شئت سميت هذا بالتوازن العروضي.
ومن أمثلة الأول أيضًا، قول المعري:
سأعرض إن ناجيت من غيركم فتى
…
وأجعل زوًا من بناتي في سمعي
فقوله: "سأعرض، وأجعل" بينهما توازن كامل، وكذلك قوله:"زوًا، وسمعي" ومنه أيضًا قوله:
فناديت عنسى من دياركم هلا
…
وقلت لسقبي عن حياضكم هدع
والشاهد في "عنسى، وسقبي، ودياركم، وحياضكم"، و"عنسى، وسقبي" تزيدان على التوازن الكامل بمكان السين.
ويدخل في النوع الثاني قوله:
يحاذرن من لدغ الأزمة لا اهتدي
…
مخبرها أن الأزمة أصلال
فبين قوله "يحاذرن"، وقوله "مخبرها": نوع من التوازن العروضي.
2 -
الازدواجي السجعي، وهذا كثيرٌ، وسترد علينا منه أمثلة عند الحديث عن الجناس السجعي، ومن خير ما يستشهد به منه قول المعري:
وما أورقت أوتاد دارك باللوى
…
وداره حتى أسقيت سبل الدمع
فقوله: "دارك، ودارة" فيهما توازن عروضي، وتكرار حرفي.
3 -
الازدواجي المقسم، وسنعرض لأمثلة منه عند الحديث عن التقسيم، فهو شديد الدخول فيه، ومن خير ما يستشهد به منه قول المعري:
أبقيت فينا كوكبين سناهما
…
في الصبح والظلماء ليس بخاف
متأنقين وفي المكارم أرتعا
…
متألقين بسؤددٍ وعفاف
وهذا من باب الازدواج السجعي:
قدرين في الإرداء بل مطرين في الـ
…
إجداء بل قمرين في الإسداف
فهذا مقسم سجعي كما ترى.
4 -
الازدواجي المرصع، وهذا يكون بأن يجيء الشاعر بألفاظ متوازنة مسجوعة. والمتنبي يكثر من هذا الضرب. وأكثر ما يقع الازدواجي المرصع إذا كان الكلام مقسمًا قال أبو الطيب:
ضاق الزمان ووجه الأرض عن ملك
…
ملء الزمان وملء السهل والجبل
فنحن في جذلٍ، والروم في وجلٍ
…
والبر في شغل، والبحر في خجل
ومنه للمعري:
تلاقٍ تفرى عن فراقٍ تذمه
…
مآقٍ وتكسير الصحائح في الجمع
5 -
الازدواجي المطابق، وهذا أكثر أنواع الجناس الازدواجي، دورانا في الشعر وسنتحدث عنه بمعرض الحديث عن الطباق، ومن أمثلته قول البنحتري: