الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
عنه قصد هذا الشاعر إلى إظهار جلبة القتال وهدير الألفاظ ذات الحروف المتشابهة، في غير النسق الجناسي التقليدي المألوف مثل:
تثير على سلمية مسبطرا
…
تناكر تحته لولا الشعار
ومثل قوله:
وكرت فمرت في دماء ملطية
…
ملطية أم للبنين ثكول
ودون سميساط المطامير والملا
…
وأودية مجهولة وهجول
وقد نظر أبو فراس في رومياته إلى بداوة المتنبي، وحاول مجاراتها. ولكنه كان حضري الذوق، فجاء بشيء أمشاج، يقعقع قعقعة المتنبي، ويطنطن طنطنة البحتري، ولا يبلغ مبلغهما.
أبو العلا المعري
قد زعمنا أن شذوذ المتنبي والشريف، مما يعين على برهنة القاعدة التي ذكرناها في الزخرفة ومن أدلة مزعمنا هذا مذهب أبي العلاء المعري، ذلك الشاعر الذي حاول أن يجمع بين النصوع والإغارة على المعني، على النحو القديم، ويضيف إلى ذلك عنصر الزخرف والبديع على النحو العباسي. وقد توفر لأبي العلاء من نفسيته الشاذة الغريبة ما أعانه على هذه المحاولة العنيفة. فقد كان من أقدر خلق الله على النظم، وأعرفهم بوجوه الكلام، وأدراهم بدقائق اللغة، وأشدهم تذوقا لمنهج الجاهلية. ثم إنه قد كان عامر الصدر بالمعاني التي تدعو إلى الإيضاح والوضوح والنصوع، إذ قد كان ثائرا على أوضاع المجتمع، متذمرا من حظه المبخوس في هذه الدنيا، ولم يكن يخلو من سخط وحسد لأولئك الذين كانت تكيل لهم الأقدار السعادة كيلا غير منقوص. ثم إنه كان طماحا وتواقا، عنيف الرغبات، جسديها وأدبيها (ومن له أدني شك في رغبات المعري الجسدية، فليقرا رسالة الغفران، وليتصيد زلات المعري في اللزوميات، نحو قوله:
سبحان من الهم الأجناس كلهم
…
أمرا يقود إلى خبل وتخبيل
لحظ العيون وأهواء النفوس وإهـ
…
واء الشفاه إلى لثم وتقبيل
والبيت الثاني ينضح بالشهوة).
وقد كان في ثورة المعري وشدة جنوحه إلى رغائب الدنيا، دافع قوي يؤهله -مع ما توفر ما عنده من الفصاحة وإجادة النظم- لأن ينطق بلفظ ومعانٍ في عنف ما نطق به المتنبي، إن لا أعنف.
غير أن أبا العلاء قد نشأ حضريا في بيت علم ونعمة وسراوة، ولم يكن كذلك أبو الطيب. الذي نشأ بدويا قحا، أدني إلى الجلافة منه إلى الرقة، وأشبه بعروة بن الورد، منه بالمسلم العباسي، الذي كان يتخير الملبس والمأكل، ويتأنق في شتي أساليب المظهر، ثم إن نشأة أبي العلاء قد كانت بأعقاب ازدهار الدولة الحمدانية في الشام، وكانت بلدة معرة النعمان، ناحية من نواحي حلب اللاحقة بها. ولاريب أن ذلك الازدهار الحمداني، قد ترك وراءه آثارا قوية من الحضارة والرقة في حلب وما حولها من المدن والضواحي. ولا يخدعنا ادعاء المعري لمذهب البداوة. فليس التكلف كالطبع وإنما كان التشبه بالبدوين "موضة" مستحسنة عند ظرفاء الحضر في ذلك الزمان، على ألا يجوز ذلك ناحية القول إلى ناحية الفعل. ومن عجب الأمر أنهم استحسنوا كثيرا من مظاهر البداوة في شعر المتنبي (1)، ظنا منهم أنها (أو مخادعة منهم لأنفسهم بأنها) تقليد للبدو، وتظرف بهذا التقليد نحو قوله:
من الجاذر في زي الأعاريب
…
حمر الحلى والمطايا والجلايب
أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها
…
مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا خرجن من الحمام ماثلة
…
أوراكهن صقيلات العراقيب
ولا باس من أن نستطرد هنا ونقول: إن هذه الأبيات ليست تقليدا للبداوة،
(1) راجع يتيمة الدهر (1: 177).
كما كان يسر العباسيين أن يظنوا، وإنما كانت كلام بدوي تعجبه بعض مظاهر الحضارة أو تشتاق لها نفسه، مع ادعاء للأنفة عنها- وما للمتنبي رحمه الله وللأوراك الصقلية العراقيب، الماثلة للناظرين، إن لم يكن يحس من نفسه بميل إليها؟
هذا، ومن تأمل فرق ما بين أبي العلاء والمتنبي في النشأة، من حيث إن الثاني بدوي، والأول حضري، نشأ في بيت دين متحضر، إدراك جيدا أن رغبة أبي العلاء في النصوع الجاهلي، والإغارة على المعاني كما كانوا يفعلون، وكما استطاع المتنبي أن يفعل ببدواته، لا بد أن تكون محدودة بحدود الرقة الحضرية، والذوق المدني المرهف المتأنق، والرغبة في الصناعة والتكلف. وهذا من أوائل ما نلم به من نواحي التناقض في شخصية ابي العلاء ونفسيته مما كان له أثر بليغ في "تكييف" أسلوبه.
ثم إن أبا العلاء، كان يرغب في السلطة والجاه، شأنه في ذلك شأن من تربب في السلطة والجاه، وحباه القدر فطنة وذكاء وحسا مرهفا، وزاده مع ذلك العلم وسعة الخيال، وقوة النقد، وإدراك أسرار الأمور، وسرعة الفهم لمواضع الخطأ في المجتمع الذي كان يعيش فيه، ولكن رغبة أبي العلاء في الجاه والسلطان هذه كان يمنعها من أن تجد سبيلها الطبعي ما رماه به سوء الجد من العمى، الذي جعل منه رجلا مستطيعا بغيره. وأنى لمستطيع بغيره أن ينال السلطة والجاه متفردا بهما، متقدما بذلك على غيره؟ ثم إن العمي من طبيعته أنه يدخل في نفس الإنسان الشك والتهمة لمن حوله. ولا يقدر من لا تخلو نفسه من هواجس الشك، وظلمات الريب، على أي حال، أن يطلق للسانه العنان بالتعبير الناصع الواضح، مهما توفرت لديه الملكة والرغبة، وهنا أيضًا تناقض، لا يسعنا إلا التنبه إليه- ومحله هذه الرغبة العنيفة في السلطان، وهذا الفقدان المجحف لأداته.
ثم ان أبا العلاء تضافرت عليه مع علة العمى علة أخري، وهي الدمامة. فقد كان مجدورا، ناتئة إحدى عينيه، قبيحا مرآه، ضئيلا هزيلا تقتحمه العين. هكذا نقل
البديعي، (وليس هذا لفظه) عن أشياخه (1). وهذا النقل يؤيده ما ذكروه عن أبي العلاء أن أحد الناس تخطاه في زحام الدخول إلى مجلس الشريف المرتضي، ولزه جانبا، ودعاه كلبا، فانفعل أبو العلاء وقال "الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما"(2) وقد حرمته هذه الدمامة من نعمة التمتع بالنساء. ولو قد كان رجلا معتدل المزاج، خاليا من الكبرياء، لكان قد ظفر بين إناث عصره بمحبوبة واحدة على أقل تقدير. ولكن كبرياءه وشعوره بالنقص والخسران من جراء عماه، ومزاجه العلمي، واعتداده بفكر وذكائه، كل ذلك وقف سدا منيعا بينه وبين المرأة. ثم أضف إلى كل هذا نشأته الدينية التي نشاها، وما هو من شأن هذه النشأة الدينية على اختلاف العصور والدهور والأديان، من غرس نوع من الإحجام، والشعور بالإجرام إزاء العلاقات الجنسية. وقد بلغني -ولم أر ذلك مسطورا- أن إحدى كاتبات هذا الجيل البوارع، زعمت أن أبا العلاء كان عنينا أو معترضا من ناحية النساء. والله أعلم بمستور الغيب. غير أني أرى من شواهد شعره ما ينفي ذلك، مثلا قوله:
معانيك شتي والعبارة واحد
…
فطرفك مغتال وزندك مغتال
وماله وزندها إن لم يكن رجلا ذا شهوة، يعرف كيف يعبر عنها بأقوى ما يملك من حواس، حاستي السمع واللمس؟ ولا يخدعك ما تحت هذا الكلام من شهوة محتدمة ظاهرة الوقير، وادعاؤه أنه إنما يطلب الجناس التام، لا الرفث الحرام.
ومثلا قوله:
عجبت وقد جزت الصراة رفلة
…
وما خضلت مما تسر بلت أذيال
فما له رحمه الله يلمس ثوبها، ليعرف ما ابتل وما لم يبتل؟
(1) أوج التحري ليوسف البديعي (دمشق 1944: 9).
(2)
آثار أبي العلاء (الدار): 76.
وقوله:
وهل يحزن الدمع الغريب قدومه
…
على قدم كادت من اللين تنهال
فانظر إلى هذه الشهوة التي تجمع بين الزند المغتال والقدم المنهال.
وقوله من أخرى، وأخفاه تحت ستار الصناعة اللغوية، (وهذا يؤيد ما زعمناه عنه، من أنه كان يجمع بين النقيضين: طلب الإفصاح، وطلب الإخفاء):
نكست قرطيك تعذيبا وما سحرا
…
أخلت قرطيك هاروتا وماروتا
فلست أول إنسان أضل به
…
إبليس من تخذ الإنسان لا هوتا
ألا ترى هنا اعمى متخابثًا يعبث بالأقراط، ويطلب الغزل، متظرفا بالتلميح إلى كتاب الله؟
وحسبي هذا القدر اليسير. وفي صور أبي العلاء الرائعة في الدرعيات ورسالة الغفران دع عنك غزلة في السقط، ما يكفي لإثبات شهوته للنساء، وللترجيح أنه قد عرف منهن غير قليل، والله بعد علام الغيوب.
هذا، وعندي أن دمامة أبي العلاء مقرونة بالعمى والكبرياء، والحذلقة التي لا يخلو منها عالم لغوي متفقه، بغضت النساء فيه شيئا. ودعته أن يرد على هذا البغض أو العزوف، بادعاء العفاف عنهن، والسخط عليهن. ولو كان ذا حظ من الحكمة، لكان قد اطرح التكبير شيئا، وتذلل لهن ذلك التذلل الذي يلزم مثله الرجل حتى ينال الحظوة من المرأة، جميلة كانت أو غير جميلة. ويترجح عندي أن قوة الشك عند المعري، ومصدرها عماه، كان لها أيضا أثر كبير في تعزيز نفوره عن النساء. ولا يبعد أن هذا الرجل بما وهب له من فطنة وذكاء واعتداد بنفسه، وشعور بجلال تربيته، كان لا يرضي لنفسه إلا بامرأة جميلة، كما يظفر به المبصرون. ولعله كان يظن أن مزية الأبصار وحدها كافية للحصول على المرأة الجميلة، وأن حرمانه إياها سيعرضه
للمصائب. ألا يجوز أن تزف إليه امرأة يزعم الناس له، لما يعرفونه من عجزه عن رؤيتها، أنها (1):
لها خدم وأقرطة ووشح
…
وأسورة ثقائل إن وزنه
وليست بالمعنة في جدالٍ
…
وإن جدلت كما جدل الأعنة
وأنها شقيقة الثريا، وترب القمر، وآية الحسن، وروح الجمال. ولعلها لا تكون إلا عوانا، ولعلها لا تكون إلا "أخت الغول والنصف الصفنة" أو شيئا من هذا المجرى مما يجعله موضعا للهزء والسخرية، لو ركن إليه ورضي به.
كل هذه العوامل ألجات المعري إلى الإعراض عن المرأة، مع حرصه على طلبها فهذا تناقض آخر من تناقض أبي العلاء، طرف منه يجذبه إلى الوضوح، وآخر يجذبه إلى الغموض. ولا يخفى أن تحريم أبي العلاء على نفسه كل ما يخرجه الحيوان، له صلة قوية بأعراضه عن المرأة. فاللحم واللبن كلاهما من مقويات الشهوة. وقد ذكر غادي في ترجمته التي ترجمها لنفسه أنه كان يجد عناء من اللبن في أولى أيام عزمه على التبتل.
والخمر أيضا مما اشتهاه أبو العلاء، وأعرض عنه. ولعله قد تعاطاها سرا كما ظن العقاد (2). ومهما يكن من شيء، فقد أدرك من صفتها ما يدركه هواتها ومتعاطوها ولا أدرى كيف تسنى له أن يصف القس الذي خدعته الشياطين فسكر، بقوله:
حتى يفيض الفم منه على
…
نمرقته بالشراب القليس (3)
وقوله:
قلنا له ازدد قدحا واحدا
…
ما أنت أن تزداده بالوكيس (4)
(1) انظر المرشد (1: 66)، والتنوير (2: 301 - 4).
(2)
رجعة أبي العلاء للأستاذ عباس محمود العقاد (مصر 1939): 46.
(3)
رسالة الغفران: (702 - 412 القليس): الذي تقيأه صاحبه.
(4)
أي لن تخس شيئا إذا أزددت قدحا واحدا.